” المسؤولية المدنية عن الأضرار البيئية في القانون المغربي”

738

 

” المسؤولية المدنية عن الأضرار البيئية

في القانون المغربي”

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نادية المشيشي – خديجة أنوار

مركز دراسات الدكتوراه

جامعة محمد الخامس الرباط

 

 

تعد المسؤولية المدنية عن الضرر البيئي في إطار القوانين الوضعية  من المواضيع التي لها الأولوية في العناية، وذلك لما تتميز به من خصوصية إضافة إلى حداثة الاهتمام الفقهي بها.

كما أن أحكامها تعتبر من الموضوعات الدقيقة والمعقدة، حيث أن معالمها لم تستقر وتتضح حتى الآن، وما زال يشوبها الكثير من الغموض وعدم التحديد، وهذا راجع إلى الصعوبات المطروحة على صعيد الفقه الذي يتضارب في التعريفات المعطاة لمفهوم “التلوث البيئي” [1]، وإن كان المشرع المغربي قد تجاوز هذه الصعوبة بإعطاء مفهوم واسع شيء ما لمفهوم التلوث البيئي الذي عرفه بأنه: ” كل تأثير أو تغيير مباشر أو غير مباشر للبيئة ناتج عن أي عمل أو نشاط بشري أو عامل طبيعي من شأنه أن يلحق ضررا بالصحة والنظافة العمومية وأمن وراحة الأفراد، أو يشكل خطرا على الوسط الطبيعي والممتلكات والقيم وعلى الاستعمالات المشروعة للبيئة”[2]، وكذلك إلى طبيعة الأضرار التي يصعب تحديد مصدرها ومن يقوم بها.

فإذا كانت المسؤولية المدنية في إطارها التقليدي تعتبر نظاما قانونيا بمقتضاه يتحمل الفرد مسؤولية الإخلال بواجباته، حسب ما جاء في الفصل 77 من قانون الالتزامات والعقود الذي ينص على أنه: “كل فعل ارتكبه الإنسان عن بينة واختيار ومن غير أن يسمح به القانون، فأحدث ضررا ماديا ومعنويا للغير، التزم مرتكبه بتعويض هذا الضرر، إذ ثبت أن ذلك الفعل هو السبب المباشر في حصول الضرر، وكل شرط مخالف لذلك يكون عديم الأثر”.

فإن نتيجة ذلك الإخلال المتمثلة في الضرر لا يمكن جبرها إلا بإعادة الحال إلى ما كان عليه قبل حدوث الضرر وهو التعويض العيني، أو دفع مبلغ مالي كتعويض وهو التعويض النقدي..

لذلك فإن هذه الدراسة تطرح مشكلة تتعلق بمدى إمكانية البحث عن قواعد خاصة للمسؤولية المدنية عن التلوث البيئي لتتواءم مع هذا الخطر، ولاشك أن هذا يمثل مشكلة قانونية وفنية مقارنة بالأخطار العادية.

فماهو اذن الأساس القانوني للمسؤولية المدنية الناجمة عن التلوث البيئي؟ وما هي شروط تحققها واثارها؟ وما مدى كفاية القواعد العامة في القانون المدني للتطبيق على المسؤولية المدنية الناشئة عن تلوث البيئة؟

هذا ما سنحاول مقاربته من خلال مبحثين نخصص (المبحث الأول) للحديث عن المسؤولية البيئية القائمة على الخطأ، فيما نخصص (المبحث الثاني) للمسؤولية البيئية المفترضة.

 

  • المبحث الأول: المسؤولية البيئية القائمة على الخطأ

لقد شكل الخطأ كمصطلح قانوني اهتمام الفقهاء ونظرا للإشكالية التي يطرحها فيما يتعلق بوضع تعريف محدد ومضبوط له، حيث لا توجد في مجال المسؤولية المدنية إشكالية أكثر صعوبة وإثارة من الخطأ.

فقد حاول الكثير من الفقهاء[3] تجاوز هذا الخلاف من خلال وضع تعريف له، إلا أن الإجماع لم يقم حول ذلك، لأن الصعوبة تكمن في استحالة تحديد الإلتزامات التي يكون خرقها بمثاب خطأ، فالأمر يتعلق بقواعد سلوك قد لا تحيط بحبل الظروف والوقائع المنتجة للضرر.

وأمام اختلاف الفقهاء من أجل وضع للخطأ تعريف محدد ومضبوط تجنبت أغلبية التشريعات ذلك، ومنها نجد التشريع الفرنسي في المادة 1382 و 1383 من القانون الفرنسي[4] والتشريع الجزائري في المادة 124 من القانون المدني منه.[5]

وبالرجوع إلى المشرع المغربي نجد أنه بالرغم من محاولته تعريف الخطأ في نص المادة 78 من قانون الالتزامات والعقود والتي جاء فيها: “كل شخص مسؤول عن الضرر المعنوي أو المادي الذي أحدثه لا بفعله فقط ولكن بخطئه أيضا، وذلك عندما يثبت أن هذا الخطأ هو السبب المباشر في ذلك الضرر، وكل شرط مخالف لذلك يكون عديم الأثر”.

والخطأ هو ترك ما كان يجب فعله أو فعل ما كان ينبغي الإمساك عنه وذلك من غير قصد لإحداث الضرر،[6] فإنه يكون قد أخذ بالطابع الموضوعي لذلك[7] فالخطأ عنده يتغير بحسب الظروف والوقائع التي ينتج عنها، فما قد يعتبر خطأ بالنسبة لشخص معين قد لا يعتبر كذلك بالنسبة لآخر، أو في مكان وزمان معين، ومن قبيل ذلك، ما جاء في الفصل 91 من قانون الالتزامات والعقود المتعلق بحق الجوار[8]، فحق الجيران من خلال هذا الفصل في طلب إزالة الأضرار الناشئة عن الالتزامات العادية للجوار مرتبط بمدى تجاوز ذلك الحد المألوف، لأن نفس الضرر يعتبر شيئا مألوفا في مكان معين، وقد لا يعد كذلك في مكان آخر وإن كان مجاورا.

وبالرغم من الصعوبة التي يطرحها مصطلح الخطأ، فإن اعتباره أساسا للمسؤولية المدنية  تؤيده قوة إقناع منطقية لا يستهان بها، حيث من الواجب أن يسأل الشخص عن الأضرار التي يتسبب فيها بخطئه ولو تطلب ذلك بذل جهد إنساني عقلي وفكري كبير، بالرغم مما يبدو في بعض الحالات أن الخطأ يكون كأساس غير ملائم، خاصة بالنسبة للدعاوى المرفوعة ضد أصحاب المحلات المضرة بالصحة والتي تكون بصدد ممارسة نشاط مشروع، ففي مثل هذه الحالة، الضرورة تقتضي تعويض المتضرر بمجرد حدوث الضرر دونما حاجة لإثبات الخطأ[9].

ولما كان الخطأ يقوم على ركنين: أحدهما مادي والمتمثل في الفعل الذي ينطوي على الإخلال بالتزام قانوني أو ما يسمى بالتعدي، والثاني معنوي متمثل في الإدراك أو التمييز أي أن الفاعل يدرك تماما بأن عمله ينطوي على الإضرار بالغير، فإنه يمكن القول بإمكانية تطبيقه في المجال البيئي، وهذا ما سوف نحدده من خلال التطرق إلى الخطأ الناتج عن استعمال الحق في المجال البيئي (المطلب الأول)، ثم الخطأ الصادر عن الأشخاص المعنوية في هذا المجال كذلك (المطلب الثاني).

  • المطلب الأول: الخطأ الناتج عن استعمال الحق

قد يحدث أن يكون الشخص مستعملا لحقه فينتج عن ذلك الحق ضررا بالبيئة، فالحقوق ليست مطلقة وإنما تخضع لتقييدات أثناء ممارستها، لذلك تردد الفقهاء حول مدى إمكانية اعتبار استعمال الحق موجبا للمسؤولية كأن يكون استعماله ليس وفقا للغاية المحددة له.

إن هذه الإشكالية تدفعنا إلى التطرق لنظريتين في هذا المجال، والأمر يتعلق بنظرية التعسف في استعمال الحق (أولا) ونظرية مضار الجوار (ثانيا).

 

 

 

 

أولا: نظرية التعسف في استعمال الحق

لم يعالج المشرع المغربي نظرية التعسف في استعمال الحق باستقلال عن الخطأ، حيث سار في هذا الصدد على مناهج الفقهاء[10]، وهذا راجع للإرتباط الموجود بين كل من الخطأ والتعسف في استعمال الحق والذي لا يعتبر إلا مظهرا من مظاهر الخطأ.

والتعسف لغة، الغلو وأخذ الشيء على غير طريقته، واصطلاحا:

استعمال الحق على نحو يتنافى مع الهدف الاجتماعي الذي أنشئ من أجله هذا الحق [11].

وما يمكن قوله هو أن الحق إذا كان استعماله من أجل جلب منفعة شخصية لصاحبه أمر لا جدال فيه ولو أدى إلى المساس بالغير، فإن هذا الحق رهين بأن لا يكون القصد منه سوى الإضرار بذاته، لأن ذلك من شأنه أن يجرده من المشروعية وهذا أمر مخالف للهدف من وراء استعمال الحق.

وتنطلق نظرية التعسف في استعمال الحق من الفصل 94 من قانون الالتزامات والعقود، والذي جاء فيه: “لا محل للمسؤولية المدنية إذا فعل شخص بغير قصد الإضرار ما كان له الحق في فعله، غير أنه إذا كان من شأن مباشرة هذا الحق أن تؤدي إلى إلحاق ضرر فادح بالغير وكان من الممكن تجنب هذا الضرر أو إزالته، من غير أذى جسيم لصاحب الحق، فإن المسؤولية المدنية تقوم إذا لم يجر الشخص ما كان يلزم لمنعه أو لإيقافه” [12].

ومما تجدر الإشارة إليه هو أن المشرع المغربي أكتفى بسرد بعض الحالات التي يتحقق فيها التعسف من خلال الفصلين 91 و 92 من قانون الالتزامات والعقود[13]، فموقفه لم يكن محددا وواضحا بصدد نظرية التعسف، حيث ربط مفهوم التعسف بالمضار الناشئة عن مضايقات الجوار متى كانت هذه الأخيرة مضرة بالصحة أو مقلقة لراحة الجيران أو لنفسيتهم، الشيء الذي جعل هذه النظرية بالرغم من أهميتها تبدو باهتة الملامح وغامضة، وهذا خلافا لما عليه أغلبية التشريعات الحديثة التي أعطت لنظرية التعسف في استعمال الحق أهمية كالتشريع المدني المصري في المادة الرابعة والخامسة منه، بحيث جعل من المادة الرابعة قاعدة عامة للنظرية، والمادة الخامسة عرض من خلالها لمعايير التعسف[14].

مما سبق يتضح أن الحقوق يجب أن لا تستعمل إلا لجلب النفع أو دفع الضرر، أما إذا استخدمت لتكون سببا للضرر وإلحاق الأذى بالغير، أصبحت شرا استلزم محاربته، فمن يمارس حقا ويتعمد الإضرار من خلاله بالغير يكون مسؤولا عن هذا الضرر، وهو ما أكده المشرع المغربي في الفصل 94 من قانون الالتزامات والعقود، بحيث إذا كان قد نص على أنه: ” لا محل للمسؤولية المدنية إذا فعل شخص بغير قصد الإضرار ما كان له الحق في فعله”، يكون عن طريق الاستنتاج بالمفهوم المخالف قد أقر بصورة واضحة المسؤولية عن من يستعمل حقه بقصد الإضرار.

ثانيا: نظرية مضار الجوار

إن التعبيرات الواردة في كل من الفصلين 91 و 92 من قانون الالتزامات والعقود تكشف لنا مدى التباعد القائم بين الجوار والبيئة، تباعد عبر عنه الأستاذ محمد علي مكوار “بالتباعد بين المتناهي واللامتناهي”[15].

فالجوار محصور في مجال جغرافي ضيق في حين أن البيئة تمتد إلى ما وراء الحدود، الشيء الذي يكرس هزالة نظرية الجوار، وهذا ما يتأكد عندما تطرح مسألة تحديد مصادر التلوث التي تعطي الحق في إصلاح الضرر.

فبالرجوع إلى الفصل 91 من قانون الالتزامات والعقود “للجيران الحق في إقامة دعوى على أصحاب المحلات المضرة بالصحة أو المقلقة للراحة بطلب، إما بإزالة هذه المحلات، وإما إجراء ما يلزم فيها من التغيير لرفع الأضرار التي يتظلمون منها، ولا يحول الترخيص الصادر من السلطات المختصة دون مباشرة هذه الدعوى”، نصادف مسألتين مهمتين: تتعلق الأولى بطبيعة المؤسسات المضرة بالصحة أو المقلقة للراحة، والثانية تخص المسؤول عن الضرر.

ففيما يخص المسألة الأولى، لا يتعلق الأمر بأي مؤسسة كانت، بل يجب أن تكون هذه المؤسسة حسب قانون الالتزامات والعقود مضرة بالصحة ومقلقة للراحة. لكن ما هو المعيار الذي يجب الارتكاز عليه لتحديد ما إذا كانت المؤسسة مضرة ومقلقة أم لا ؟ إنه سؤال يصعب الإجابة عليه، بسبب الفراغ القانوني في هذا المجال، إضافة إلى قلة وندرة الأحكام القضائية.

أما بالنسبة للمسؤول عن الضرر، فيتبين من خلال الفصل 91 من قانون الالتزامات والعقود أن المسؤول هو المالك باعتباره يجمع بين الملكية والاستغلال لكن عندما يتعلق الأمر بشخصين مالك ومستغل، فمن المسؤول في هذه الحالة ؟ يتضح لنا مرة أخرى مدى قصور الفصل 91 من قانون الالتزامات والعقود.

فإذا كانت الأضرار البيئية[16] تشمل الإضرار بالجوار، فإنها تبتعد عنه كذلك كما وكيفا، فالضرر البيئي يعني كل ما يمس البيئة من أضرار يتسبب فيها الإنسان اتجاه الوسط الطبيعي والبيولوجي، وهو مفهوم جد واسع بالمقارنة مع مفهوم ضرر الجوار كما هو مستفاد من خلال الفصل 92 قانون الالتزامات والعقود ذلك أن مضار الجوار تكون غالبا أقل أهمية ليس فقط بالنسبة للبيئة بل حتى للجار.

غير أن المشرع لا يهتم إلا بالأضرار التي يعتبرها غير عادية، إضافة إلى عدم إمكانية المطالبة بإزالة الأضرار التي لا يمكن تجنبها، والتي لا تتجاوز الحد المألوف[17].

لكن المشكل يطرح دائما بالنسبة لتحديد الضرر غير الممكن تجنبه، فالمشرع يلتزم الصمت في هذا الإطار، فعندما نقول بأن هذا الضرر لا يمكن تجنبه، ألا يحق أن نأخذ بعين الاعتبار الجانب الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.

نفس الشيء بالنسبة للحد المألوف، فالضرر يجب أن يتجاوز الحد المألوف أو القاعدة العادية، لكن كيف يمكن معرفة أن هناك تجاوز للحد المألوف ؟

إن الإشكال الذي يطرحه النص هو كونه نص عام، بحيث لم يبين معيارا دقيقا يمكن الاستناد عليه للتمييز بين ما هو مألوف في الضرر، وما هو غير مألوف، وذلك لإمكان القول بعدم قابلية الأول للتعويض وقابلية الثاني للتعويض.

وأمام قصور التشريع، وعدم وجود معيار دقيق لتحديد الضرر غير المألوف الذي يسمح للمتضرر بالمطالبة بتعويضه، يبقى للقاضي سلطة تقرير واسعة في تقديره ما إذا كان الضرر يعد كذلك أم لا. لكن هل القاضي المغربي مؤهل لمواجهة مثــل هذه المشاكل؟ وحتى ولو طرحت مسألة الخبرة فإن المشكل يظل مطروحا نظرا لما يعانيه المغرب من نقص في هذا المجال.

وفي هذا الصدد، وبعد صدور القوانين البيئية الجديدة المتعلقة بحماية واستصلاح البيئة ومكافحة تلوث الهواء ودراسات التأثير على البيئة وتدبير النفايات والتخلص منها، نتساءل عن الإتجاه الحديث للمشرع فيما يخص مضار الجوار؟

من خلال قراءة لنصوص القوانين الجديدة، يتضح أن المشرع المغربي قد أولى فيها اهتماما جد واسع لمضار الجوار، حيث منع كل ما من شأنه أن يكون له عواقب مضرة بالبيئة وبأمن السكان وراحتهم وصحتهم أو يهدد بشكل ما الأماكن المجاورة. وقد جاء هذا المنع صريحا في نص المادة 47 من القانون المتعلق بحماية واستصلاح البيئة[18] والتي نصت على أنه: “يجب الحد أو القضاء على الضجيج والاهتزازات الصوتية مهما كان نوعها ومصدرها إذا كان من شأنها أن تسبب إزعاجا للجوار أو تضر بصحة الإنسان أو بالبيئة بصفة عامة خاصة عند مباشرة الأنشطة الإنتاجية والخدماتية وتشغيل الآلات والمعدات واستخدام آلات التنبيه ومكبرات الصوت، وذلك بمقتضى نصوص تشريعية وتنظيمية مطبقة لهذا القانون”. فمع مقارنة هذه المادة بنص الفصل 92 قانون الالتزامات والعقود، يلاحظ أن المشرع في إطار المادة 47 أعلاه لم يقرن تضرر الجيران بالضرر غير المألوف، وإنما خول لهم الحق في التضرر من كل الإزعاجات مهما كان نوعها ومصدرها.

هذا بالنسبة لنوع الضرر، أما فيما يتعلق بالحق في المطالبة بإزالته، فإن المشرع أقر إجراءا جديدا يعفي المتضررين من اللجوء إلى المحاكم وما تطرحه من صعوبات ومساطر طويلة، بحيث منحهم حق التظلم بعد معاينة الضرر خلال أجل تسعين يوما شريطة إرفاق طلبهم بهذا الصدد بخبرة طبية أو تقنية، وتتخذ الإجراءات الضرورية بعد دراسة الطلب في ظرف ستين يوما[19].

إن المشرع، في إطار القوانين الجديدة، كان صارما بصدد مضار الجوار وأضفى حماية واسعة بهذا الصدد تجلت خاصة في المادة 13 من القانون المتعلق بمكافحة تلوث الهواء[20] والتي نصت على أنه: “إذا نجم تلوث الهواء عن ممارسة نشاط أو استغلال معين يحدث مخاطر للإنسان ويضر بالجوار والأمن والبيئة وكانت المخاطر والمضار غير معروفة أو متوقعة حين منح الترخيص أو إيداع التصريح بممارسة النشاط أو الاستغلال، تصدر الإدارة إلى الشخص المسؤول عن مصدر التلوث التعليمات اللازمة لاتخاذ التدابير التكميلية أو إدخال التغييرات الضرورية للحد من الإنبعاثات الملوثة وتفادي المخاطر والمضار المذكورة، وتلزمه بوضع التجهيزات الضرورية والتقنيات المتوفرة لقياس درجة تركيز المواد الملوثة وكميتها وكل المعدات الكافية لعدم تجاوز المعايير المسموح بها.

غير أنه إذا تبين للإدارة استمرار المخاطر والمضار بالرغم من قيام الشخص المسؤول بالتدابير التكميلية وبوضع التجهيزات والتغييرات المطلوبة يحق لها أن تأمر بوقف النشاط أو الاستغلال مصدر التلوث[21].

وإذا أمكننا تطبيق الخطأ في المجال البيئي وما يشتمل عليه من تطبيقات تتجلى في نظرية التعسف في استعمال الحق ومضار الجوار، هل القول بذلك يصدق حتى في إطار الخطأ الصادر من الأشخاص المعنوية في المجال البيئي ؟

  • المطلب الثاني: الخطأ الصادر من الأشخاص المعنوية في المجال البيئي

تقول القاعدة لدى أنصار النظرية التقليدية للمذهب الشخصي: أنه يمكن مساءلة الشخص المعنوي، لكونه مجرد شخص وهمي[22]، غير أنه أمام التطور الذي عرفته المؤسسات القانونية في ظل المذهب المادي للإلتزام، تم التسليم بأنه الشخص المعنوي والذي يشمل كل من الدولة والبلديات والجماعات وكذا الشركات والجمعيات والنقابات يسأل مدنيا عن الأضرار التي يتسبب فيها للأشخاص الذين يشتغلون لحسابه تبعا لقاعدة تحمل التبعة، حيث على المتبوع أن يتحمل عواقب أخطاء تابعيه الذين يعملون لحسابه، وذلك تطبيقا لفكر الغرم بالغنم. وقد صدرت بعض الأحكام في هذا الصدد .

غير أنه قبل التطرق لموضوع مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعية والذي خصصت له (المبحث الثاني) إرتأيت التطرق أولا لمسؤولية الأشخاص المعنوية البيئية والقائمة على الخطأ الواجب الإثبات، وأخذت كنموذج لذلك مسؤولية الدولة، فكيف تتحقق هذه المسؤولية وما هي شروطها ؟

 

 

 

 

 

أولا: مسؤولية الدولة وكيفية القول بها في المجال البيئي[23].

إختلف فقهاء القانون الدولي حول وضع تعريف موحد للمسؤولية الدولية[24] ، وهذا الاختلاف راجع إلى عدم اتفاقهم على أساس موحد لهذه المسؤولية في القانون الدولي، فكان نتيجة ذلك أن تضاربت التعريفات بين أعمال المعاهد العلمية واللجان الدولية المتخصصة[25] وأحكام القضاء الدولي[26] والفقه الدولي للأجنبي[27] ثم الفقه الدولي العربي [28].

ففي بداي الأمر قارن الفقيه “جروسيوس” المسؤولية الدولية بالخطأ[29]، حيث رأى أن الدولة لا تسأل إلا إذا نسب خطأ لأصحاب السلطة العليا بها، ومع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حيث بدأت الدول في الظهور كشخص معنوي مستقل، ظهر أساس أو شكل جديد للمسؤولية الدولية ابتعدت عن الخطأ كمعيار لها والذي يصعب تحديده لأنه يرتبط باعتبارات شخصية ونفسية لا تتوافر في الدولة كشخص معنوي، وتمثل هذا الأساس الجديد في الفعل غير المشروع نتيجة إخلال الدولة بالتزاماتها التي يفرضها عليها القانون الدولي[30] ، إلا أنه ومع التطورات الصناعية والعلمية والتوسع في نطاق الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، دعت الضرورة إلى البحث عن نظام آخر لإقامة المسؤولية الدولية، وقد وجد الفقه ضالته في نظرية المخاطر كأساس للمسؤولية عن الأضرار الناتجة عن الأنشطة الخطرة [31]، بحيث تلقى المسؤولية على الدولة بمجرد ثبوت النشاط الضار دون ارتكابها لخطأ أو لفعل غير مشروع [32].

وفي هذا الصدد، ينبغي تحديد مسؤولية الدولة القائمة عن الخطأ في المجال البيئي، وكذا التطرق إلى المسؤولية عن العمل غير المشروع[33].

أ- مسؤولية الدولة القائمة على الخطأ في المجال البيئي:

إن المسؤولية الدولية حتى في المجال البيئي تفترض وجود خطأ في جانب الدولة المشكو منها، شرط أن يثبت تعمد الدولة إحداث الضرر أو إهمالها أو تقصيرها في القيام بما كان يجب عليها القيام به لمنع حدوث الضرر[34].

وقد تبلورت نظرية المسؤولية القائمة على الخطأ بالنسبة للدولة على يد الفقيه “هوجوجروسيوس” H.Grotios، والذي أكد أن الدولة لا تسأل إلا إذا وقع خطأ من جانبها يتمثل في قيامها بأنشطة قصد إلحاق الضرر بدولة أخرى أو برعايتها، لأنه من بين الالتزامات التي تقع على عاتق الدولة هي ضرورة التعاون مع المنظمات الدولية المعنية من أجل حماية الكائن البشري خصوصا من التلوث، وذلك عن طريق إبرام اتفاقيات أو سن قوانين وطنية والتي تحدد المعايير اللازمة لمنع التلوث.

كما يعتبر من قبيل الخطأ والذي تسأل عنه الدولة، قيام السلطة التشريعية بوضع وسن قوانين تسمح بممارسة الأنشطة الضارة بالبيئة، أو تقاعس هذه السلطة عن اعتماد قوانين تمنع الإضرار بالبيئة أو التهاون عن إعادة دراسة وتطوير القواعد والإجراءات الخاصة بحماية البيئة من وقت لأخرى[35].

وبالرغم من الانتقاد الموجه لهذه النظرية[36]، والذي أكد صعوبة إثبات الخطأ في مجال الضرر البيئي، إما للتغيير الجذري الذي قد يشوب الجسم المسبب للضرر أو لتأخر ظهور الضرر لمدة طويلة كالتلوث النووي والتلوث بإغراق النفايات السامة أو المشعة، أو لتعذر تحديد مصدر التلوث على وجه الدقة ونسبة الخطأ إلى مرتكبه، تمسك جانب من الفقه الدولي على تقرير إقامة مسؤولية الدولة عن الضرر البيئي العابر للحدود على أساس الخطأ، ومنه الفقيه ” جونتر هاندل” الذي استند على المبدأ الحادي والعشرين من إعلان ستوكهولم للبيئة الإنسانية سنة 1972 والذي جاء فيه:

(للدول وفقا لميثاق الأمم المتحدة، ومبادئ القانون الدولي حق السيادة في استغلال مواردها طبقا لسياستها البيئية الخاصة، وهي تتحمل مسؤولية ضمان أن الأنشطة المضطلع بها داخل حدود ولايتها أو تحت رقابتها لا تضر ببيئة دولة أخرى أو ببيئة مناطق تقع خارج حدود الولاية الوطنية)[37].

ويعترف لنظرية الخطأ بمجال آخر للتطبيق في إطار مسؤولية الدولة عن الضرر البيئي العابر للحدود، ويتعلق الأمر بالضرر الذي تحدثه أنشطة الكيانات الخاصة في نطاق ولايتها أو تحت رقابتها، حيث يمكن نسبة التقصير إلى جانب الدولة، إما لعدم قيامها ببذل العناية الواجبة واللازمة لمنع وقوع الضرر البيئي العابر للحدود، أو لأنها لم تقم بمساءلة هؤلاء الأفراد عن هذه الأضرار، أو لامتناعها عن محاكمتهم أو عقابهم.

ورغم الصعوبة التي تعترض نظرية الخطأ، فإنه يكون من الصعب إقصاء هذه النظرية التي تكون الأساس الوحيد في بعض الحالات، كارتكاب الأشخاص أو الدول لأعمال، أو امتناعها عن القيام بأعمال هي في ذاتها أخطاء وفقا لقواعد القانون، ولا يكون الغرض من تلك الأعمال سوى الإضرار بالغير، كقيام شخص داخلي أو دولي بتفريغ المواد الضارة في البيئة كالبترول والنفايات الإشعاعية أو المركبات الكيميائية، ولا يكون الهدف سوى تلويث المياه أو الهواء مخالفا بذلك قواعد القانون التي تمنع ذلك.

ب- نظرية العمل غير المشروع المنسوب للدولة وتطبيقها في المجال البيئي:

بعد أن وجه الفقيه ” انزيلوتي” ANZELOTTI انتقاداته إلى نظرية الخطأ، قام بصياغة نظرية جديدة، والتي تبتعد عن الطابع الشخصي المؤسس على الخطأ، قائلا: ” إن مسؤولية الدولة تنشأ من مجرد تسببها موضوعيا في انتهاك التزام قانوني دولي”[38] ، فإذا كان من بين الالتزامات التي تقع على عاتق الدولة، الالتزام بحماية البيئة، فإن مصدر هذا الالتزام قد يتحدد إما استنادا لقواعد القانون الدولي الاتفاقي كالاتفاقيات الدولية أو لقواعد القانون الدولي العرفي كمبدأ حسن الجوار أو للمبادئ القانونية العامة كمنع التعسف في استعمال الحق، ويكون بالتالي كل عمل أو امتناع تقوم به الدولة مخالفا لما سبق يستوجب المسؤولية ويكون جوهر هذه المسؤولية هو قيام الدولة بالعمل غير المشروع، والمقصود به حسب الفقه الدولي، هو ذلك العمل الذي يعد انتهاكا لأحكام القانون الدولي إذ هو: “الفعل الذي يتضمن مخالفة لقواعد القانون الدولي العام، الاتفاقية أو العرفية أو لمبادئ القانون العامة”[39].

ويبقــى السؤال المطــــروح، هو كيف يمكن إعمال هذه النظرية في المجال البيئي ؟

ثمة مصادر مختلفة التي توضح تطبيق نظرية العمل غير المشروع الصادر من الدولة في المجال البيئي، وهذه المصادر كما أشرنا إليها سابقا تستند إما إلى قواعد القانون الدولي الاتفاقي أو العرفي أو للمبادئ القانونية العامة.

فبالنسبة للقانون الدولي الاتفاقي، فإنه صدرت عدة اتفاقيات في هذا المجال تلزم الدول بالامتناع عن كل الممارسات التي من شأنها تلويث البيئة، من هذه الاتفاقيات نجد اتفاقية جنيف بشأن أعالي البحار لسنة 1958 والتي قضت في المادة 25 منها بأنه: ” على كل دولة اتخاذ الإجراءات لمنع تلوث البحار الناتج عن إغراق المخلفات المشعة، واضعة في الاعتبار جميع المستويات واللوائح التي قد تكون موضوعة من قبل المنظمات الدولية المختصة”[40].

إلا أنه ونظرا للتطورات الجذرية والمهمة التي حدثت منذ توقيع هذه الاتفاقية، كان لا بد من إبرام اتفاقية جديدة والتي من شأنها أن تضع قواعد تتصدى لكل إخلال بالالتزام بحماية البيئة البحرية، فجاءت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لسنة 1982 والتي كانت لها الغلبة على الاتفاقية السابقة باعتبارها مثالا لمصدر القواعد القانونية في هذا المجال [41]. بالإضافة إلى أن هناك العديد من الاتفاقيات لا يمكنني ذكرها وذلك حفاظا على توازن الموضوع.

وبعد التطرق لقواعد القانون الدولي الاتفاقي ومدى التزام الدولة بمقتضاها من أجل حماية البيئة والتي يكون خرقها لتلك الالتزامات عملا غير مشروع يستوجب المسؤولية، ننتقل للحديث عن قواعد القانون الدولي العرفي ومسؤولية الدول بصددها في المجال البيئي.

فمن المبادئ الحديثة التطبيق في إطار العلاقات الدولية والمستقرة في القانون العرفي، مبدأ حسن الجوار[42]، حيث أنه طبقا للنظرية العامة للقانون الدولي، يوجد التزام على عاتق كل دولة بألا تحدث أو تسبب ضررا لدولة أخرى[43] وإلا اعتبر عملها هذا انتهاكا كالالتزام محدد، وتتحمل الدولة نتيجة ذلك تبعة مسؤوليتها لإتيانها عملا غير مشروع.

إن معطيات فكرة حسن الجوار متوفرة في إطار القانون الدولي، خاصة في المجال البيئي، لأن الأمر لا ينحصر ولا يقتصر على مجرد التجاور والتلاصق المادي أو الجغرافي للحدود الطبيعية والسياسية بين الدول بل إن الأمر يتعدى ذلك ولو تباعدت أو انعدمت الحدود السياسية المشتركة بينها[44].

ورغم الانتقادات التي وجهت إلى فكرة أو نظرية حسن الجوار كأساس للمسؤولية عن الأضرار بين الدولة والتي دعت إلى البحث عن أساس آخر للمسؤولية الدولية[45]، فإنه يبقى حلا أنجع لمواجهة بعض الخروقات الدولية، فحالة الجوار تظل قائمة ولو تباعدت الحدود السياسية والجغرافية، وبالتالي على الدول أن تلتزم أثناء ممارستها للأنشطة فوق ترابها بما يفرضه القانون الدولي من حذر وواجب حق الجوار.

وبالإضافة إلى حسن الجوار والذي يجب أن تلتزم به الدولة رغم التباعد الجغرافي أو السياسي أو الطبيعي، فإن العمل غير المشروع الصادر من الدولة تنطبق عليه فكرة التعسف في استعمال الحق والتي تعد من تطبيقات المبادئ القانونية العامة. بحيث يرجع الفضل في بلورة هذه المبادئ إلى “نيكولابوليتس” N.Pollitis، الذي كتب في سنة 1925: “إن الحريات المعترف بها للدول، لا يمكن استعمالها على نحو مشروع، مثلما هو الحال بالنسبة لحريات الأفراد، إلا وفقا للوسط الذي قررت له، ولكي تكون مشروعة يجب أن تكون متفقة مع مقصودها الاجتماعي. وتبعا لذلك لا يوجد أي سبب مبدئي يحول دون امتداد نظرية التعسف إلى الروابط الدولية بل على العكس، فقد أقرت وأصبحت ضرورية فيها الأسباب ذاتها التي فرضت نجاحها في القانون الداخلي”.

فالحقوق والحريات المعطاة للدول يجب أن تمارس في نطاق محدد وفقا للشروط التي تحددها أحكام القانون الدولي لتحقيق هدف اقتصادي واجتماعي معين، دون الخروج على ذلك، وإلا عد الأمر تعسفا يستوجب المسؤولية.

فبعد أن تطرقت لمسؤولية الدولة وكيفية إمكانية تطبيقها في المجال البيئي (أولا)، سأنتقل للحديث عن شروط هذه المسؤولية (ثانيا).

أولا: شروط المسؤولية الدولية البيئية

قرر مجمع القانون الدولي المنعقد بمدينة لوزان بسويسرا سنة 1927، فيما يتعلق بالمسؤولية الدولية: (أن الدولة مسؤولة عن الأضرار التي تلحق بالأجانب من جراء الأعمال التي تقوم بها أو تتغافل عن القيام بها إحدى السلطات الدستورية، أو التشريعية أو الإدارية أو القضائية، خلافا لالتزاماتها الدولية).

هذا بالإضافة إلى ما قرره المشروع الذي أعدته لجنة القانون الدولي بتاريخ 1985، الذي نص على أن: (تلتزم الدولة بإصلاح الضرر الذي يصيب الأجانب نتيجة أفعال إيجابية أو سلبية منافية للالتزامات الدولية التي اتخذتها سلطاتها أو موظفوها ولا يجوز للدولة التذرع بنصوص قوانينها للتخلص من المسؤولية الدولية الناتجة على الاخلال بالتزام دولي أو عدم تنفيذه)[46] .

من خلال ما سبق ذكره، يتضح أن هناك ثلاثة شروط لانعقاد المسؤولية الدولية، تتمثل في:

– ارتكاب عمل مخالف لقواعد القانون الدولي وللالتزامات التي يفرضها.

– انتساب ذلك العمل إلى الدولة.

– أن يكون هناك ضرر جدي قد لحق بالدولة المدعية أو رعاياها نتيجة للعمل المخالف للالتزامات الدولية.

أ- ارتكاب عمل مخالف لقواعد القانون الدولي والالتزامات التي يفرضها:

سواء كان مصدر الالتزام الدولي بحماية البيئة قواعد القانون الدولي الاتفاقي، أو قواعد القانون الدولي العرفي، أو المبادئ القانونية العامة، فإن ارتكاب الدولة لعمل مخالف لقواعد القانون الدولي البيئي يعد خرقا لالتزامها بالحفاظ على البيئة ويستوجب بالتالي مسؤوليتها عن الأضرار المترتبة عن ذلك الانتهاك، ولو ارتكبت العمل في نطاق المشروعية استنادا إلى قوانينها الداخلية، حيث لا يجوز للدولة الاحتماء بهذه القوانين لتنصل من التزامها الخاص بحماية البيئة، وهذا حسب ما جاء في مشروع تقنين المسؤولية الدولية الذي أعده “روبرتوآجو” R.Ago في مادته الرابعة: (لا يمكن الاستناد للقانون الداخلي للدولة للحيلولة دون تكييف عملها بعدم المشروعية طبقا للقانون الدولي)[47].

ب- انتساب العمل الضار بالبيئة للدولة:

يقرر “شارل روسو” Ch. Rouseau في هذا المجال، أنه يلزم لتحريك دعوى المسؤولية ضد الدولة أن يكون الفعل أو الامتناع المدعى به منسوبا للدولة المدعى بمسؤوليتها”.

وهذا الفعل أو الامتناع إما أن يكون صادرا من أشخاص القانون الدولي، أو من الأشخاص العاديين التابعين لها، ويكون بالتالي ارتكاب أحدهما عملا أو امتناعا يضر بالبيئة، يشكل خرقا لقواعد القانون الدولي، ويرتب المسؤولية عليها.

وفي هذا الصدد، سنتناول تبعا لذلك أعمال كل من السلطات التابعة للدولة منها السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية ثم أعمال الأشخاص العاديين التابعين لها.

بالنسبة لأعمال السلطة التشريعية، فقد يحدث لهذه الأخيرة بأن تقوم بسن قانون أو تنظيم يبيح القيام ببعض الأنشطة، أو يضع قواعد أقل فعالية لحماية البيئة أولا تتوفر على المعايير اللازمة لذلك والتي تحددها المنظمات الدولية المختصة، فإذا كانت هذه الأعمال تدخل ضمن النطاق الإيجابي للعمل الذي يمكن أن تسأل عنه السلطة التشريعية، فإنها تسأل كذلك عن أعمالها السلبية، كما لو تقاعست عن وضع قوانين وأنظمة لمنع التلوث أو على الأقل الحد منه، أو التقاعس عن إعادة تطوير القواعد والأنظمة المتعلقة بحماية البيئة من وقت لآخر، أو إهمالها عن تضمين قوانينها مقتضيات تتعلق بالجزاءات الواجبة في حالة مخالفة القوانين البيئية [48].

أما فيما يخص أعمال السلطة التنفيذية، فقد جاء في مشروع تقنين مسؤولية الدولة الذي أعدته جامعة هارفاد لسنة 1961 أن: (الفعل، أو الامتناع غير المشروع الذي يسبب ضررا للأجنبي ينسب التلوث الذي لحق بهم أو بممتلكاتهم، أو عدم تمكين الأجنبي من الدفاع عن نفسه، أو تأخير إصدار الحكم أو عرقلة تنفيذه إذا صدر لصالحه …)[49].

كما قدر يرتب عمل السلطة القضائية المسؤولة، فيما لو خالفت الالتزامات المفروضة عليها بمقتضى اتفاقية دولية، من ذلك المادة 223 والمادة 235 من اتفاقية قانون البحار لسنة 1982[50].

هكذا نلمس أن من أسباب مسؤولية الدولة تبعا لما سبق ذكره في المادتين السالفتين الذكر، هو إغلاق السلطة القضائية في الدولة أبواب محاكمها أمام من لحقهم الضرر أو عرقلة ولوجها عن طريق فرض كفالة باهظة مثلا، تكون عائقا للحصول على تعويض للأضرار البيئية.

أما عن أعمال الأشخاص الخاصة التابعين للدولة، فإنه تثبت مسؤولية الدولة عن أعمال الأشخاص الخاصة التابعين لها، إذا ما ثبت إهمالها أو تقاعسها في اتخاذ التدابير اللازمة لمنع هؤلاء من ارتكاب أعمال من شأنها تلويث البيئة، كما قصرت في وضع تدابير مقاييس جودة الهواء ونوعية المياه أو قصرت في اتخاذ الإجراءات التقنية والفنية بالنسبة للمؤسسات التي تسبب تلوثا للبيئة مما تطلقه من غازات وأبخرة ملوثة…

وتبرير مسؤولية الدولة عن أنشطة الأشخاص الخاصة يكمن في أن الدولة تستنفع بالدرجة الأولى من هذه الأنشطة لما يعود عليها وعلى الاقتصاد من نفع عام. كما هو الشأن بالنسبة للأنشطة النووية، وهو ما أكده البعض بقوله: (منافع النشاط النووي ستؤول إلى كل المجتمع ذاته الذي يتجسد استمراريته في الدولة، وبالتالي يجب أن تتحمل على الأقل جزءا من مخاطرها)[51].

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، ونظرا لأن أضرار الأنشطة النووية قد تمتد إلى دول أخرى، فإن الضرورة تقتضي تدخل الدولة فيما يتعلق بإصدار التراخيص المتعلقة باستغلال المشروعات النووية والإشراف والرقابة الدائمة من أجل ضمان توافر إجراءات الأمن والوقاية.

بعد أن تطرقنا لإمكانية تطبيق الخطأ في المجال البيئي ومسؤولية الدولة بهذا الصدد وما تشمله من تطبيقات في هذا المجال، سننتقل للحديث عن تقييمها للمسؤولية البيئية القائمة على الخطأ (ثانيا).

ثانيا: تقييم المسؤولية البيئية القائمة على الخطأ

بعد الحديث عن إمكانية تطبيق الخطأ في المجال البيئي، سواء في إطار القانون الداخلي أو في إطار العلاقات الدولية، نطرح التساؤل التالي: هل القول بذلك لا يثير أية مشكلة قانونية ؟ أم ثمة صعوبات تقتضي البحث عن أسلوب آخر أكثر ملاءمة ؟.

لما كانت المسؤولية تقوم على ضرورة نسبة الخطأ لشخص معين أو لجهة معينة كالدولة، فإن الحديث عن ركن الخطأ في مجال المسؤولية عن الأضرار التي تمس البيئة يواجه صعوبات مهمة، بحيث إذا أمكننا القول بتوافر عنصريه المادي والمعنوي بصدد بعض النشاطات، فإنه يصعب القول بذلك في أنشطة أخرى، وهذا راجع إلى الطبيعة الخاصة للضرر البيئي والتي يصعب معها تحديد مرتكب الخطأ على وجه الدقة[52] إما لتعدد مصادر التلوث أو لمساهمة نشاط المضرور بجانب المصادر الأخرى أو أن المصدر غير معروف. فمثلا: تلوث المياه قد يرتبط بعدة عوامل دون إمكانية تحديد أي عامل والذي يكون السبب المباشر في حدوث هذا التلوث، بحيث إذا كانت مصانع السكر، مصدر رئيسي لتلوث المياه في المغرب، فإنها ليست الوحيدة المسؤولة عن ذلك، لأن المواد الملقاة في المياه تنجم عنها أجسام كيماوية جديدة تذوب فيها مع العديد من الملوثات الأخرى، وبالتالي يتعذر تحديد الخطأ فيها، وإذا كان يمكن الرجوع إلى خبراء في هذا المجال، إلا أن تكاليفهم الباهظة قد تؤدي إلى حرمان الكثير من التعويض عن الأضرار الناجمة عن هذا التلوث والتي تمس بالصحة والحقوق المالية للأشخاص، الشيء الذي يجعلنا نقرر بأن الاعتماد على الخطأ في هذا المجال يؤدي إلى الشعور بنوع من الإحباط نظرا لصعوبة إثباته.

ونفس الأمر يطبق عند الحديث عن التلوث عبر الحدود، أي التلوث الذي يأتي من دولة أخرى ويتسبب بالتالي في تلويث وإحداث أضرار داخل نطاق إقليم دولة أخرى، أو في منشآت تابعة لها، أو إذا أتى من منطقة مكتظة بالمصانع حيث يصعب هنا القول بالسبب المباشر في حدوث الضرر[53].

فصعوبة تحديد المسؤول أو المسؤولين عن الضرر ونسبة كل واحد فيه، ينعكس سلبا على المتضررين في المطالبة بالتعويض وكذلك على السلطات المختصة التي تقوم بالترخيص لكل هذه المنشآت بالرغم مما تنتجه من أضرار، فأغلبية الأنشطة التي تحدث ضررا بيئيا تستند إلى مصدر عادي ومسموح به، الشيء الذي يدفعنا إلى طرح السؤال التالي:

هل للمستغل للمنشأة الصناعية الاحتجاج بالرخصة الإدارية الممنوحة له من السلطات المختصة ؟

إن هذا السؤال نطرحه لأننا نجد في الحاضر غالبية النشاطات والتي ينجم عنها تلوث بيئي تكون نتيجة ترخيص إداري، فكيف يمكن القول بالخطأ في هذه الحالة، مع العلم أن المستغل قد يكون قد اتخذ الاحتياطات اللازمة لمنع وقوع الضرر ؟

وهل يعتبر من قبيل الخطأ والذي تسأل عنه الدول، قيام السلطة التشريعية بسن قوانين ترخص بمقتضاها القيام بأنشطة من شأنها أن تضر بالبيئة ؟

إن الأمر يبدو صعبا في كلتا الحالتين:

فإذا قلنا بعدم توافر عنصر الخطأ أو تعذر إثباته استنادا إلى الترخيص الإداري، فإن الأمر سوف يؤدي حتما إلى حرمان المتضررين من الحصول على تعويض عن الأضرار التي تصيبهم، وإن كان الحل يكمن في سحب الترخيص أو عدم إعطائه من الأصل أو الإغلاق، فإن هذا من شأنه أن يؤثر سلبا على الاقتصاد.

فأمام هذه الصعوبات فإن خصوصية الضرر البيئي تقتضي عدم حصره في الإطار التقليدي لقواعد المسؤولية المدنية، وبالتالي تدعو إلى تطوير هذه القواعد عن طريق اعتماد المسؤولية بدون خطأ، وذلك من أجل ضمان للمضرور حقه في التعويض، وهذا هو موضوع المبحث الثاني.

 

  • المبحث الثاني: المسؤولية البيئية المفترضة

بعد التطورات التي عرفتها أوربا من خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر والتي أدت إلى ثورة صناعية هائلة تولد عنها الكثير من الأخطار التكنولوجية، كالتلوث النووي، وإزاء القيمة المحدودة لقواعد المسؤولية التقليدية التي تقف عاجزة في بعض الأحيان وفي أغلبها عن تعويض الأضرار البيئية الناتجة عن هذه الأخطار، ظهر أن الاعتماد على هذه القواعد التقليدية لا يتلاءم مع الأنشطة الحديثة والثورة العلمية التي صاحبها الكثير من الأضرار التي يتعذر تحديد مداها ومسبباتها على وجه التحديد.

لذلك فإذا كان التقدم العلمي وأضراره الماسة بالبيئة، يبتعد كليا عن فكرة الخطأ الواجب الإثبات، فإن مقتضيات العدالة اقتضت من أجل حصول المضرور على تعويض، البحث عن أدوات فنية أخرى أكثر مساعدة، وقد وجد الفقه ضالته المنشودة في التطور الحاصل لقواعد المسؤولية المدنية[54].

فهل هذه القواعد يمكنها أن تتفادى القصور الذي كشفت عنه قواعد المسؤولية التقليدية من خلال الأساس الذي ترتكز عليه والمتمثل في فكرة تحمل التبعية، أم هناك دعوة لأسلوب آخر أكثر مواجهة للأضرار البيئية ؟.

هذا ما سنتعرف عليه من خلال التطرق إلى مسؤولية المكلفين برقابة القاصرين والمجانين والمتعلمين (المطلب الأول)، ثم مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعيه (المطلب الثاني).

  • المطلب الأول: مسؤولية المكلفين برقابة القصر والمجانين والمتعلمين

كما هو متفق عليه فقها وقضاءا، فإن هذا النوع من المسؤولية، تتميز من حيث كونها تقوم على الخطأ المفترض في جانب المكلفين بالرقابة، فهؤلاء يعتبرون مسؤولين حكما عن الأضرار التي يحدثها الأشخاص الخاضعين لرقابتهم، وافتراض هذا الخطأ لا يقوم إلا في إطار العلاقة بين المكلفين بالرقابة والمضرور، ولا يجوز أن يقوم ضد الشخص الخاضع للرقابة.

غير أن قرينة الخطأ هذه تعتبر قرينة قانونية بسيطة قابلة لإثبات العكس، أي أنه باستطاعة المكلفين بالرقابة أن يتخلصوا من المسؤولية إذا ما أثبتوا وأقاموا الدليل على أنهم قاموا بواجب الرقابة ولم يقصروا فيه، وسنحاول إعطاء فكرة وجيزة عن أوجه هذه المسؤولية قبل التطرق إلى كيفية تطبيقها في المجال البيئي.

أولا: مسؤولية المكلفين برقابة القصر[55]

نص المشرع في الفقرة الثانية من الفصل 85 من قانون الالتزامات والعقود بأنه: “الأب فالأم بعد موته، يسألان عن الضرر الذي يحدثه أبناؤهما القصر المقيمون معهما”.

كما نصت الفقرة الخامسة من نفس المادة، على أن هذا النوع من المسؤولية لا يقوم إلا إذا أثبت الأب والأم أنهما لم يتمكنا من منع وقوع الفعل الذي أدى إليها، فالأب والأم يستطيعان تبعا لذلك نفي هذه المسؤولية، إذا أثبتا واجب الرقابة وعدم التقصير فيه، وأنهما اتخذا الاحتياطات اللازمة لمنع وقوع الضرر، كما يستطيعان دفع المسؤولية عنهما بنفي العلاقة السببية بين الخطأ المفترض في جانبهما والعمل الضار الذي ارتكبه القاصر، وانتفاء هذه السببية مقرر بالنسبة للمكلف بالرقابة دون الخاضع لها، لكن إذا كان العمل الضار الصادر من القاصر يرجع إلى سبب أجنبي لا يد لهذا القاصر فيه كأن يكون قد حصل نتيجة قوة قاهرة أو نتيجة خطأ المضرور نفسه، فإنه تنتفي مسؤولية القاصر نفسه وبانتفائها تنتفي تبعا لذلك مسؤولية المكلف برقابته[56].

ثانيا: مسؤولية المكلفين برقاية المجانين ومختلي العقل

نصت الفقرة السادسة من نفس المادة 85 من قانون الالتزامات والعقود على أنه: “الأم والأب وغيرهما من الأقارب والأزواج يسألون عن الأضرار التي يحدثها المجانين وغيرهم من مختلي العقل إذا كانوا يسكنون معهم، ولو كانوا بالغين سن الرشد، وتلزمهم هذه المسؤولية ما لم يثبتوا:

1- أنهم باشروا كل الرقابة الضرورية على هؤلاء الأشخاص.

2- أو أنهم كانوا يجهلون خطورة مرض المجنون.

3- أو أن الحادثة قد وقعت بخطأ المتضرر.

ويطبق نفس الحكم على من يتحمل بمقتضى عقد رعاية هؤلاء الأشخاص أو رقابتهم”.

يتضح أن مصدر الرقابة السابقة قد يكون القانون، كالأب والأم والزوج والزوجة أو أي قريب يقيم معه المجنون أو مختل العقل وقد يكون الاتفاق كمدير المستشفى أو طبيب أو ممرض، ويستطيع المكلفين بالرقابة دفع المسؤولية الملقاة على عاتقهم إذا ما أثبتوا أنهم قاموا بواجب الرقابة أو أن يثبتوا أنهم يجهلون خطورة مرض المجنون أو أن الحادثة كانت نتيجة خطأ المضرور أو أن الضرر كان نتيجة حادث فجائي أو خطأ الغير.

ثالثا: مسؤولية أرباب الحرف

نصت نفس المادة 85 من قانون الالتزامات والعقود في فقرتها الرابعة على أن: “أرباب الحرف يسألون عن الضرر الحاصل من متعلميهم خلال الوقت الذي يكونون فيه تحت رقابتهم”.

وهذا النوع من المسؤولية يقوم بدوره بمقتضى قرينة قانونية قابلة للبينة المعاكسة، حيث لرب الحرفة أن ينفي عنه المسؤولية إذا أثبت أنه قام بواجب الرقابة على الوجه الصحيح وأنه اتخذ كافة الاحتياطات لمنع حدوث الضرر، أو أن يتمكن من نفي العلاقة السببية بين الخطأ المفترض في جانبه وبين الضرر الذي أحدثه متعلم الحرفة.

وتجدر الإشارة إلى أن مسؤولية أرباب الحرف والصناع عن متعلميهم تستمر إلى غاية انتهاء فترة التمرين أو تعلم الصنعة، بحيث أن عودة التلاميذ إلى منازلهم تضع حدا لواجب الرقابة ما لم يكن التلميذ مقيما عند من يلقنه أصول الصنعة، بحيث أن المسؤولية تستمر حتى مغادرته لمكان الصنعة بأمر من الجهة المسؤولة عنه، سواء تعلق الأمر بصانع تقليدي أو مؤسسة للتكوين المهني[57].

رابعا: تطبيق هذا النوع من المسؤولية في المجال البيئي

ليس هناك ما يمنع من تطبيق المسؤولية عن فعل الغير والمتعلقة بمسؤولية المكلفين برقابة القصر والمتعلمين والمجانين وغيرهم من مختلي العقل في المجال البيئي، ما دامت قد تتحقق شروطها وهي ثبوت التصرف غير المشروع من الخاضع للرقابة.

فقد درجت أحكام عن القضاء الفرنسي أكدت إعمال هذا النوع من المسؤولية في المجال البيئي، كالنقض المدني الصادر بتاريخ 8 فبراير 1972 الذي قضى بأن التلوث الصوتي الناجم عن الصخب والأصوات الفجرية يمكن أن تؤديا إلى مسؤولية من تجب عليه الرقابة[58]، وحكم آخر صادر عن محكمة باريس سنة 1940 الذي قضى بأن صاحب المدرسة يسأل عن الصخب الفاحش والزحام الشديد الذي يحدثه الأطفال أثناء دخولهم وخروجهم من المدرسة[59] ، أو صعودهم ونزولهم السلالم نحو ثماني مرات في اليوم وما يصاحب ذلك من ضوضاء يحدثونها[60].

كذلك هناك نقض مدني بتاريخ 24 ماي 1971 الذي قضى بمسؤولية رب الأسرة عن الضوضاء التي يحدثها أبناؤه بالإضافة إلى تعويضه للأضرار التي نجمت عن ارتطام الكرة بنوافذ الجيران [61].

وثمة ملاحظة يجب الإشارة إليها، هي أن هذا النوع من المسؤولية يختلف عن المسؤولية عن مضار الجوار وإن صدرت ممن يسأل عنهم الجار بمقتضى رقابته لهم، على اعتبار أن أساس كل منهما مختلف عن الآخر[62].

  • المطلب الثاني: مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعيه

حسب هذه المسؤولية، كل شخص يجب أن يتحمل الأضرار الناتجة عن تابعيه ما دام يستنفع من عملهم، ولعل الأضرار التي تعنينا هي الأضرار البيئية، فكيف تتحقق هذه المسؤولية ؟

 

أولا: الأساس القانوني لمسؤولية المتبوع عن أعمال تابعيه والأساس المعتمد في مجال المسؤولية عن الضرر البيئي.

يعتبر هذا النوع من المسؤولية من أهم مظاهر المسؤولية التقصيرية، وهي تتميز عن سابقتها من حيث كونها قائمة على قرينة قانونية قاطعة لا تقبل البينة المعاكسة[63] ، بحيث أن المشرع لم يترك للشخص المتبوع أية فرصة للتخلص من المسؤولية إلا في حالة واحدة وهي ثبوت السبب الأجنبي. وقد نص المشرع على هذا النوع من المسؤولية في الفقرة الثالثة من الفصل 85 من قانون الالتزامات والعقود الذي جاء فيه: “المخدومون ومن يكلفون غيرهم برعاية مصالحهم يسألون عن الضرر الذي يحدثه خدامهم ومأمورهم في أداء الوظائف التي شغلوهم فيها”.

ولقيام هذا النوع من المسؤولية يجب توافر شرطين بحيث يتعين أن يكون المتبوع مرتبطا بخدمه وتابعيه بمقتضى علاقة تبعية التي قد تكون قانونية أو اقتصادية، ويجب أن يتسبب التابع في ارتكاب الفعل الضار أثناء تنفيذه للمهام المناطة به أو بمناسبتها.

فبالنسبة للشرط الأول فإنه يتحقق إذا كان للمتبوع سلطة فعلية على تابعيه في الرقابة والتوجيه، ولا يشترط أن تكون بمقتضى عقد، كما لا يشترط أن يكون المتبوع قد اختار تابعيه، حيث أن علاقة التبعية تقوم ولو فرض التابع على المتبوع.

ويكفي لمباشرة الرقابة والتوجيه أن يباشر المتبوع على التابع هذا الحق من الناحية الإدارية فقط دون الفنية.

أما الشرط الثاني والمتمثل في خطأ التابع أثناء أداء وظيفته أو بمناسبتها، فالمتبوع لا يسأل عن كل الأخطاء الصادرة من التابع إلا إذا كانت ترتبط ارتباطا وثيقا بالعمل الذي يقوم به لحسابه، على اعتبار أن مسؤوليته تبعية لا تتحقق إلا بناء على خطأ التابع.

فأساس هذه المسؤولية مرتبط بالصلة الموجودة بين الفعل الضار والوظيفة المكلف بها التابع وينعدم بانعدامها. والاجتهاد في فرنسا مدد مسؤولية المتبوع حتى عن الأخطاء التي يرتكبها التابع بسبب الوظيفة، أي أنه لولا الوظيفة لما استطاع التابع ارتكاب تلك الأخطاء[64].

وهذا هو حال التشريعات الحديثة كالقانــون المدنــي المصــري في المادة 174[65]، وكان أحرى بالمشرع المغربي أن يتبنى نفس النهج السابق، وهو ما سار عليه القضاء المغربي في قراراته[66] .

أ- الأساس القانوني لمسؤولية المتبوع عن أعمال تابعيه:

اختلف الفقه بصدد تحديد أساس مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعيه، وتعددت نتيجة لذلك النظريات الفقهية التي قيل بها بخصوص تأصيل هذا النوع من المسؤولية.

والهدف من التعرض لأساس هذه المسؤولية هو معرفة ماهية المسؤولية التي تتفق مع الأضرار الماسة بالبيئة.

هكذا يمكن رد أساس مسؤولية المتبوع إلى نظريتين:

* النظرية الأولى: مسؤولية المتبوع هي مسؤولية ذاتية

هذه النظرية تستند إما إلى الخطأ المفترض الثابت في حق المتبوع أو إلى تحمل المتبوع تبعة تابعه، فمن يحقق نفعا أو ربحا نتيجة خدمات أو أعمال شخص آخر يجب عليه أن يتحمل مخاطر الأضرار التي قد يسببها هذا الشخص[67].

1نظرية الخطأ المفترض:

تبنى مسؤولية المتبوع تبعا لهذه النظرية على خطأ مفترض في جانبه، وهذا الخطأ يكمن إما في خطأ اختيار التابع أو خطأ في الرقابة والتوجيه، وحسب الفقرة الثالثة من الفصل 85 من قانون الالتزامات والعقود، فإن هذا الخطأ يعتبر قرينة قاطعة غير قابلة لإثبات العكس.

2– نظرية تحمل تبعة المخاطر:

وفقا لهذه النظرية، فإن المتبوع باعتباره يستفيد من خدمات تابعيه وخدمه، فعليه بالمقابل أن يتحمل تبعة المخاطر التي قد يحدثها تابعيه، إذ الغرم بالغنم .

* النظرية الثانية: مسؤولية المتبوع هي مسؤولية عن الغير

اختلف الفقه حول أساس هذه النظرية بين قائل بتأسيسها على فكرة الضمان، وقائل بتأسيسها على فكرة النيابة أو التمثيل القانوني[68].

1– نظرية الضمان:

هذه النظرية تعتبر أن المتبوع بمثابة ضامن للأضرار التي قد يتسبب فيها أتباعه، خاصة بعد إعسارهم أو امتناعهم عن أداء ما بذمتهم، والكفالة هنا قانونية أي مصدرها القانون، وهذه النظرية تؤسس مسؤولية المتبوع بناء على تحققها في جانب التابع باعتباره المدين الأصلي، كما أن للمتبوع الرجوع على التابع بما أداه المضرور.

2– نظرية النيابة أو التمثيل القانوني:

التابع ما هو إلا نائب قانوني عن المتبوع، وخطأ التابع ما هو إلا خطأ المتبوع، ورغم الانتقاد الموجه لهذه النظرية والذي يرى بأن نطاق النيابة ينحصر غالبا في مجال التصرفات القانونية دون الوقائع المادية، فإنه يمكن أن تتسع هذه النظرية لتشمل حتى الأعمال المادية التي تصدر من النائب (التابع) للأصيل (المتبوع).

ب- الأساس المعتمد في مجال المسؤولية عن الضرر البيئي:

إن نظرية تحمل التبعة هي التي تتفق مع الأضرار البيئية وهي التي تقبلها الفقه في الدول الصناعية بصدد الأنشطة الخطرة، كالأنشطة النووية، خصوصا بعد أن ثبت أنه يصعب إثبات الخطأ فيها أو هوية المسؤول عنها، كما أنها في أغلبها تكون أنشطة مشروعة ومرخص بها[69].

إذن، فالأساس الذي يمكن استجلاؤه في مجال مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعيه عن الضرر البيئي، هو تحمل التبعة، والملاحظ هو أن نظرية تحمل التبعة هي التي أخذ بها المشرع في إطار النظام الخاص بالمسؤولية المدنية في القانون المتعلق بحماية واستصلاح البيئة، حيث نص في المادة 63 منه على ما يلي: “يعتبر مسؤولا، دون الحاجة إلى إثبات خطأ ما، كل شخص مادي أو معنوي يخزن أو ينقل أو يستعمل محروقات أو مواد مضرة وخطيرة، وكذا كل مستغل لمنشأة مصنفة كما يحددها النص التطبيقي لهذا القانون، تسببت في إلحاق ضرر جسدي أو مادي له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بممارسة الأنشطة المشار إليها أعلاه”.

فما هي صور نظرية تحمل التبعة ؟ وما هي المذاهب المعتمدة لتبرير القول بهذه النظرية ؟

 

1– صور نظرية تحمل التبعة:

تتمثل هذه الصور في تبعة الربح، تبعة النشاط أو تبعة السلطة.

* تبعة الربح:

من يستفيد من خطر ناشئ عن نشاطه يجب عليه أن يتحمل تبعته ويعوض الأضرار الناتجة عن هذا النشاط، مادام هو الذي يعود عليه نفعه ويجني منه ثمرته دون حاجة إلى وقوع خطأ في جانبه، لأنه ليس من العدل الاجتماعي في شيء أن يجني صاحب الشيء ثمرته ويستأثر بما يدره من فائدة وربح ويترك لغيره أن يتحملوا مخاطره، فمن له النفع حقت عليه التبعة، حيث يقول ديبو DUBOUT في هذا الصدد: “إن المنفعة الاقتصادية الناشئة عن الأنشطة وأدوات الإنتاج تكون أساس المسؤوليات الصناعية والتجارية”[70].

* تبعة النشاط:

معيار النشاط الذي يمكن أن يبدو فضفاضا بالنسبة للمسؤولية المدنية بوجه عام ينطبق دون مشكلة في مجال المسؤوليات الصناعية.

فالواقع أن الصناعة بسبب الطاقة التي تستعمل والمواد الأولية التي تحول والوسائل الفنية التي تستخدم لا تكون نشاطا مفيدا وإنما أيضا وفي معظم الأوقات نشاطا خطرا.

* تبعة السلطة:

خلاصتها أن: “من يرأس مشروعا ما يجب أن يكون مسؤولا عن الضرر الناجم عنه حتى ولو لم يكن قد ارتكب خطأ، بحيث ذلك يقابل ما له من سلطة.

هكذا استقر الفكر القانوني على أن من يشغل مشروعا، وينتج عن هذا الاستغلال مخاطرا استثنائية، فعليه أن يتحمل ما يصيب الغير من ضرر بسببها، حتى ولو لم يثبت أي خطأ يمكن إسناده إلى مشغل أو صاحب المشروع وحتى ولو وصف نشاطه بأنه مشروع[71].

وتطبيق هذه المسؤولية أدعى في مجال الضرر البيئي، فالخطر الاستثنائي يجب أن تقابله مسؤولية استثنائية، وأن جسامة مثل هذه الأضرار ومخاطر انتشارها تفرض علينا سرعة وضع نظم خاصة للمسؤولية عنها.

فهي مسؤولية يختفي الخطأ فيها، مما يقتضي ضرورة البحث عن حلول قانونية جديدة إزاء نشاطات ينجم عنها أضرار لا يمكن تلافيها[72].

وقد ساعد على ظهور نظرية تحمل التبعة عدة مذاهب اعتبرت كأساس لتبرير القول بها كالمذهب الوضعي، النزعة المادية في القانون، النزعة الاشتراكية في القانون ومذهب المدرسة التاريخية.

* المذهب الوضعي:

يقوم هذا المذهب على اعتبار أن كل نشاط يصدر عن الإنسان ما هو إلا نتيجة أكيدة لعوامل خارجية وأخرى داخلية، وبالتالي تكون الجريمة تبعا لذلك ثمرة نوعين من العوامل، عوامل عضوية ونفسية تتعلق بالجاني وعوامل اجتماعية عارضة.

ويذهب أنصار هذا المذهب إلى إنكار فكرة العقاب واعتبارها وسيلة يدافع بها المجتمع عن كيانه ضد الجريمة ذاتها لما تمثله من خطر على المجتمع، دون الاعتداد بخطورة المجرم نفسه.

لذلك فإذا حررت المسؤولية الجنائية من فكرة الخطأ، فإن الضرورة تقتضي نهج ذلك بالنسبة للمسؤولية المدنية، حيث أصبح كافيا لقيامها الالتزام بالتعويض بمجرد وقوع ضرر تسبب الفاعل في إلحاقه بالمضرور[73].

* النزعة المادية في القانون:

ظهرت هذه النزعة المادية في الفقه الألماني الذي انتقلت منه إلى الفقه الفرنسي، وهي تهدف إلى إسباغ الطابع المادي على القانون المدني، وبالتالي ترك الاعتبار الشخصي، بحيث لا ترى لزوما لتأسيس المسؤولية المدنية على الخطأ لأنه مجرد وصف نفسي يعود إلى ضمير الفاعل، ولما كان التعويض بهدف إعادة التوازن المالي بين ذمتين افتقرت إحداهما بفعل الأخرى، فإن الضرورة تقتضي ذلك بغض النظر عن وجود السلوك الخاطئ أو عدمه[74].

* النزعة الاشتراكية في القانون:

إذا كان المذهب الفردي قد عاش عصره الذهبي في القرن الثامن عشر، وتوج بالثورة الفرنسية، فإن القرن التاسع عشر ومنتصفه قد شهد ظهور تيار جديد برهن عن عجز المذهب الفردي، وكان ذلك نتيجة للثورة الصناعية الكبرى التي عرفها القرن التاسع عشر وظهور الاحتكارات الكبرى واتساع الهوة بين طبقة العمال وأرباب العمل.

وتكون بذلك النزعة الاشتراكية قد أعطت الصدارة للجماعة، بحيث أنه يجب كفالة حماية الجماعة التي من خلالها تتحقق حماية الفرد، فإذا وقع ضرر فإن الأمر لا يتطلب البحث فيما إذا كان مرتكبه قد أخطأ أم لا، بل يجب البحث فيما إذا كانت مصلحة المجتمع تقتضي تعويضه أو العكس[75].

* مذهب المدرسة التاريخية:

ترجع هذه النظرية إلى الفقيه الألماني سافيني Savigny، وهي تقوم على أن القانون وليد البيئة، لذلك فهو يتكيف حسب ظروف الزمان والمكان. وقد صاحب ظهور هذه النظرية التطور الصناعي في أوربا وما شمله من ظهور الآلة، حيث انتقلت من فكرة المسؤولية القائمة على الخطأ إلى فكرة التبعة، أي تبعة الضرر على المتسبب فيه، مادام لم يصدر أي خطأ من جانب المتضرر[76].

وبما أن هذه المذاهب تقوم على مبدأ العدالة التعويضية التي ترفض أن يتحمل المضرور ما وقع من ضرر، لأنه ليس من العدل أن ينتفع شخص من ملكه وبالتالي لا يتحمل أضراره، فإن الاستناد على ذلك تبرره قاعدة الغرم بالغنم، التي مفادها أنه من يغنم من تشغيل مشروع له عليه أن يغرم التعويض للضرر الناجم عن هذا التشغيل دون إرهاق المضرور بإثبات الضرر، أو بالأصح الاعتماد على قاعدة من يلوث عليه الإصلاح، وقاعدة الخطر المستحدث التي تقضي بأنه من يستخدم آلات خطرة عليه أن يتحمل تبعة هذه الآلات.

ولما كانت نظرية تحمل التبعة هي المعتمدة في المجال البيئي، فقد عرفت تطبيقا لها على صعيد القانون الداخلي وكذلك الدولي.

ثانيا: تطبيقات نظرية تحمل التبعة في المجال البيئي

قبل التطرق لمسؤولية الدولة ومدى تطبيق نظرية تحمل التبعة فيها بصدد الأضرار البيئية، سوف نتطرق لوجه من أوجه هذا التطبيق في القانون الداخلي، حيث يتعلق الأمر بمسؤولية المؤاجر أو صاحب العمل عن الأمراض المهنية التي تعتبر صورة من صور الأضرار البيئية التي تصيب أماكن العمل بالنسبة للعمال، بعدها سننتقل للحديث عن تطبيقها في إطار القانون الدولي، حيث يتعلق الأمر بمسؤولية الدولة عن الأضرار البيئية وكيف تتحمل تبعتها.

أ- تطبيق نظرية تحمل التبعة في القانون الداخلي: مسؤولية المؤاجر عن الأمراض المهنية

تعتبر مسؤولية المؤاجر عن الأمراض المهنية أهم مظهر للمسؤولية عن فعل الغير، والتي تستند على نظرية المخاطر المهنية، بحيث إذا كان صاحب العمل يغنم كثيرا من نشاط عماله، فعليه أن يتحمل ما يصيب العمال من أضرار مرتبطة بذلك النشاط وبكيفية آلية، لذلك فهي مسؤولية مفترضة تقوم بمجرد تحقق الضرر والعلاقة السببية بينه وبين الشغل الذي يقوم به الأجير دون اعتبار لوجود الخطأ[77].

فبالرجوع إلى قانون الالتزامات والعقود، فإن المشرع قد تطرق لهذا النوع من المسؤولية في الفصول 749- 750- 751 من نفس القانون حيث جاء فيهما:

 

– الفصل 749: ” المعلم أو المخدوم، وعلى العموم كل رب عمل، يلتزم:

أولا: بأن يعمل على أن تكون الغرف، ومحلات الشغل، وعلى العموم كل الأماكن التي يقدمها لعماله وخدمه ومستخدميه مستوفية كل الشروط اللازمة لعدم إلحاق الضرر بصحتهم ولتأمينهم من كل خطر، كما أنه يلتزم بصيانتها لتبقى على نفس هذه الحالة طوال مدة العقد.

ثانيا: بأن يعمل على أن تكون الأجهزة والآلات والأدوات وعلى العموم كل الأشياء التي يقدمها، والتي يلزم بواسطتها أداء الشغل في حالة من شأنها أن تقي من يستخدمها من كل خطر يهدد حياتهم أو صحتهم في الحدود التي تقتضيها طبيعة الخدمات التي يؤدونها، كما أنه يلتزم بصيانتها لتبقى على نفس هذه الحالة طوال مدة العقد.

ثالثا: بأن يتخذ كل ما يلزم من الإجراءات الوقائية لكي يؤمن لعماله وخدمه ومستخدميه حياتهم وصحتهم في أدائهم الأعمال التي يباشرونها تحت توجيهه أو لحسابه.

ويسأل المخدوم عن كل مخالفة لأحكام هذا الفصل وفقا للقواعد المقررة للجرائم وشبه الجرائم”.

– الفصل 750: “ويسأل المخدوم أيضا عن الحوادث والكوارث التي يقع ضحيتها الأجير الذي يعمل معه، حالة كونه يؤدي المهمة التي عهد إليه بها، إذا كان سبب الحادثة أو الكارثة راجعا إلى مخالفة أو عدم مراعاة رب العمل الضوابط الخاصة المتعلقة بمباشرة صناعته أو فنه”.

– الفصل 751: ” كل الاشتراطات أو الاتفاقات التي تستهدف تخفيف أو إبعاد المسؤولية المقررة بمقتضى الفصلين 749 و 750 على عاتق المخدومين أو أرباب الأعمال تقع عديمة الأثر”.

إن هذه النصوص تحتوي على إجراءات وقائية تتمثل في ضرورة القيام ببعض الإجراءات التي من شأنها أن تمنع أو تقلل من الحوادث التي تصيب الطبقة العاملة داخل المؤسسة وهي تحيل فيما يتعلق بأحكام المسؤولية على أحكام الجرم وشبه الجرم، وهي المنصوص عليها مبدئيا في الفصلين 77 و 78 من قانون الالتزامات والعقود والتي تجعل المسؤولية عموما مبنية على خطأ شخصي واجب الإثبات، إلا أن مقتضيات هذه الفصول قد عطلت باستقلال المسؤولية عن حوادث الشغل والأمراض المهنية بأحكام خاصة بها[78].

هكذا فإن الإلزام بالتعويض كجزاء، يفرض على أصحاب العمل أو المؤاجرين تأمين بيئة للعمل تكفل إزالة مصدر الأخطار أو التقليل من احتمالات تحققها والتي من شأنها أن تصيب العمال بأمراض تهدد صحتهم وحياتهم.

هذا الإلتزام أكده المشرع كذلك في القانون المتعلق بمكافحة تلوث الهواء، حيث نص في المادة السادسة على ما يلي: ” يلتزم صاحب المنشأة باتخاذ الاحتياطات والتدابير اللازمة لعدم تسرب أو انبعاث ملوثات الهواء داخل أماكن العمل إلا في الحدود المسموح بها سواء كانت ناتجة عن طبيعة ممارسة المنشأة لنشاطها أو عن خلل في التجهيزات والمعدات، وأن يوفر سبل الحماية اللازمة للعاملين تنفيذا لشروط السلامة والصحة المهنية”.

كما أكدت المادة السابعة من نفس القانون أعلاه ما يلي: ” يشترط في الأماكن العامة المغلقة وشبه المغلقة أن تكون مستوفية لوسائل التهوية الكافية بما يتناسب مع حجم المكان وقدرته الاستيعابية ونوع النشاط الذي يمارس فيه بما يضمن جودة الهواء ونقائه واحتفاظه بدرجة حرارة مناسبة”.

بعد التطرق لمسؤولية المتبوع عن أعمال تابعيه في إطار القانون الداخلي، نتساءل عن كيفية تحققها في إطار القانون الدولي.

ب- تطبيق النظرية في إطار القانون الدولي: مسؤولية الدولة عن الأضرار البيئية وكيفية تحمل تبعتها

كما سبق ذكره، فمن أجل محاولة التخفيف من مشكلة المسؤولية المدنية التقليدية والقائمة على الخطأ، والتي من شأنها أن تؤدي إلى حرمان الكثير من المضرورين من الحصول على التعويض، للصعوبة أو الاستحالة الموجودة أمامهم بخصوص إثبات الخطأ رغم الضرر الحتمي والأكيد الذي أصابهم[79]، ومن غير الحاجة إلى إقصاء تلك النظرية في مجموعها والتي تكون مرجعا في بعض الحالات فإنه لا مانع يمنع قانونا من البحث عن أساس آخر تطلبه التطور الصناعي والتكنولوجي واستعمال الأدوات الخطيرة.

لذلك استقر الفكر القانوني على ضرورة الأخذ بنظرية المسؤولية المطلقة والمتمثلة في أن من يستغل منشأة أو مشروعا وينتج عن ذلك مخاطر استثنائية، فعليه أن يتحمل تبعة ما يصيب الغير من ضرر بسببها، ولو لم يتوفر أي خطأ يمكن إسناده إلى مستغل المنشأة ولو كان يمارس نشاطه بكيفية مشروعة، فما هي أسباب الأخذ بهذه النظرية في إطار العلاقات بين الدول ؟ وما هي المصادر الداعية إلى تطوير قواعد المسؤولية ؟ وكيف يمكن إعمالها في المجال البيئي ؟

1– أسباب الأخذ بنظرية تحمل التبعية:

اختلف الفقه[80] بشأن القول بهذه النظرية في الميدان البيئي على صعيد العلاقات بين الدول، انطلاقا من أنه لا يمكن الأخذ بفكرة المخاطر في العلاقات بين الدول، حيث جاء بهذا الصدد أي القاضي الروسي “كيرلوف” بشأن قضية مضيق كورفو:

” إن مسؤولية الدول المترتبة على العمل الدولي غير المشروع تفترض على الأقل وجود خطأ وقعت فيه الدولة.. ولا يمكن أن ننقل إلى ميدان القانون الدولي نظرية المخاطر التي أقرتها التشريعات المدنية في دول كثيرة، فلكي تؤسس مسؤولية الدولة يجب الرجوع إلى فكرة الخطأ”[81].

فهذا الرأي يتشبث بفكرة الخطأ التي هي عماد المسؤولية المدنية، ولكن أمام التطورات الصناعية والتكنولوجية وزيادة المخاطر بصدد استعمال الآلات، لم يعد لهذا الرأي أي صدى، لأنه يصطدم مع فكرة محاولة تطوير قواعد المسؤولية المدنية، ونجد أنفسنا دائما ندور في محور الخطأ المستحيل إثباته في ميدان الضرر البيئي في كثير من الأحيان، كما أن القانون الدولي بدوره عليه أن لا يبقى متجاهلا للتقدم ومشكلاته، حيث أنه من الضروري أن تتطور قواعد القانون الدولي على غرار قواعد القانون الداخلي من أجل المحافظة على حقوق الدول المتعدى عليها، وحقوق الأفراد الأكثر تضررا، والاكتفاء بوقوع الضرر وعلاقة السببية بينه وبين النشاط الضار ولو كان مشروعا.

ويأخذ أغلبية الفقه بهذا الاتجاه بالرغم من الانتقادات التي وجهت له[82]، حيث أكد “بول ويتر” في دروسه أمام أكاديمية القانون الدولي في لاهاي سنة 1961 بأن: “القانون الدولي العام لا يمكنه بعد اليوم أن يتجاهل ولمدة طويلة التطور التقني الهائل الذي حدث في الحياة المعاصرة والذي يثير مشاكل جمة، إن تصرفا مشروعا من جانب إحدى الدول قد يسبب أضرارا لا يمكن تقديرها، إننا مطالبون بترتيب التزام بإصلاح الضرر على عاتق هذه الدولة، رغم نشاطها المشروع”.

وأضاف بأن: “الأضرار الجسيمة التي قد تحدث في أعقاب التقدم العلمي للحياة الحديثة تخلق مشاكل بدأت القوانين الوطنية في مواجهتها وأن القانون الدولي لا يمكنه تجاهلها طويلا… وأمام هذا الاحتمال يجب أن نتجه إلى وضع قوانين جديدة”[83].

بالإضافة إلى ذلك ثمة مصادر أخرى دعت إلى تطوير المسؤولية الدولية.

 

2– المصادر الداعية إلى تطوير قواعد المسؤولية المدنية في المجال البيئي على صعيد العلاقات بين الدول:

يعتبر الفقيه بول فوشيل “Paul Fauchille” أول من كان وراء نقل فكرة المسؤولية المطلقة من القانون الداخلي إلى القانون الدولي في شتنبر 1900 على إثر المناقشات التي دارت بصدد اللجنة التاسعة لمعهد القانون الدولي في “نيوشاتل” حول وضع قواعد المسؤولية الدولية عن الأضرار التي تصيب الأجانب في حالة الحرب الأهلية أو الهياج.

فقد تدخل “Fauchille” قائلا: ” منذ بضع سنوات حلت نظرية الخطر الحديثة في دول كثيرة محل نظرية الخطأ التقليدية في مجال المسؤولية تطبيقا لقاعدة مفادها أن من يحصل على فائدة من شخص أو شيء موضوع تحت سلطانه يجب أن يتحمل النتائج السيئة التي يتسبب فيها هذا الشخص أو هذا الشيء”.

وقد ضرب مثلا بالتطبيقات التي أخذت بها فرنسا لهذه النظرية كقانون 9 أبريل 1898 المتعلق بالحوادث التي تحصل للعمال بسبب العمل، وقانون 20 يونيو 1899 الخاص بالأضرار التي تلحق بطلبة المؤسسات التعليمية وغيرها من القوانين، وتساءل قائلا: ” أليس من الملائم نقل نظرية الخطر هذه إلى القانون الدولي العام كأساس للمسؤولية الدولية”[84].

هكذا يعتبر رأيه كاتجاه فقهي مبكر نحو تطبيق نظرية المسؤولية المطلقة في مجال العلاقات الدولية.

ويؤكد الفقيه الفرنسي “Saleilles” أن فكرة تحمل التبعة ضرورية لتحقيق العدالة، وأن الأساس في المسؤولية هو مجرد التسبب في إحداث الضرر بصرف النظر عن الخطأ.

وإذا رجعنا إلى مؤتمر الأمم المتحدة حول البيئة الإنسانية المنعقد باستوكهولم سنة 1972، نجد في كلمة افتتاح المؤتمر التي ألقاها سكرتير عام للمؤتمر في الجلسة العامة الأولى، السيد موريس سترونج: “علينا وضع قوانين جديدة للقانون الدولي لتطبيق المبادئ الجديدة للمسؤولية والسلوك الدولي الذي يتطلبه عصر البيئة وأساليب جديدة لتنظيم المنازعات الخاصة بالبيئة “[85].

وهذا ما أكدته الأعمال القانونية، كالمبدأ الواحد والعشرين من مجموعة المبادئ التي تبناها المؤتمر السابق والذي نص على أنه: ” للدول طبقا لميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي، الحق في استغلال مواردها وفقا لسياستها البيئية، كما أن عليها مسؤولية ضمان أن الأنشطة التي تتم داخل ولايتها أو تحت إشرافها، لا تسبب ضررا لبيئة الدول الأخرى أو للمناطق فيما وراء حدود ولايتها”[86].

والمبدأ الثاني والعشرين الذي جاء فيه: “على الدول أن تتعاون لتطوير القانون بشأن المسؤولية وتعويض ضحايا التلوث والأضرار البيئية الأخرى الناتجة عن الأنشطة التي تتم داخل ولاية هذه الدول أو تحت إشرافها والتي تلحق المناطق فيما وراء تلك الولاية”[87].

بالإضافة إلى المبدأين السابقين، ثمة مبادئ أخرى واتفاقيات نصت على ضرورة تطوير قواعد المسؤولية المدنية، كالمبدأ الثالث عشر من مجموعة المبادئ التي اعتمدها مؤتمر الأمم المتحدة الثاني حول البيئة والتنمية المنعقدة في “ريودي جانيرو” بالبرازيل سنة 1992، والذي جاء فيه: ” ينبغي على الدول تطوير القانون الوطني في خصوص المسؤولية والتعويض لضحايا التلوث والأضرار البيئة الأخرى، كما أن عليها التعاون بطريقة نشطة وأكثر تحديدا لتطوير القانون الدولي بشأن المسؤولية والتعويض عن مختلف آثار الأضرار البيئية التي تسببها الأنشطة داخل ولايتها أو تحت إشرافها أو في المناطق فيما وراء تلك الولاية”، واتفاقية قانون البحار الجديد لسنة 1982، والتي نصت في المادة 235 منها: “”لغرض ضمان تعويض سريع وكاف فيما يتعلق بجميع الأضرار الناجمة عن تلوث البيئة البحرية، تتعاون الدول في تنفيذ القانون الدولي القائم، وفي تطوير القانون الدولي المتصل بالمسؤولية والالتزامات الناجمة عنها من أجل تقييم الضرر والتعويض عنه وتسوية النزاعات المتصلة بذلك، وتتعاون حيثما يكون ذلك مناسب، في وضع معايير وإجراءات لدفع تعويض كاف مثل التأمين الإجباري أو صناديق التعويض”[88].

3– تطبيق النظرية في المجال البيئي في إطار العلاقات بين الدول

إن سيطرة التكنولوجيا والوسائل الحديثة، دعت كما سبق ذكره إلى تطوير قواعد المسؤولية المدنية، وهذه الدعوة تجلت بالأخص في مجال الأنشطة الخطرة التي تقوم بها الدول، لذلك حتى يمكن المحافظة على حقوق الدول الأخرى وحقوق الأفراد التي تتعرض للمساس بها، فإن المسؤولية عنها يجب أن تقوم دون حاجة لإثبات الخطأ، وإنما الاكتفاء بالضرر والعلاقة السببية بينه وبين فعل المدعى عليه، وهذا ما نهجه المشرع في المادة 63 من القانون المتعلق بحماية واستصلاح البيئة والتي اعتبر فيها الشخص المعنوي مسؤولا دون الحاجة إلى إثبات خطأ ما بصدد الأنشطة التي يمارسها والتي من شأنها أن تلحق ضررا في صحة الإنسان وبالبيئة، ومن قبيل الضرر بهذا الصدد تلوث البيئة البحرية والتلوث الذري.

فطبيعة هذه الأضرار وفداحة مخاطرها واستحالة إثبات الخطأ القائم بها أوجب الأخذ بالتطور الحاصل للمسؤولية المدنية[89] .

هكذا، وتبعا لما سبق، فإنه ثمة اتفاقيات قررت صراحة الأخذ بنظرية المسؤولية الموضوعية في مجالات ذات صلة مباشرة بحماية البيئة من التلوث، منها: اتفاقية باريس لسنة 1960 والمتعلقة بالمسؤولية من قبل الغير في مجال الطاقة النووية، واتفاقية بروكسيل لسنة 1962 والمتعلقة بمسؤولية مشغلي السفن النووية، واتفاقية بروكسيل لسنة 1969 والمتعلقة بالمسؤولية المدنية عن الضرر الناجم عن التلوث النفطي.

* اتفاقية باريس لسنة 1960 المتعلقة بالمسؤولية من قبل الغير في مجال الطاقة النووية

أبرمت هذه الاتفاقية في باريس بتاريخ 29 يوليوز 1960، ودخلت حيز التنفيذ في أبريل 1968 وقد أجريت عليها عدة تعديلات بتاريخ 28 يناير 1964، و 16 نوفمبر 1982 و 21 شتنبر 1988، وانضمت إليها أربعة عشر دولة[90].

وقد حددت الاتفاقية أسبابا لإعفاء المشغل من المسؤولية والتي حصرتها في أعمال النزاعات المسلحة، أو العدوان أو الحرب الأهلية أو التمرد أو (ما لم يكن هناك استثناء في قانون الدولة العضو)، الكوارث الأرضية الطبيعية ذات الصفة الاستثنائية[91].

لذلك فإن الحادث الذي لا يمكن توقعه ويستحيل دفعه لن يكون سببا لإعفاء المشغل من المسؤولية حتى ولو كان هو السبب الوحيد للحادث النووي[92].

وسعيا لحصول المضرور على تعويض، اشترطت الاتفاقية على القائم بالتشغيل بأن يحتفظ بتأمين أو أي ضمان مالي آخر، يغطي قيمة التعويض المقرر بمقتضى الاتفاقية وبالنوع والشروط التي تحددها السلطات العامة المختصة.

وتبعا لخطورة الضرر النووي واحتمالات عدم ظهوره إلا بعد مرور فترة من الزمن تم رفع مدة الدعوى التي تقام بهذا الصدد إلى عشر سنوات ابتداء من تاريخ وقوع الحادث النووي، وهو ما أكدته المادة الثامنة من الاتفاقية[93].

 

 

* اتفاقية بروكسيل لسنة 1962 المتعلقة بمسؤولية مشغلي السفن النووية

 نظرا للأخطار التي بدأ يشكلها الوقود النووي، أدركت المنظمة البحرية الدولية IMCO، أن تزايد تشغيل السفن بهذا الوقود يؤدي لا محالة إلى مخاطر نووية قد تكون فادحة وتصاحب السفينة أينما أبحرت. ففي المغرب مثلا: نجد بأن القضاء الجنائي عالج لأول مرة أبعاد خطر التلوث بالإشعاع النووي على بيئة العمل في الحكم الصادر بتاريخ 17-12-1984 في الملف الجنحي عدد 1115 بمدينة المحمدية[94].

وبتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية جاءت الاتفاقية محل الموضوع التي نصت أحكامها على أنها واجبة التطبيق على الأضرار النووية[95] التي تنتج عن الحوادث النووية التي تقع في أي مكان في العالم بسبب الوقود النووي، أو البقايا المشعة المتعلقة بسفينة نووية ترفع علم دولة متعاقدة، كما أنها تسري على السفن النووية المسجلة في الدول الأطراف، وتعتبر السفينة نووية حسب هذه الاتفاقية كل سفينة تعمل بواسطة مولد نووي، أي مولد يكون مصدر الطاقة فيه تفاعلا نوويا، سواء كانت هذه الطاقة تستخدم لتسيير السفينة أو لأي غرض آخر، باستثناء السفن الحربية أو السفن التي تمتلكها الدولة وتشغلها لأغراض غير تجارية[96].

وبصدد الأساس القانوني للمسؤولية في هذه الاتفاقية، فهي تأخذ بالمسؤولية المطلقة أو تحمل المخاطر، حيث نصت في المادة الثانية، الفقرة الأولى منها على أنه: ” يعتبر مشغل السفينة مسؤولا مسؤولية مطلقة عن جميع الأضرار النووية عندما يثبت أن هذه الأضرار وقعت نتيجة لحادثة نووية، مسببة عن وقود نووي، أو الفضلات، أو النفايات المشعة التي تتعلق بهذه السفينة”[97].

فقد ركزت هذه الاتفاقية المسؤولية في شخص مشغل السفينة سواء كان مالكا لها أم مستغلا فقط، والحكمة حسب بعض الفقه من هذا التركيز ظاهرة، إلى أن المنفعة التي يستفيد منها المشغلون يجب أن يقابلها تحميلهم مسؤولية أي طرف ثالث، لأن إلزام طرف ثالث بالمسؤولية سوف يؤدي إلى تعقيد الإجراءات الخاصة بالتأمين وإعادة التأمين، وكل ذلك ليس في صالح من يصيبه الضرر.

وهذا ما أكدته المادة الثانية في فقرتها الثانية من الاتفاقية بقولها: “لا يعتبر أي شخص آخر مسؤولا عن الأضرار النووية غير مشغل السفينة”.

هكذا فإن المضرور بكيفية إثبات العلاقة السببية بين الضرر الذي أصابه وبين الحادثة النووية التي وقعت من السفينة دون نظر إلى خطأ المشغل أو عدمه، وهذا التيسير راجع بالضرورة إلى أن الأضرار النووية قد لا تظهر إلا بعد مرور فترة من الزمن منها سرطان الدم والعقم والتشوهات الأخرى.

* اتفاقية بروكسيل لسنة 1969 المتعلقة بالمسؤولية المدنية عن الضرر الناجم عن التلوث النفطي:

تعتمد الاتفاقية[98] كأساس للمسؤولية نظرية المسؤولية المطلقة التي تقع على عاتق مالك السفينة[99]، وقد كان هذا الأساس محل خلاف بين ممثلي الدول الأطراف عند إبرام الاتفاقية، بحيث كان المشروع المقدم من قبل المنظمة البحرية الدولية يقيم المسؤولية على أساس الخطأ، في حين اتجهت الإدارة النهائية للدول الأطراف إلى الأخذ بمبدأ المسؤولية المطلقة التي تقوم على عاتق مالك السفينة دون البحث في توفر نية الخطأ في جانبه.

هكذا فإن المسؤولية يتحملها المشغل الخاص للسفينة أي الشخص المسجل كمالك لها، لكن إذا كانت السفينة غير مسجلة يعد المشغل هو الشخص أو الأشخاص مالكوا هذه السفينة، وإذا كانت السفينة مملوكة لإحدى الدول ومشغلة بواسطة إحدى الشركات المسجلة في هذه الدولة كمشغل لهذه السفينة، فإن هؤلاء المشغلين يعدون بمثابة ملاك لهذه السفينة بموجب هذه الاتفاقية[100].

وإذا كانت الاتفاقية تقضي بأن يكون مالكو جميع السفن التي تسبب التلوث النفطي في حادث واحد مسؤولين بالتضامن والتكافل عن كافة الأضرار التي لا يمكن الفصل بينها بصورة عملية، فإن بروتكول 1984 الذي أدخل تعديلات على الاتفاقية نص على أن مسؤولية هؤلاء الملاك مسؤولية مشتركة ومنفردة عن كل هذا الضرر غير القابل التجزئة على نحو ما لم تخلى مسؤوليتهم بموجب المادة الثالثة من الاتفاقية[101].

 

خلاصة القول أن الحماية المدنية مهما كان سندها القانوني تبقى مجرد مجهودات فردية وخاصة، تهدف أساسا إلى جبر الأضرار الناجمة عن التصرفات الضارة.

هذه الحماية تبقى وسيلة ضعيفة للإستجابة إلى أهمية حماية مكونات البيئة التي تعد ملكا مشتركا للمجموعة الوطنية، وهو ما يبرر ضرورة تدخل من يحل محل هذه المجموعة قانونا للدفاع عن مصالحها هذه من جهة، ومن جهة أخرى فإن الجزاء المدني يفتقر إلى الطابع الزجري الذي معه يتحقق الردع العام والردع الخاص، وهو ما يكون متوفرا في النص الجنائي.

 

 

 

[1] – من التعاريف الفقهية التي أعطيت لمفهوم التلوث نجد:

– التعريف الأول: “التلوث هو تغيير متعمد أو عفوي تلقائي في شكل البيئة ناتج عن مخلفات الإنسان”.

انظر بصدد هذا التعريف: أمين فهمي حسن ” تلوث الهواء، مصادره، أخطاره، وعلاجه” دار العلوم، الرياض، 1984، ص: 53.

– التعريف الثاني: “التلوث هو تغيير الوسط الطبيعي على نحو يحمل معه نتائج خطيرة لكل كائن حي”.

انظر بصدد هذا التعريف:

LUCCHINI (L) : « La pollution du milieu naturel », Journal de Droit international, N°99, 1972, p. 1084.

وبالرجوع إلى الاتفاقيات الدولية نجدها كذلك قد تناولت مفهوم التلوث من اتجاهات مختلفة، فقد عرفته اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لسنة 1982 في المادة 4 منها بأنه: “إدخال الإنسان في البيئة البحرية بما في ذلك مصب الأنهار بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مواد أو طاقة ينجم عنها أو يحتمل أن تنجم عنها آثار لأخطار وإعادة الأنشطة البحرية بما في ذلك صيد الأسماك وغيره من أوجه الاستخدام المشروعة للبحار والحط من نوعية قابلية مياه البحر للاستعمال والاختلال من الترويج”.

هذا التعريف لا يخرج عن المفهوم العام للتلوث البحري الوارد في اتفاقية حماية البحر الأبيض المتوسط من التلوث المبرمة في برشلونة لسنة 1967، واتفاقية الحفاظ على البيئة البحرية للخليج العربي المبرمة في الكويت سنة 1978.

انظر أكثر تفصيلا:

= سعد أحمد محمود: ” إستقراء لقواعد المسؤولية المدنية في منازعات التلوث البيئي”، دار النهضة العربية، القاهرة، 1994، ص: 56.

[2] – هذا التعريف ورد في الفقرة 17 من المادة الثالثة من القانون المتعلق بحماية واستصلاح البيئة 11.03.

[3] – من الفقهاء الذين أخذوا ببادرة تعريفه نجد الفقيه planiol الذي اعتبره بأنه: “إخلال بالتزام سابق”.

– Voir : Planiol et Ripert, Traité élémentaire de droit civil, L.G.D.J, 2eme édition, T.2, Paris, 1926, p. 290.

ويرى SAVATIER الخطأ بأنه: “إخلال بواجب كان في الإمكان معرفته ومراعاته، بحيث إذا وقع الاخلال عن طريق العمد كيف بأنه جرم مدني، وإذا كان غير عمدي كيف بشبه الجرم لأنه ثمة خطأ بسيط، كما اعتبر الخطأ أنه يتكون من عنصرين: أحدهما مادي وهو الواجب الذي يقع الإخلال به، والثاني نفساني وهو امكانية العلم بذلك الواجب”.

– Voir : SAVATER, traité de la responsabilité civil en Droit Français, L.G.D.J 2eme édition, T.I, Paris, 1951, p . 5.

[4] – جاء في نص المادة 1382 والمادة 1383 مدني فرنسي:

Art. 1382 : « Tout fait quelconque de l’homme, qui cause à autrui un dommage, oblige celui par la faute duquel  il est arrivé à le réparer ».

Art. 1383 : « chacun est responsable du dommage qu’il a causé non seulement par son fait, mais encore par sa négligence ou par son imprudence ». V- Dalloz, code civil, Jurisprudence générale Dalloz, 85eme édition, Paris, 1985- 1986, p . 741- 748.

[5] – جاء في المادة 124 مدني جزائري: “كل عمل أيا كان يرتكبه المرء ويسبب ضررا للغير يلزم من كان سبب في حدوثه بالتعويض”.

انظر أكثر تفصيلا:

محمد صبري السعدي: “شرح القانون المدني الجزائري، مصادر الالتزام، الواقعية القانونية، العمل غير المشروع، شبه العقود والقانون”، الجزء الثاني، دار الهدى، عين مليلة، الجزائر، 1991- 1992، ص: 25.

[6] – الفصل 78 من قانون الالتزامات والعقود.

[7] – مأمون الكزبري: ” نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات والعقود، مصادر الالتزام”، الجزء الثاني، الطبعة الثانية، مطابع دار القلم، بيروت، لبنان، 1392- 1972، ص: 382.

[8]– وهو الفصل الذي سوف نتطرق له عند الحديث عن مضار الجوار.

[9] – أسماء علمي: ” الضرر البيئي وقواعد المسؤولية المدنية في القانون المغربي- دراسة مقارنة”، أطروحة لنيل الدكتوراه الوطنية في القانون الخاص، 2004- 2005، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعيــــة الدار البيضاء، ص: 18.

[10] – عبد القادر العرعاري: “النظرية العامة للإلتزامات في القانون المدني المغربي، المسؤولية التقصيرية عن الفعل الضار”، الجزء الأول، دار الأمان، الرباط، 1998، ص: 55- 56.

[11] – وقد عرف Josserand  التعسف في استعمال الحق بأنه نوع من التحايل على الغرض الاجتماعي والاقتصادي للحق سواء كان هذا الغرض من النوع الذي يختص به صاحب الحق أو من النوع الذي يشاركه فيه غيره وإن كان بعض الفقـــه كـ Ripert  قد أعطى لمفهوم التعسف في استعمال الحق تعريفا ضيقا بحيث قرنه بنية الإضرار، وبالتالي فلا يعد تعسفا إذا لم تتوافر نية الإضرار ولو نتج عن استعمال الحق مضايقة للغير.

انظر بهذا الصدد التضاربات الفقهية، لعبد القادر العرعاري، نفس المرجع المذكور أعلاه، ص: 57.

 

[12] – وقد أكد القضاء المغربي هذا المبدأ في العديد من القرارات منها: القرار الصادر من المجلس الأعلى: ” إن الضرر الذي يحق للشخص أن يطالب برفعه إذا توافرت إحدى حالات التعسف في استعمال الحق المنصوص عليها قانونا، هو الضرر المحقق بأن يكون قد وقع فعلا أو وقعت أسبابه وترامت آثاره إلى المستقبل ولا عبرة لدى القاضي بالضرر الاحتمالي المبني على الوقائع التي قد تقع وقد لا تقع”. وهذا القرار يقرر مبدأ التعسف في استعمال الحق المستفاد من الفصول 91- 92- 94 من قانون الالتزامات والعقود. القرار رقم 21 الصادر بتاريخ 21/01/1976، في الملف المدني عدد 46634، الغرفة المدينة، مجلة القضاء والقانون، العدد 127، السنة 17 محرم 1398 هـ، يناير 1978 م، ص: 71- 73.

 

[13] – وهي الفصول التي سوف نتطرق لها عند الحديث عن مضار الجوار كمظهر من مظاهر التعسف في استعمال الحق.

[14] – – بينما المادة الرابعة جاء فيها: “من استعمل حقه استعمالا مشروعا لا يكون مسؤولا عما يشأ عن ذلك من ضرر”.

– المادة الخامسة: ” يكون استعمال الحق غير مشروع في الأحوال الآتية:

– إذا لم يقصد به سوى الإضرار بالغير.

– إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها قليلة الأهمية بحيث لا تتناسب البتة مع ما يصيب الغير من ضرر بسببها.

– إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها غير مشروعة.

 

[15] – MEKOUAR (M.A) : « Etudes en Droit de l’environnement », Editions OKAD. Rabat, 1988, p . 15.

[16] – هناك فرق شاسع بين المفهوم التقليدي للضرر كما سطره المشرع في القانون المدني، والمفهوم الجديد للضرر الإيكولوجي. فالضرر الإيكولوجي يتميز عن الضرر التقليدي المرتبط بمشاكل الجوار تميزا يصل إلى حد القطيعة، فهو أي الضرر الإيكولوجي، ضرر غير قابل للإصلاح في أغلب الأحيان، ويتجلى على شكل سيرورات تراكمية، وله علاقة وطيدة بدرجة التقدم التكنولوجي، وهو يتعدى الممتلكات الفردية إلى التوازنات البيئية غير القابلة للتجزئة، ويتحدى جميع الحدود الشكلية التقليدية: ملك عام ملك خاص، حدود عقارية، حدود سياسية … إلخ.

 

[17] – هذا يعني أن المضار الناشئة عن مضايقات الجوار يتعين فيها أن تكون على قدر من الخطورة والجسامة، أما إذا كانت مألوفة ونابعة عن الالتزامات العادية للجوار، كالدخان الناجم عن إعداد وجبات الطعام اليومية، والضجيج المألوف في إطار التعايش الجماعي داخل العمارات، فإنها لا تستوجب الضمان.

 

[18] – ظهير شريف رقم 1.30.59 صادر في 12 ماي 2003 بتنفيذ القانون رقم 11.03 المتعلق بحماية واستصلاح البيئة.

[19] – المادة 76 من الظهير الشريف رقم 1.03.59 الصادر في 12 ماي 2003 بتنفيذ القانون رقم 11.03 المتعلق بحماي واستصلاح البيئة.

[20] – ظهير شريف رقم 1.03.61 صادر في 12 ماي 2003 بتنفيذ القانون رقم 13.03 المتعلق بمكافحة تلوث الهواء.

[21] – هشام أشكيح: “الإطار التشريعي والمؤسساتي لحماية البيئة بالمغرب”، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، شعبة القانون العام، 2010- 2009، جامعة محمد الخامس، أكدال، الرباط ،ص: 227- 228- 229- 230.

[22] – عبد القادر العرعاري: مرجع سابق، ص: 42.

والمشرع بالرغم من أنه لم يذكر الشخص المعنوي في الفصلين 77 و 78 قانون الالتزامات والعقود فهناك الكثير من النصوص التي تؤكد مسؤولية الشخص المعنوي، من ذلك الفصل 79 والفصل 80 من قانون الالتزامات والعقود.

– فقد جاء في الفصل 79: ” الدولة والبلديات مسؤولة عن الأضرار الناتجة مباشرة عن تسيير إدارتها أو عن الأخطاء المصلحية لمستخدميها”.

والفصل 80 نص على أن: ” مستخدموا الدولة والبلديات مسؤولون شخصيا عن الأضرار الناتجة عن تدليسهم أو عن الأخطاء الجسيمة الواقعة منهم في أداء وظائفهم، ولا يجوز مطالبة الدولة والبلديات بسبب هذه الأضرار، إلا عند إعسار الموظفين المسؤولين عنها”.

انظر أكثر تفصيلا:

مأمون الكزبري: مرجع سابق، ص: 504- 506.

[23] – ما نريد إثارته بهذا الصدد هو أن التطرق لمسؤولية الدولة القائمة على الخطأ في المجال البيئي لن يكون مرجعنا في ذلك لقانون الالتزامات والعقود أو للقوانين الجديدة والتي أقرت بدورها مسؤولية الشخص المعنوي وإنما إلى ما جاءت به الدراسات الفقهية في هذا المجال في إطار الفقه المقارن نظرا لعدم وجود مرجع لذلك في إطار القوانين السابقة، والدافع لذلك هو ما لهذا الموضوع من أهمية في المجال البيئي.

 

[24] – من الدراسات الفقهية في موضوع المسؤولية الدولية:

CCIOLY (H.A) : « Principes généraux de la responsabilité internationale d’après la doctrine et la jurisprudence », recueil des cours de l’académie de droit international, volume 96, 1959, p . 350- 441.

ET ZEMANEK (K) : « La responsabilité des Etat pour fait internationalement illicite ainsi que pour fait internationalement licite », pedone, Paris, 1987, p . 1- 81.

 

[25] – عرفها معهد القانون الدولي بتاريخ 1927 في تقريره بأنها: ” الدولة تعد مسؤولة عن كل فعل أو امتناع يتنافى مع التزاماتها الدولية، أيا كانت سلطة الدولة التي أتته، تشريعية، أو قضائية أو تنفيذية”.

وفي مشروع قانون المسؤولية الدولية الذي أعدته جامعة هار فارد بتاريخ 1929 والمعدل بتاريخ 1961، عرفت المسؤولية الدولية في مادتها الأولى بأنها: ” تسأل الدولة دوليا عن الأفعال، أو الامتناع الذي ينسب إليها ويسب ضررا للأجانب ويقع واجبا عليها إصلاح الضرر الذي أصاب الأجنبي مباشرة أو لمن يخلفه أو للدولة التي تطالب به”.

[26] –  في قضية مصنع شورزوف بين ألمانيا وبولندا بتاريخ 1927، قضت المحكمة الدائمة للعدل الدولي: (بأن من مبادئ القانون الدولي، وكمفهوم عام للقانون أيضا، أن أي إخلال بتعهد يستوجب الالتزام بإصلاح الضرر)، وأضافت المحكمة أن هذا الالتزام يصل قائما بذاته ودون حاجة إلى النص عليه في الاتفاق الذي وقع الإخلال به.

 

[27] – عرفها الفقيه “شارل روسو” بأنها: (وضع قانوني تلتزم بوجبه الدولة التي ينسب إليها ارتكاب فعل غير مشروع، وفقا للقانون الدولي، بأن تصلح الضرر الذي لحق بالدولة التي ارتكبت في مواجهتها هذا الفعل).

 

 

[28] – يعرفها الدكتور محمد حافظ غانم بأنها: “الوضع الذي ينشأ حينما ترتكب دولة أو شخص آخر من أشخاص القانون الدولي، فعلا يستوجب المؤاخذة وفقا للمبادئ والقواعد القانونية المطبقة في المجتمع الدولي”.

ويعرفها الأستاذ صلاح الدين عامر بأنها: ” مجموعة من القواعد القانونية التي تحكم أي عمل أو واقعة تنسب إلى أحد أشخاص القانون الدولي، وينجم عنها ضرر لشخص آخر من أشخاص القانون الدولي، وما يترتب على ذلك من التزام الأول بالتعويض”.

وعرفها الدكتور محمد طلعت بأنها: “الالتزام الذي يفرضه القانون الدولي على الشخص بإصلاح الضرر لصالح من كان ضحية تصرف أو امتناع أو تحمل العقاب جزاء هذه المخالفة”.

للمزيد من التوضيح:

انظر بشير نبيل: ” المسؤولية الدولية في عالم متغير”، الطبعة الأولى، مطبعة عبير، 1994، ص: 123.

 

[29] – أحمد عبد الكريم سلامة: ” قانون حماية البيئة”، دراسة تأصيلية على الأنظمة الوطنية والاتفاقية، جامعة الملك سعود، النشر العلمي والمطابع، الرياض، 1997، ص: 453.

[30] – – يرجع في ظهور هذا الأساس إلى المدرسة الإيطالية بزعامة “أنزيلوتي”، فمسؤولية الدولة عنده تقوم على إخلالها بالتزاماتها التي يفرضها القانون الدولي، وأن الفعل المنشئ لهذه المسؤولية هو الفعل غير المشروع دوليا.

انظر أكثر تفعيلا:

صلاح هاشم: مرجع سابق، ص: 58.

 

[31] – هذه النظرية لا يؤخذ بها في إطار المسؤولية الدولية إلا بناء على معاهدات دولية، وفي أنشطة ذات خطورة بالغة، وهو الأمر المطبق في الاتفاقيات التي تنظم الاستخدام السلمي للطاقة النووية وأنشطة ارتياد الفضاء الخارجي.

 

[32] – لقيت هذه النظرية إقبالا لدى الفقهاء، حيث قال بهذا الصدد الدكتور حافظ غانم: “أصبح من المحتم في الوقت الحالي أن تتطور قواعد القانون الدولي في نفس الطريق الذي سارت فيه قواعد القانون الداخلي، وأن نأخذ بنظرية المسؤولية المطلقة في بعض الأحوال التي تقوم فيها الدولة بممارسة أو بالسماح بممارسة نشاط ذي طابع شديد الخطورة، وذلك حتى يمكن ملاءمة قواعد القانون الدولي مع التطورات الحديثة، وحتى نحافظ على حقوق الدول الأخرى وحقوق الأفراد التي قد تتعرض للمساس بها بشكل خطير”.

انظر أكثر تفصيلا: حافظ غانم: “الوجيز في القانون الدولي العام”، دار النهضة العربية، القاهرة، 1973، ص: 503.

 

[33] – – وتفاديا للتساؤل الذي يمكن أن يطرح هنا، لماذا تم إقحام المسؤولية القائمة على الفعل غير المشروع ضمن المسؤولية المدنية التقليدية القائمة على الخطأ، فإن التبرير يكمن في أن هذا النوع من المسؤولية كالمسؤولية القائمة على الخطأ يقوم على ثلاثة عناصر:

1- ارتكاب عمل مخالف لقواعد القانون الدولي وللإلتزامات التي يفرضها، وهو ما يرادف مفهوم الخطأ في إطار المسؤولية التقليدية.

2- انتساب ذلك العمل إلى الدولة.

3- أن يكون هناك ضرر بيئي.

 

[34] – – مفهوم الخطأ في هذا الإطار يختلف عن المفهوم المحدد له في إطار القانون الداخلي، والذي يدور حول الإخلال بالتزام سابق مع الإدراك لهذا الإخلال، في حين أنه في إطار القانون الدولي الخطأ هو عمد غير مشروع أو إهمال.

 

[35] – سعد أحمد محمود: مرجع سابق، ص: 177.

[36] – ومنهم الفقيه “روسو” حيث يقول بهذا الصدد: “إن نظرية الخطأ تقوم على عناصر ذات طابع نفسي من الصعب تحليلها وقياسها، كما أنها مستمدة من القانون الخاص الذي تختلط فيه عادة فكرة مخالفة القانون بفكرة الخطأ، ولا يمكن نقلها كما هي إلى وسط العلاقات بين الدول، كما أنها تؤدي إلى تعقيد غير مفيد في العلاقات الدولية”.

[37] – محمد سمير فاضل: ” المسؤولية الدولية عن الأضرار الناتجة عن استخدام الطاقة النووية وقت السلم، عالم الكتب، القاهرة، 1976، ص: 227.

[38] – عبد الواحد محمد الفار: “الالتزام الدولي بحماية البيئة البحرية والحفاظ عليها من أخطار التلوث”، دراسة قانونية في ضوء اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار سنة 1982، دار النهضة العربية، القاهرة، 1985، ص: 114.

[39] – غانم محمد حافظ: ” مبادئ القانون الدولي العام”، دار النهضة العربية، القاهرة، 1967، ص: 675.

[40] – – اتفاقية جنيف المتعلقة بالبحار، المبرمة بتاريخ 29 أبريل 1958، دخلت حيز التطبيـــق ابتـــــــداء من تاريـــخ 30 شتنبر 1962.

 

[41] – – اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، أبرمت بتاريخ 10 دجنبر 1982 وقد جاءت كتنظيم قانوني  شامل ودقيق ومحدد لكافة الجوانب المتعلقة بالبحار، وقد تضمنت 320 مادة، ومن المواد التي شملت حماية البيئة البحرية والحفاظ عليها من التلوث نجد المواد من 192 إلى 237 من الاتفاقية.

 

[42] – – لتوضيح مبدأ حسن الجوار في إطار العلاقات بين الدول في المجال البيئي، يرجع إلى:

IFTENE (pop) : « Voisinage et bon voisinage en Droit international », publication de la Revue Juridique de Droit International, Nouvelle série, N°34, Edition A. Pedone, Paris 1980, p.p .160- 179.

 

[43] – عبد الواحد محمد الفار، مرجع سبق ذكره، ص: 65.

[44] – – يقول بهذا الصدد الفقيه أندراسي Andrassy: ” إن الجوار فكرة نسبية، وكل حالة يجب تقديرها وفقا لظروفها الخاصة… فيوجد إذن حالة جوار وقانون جوار دون ما حاجة لوجود اتصال إقليمي”.

يراجع بهذا الصدد:

ANDRASSY (J) : « Les relations internationales de voisinage », Recueil de la cours de lahaye, T. 11.79, 1951, p . 61.

 

[45] – عبد الواحد محمد الفار، نفس المرجع المذكور أعلاه، ص: 469.

[46] – – كما أن أعمال اللجنة الثالثة لمؤتمر تقنين القانون الدولي بلاهاي سنة 1930 قررت بأن كل إخلال بالالتزامات الدولية يستوجب المسؤولية إذا صدر عن أحد أجهزتها التشريعية أو التنفيذية ضمن أراضيها وألحق بأحد الأجانب ضررا في شخصه أو في أمواله.

 

[47] – مرجع سابق، ص: 487.

[48] – – كما يتمثل تقاعس السلطة التشريعية أيضا عن امتناعها عن وضع القوانين والنظم اللازمة لحماية النظم الإيكولوجية النادرة أو السريعة التأثر وكذلك كل أشكال الحياة البرية والبحرية.

[49] – بشير نبيل: مرجع سابق، ص: 161- 163.

[50] – – اللتين جاء فيهما:

المادة 223: “تتخذ الدول، في الدعوى المقامة عملا بهذا الجزء تدابير لتسهيل سماع الشهود وقبول القرائن المقدمة من سلطات دولة أخرى أو من المنظمات الدولية المختصة، وتسهيل حضور هذه الدعوى للممثلين الرسميين للمنظمة الدولية المختصة ولدولة العلم ولأية دولة تأثرت بالتلوث الناتج عن أي انتهاك، ويكون للمثلين الرسميين الذين يحضرون هذه الدعوى الحقوق والواجبات التي قد تنص عليها القوانين والأنظمة الوطنية أو القانون الدولي”.

– أما نص المادة 235 فقد جاء فيها: “تكفل الدولة أن يكون الرجوع إلى القضاء متاحا وفقا لنظمها القانونية من أجل الحصول السريع على تعويض كاف أو على أية ترضية أخرى فيما يتعلق بالضرر الناتج عن تلوث البيئة البحرية الذي يسببه الأشخاص الطبيعيون أو الاعتباريون الخاضعون لولايتها”.

 

[51] – FORNASIER ( R), « Le Droit International face aux risques nucléaires, annuaire français de droit international, T4, 1964, p . 303.

[52] – وهذا ما ثبت في حادثة “أموكوكاديس”، حيث استمر البحث عن المتسبب في الحادثة مدة عشر سنوات، وقد وقعت هذه الحادثة بتاريخ 16 مارس 1978 في عرض سواحل بريطانيا ونتج عنها أكبر حادثة للتلوث بالبترول، حيث تسببت في إفراغ 230 ألف طن امتدت إلى السواحل الفرنسية.

 

[53] – نأخذ كمثال لتعدد مصادر التلوث وصعوبة تحديد المصدر الرئيس لظاهرة التلوث بمدينة أنزا، فمصادر التلوث بهذه المنطقة تتعدد كما يلي:

1- شبكة الصرف الصحي وهي تتكون من:

– مصبات الوحدات الصناعية وكل وحدة صناعية تتوفر على قناة أو قنوات للصب مباشرة في البحر، وهي تتفرع بين مصبات معامل دقيق السمك بما تحتويه من بقايا الأسماك ومصبات مستودعات الوقود المحملة بالمواد البترولية ومصانع المواد الكيماوية التي تشتغل دون رقابة.

– مصبات أحياء الصفيح بما تضمه من نفايات منزلية.

– قنوات شبكة التطهير في مجاري مياه الأمطار.

2- الصناعات الملوثة، حيث النسيج الصناعي يتكون من:

– 10 مصانع لتصبير السمك.

– 6 شركات للتبريد.

– 3 مصانع لدقيق السمك.

– 3 مستودعات لتخزين المواد النفطية.

– 3 معامل للإسمنت.

– معمل للزيوت.

– معمل للأسمدة والمواد الكيماوية.

– مخازن لدقيق السمك.

– فتبعا لهذه المعطيات السابقة فإن شاطئ أنزا يعاني من تلوث تجاوز كل المعايير المعمول بها دوليا، بحيث أن كثافة “الكوليفورم” البرازي تبلغ أكثر من 5400 وحدة جرثومية في 100 ميليتر في مقابل 2000 وحدة (100 ملل كمعيار أوربي)، بينما تبلغ الكثافة الإجمالية لنفس المادة 28.000 وحدة في 100 ملل مقابل 10.000 وحدة فقط طبق نفس المعيار. بالإضافة إلى ما ينفته معمل الإسمنت من غبار سام خاصة أثناء الليل الشيء الذي يؤدي إلى إصابة سكان مدينة أنزا بحالات الربو.

كما أن التحاليل المخبرية تفيد أن حمولة مياه البحر بأنزا من المعادن الثقيلة مثل الرصاص والتي يجب أن لا تتجاوز 5 ميكروغرام في اللتر الواحد تتراوح بهذا الشاطئ ما بين 6 و 10 ميكروغرام الشيء الذي يسبب في تسممات خطيرة تؤدي   = إلى السرطان، كما أن الزئبق والكاديوم تتجاوز قيمته المعيار الدولي والمحدد بالنسبة للكاديوم في 1 ميكروغرام بدل 3 ميكروغرام في اللتر الواحد في هذه المدينة.

انظر: جريدة الاتحاد الاشتراكي، عدد 5902، الجمعة 27 جمادى الثانية 1420/ 8 أكتوبر 1999.

 

[54] – أسماء علمي: مرجع سابق، ص: 85.

[55] – أوضح المشرع المغربي في نص المادة 85 من قانون الالتزامات والعقود بأن: “الشخص لا يكون مسؤولا عن الضرر الذي يحدثه بفعله فحسب، لكن يكون مسؤولا أيضا عن الضرر الذي يحدثه الأشخاص الذين هم في عهدته”.

تم تعداد في الفقرات الموالية من نفس المادة مختلف فئات الأشخاص الذين يمكن مساءلتهم عن فعل الغير كما يلي:

الفئة الأولى: الأب فالأم بعد موته بالنسبة للضرر الذي يحدثه أبناؤهما القصر المقيمون معهما.

الفئة الثانية: المخدوم والمتبوع بالنسبة للضرر الذي يحدثه الخادم أو التابع.

الفئة الثالثة: أرباب الحرف بالنسبة للضرر الذي يحدثه متعلموهم ماداموا تحت رقابتهم.

الفئة الرابعة: الأب والأم وغيرهما من الأقارب والأزواج بالنسبة للضرر الذي يحدثه المجانين وغيرهم من مختلي العقل إذا كانوا يقيمون معهم، وكذلك من يتحمل بمقتضى عقد رعاية هؤلاء الأشخاص أو رقابتهم.

ويضيف في الفصل 85 مكرر من نفس القانون “المعلمون وموظفوا الشبيبة والرياضة بالنسبة للضرر الحاصل من الأطفال والشبان خلال الوقت الذي يوجدون فيه تحت رقابتهم”.

 

[56] – مأمون الكزبري: مرجع سابق، ص: 91.

[57] – نفس المرجع السابق، ص: 451.

[58]– Cass. Civ : 8.2.1972. J.C.P . 1972, II. 17176.

 

[59]– Trib. Paris : 19.12.1904, D.P . 1905.2.12.

 

[60]– Trib. Paris : 9.12.1904.5. 1905.2.175.

 

[61]– Cass. Civ : 24.51971, B. Civ.II.N°189, p 135.

[62] – أسماء علمي: مرجع سابق، ص: 94- 95.

[63] – للمزيد من التوضيح حول هذا النوع من المسؤولية يمكن الرجوع إلى:

سعيدة علمي: “مسؤولية المتبوع عن فعل التابع في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي”، رسالة دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص، 1990- 1991، كلية الحقوق بالدار البيضاء، ص: 56- 57.

[64] – مأمون الكزبري: المرجع السابق، ص: 455- 462.

[65] – أحمد عبد الرزاق السنهوري: “الوسيط في شرح القانون المدني”، حق الملكية، الجزء الثامن، دار إحياء التراب العربي، بيروت، لبنان، 1967، ص: 1170.

[66] – – قرار المجلس الأعلى في الحكم الصادر عنه بتاريخ 8-1-1959، فالمتبوع يسأل مدنيا عن الأضرار التي تسبب فيها التابع للغير إذ يكفي أن يكون الفعل الضار مرتبطا بأسباب الوظيفة التي يتولى إنجازها، ويتعلق مضمون هذا القرار: “بالتابع الذي نقل صندوقا للمتفجرات لمنزله مخافة سرقته من الورش الذي كان يعمل به وذلك دون إخبار متبوعه بهذا العمل، وقام أحد أبنائه القاصرين بتوزيعها على زملائه اعتقادا منه على أنها متفجرات عادية فتسبب انفجارها في إصابة أحد الأطفال بجروح بليغة”.

انظر: المجلة المغربية للقانون، لسنة 1959، ص: 79.

 

[67] – عبد القادر العرعاري: المرجع السابق، ص: 123- 136.

[68] – محمد لبيب شنب: “دروس في نظرية الالتزام، مصادر الالتزام”، القاهرة، 1976، ص: 409.

[69] – FORNASIER (R), op. cit, p . 303.

[70] – سعد أحمد محمود: المرجع السابق، ص: 352.

[71] – أحمد عبد الكريم سلامة: مرجع سبق ذكره، ص: 472.

[72] – سعد أحمد محمود:مرجع سابق، ص: 305.

[73] – V.MAZEAUD (H et L), «  Traité théorique et pratique de la responsabilité civil délictuelle et contractuelle », édition Paris, P. 76 et p. 432.

[74] – حسين عامر: ” المسؤولية المدنية التقصيرية والعقدية”، مطبعة مصر، القاهرة 1965، ص: 162.

[75] – نفس المرجع السابق، ص: 163.

[76] – سعد أحمد محمود: مرجع سابق، ص: 308- 309.

[77] – أمال جلال: ” مسؤولية المؤاجر عن حوادث الشغل والأمراض المهنية في التشريع المغربي”، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في القانون الخاص، 1974- 1975، كلية الحقوق الرباط، ص: 8.

[78] – محمد الكشبور وبلعيد كرومي: “حوادث الشغل والأمراض المهنية، المسؤولية والتعويض مع قراءة في القانونين 18.01 و 60.03 “، الطبعة الثانية، مطبعة النجاح الجديدة، 2004، ص: 35.

[79] – – يقول بهذا الصدد روسو: “إن نظرية الخطأ تقوم على عناصر ذات طابع نفسي من الصعب تحليلها وقياسها، كما أنها مستمدة من القانون الخاص الذي تختلط فيه عادة فكرة مخالفة القانون بفكرة الخطأ، ولا يمكن نقلها كما هي إلى وسط العلاقات بين الدول، كما أنها تؤدي إلى تعقيد غير مفيد في العلاقات الدولية”.

 

[80] – هذا الاختلاف جاء كتبرير بأن الدول المتسببة في التلوث تستطيع أن تفلت من المسؤولية لاسيما إذا كان نشاطها مشروعا ولا يعد خرقا لأي قاعدة من قواعد القانون الدولي أو أي التزام دولي.

 

[81] – أحمد عبد الكريم سلامة: المرجع السابق، ص: 474.

[82] – – من ذلك مشروع تدوين القانون الدولي لسنة 1911، والذي أعده الفقيه الإيطالي “بسكال فيور“، حيث جاء في المادة 594 منه على أنه: “تسأل الدولة مسؤولية مباشرة عن الأعمال التي تقوم بها حتى ولو كانت مشروعة ومبررة، مادامت تلحق أضرارا بدول أجنبية أو برعاياها” وكذلك المادة 598 من نفس المشروع التي جاء فيها: “لا تعفى الدولة من المسؤولية إذا قامت بعمل لا يجرمه القانون الدولي، مادام أن هذا العمل قد ألحق الضرر بدولة أجنبية أو برعاياها وقامت الحكومة بإدارتها”.

[83] – محمد سمير فاضل: مرجع سابق، ص: 322.

[84] – نفس المرجع السابق، ص: 324- 325.

[85] – أحمد عبد الكريم سلامة: مرجع سابق، ص: 449.

[86] – صلاح هاشم: مرجع سابق، ص: 409.

[87] – نفس المرجع السابق، ص: 114.

[88] – أحمد عبد الكريم سلامة: مرجع سابق، ص: 450.

[89] – يقول البعض بهذا الصدد: ” من الأهمية البالغة لحماية البيئة وصيانتها أن تبنى المسؤولية على مجرد إثبات وجود علاقة السببية بين النشاط والضرر أكثر من أن تبنى فقط على نية الضرر أو على سلوك خاطئ آخر”.

 

[90] – محمد حسين عبد العال: “المسؤولية المدنية عن الاستخدام السلمي للطاقة النووية- دراسة مقارنة- دار النهضة العربية، 1996، ص: 62.

[91] – محمد سمير فاضل: مرجع سابق، ص: 348.

[92] – هذا الحل يراه البعض أنه يتسم بالقسوة بالنسبة للمستغل، خصوصا إذا تخيل المرء العمليات التخريبية الإرهابية والسياسية التي يرتكبها فرد أو جماعة صغيرة، مما لا يدخل في عداد الأسباب الواردة في الاتفاقية، وقد أثبتت التجربة أن الوقاية منها تتزايد صعوبتها أكثر فأكثر.

[93] – صلاح هاشم: مرجع سابق، ص: 370- 371.

[94] – للإطلاع على وقائع الحكم (انظر ص: 37-38. من مجلة أبحاث في الفقه والقضاء على ضوء الاتجاهات الحديثة للمجلس الأعلى.

[95] – – المقصود بالضرر النووي: ” الخسائر في الأرواح، أو الإصابات والخسائر والأضرار التي تحدث في الممتلكات الناتجة عن الخواص الإشعاعية أو عن اجتماع الخواص الإشعاعية والسامة والإنفجارية وكل ما ينتج عن الوقود النووي، أو النفايات المشعة أو أي خسائر أو أضرار أخرى”.

 

[96] – هذا الاستثناء قد يكون غير وجيه في نظرنا، لأن السفن الحربية قد تكون أكثر مسبب للتلوث نظرا لما تحمله من مواد وأسلحة نووية، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى ضياع حقوق الكثير من المضرورين تحت ستار فكرة الحصانة والسيادة.

 

[97] – أحمد عبد الكريم سلامة: مرجع سابق، ص: 558.

[98] – بعد فداحة الأضرار الناتجة عن التلوث بالبترول للبيئة البحرية، بعد كارثة الناقلة الليبرية “توري كانيون” سنة 1967، دعت المنظمة البحرية الدولية IMCO إلى إبرام هذه الاتفاقية التي كانت الأولى في هذا المجال، واستجابت الدول لتلك الدعوى، حيث انعقد مؤتمر دبلوماسي في مدينة بروكسيل البلجيكية بتاريخ 1969 لمناقشة ووضع قواعد تنظيم المسؤولية المدنية عن الأضرار التي يسببها التلوث بالبترول، وانتهى المؤتمر إلى عقد هذه الاتفاقية بتاريخ 29 نوفمبر 1969، وبدأ سريانها ابتداء من تاريخ 19 يونيو 1975.

للمزيد من الإيضاح حول هذه الاتفاقية برامج بهذا الصدد:

W.U(chao), « La pollution du fait de transport maritime des hydrocarbures, » pedone, Monaco, 1994, p . 45- 94.

 

[99] – – وهو ما أكدته الفقرة الأولى من المادة الثالثة من الاتفاقية بقولها:

« Le propriétaire du navire au moment d’un événement au, si l’événement consiste en une succession de faites, au moment du premier de ces faites, est responsable de tout          =dommage par pollution causée par  le navire et résultant de l’événement sauf dans les cas prévus aux paragraphes 2 et 3 du présent article ».

QUENEUDEC (Jean-Pierre), « conventions maritimes internationales », Edition A- Pedone, Paris, p . 730.

 

[100] – وقد حددت الفقرة الثالثة من المادة الأولى “المالك” بنصها على أنه:

« Propriétaire » signifie la personne ou les personnes au nom de laquelle ou desquelles le navire est immatriculé ou ; à défaut d’immatriculation, la personne ou les personnes dont le navire est la propriété. Toutefois, dans le cas de navires qui sont propriétés d’un Etat et exploités par une compagnie qui, dans cet Etat, est enregistrée comme étant l’exploitation des navires, l’expression « propriétaire désigne cette compagnie ».

Voir : QUENEUDEC, op. cit, p . 729.

 

[101] – أسماء علمي: مرجع سابق، ص: 126- 127.