المسؤولية المحدودة لمجهز السفينة وفق القانون البحري المغربي

574

 

 

المسؤولية المحدودة لمجهز السفينة وفق القانون البحري المغربي

 

ايمان النوري

أستاذة باحثة بكلية العلوم القانونية

والاقتصادية والاجتماعية

سطات

 

 

يخضع مجهز السفينة للقواعد العامة في المسؤولية المدنية، فمتى انعقدت هذه المسؤولية كان جزاؤها هو التعويض عن كامل الضرر، وما لحق الدائن المتضرر من خسارة وما فاته من كسب وتكون أموال المدين ضامنة للوفاء بديونه، أي أن التعويض عن الضرر يكون هدفه محو آثار هذا الأخير بصفة تامة وكاملة، وبالاستناد إلى هذه القواعد فإن مجهز السفينة يكون مسؤولا عن الأخطاء الشخصية التي تقع منه في الإرسالية البحرية، وهو مسؤول عنها في ذمته أو أمواله جميعها، إذ هي ضامنة للوفاء بديونه كما سبقا إلى ذلك الإشارة.

وإذا سايرنا هذه القواعد فإن مجهز السفينة يعد مسؤولا عن التصرفات التي يبرمها الربان وعن الأخطاء التي تقع من هذا الأخير والتابعين البحريين بوجه عام حال تأدية أعمالهم أو بسببها، والأصل أن تنبسط مسؤوليته هذه على كافة أمواله تطبيقا للقواعد العامة سواء في ذمته البحرية أو المالية.

و وفقا لهذه القواعد يكون للمتضرر من أفعال أو تصرفات الربان أو البحارة أن يرجع بالتعويض كاملا على مجهز السفينة.

إلا أن هذه القاعدة العامة في التعويض في الحالة الثانية يحد منها مبدأ تحديد المسؤولية في القانون البحري إذ لوحظ أن مجهز السفينة يتعرض لمسؤوليات متعددة قبل الغير، خاصة متى وقع حادث من السفينة ترتب عليه إلحاق أضرار شتى بالمسافرين والشاحنين وقد تؤدي مطالبات هؤلاء الأشخاص بالتعويضات المستحقة لهم إلى تعرض المجهز للإفلاس وفي هذا خطر بالغ على الملاحة التجارية[1]، ومن ثم تقرر مبدأ تحديد مسؤولية مجهز السفينة والتي تقضي بأن يكون المتضرر على قدر ما أصابه من ضرر نظر لجسامة المخاطر البحرية[2]، فتحديد مسؤولية المجهز عن تصرفات وأفعال الربان والبحارة قد أصبح اليوم أمرا مسلما به عالميا[3]، بحيث أصبح قاعدة تأخذ به جميع التشريعات البحرية على اختلاف بينها في التطبيق[4].

و يشكل تحديد مسؤولية مالك السفينة ومجهزها موضوع القسم الثاني من الكتاب الثاني للقانون البحري المغربي (الفصول 124 إلى 139) وباستقراء هذه الفصول يتضح أن المشرع قد تبني نظام تحديد مسؤولية مالك السفينة ومجهزها الذي أخذ بمشروع مراجعة الكتاب الثاني من قانون التجارة الفرنسي ويلاحظ أن كلا النصين قد تبنيا النظام الذي أخذ به القانون الأنجليزي الصادر سنة  1894 (الفصل 503) والمشروع التمهيدي الثالث عشر لمؤتمر بروكسل المنعقد سنة 1910 وهو نظام مبني على المسؤولية الشخصية[5].

أولا: نطاق تطبيق المبدأ

ولما كان تحديد المسؤولية هو استثناء من الأصل فقد قرر المشرع شروطا لإمكان الخروج عن القاعدة الأصلية وهي المسؤولية المطلقة عن تعويض كامل للضرر.

والأمر يتطلب هنا دراسة نطاق تطبيق هذا المبدأ من حيث:

  • الأشخاص المستفيدين من المبدأ.
  • الالتزامات التي يجوز تحديد المسؤولية عنها.

 

 

 

أ الأشخاص المستفيدون من تحديد المسؤولية:

1 – مالك السفينة: يتضح لنا من خلال الفصل 124 من ق.ب.م أن خطاب المشرع يتوجه إلى مالك السفينة على اعتبار أن نظام تحديد المسؤولية قام تاريخيا حول محور شخص المالك حيث كانت  صفة المالك والمجهز تجتمعان في شخص مالك السفينة[6]، وبالتالي فإن الأصل أن مالك السفينة هو الذي له الحق في التمسك بتحديد المسؤولية ولو لم يكن مجهزا لها.

وقد تكفل الفصل المشار إليه أعلاه بالتوفيق بين مصلحة مالك السفينة ومصلحة من أصابهم ضرر خلال تنفيذ الرحلة البحرية التي تقوم بها السفينة، فمن جهة قرر مسؤولية مالك السفينة عن هذه الأضرار مما يرتب في ذمته التعويض لهؤلاء المتضررين ومن جهة أخرى فقد حدد هذه المسؤولية بقدر قيمة السفينة وأجرتها وملحقاتها[7].

2 – الربان المالك: ينص الفصل 128 من ق.ب.م على أنه يجوز للمالك الذي هو في نفس الوقت ربان السفينة أن يحصر مسؤوليته في حدود المقتضيات الواردة في الفصول من 124 إلى 127 ما عدا في حالة التدليس.

ويظهر واضحا من هذا النص أن الربان سواء أكان مالكا للسفينة كلها أوجزء منها على الشياع فإنه يستفيد من مبدأ تحديد المسؤولية والتي يتم تقديرها على أساس الحجم الصافي لكل السفينة في الحالة الأولى، أو في حدود الجزء الذي يملكه في السفينة في الحالة الثانية كما يظهر منه أنه يتعلق بكل أنواع المسؤولية تعاقدية كانت أو تقصيرية ودون تمييز بين التسيير التجاري والتسيير الملاحي[8]، وبالتالي فإنه يمكن القول في ظل هذا الفصل بمسؤولية المالك الربان عن أخطائه الشخصية كمالك، مع إمكانية تمتعه بحق تحديد مسؤوليته كربان، مما يؤدي إلى الاعتقاد بأن هذا الفصل قد غلب صفة المالك على الربان ومتعه بحق التحديد الذي يملكه الأول وذلك ضمن نطاق المقتضيات القانونية الخاصة بذلك[9]،إلا أنه لا يمكن إعمال تحديد مسؤولية الربان المالك في حالة التدليس و ذلك تطبيقا لقاعدة آمرة نص عليها الفصل 232 ق.ل.ع و يجب أن نعتبر بمثابة التدليس الخطأ الجسيم الذي لا يعذر عنه.

وهناك بعض التشريعات البحرية المقارنة التي تجيز للمالك التمتع بالمسؤولية المحدودة حتى في حال ارتكابه لخطئ شخصي و تقضي بأنه إذا كان الربان أو البحار هو في ذات الوقت المالك الوحيد للسفينة أو شريكا في ملكيتها على الشيوع ففي هذه الحالة لا يجوز له التمسك بتحديد المسؤولية إلا إذا كان الخطأ الشخصي قد وقع منه بصفته بحارا أو ربانا[10].

وما يؤاخذ على مثل هذه المقتضيات أنها تحرم الربان المالك من الحقوق التي يتمتع بها مالك السفينة لمجرد أنه في نفس الوقت قائدها.

 

3 – المجهز غير المالك: ينص الفصل 129 من ق.ب.م على أن المجهز الذي ليس بمالك يسأل بالتضامن مع المالك وفي نفس الحدود التي يسأل فيها هذا الأخير، وعليه فهو يخضع لذات المقتضيات الواردة في الفصول المذكورة سابقا فيما يتعلق بتحديد مسؤوليته والالتزامات التي تحدد عنها المسؤولية، ويستفيد المجهز غير المالك من مبدأ تحديد المسؤولية سواء أجرت السفينة إليه مطقمة أو غير مطقمة، ويفهم من المقتضى القانوني المشار إليه أعلاه أن المجهز لا يستطيع أن يستفيد من التحديد القانوني لمسؤوليته بصفة مستقلة وإنما يستفيد منها فقط بصفة تبعية مع مالك السفينة، وهذا يعني أن مالك السفينة هو وحده الذي يستفيد من تحديد المسؤولية كقاعدة عامة واستثناءا يمكن أن يستفيد منه المجهز غير المالك[11]، وتطبق في هذه الحالة قواعد التضامن المنصوص عليها في القانون العام، ومن الطبيعي أن مالك السفينة الذي يطالب بأداء تعويضات مسؤول عنها المجهز غير المالك تطبيقا لمبدأ التضامن الوارد في الفصل 129 المذكور يحق له الرجوع بعد ذلك على المسؤول المجهز إعمالا لمبدأ الحلول المنصوص عليها في القانون العام وقد تقرر تحديد مسؤولية المجهزعلى هذا النحو لكون الغير حسن النية يتعامل مع الربان أو أحد أفراد الطاقم و هو معتقد أن مجهز السفينة و مستغلها هو المالك الذي سجلت باسمه السفينة .

و نحن نرى ضرورة تعديل هذا المقتضى الذي يتطلب مراجعة لصالح المالك بقصد مساءلة المجهز وحده لا غير في هذه الحالة .

وتحصيلا لما سبق بيانه فإنه يتضح أن من يملك حق تجديد المسؤولية هو مالك السفينة وتسري أيضا أحكام تحديد المسؤولية ولو كان مستغل السفينة غير مالك لها كما إذا كان مجهزا مستأجرا سواء أجرت له السفينة مجهزة أو عارية إذ أن المشرع يبني هذه المسؤولية لا على أساس ملكية السفينة فحسب بل أيضا على أساس استغلالها وهذا يعني أن الأشخاص الآخرين من مستأجر غير المجهز وربان وتابعين ومساعدين بحريين وكل من انتقلت حراسة السفينة إليه من غير طريق التجهيز أو الملكية لا يمكنهم تحديد مسؤوليتهم.[12]

 

ب الالتزامات التي يجوز تحديد المسؤولية عنها

يتضح من خلال الفصل 124 من ق.ت.ب أن المشرع قد أقر مبدأ تحديد مسؤولية مالك السفينة مدنيا في الحالات التالية:

1 – حالة مسؤوليته عن أخطاء الربان[13] والتابعين البحريين التقصيرية ، أيا كان نوع الخطأ سواء كان فنيا في قيادة السفينة، أو تجاريا في استغلالها وأيا كان نوع الضرر سواء لحق بالأموال أو بالأشخاص، وطبقا لعمومية النص المذكور وإطلاقه فإنه يدخل في إطار الأشخاص الذين يسأل عن أفعالهم المجهز مسؤولية محدودة، كلا من الضباط والمهندسين والبحارة ويلحق بهم الطبيب لاعن أخطائه المهنية كطبيب وإنما عن أخطائه في خدمة السفينة، كما لو رفض معالجة مريض، أما عدم حسنه استعمال وسائل العلاج فلا تدخل ضمن الأخطاء البحرية.

ولا تقتصر مسؤولية المجهز على الأفعال  الصادرة عن أفراد الطاقم البحري بل تمتد إلى أفعال المرشد الذي يعمل تحت إشراف الربان وإلى كل من يقوم بعمل من أعمال خدمة السفينة دون أن يستمر وجوده على متن السفينة لكامل الرحلة البحرية ومن يعمل على ظهرها بصفة مؤقتة كالحارس الليلي ومجهز القطر وغيرهما.

وعلى ذلك فإن المجهز يسأل مسؤولية محدودة عن التعويضات المستحقة للغير عن الأضرار التي تحدث برا أو بحرا بسبب أخطاء الربان أو البحارة أو المرشد أو أي شخص آخر في خدمة السفينة.

 

2 – الالتزامات الناشئة عن العقود المبرمة والأفعال المنجزة التي يجريها الربان خارج ميناء التسجيل أو حيث لا يوجد وكلاء عن المجهز، في حدود سلطاته القانونية لحاجة فعلية لصيانة السفينة أو إتمام الرحلة البحرية وذلك بشرط ألا  تكون هذه الحاجة ناتجة عن نقص أو خلل في التجهيز أو التموين عند بدء السفر، وإلا كان المالك مسؤولا مسؤولية مطلقة، لأن هذا يعد خطأ شخصيا منه، ويجوز للمجهز أن يتمسك بحقه في تحديد المسؤولية حسب الرأي الراجح في حالة عدم تنفيذ عقود أبرمها المجهز نفسه إذا كان التخلف من التنفيذ راجعا إلى فعل الربان كما إذا أبرم الموكل عقد نقل بضائع، فضاعت البضاعة أو هلكت أثناء النقل بسبب خطأ الربان في قيادة السفينة.

 

3 – الالتزام برفع حطام السفينة الغارقة أو التعويض عن الأضرار التي تحدثها السفينة في بناءات الموانئ والمخازن والطرق الصالحة للملاحة، وجدير بالذكر في هذا السياق أنه غالبا ما تكون الدولة هي المالك لمنشآت الميناء مما يدل على إمكانية تحديد المسؤولية عن مثل هذا الدين وإن كان هذا الدين لصالح الدولة أو أحد الأشخاص العامة، ويبرر تحديد المسؤولية في هذه الحالة، ضرورة المبادرة إلى تطهير الممرات المائية ضمانا لسهولة الملاحة البحرية وانتظامها وحفاظا على أمنها وسلامتها والتشجيع على المبادرة للقيام بذلك.

وإذا كان المشرع قد أتاح للمالك تحديد مسؤوليته وأساسها على النحو الذي أوضحانه فإنه قد حصر موضوع تحديد مسؤولية المجهز في الأضرار المادية والأضرار البدنية[14] (الجسمية)التي تتسبب فيها السفينة أو أفراد طاقهما التابعين .

ج الالتزامات التي لا يشملها تحديد المسؤولية:

لا ينطبق تحديد المسؤولية في الحالات الآتية [15]:

  • الالتزامات المترتبة على واقعة ناشئة عن خطأ شخصي صادر عن مجهز أو مالك السفينة: أي أن مسؤولية المالك عن أخطائه الشخصية هي مسؤولية مطلقة تتناول جميع أمواله، فلا يجوز له بذلك أن يحدد مسؤوليته عن الالتزامات الناشئة عن أخطائه أو أفعاله الشخصية التقصيرية أو التعاقدية، كما لو ترك السفينة تبحر دون أن تكون صالحة للملاحة أو بغير وقود كاف أو إذا اشترك في الخطأ المنسوب للربان، ففي هذه الحالة عليه أن يضمن جميع الأضرار بجميع أمواله، ويدخل ضمن الالتزامات المستثناة من التحديد تلك الناتجة عن المسؤولية التقصيرية المبنية على خطأ تابعي المالك أو المجهز الذين ليسوا في خدمة السفينة كالتابعين البريين، إذ الأصل أنه لا يجوز له التمسك بتحديد المسؤولية إلا عن أخطاء تابعيه البحريين حيث لا تتوافر لديه إمكانيات الإشراف والرقابة عليهم أثناء أداء عملهم في البحر بعيدا عنه[16].
  • الالتزامات الناشئة عن العقود والأعمال التي يجريها الربان خارج موطن السفينة لحاجة فعلية تقتضيها صيانة السفينة أو متابعة السفر في حال وجود موافقة أو وكالة خاصة أو أمر مباشر صادر له من مجهز السفينة أو مالكها وبالتالي فإن المجهز لا يستطيع التمسك بتحديد مسؤوليته الناشئة عن الأخطاء التي تقع من الربان إذا أجازها حيث تعتبر وكأنها صدرت منه مباشرة.[17]

 

ويضاف إلى ذلك الالتزامات التي نتجت عن مسؤولية الربان التعاقدية لعدم قيامه باحترام شروط عقد أبرمه خارجا عن مقتضيات السلطة التي منحها إياه القانون أو خارجا عن ممارسة مهامه كربان للسفينة.

  • التزامات مجهز السفينة الناشئة عن استخدام البحارة وسائر مستخدمي السفينة: فلا يجوز لمجهز السفينة أن يتمسك بتحديد مسؤوليته عن حقوق الربان والبحارة وكل تابع آخر لمجهز السفينة موجود عليها أو يتعلق عمله بخدمتها والناشئة عن عقد الشغل البحري وكذلك حقوق ورثة هؤلاء الأشخاص وخلفائهم[18].

وبصفة عامة، فإن ديون مجهز السفينة التي لم يرد ذكرها في التقنين البحري لا تخضع لمبدأ تحديد المسؤولية عنها، لأن هذا المبدأ مقرر لصالح المجهز استثناء من المبدأ العام القائل بعدم التحديد[19]، وما دام هذا المبدأ قد ورد على سبيل الاستثناء فإنه لا يجوز التوسع في تفسيره بل تقصره على المسائل التي وردت فيه وبالتالي فإنه لا يقبل القياس، ومن ثم فإن ما ورد في النص لا يقاس عليه للأخذ بحالات جديدة ومثال ذلك الديون الناشئة عن إصلاح أو تأسيس مقر الشركة الملاحية التي تمتلك السفينة فالمالك مسؤول عنها في جميع أمواله ولا يستطيع في هذه الحالة أن يستعمل حقه في تحديد المسؤولية.

 

 

ثانيا: محل تطبيق المبدأ

وليبرأ المجهز من التزامات الربان والتابعين البحريين فإن عليه الأخذ بأحد التحديدين المذكورين:

أ قيمة السفينة وملحقاتها:

يقضي الفصل 124 ق.ب.م بأن مالك السفينة لا يكون مسؤولا إلا بقدر قيمة السفينة وملحقاتها ويعنينا هنا أن نبين محل المسؤولية المحدودة عند انحصارها في قيمة السفينة وأجرة النقل وتفرعات ملحقاتها.

  • قيمة السفينة: الأًصل أن تقوم السفينة حسب حالتها في نهاية السفر، والمقصود بنهاية السفر، عودة السفينة إلى ميناء الاستغلال أو التجهيز أي بنهاية الرحلة البحرية بكاملها، فبمجرد وصول السفينة إلى ميناء الاستغلال تقوم ولها أن تسافر بعد ذلك في رحلات جديدة دون أن يلزم المجهز بانتظار نتيجة الدعوى المرفوعة من الدائنين.

إلا أنه في حالة وقوع تصادم أو أي حادث آخر ناجم عن أخطاء الربان أو أحد التابعين البحريين للمجهز، فإنها تقوم بحالتها في أول ميناء ترسو فيه بعد حدوث الواقعة التي نشأت عن هذه المسؤولية[20] وإذا أصاب السفينة حادث آخر قبل التحاقها إلى هذا الميناء وأنقص من قيمة السفينة فلا يضار الدائنون من الحادث الأول بانخفاض قيمة السفينة من جراء الحادث الثاني، وإذا وقع الحادث والسفينة في أحد الموانئ فتقوم السفينة بحالتها في الميناء بعد الحادث ,فلا يدخل هذا الإنقاص في حساب الدائنين الذين نشأت  حقوقهم عن الحادث السابق.

وتحصيلا لما سبق بيانه فإنه يتضح أن تحديد المسؤولية لا يرد على السفينة بذاتها و إنما يتم بأداء مبلغ يمثل قيمة السفينة و أن المشرع المغربي لم يأخذ بتحديد مدى المسؤولية قبل الحادث وإنما بأول ميناء وبعد وقوع الحادث، ومن ثم فإن وقت تحديد قيمة السفينة وملحقاتها يكون بعد الحادث وفي أول ميناء تصل إليه وليس بعد تمام الرحلة بكاملها، حتى إذا تعرضت السفينة لأكثر من حادث قبل الوصول للميناء كان المتضررون من الحوادث منتفعين كلهم بهذه القيمة.

إلا أن تعيين نطاق المسؤولية لا يكون كذلك في حال هلاك السفينة في حادثة قبل وصولها إلى أول ميناء ففي هذه الحالة الخاصة تعين المسؤولية في تاريخ الحادثة أي أنه يتم تحديد قيمة السفينة مباشرة قبل الحادث الذي أدى إلى فقدها الصلاحية للملاحة أو فقدان أخبارها.[21]

 

  • ملحقات السفينة: نص الفصل 124 ق.ب.م على أن المجهز يكون مسؤولا شخصيا في حدود قيمة السفينة وتوابعها ولقد أوضح الفصل 125 من ق.ب.م المقصود من ملحقات السفينة، وتبعا لذلك فإنه يتعين على المجهز أن يدفع فضلا عن قيمة السفينة، أجرة نقل البضائع ونقل الركاب على حد السواء، إذ أن أجرة النقل تكون مع السفينة الذمة البحرية وهي وحدة قانونية لا يسأل المجهز إلا في حدودها بعد إسقاط الثلث من قيمة تلك الأجرة والعبرة هنا بالأجرة الإجمالية وليس الأجرة الصافية، ومن ثم يمكن القول أن المشرع المغربي قد أخذ بالأجرة القانونية وليس الحقيقية أي أنه أخذ بالأجرة التي تعتبر من مشمولات التحديد ولو لم تستخلص، كما لو غرقت سفينة نتيجة قوة قاهرة أما إذا تعلق الأمر بسفن النزهة، فإنه لا يمكن الحديث عن أجرة نقل إلا أنه إذا كانت هناك منافع أخرى تعادل الأجرة كما لو وجدت بسفينة النزهة كميات من السمك فإنها تدخل في المفهوم المذكور.

ويلاحظ أن أجرة النقل تقدر وقت تعيين المسؤولية أي عند أول ميناء ترسو فيه السفينة بعد الحادث، وهكذا يتضح أن المشرع المغربي قد وحد وقت تحديد قيمة السفينة وقيمة أجرة النقل وبصفة عامة جميع الملحقات، وجعلهما معا في أول ميناء بعد الحادث أو قبله مباشرة في حال فقدان السفينة وذلك بخلاف بعض التشريعات المقارنة التي تقضي بتقدير أجرة النقل على أساس قيمة السفينة في بدء السفر في حين أن قيمة السفينة تحسب على أساس حالتها في نهاية السفر.[22]

وتضاف إلى الأجرة كملحقات جميع التعويضات المستحقة للمجهز بسبب السفينة[23].

 

 

بالمبلغ الجزافي:

من الجمع بين مقتضيات الفصلين 124 و 126 (ق.ت.ب.م) يتضح أن المشرع المغربي قد وضع أحكاما خاصة بالمبالغ المخصصة للتعويضات عن الأضرار الناتجة عن التصرفات والعقود المبرمة من طرف الربان عند ممارسته لسلطاته القانونية، وعن أفعال وأخطاء الربان وباقي التابعين الذين هم في خدمة السفينة وقد بين الحد الأقصى للتعويضات التي يلتزم مجهز السفينة بدفعها إذا ما تمسك بتحديد مسؤوليته، وهكذا فإن المشرع يمنح للمجهز الحق في التحلل من المسؤولية بأداء مبلغ معين مقطوع حسب التفصيل الآتي على أن  المبلغ الأساسي الذي تتحدد به المسؤولية يختلف تبعا لنوع الضرر الحاصل وما إذا كان ضررا بدنيا أم ضرر غير بدني أي مادي.

فبالنسبة للدعاوى المتعلقة بالمطالبات عن الأضرار البدنية الناجمة عن حوادث الرحلة البحرية فإن مسؤولية المجهز تكون محدودة بمبلغ 12.000 فرنك (قديم) عن كل طن حجمي من حمولة السفينة، وتعني الأضرار البدنية كل الجروح والرضوض والأمراض العصبية والعقلية أي كل الأضرار التي تصيب الجسم بالإضافة إلى الوفاة، ولا يتعلق الأمر هنا بالأضرار البدنية التي تصيب الطاقم والمستخدمين الآخرين الذين يربطهم بالمالك أو المجهز عقد عمل، كما لا يتعلق الأمر بأخطاء المالك أو المجهز نفسه إذ في هذه الحالة لا يطبق مبدأ التحديد وعلى العكس من ذلك فقد لا يسأل المالك أو المجهز عن هذه الأضرار كما لو أنها كانت ناتجة عن قوة قاهرة حيث يعفى والحالة هاته من المسؤولية.

  • بالنسبة للأضرار الأخرى غير البدنية: فإن التعويض المتروك للدائنين يجب ألا يتجاوز المبلغ الذي ينتج عن ضرب عدد أطنان السفينة في مبلغ 800[24] فرنك قديم، ويقصد بالأضرار غير البدنية تلك الأضرار التي تحدثها السفينة لمنشآت الميناء أو الأحواض أو الممرات المائية والمخازن أو الطرق الصالحة للملاحة بالإضافة إلى الأضرار المادية التي تقع على ظهر السفينة أو التي تتعلق مباشرة بالملاحة البحرية أو بتشغيل السفينة.

ويتضح مما تقدم أن العبرة في حساب التعويضات تكون بالحمولة الإجمالية للسفينة إذ يقضي الفصل 130 من القانون البحري بما يلي: ” إن الحمولة المشار إليها في الفصل 124 و126 تحسب بالنظر إلى الحمولة الإجمالية للسفينة أيا كانت طريقة تحريكها” وهذا ليس بالأمر الجديد إذ سبق للمشرع المغربي الاعتداد بوزن الطائرة عند تحديد المبالغ القصوى للتعويضات عن الأضرار التي تلحقها الطائرة بالغير[25].

ويلاحظ على التحديد السابق للتعويضات عن الأضرار البدنية وغيرها أن وحدة الحساب النقدية التي استندها المشرع في تحديد المبالغ المذكورة هي الفرنك مما يمثل خرقا للسعر الإلزامي للنقود المغربية إذ يتعين أن يكون الوفاء بالدرهم المغربي وهي العملة الوطنية المعتمدة لتقدير قيم التعويضات إلا أننا لا نستغرب ذلك طالما أن القانون التجاري البحري المغربي وضع سنة 1919 أي أثناء فترة الحماية.

ولذلك فإنه كثيرا ما يرد في فصول هذا القانون وأغلب القوانين التي وضعت في ذلك العهد مثل هذه التعابير، وأملنا كبير في أن تتاح الفرصة في أقرب وقت لمراجعة قوانين التي صدرت في عهد الحماية لوضع قوانين أكثر ملائمة لواقعنا استجابة لطموحاتنا وفي هذا السياق فإننا نرى ضرورة تدخل المشرع المغربي لتعديل هذه المبالغ التي تعد هزيلة جدا بالنظر إلى جسامة الأضرار التي قد تلحق بالغير وتحديد تعويضات عادلة تحقق نوعا من التوازن بين المتضررين ومجهز السفينة وتتناسب مع ما طرأ من تقلبات أسعار النقد كما نرى على أنه من الضروري تدخل المشرع المغربي كل حين لتعديل قيم التعويضات كما حددها في القانون لكي تتلاءم وتعبير العملة المغربية عن القيمة الحقيقة للتعويضات وذلك تحقيقا للعدالة والمرونة في تطبيق هذا القانون.

ومع ذلك فإن النقود كوحدة حسابية قد تؤثر في تقدير قيم التعويضات إذا ما تعرضت لعمليات هبوط وانخفاض سعرها، كما هو شأن معظم العملات الوطنية ومنها الدرهم المغربي.

ولذلك فإن البعض ينادي بوجوب اتخاذ وحدة حسابية أخرى لتقدير قيم التعويضات كحقوق السحب التي أخذت بها اتفاقية لندن لعام 1976.[26]

أما عن كيفية توزيع المبالغ في حالة تعدد و تنوع الأضرار والحوادث، فإن الأصل أن توزيع المبالغ المخصصة للتعويض عن الأضرار غير البدنية يتم استقلالا عن توزيع المبالغ المقررة للتعويض عن الأضرار البدنية وإلا ما كان لتحديد مسؤولية مجهز السفينة على أساس تخصيص مبالغ التعويضات على نوع الضرر من مغزى.

إلا أنه عند حدوث أضرار بدنية وأخرى مادية فإنه يتم توزيع المبالغ المخصصة للديون الناشئة عن الأضرار البدنية على الدائنين أولا، كما يجب تعويض الأضرار البدنية في كل المبالغ المخصصة لها، وبعد استنزال النسبة المقررة للأضرار البدنية يتم توزيع المبالغ المقررة للتعويض عن الأَضرار غير البدنية.

أما إذا لم يكف المبلغ المخصص للأضرار البدنية لتعويضها فنه يجوز للدائنين الاشتراك في توزيع المبالغ المخصصة لتعويض الأضرار المادية، بالقدر الباقي من هذه الديون، لأن الضرر البدني أولى بالرعاية من الضرر غير البدني. في حين لا يحق للمتضررين ماديا الانتفاع من الرصيد الخاص بالتعويض عن الأضرار البدنية.

ومؤدى الحكم المتقدم أن الأولوية تعطى لسداد كامل الديون الخاصة بالأضرار البدنية ويكون ذلك على حساب المبالغ المخصصة للديون الناشئة عن الأضرار المادية، أما بالنسبة للمسؤول فإنه لا يتحمل إلا مجموع المبالغ المخصصة للمجموعتين فلا يضره إن استوفى دائنو المجموعة الأولى – الخاصة بالأضرار البدنية – قدرا أكبر من ذلك الذي يحصل عليه دائنو المجموعة الثانية – الخاصة بالأضرار المادية.

وتحصيلا لما سبق بيانه، فإنه يتضح أن للمالك أن يختار بين دفع قيمة السفينة وملحقاتها وبين دفع المبلغ الجزافي، حسبما تمليه عليه مصلحته، فإذا كانت سفينته لا تزال بحالة سليمة، فإنه يختار التحديد الجزافي، أما إذا كانت السفينة قد ابتليت بأضرار جسيمة انتقصت كثيرا من قيمتها، فإنه يختار دفع قيمة السفينة وملحقاتها، وبالتالي فإن القانون المغربي لم يوجه أية عناية لمراعاة فريق معين من الدائنين ضمن مجموع الدائنين الذين تخضع ديونهم للتحديد، فبوسع المجهز إذن أن يتحلل من الدين بأداء المبلغ المقطوع إذا كان هذا الأخير أقل من قيمة السفينة وذلك بخلاف بعض التشريعات المقارنة[27] التي عمدت إلى إلغاء حق الخيار المقرر للمجهز وقصر حقه في تحديد مسؤوليته على قيمة السفينة وتوابعها في بعض الحالات خشية أن يكون التحديد الجزافي ضعيفا بحيث يفيد المالك كثيرا من التحديد[28].

[1] – Erdal  Aksoy- La Responsabilité Limitée de l’Armateur 1969 p29

[2] – حمد الله محمد حمد الله- القانون البحري- دار النهضة العربية-2008 ص 458

[3]هذا وإن عالمية هذه القاعدة لتدل على أن الأمر يتعلق بمبدأ رئيسي من مبادئ القانون الخاص البحري وأن هذا المبدأ والذي سمح للملاحة الدولية بانتشار واسع النطاق يكاد لا يعرف حدا كما سمح بتأسيس شركات ضخمة للتجهيز في جميع البلدان البحرية الكبرى، ووفقا لهذا المبدأ لا يكون مجهز السفينة الذي لم يرتكب خطأ شخصيا مسؤولا عن الأضرار التي تصيب الغير بسبب استغلال السفينة إلا بقدر محدود بغض النظر عن حجم هذه الأضرار ومداها في حالات ذكرها المشرع على سبيل الحصر وتعليل هذا التحديد قد تغير عبر الزمن ومازال في الوقت الحاضر غير موحد في جميع البلدان.

[4] – عبدالقادر حسين العطير- الوسيط في شرح قانون التجارة البحرية-دراسة مقارنة- دارالثقافة للنشروالتوزيع- 2009 ص 140

[5]وعليه يتضح أن القانون البحري المغربي قد استبعد نظام ترك السفينة والأجرة كما كان يقضي بذلك القانون الفرنسي حيث يرتبط الدائنون بحالة السفينة وقيمتها والأجرة كيفما كانت هذه الحالة والقيمة حتى إذا غرقت السفينة وفقدت كل قيمة فقد الدائنون معها الحق في التعويض بحيث لا تبقى لهم سوى الأجرة، كما أنه لم يأخذ بنظام المسؤولية العينية المعمول به في القانون الألماني إذ الفكرة الرئيسية في هذا النظام هي أن الثروة البحرية المؤلفة من السفينة وأجرة النقل تؤلف ذمة مالية للتخصيص لفائدة بعض الدائنين البحريين، وإذا كان القانونان أي القانون الألماني والقانون المغربي، يحددان بقوة القانون قيمة المسؤولية في قيمة السفينة وأجرة النقل إلا أنه ثمة فرق جوهري بينهما فالقانون الألماني ينظم مسؤولية المجهز غير المباشرة حسب العينية بحصره دعوى الدائنين البحريين ضد الثروة البحرية أي السفينة وأجرة النقل، فليس لهم الحق في متابعة المجهز المدين شخصيا في أمواله الأخرى ومنعه الدائنين البريين من مزاحمتهم على الثروة البحرية المؤلفة بالكيفية المذكورة أما القانون المغربي فبإقراره لمسؤولية المجهز الشخصية وتحديد مسؤوليته غير المباشرة في قيمة السفينة على النحو الذي سنوضحه يجعل ذمته المالية كلها ضمانة لهذه المسؤولية.

ومن ذلك يتبين أن القانون المغربي قد اتبع النظام الإنجليزي من حيث أخذه بمبدأ المسؤولية الشخصية المحددة القيمة، والفكرة السائدة في هذا النظام هي أن المجهز متبوع يتعين عليه مبدئيا أن يتحمل مسؤولية غير محدودة بسبب التصرفات تابعين الموجودين في خدمة السفينة.

حيث يسأل المالك أو المجهز غير المالك مسؤولية شخصية عن الديون البحرية في جميع أمواله لغاية قيمة محددة ومقدرة، ففي النظامين تعد السفينة المعرضة للمخاطر هي العنصر الرئيسي الذي تتخذ أساسا لتعيين مدى مسؤولية المجهز غير المباشرة، لكنه مع ذلك اختلف عنه في أن القانون المغربي يأخذ بالنظام المعروف باسم نظام الاختيار والحدان اللذان يقع بينهما هذا الاختيار هما القيمتان اللتان تعينان للسفينة، فمن جهة: القيمة الحقيقية العينية للسفينة تضاف إليها أجرة النقل وبعض التوابع المبنية في الفصل 125 ق.ب.م ومن جهة أخرى، القيمة القانونية للسفينة محددة في مبلغ إجمالي قدره 138 درهما عن كل طن حجمي في حالة الأضرار المادية أو 120 درهما عن كل طن حجمي في حالة الأضرار البدنية، في الوقت الذي لا يأخذ فيه القانون الإنجليزي إلا بالقيمة القانونية للسفينة أي التحديد المبني على مبلغ جزافي لا غير.

[6] – فريد الحانمي –-الوسيط في القانون البحري المغربي- الجزء الاول السفينة وأشخاص الملاحة البحرية- مطبعة دار النشر المغربية- سنة 2000

ص 317.

[7]أي أن المالك يستطيع أن يتخلص من مسؤوليته بدفع مبالغ التعويض كما هي محددة في ق.ب.م، يستوي في ظل هذا النص أن يكون المالك فردا أو شركة أو شخصا من أشخاص القانون العام، فللدولة أن تحدد مسؤوليتها بالنسبة إلى السفن التي تستغلها في التجارة البحرية، ولا يهم في هذا الصدد إذا كانت السفينة تجارية، أم سفينة صيد أم سفينة نزهة أما بالنسبة للمالك على الشياع فإنه يكون مسولا في حدود حصته طبق ما نص عليه الفصل 135 من ق.ب.م، وعليه فإن لهذا المالك الحق في تحديد مسؤوليته في الأحوال المنصوص عليها في الفصل 124 المذكور ضمن الحدود التي ينص عليها القانون و مقتضيات الفصل 135 المذكور واضحة  في مساءلة كل شريك حسب حصته و بالتالي فإنه لا يمكن الحكم عليه تضامنا مع باقي الشركاء بالنسبة للالتزامات الناشئة عن العقود التي أبرمها الربان أثناء ممارسته لسلطاته القانونية  و هو ما يمكن القول به أيضا بالنسبة للحالات الأخرى المذكورة في الفصل 124 و الفصل 127. و في كل الأحوال  فإنه لا يجوز لمالك لسفينة التمسك بتحديد مسؤوليته إلا إذا كان حسن النية، فإذا لم يكن هذا الأخير حسن النية أصبحت مسؤوليته مطلقة في كل أمواله، ولا تنحصر في الحدود القصوى التي نص عليها الفصل 124 ق.ب.م على أنه يتعين على المتضرر الذي يطالب بإطلاق مسؤولية المالك أن يثبت أن الضرر الحاصل قد نشأ عن فعل أو امتناع صدر من مالك السفينة بقصد إحداث الضرر، أو بعدم اكتراث مصحوب بإدراك أن ضررا ما يمكن حدوثه، ومعنى ذلك أن مسؤولية مالك السفينة لا تكون محدودة بالنسبة لكل فعل إرادي أو امتناع يستهدف إحداث الضرر أو الإهمال الجسيم الذي يترتب عليه الضرر أو الامتناع الذي يصدر عن الشخص بوعي كامل دون الاهتمام بنتائجه مؤكدة الضرر.

[8] –  بكور المختار  –الوجيز في القانون  البحري- شركة بابل -1997 ص 116

[9]   د/نجاة بضراني- القانون البحري- السفينة- دار النشر الشرقية- وجدة 1993- ص 194

[10] – صلاح الدين ناهي- الوجيز في مبادئ القانون البحري- دراسة تحليلية موازنة لقوانين التجارة البحرية في الأردن وسوريا  ولبنان- مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع 196- ص 204

[11] – نجاة بضراني-مرجع سابق- ص 244

[12]وذلك بخلاف بعض التشريعات المقارنة ومنها المصري الذي يقضي من خلال المادة 91 من ق.ب بسريان أحكام تحديد المسؤولية بالإضافة إلى مالك السفينة والمجهز غير المالك، على المستأجر ومدير الشيوع البحري والأشخاص الذين قاموا بخدمات لها صلة بعمليات إنقاذ السفينة ويلاحظ أن النص قد اتسع في تحديد أشخاص المستفيدين من تحديد المسؤولية فشمل المؤمن لديه من المسؤولية بالنسبة للدعاوي التي ينطبق عليها التحديد ليستفيد بالمزايا وبذات القدر الذي يتمتع به المؤمن له، وما يمكن ملاحظته في هذا الصدد هو أن شركات التأمين تحاول الوصول إلى ذات النتائج التي يمكن أن تستفيد منها في الفرض الذي ينص فيه المشرع على تمتعيها بحق التمسك بالمسؤولية المحدودة وذلك عن طريق تضمين بواليص التأمين الشروط المناسبة. وفي سياق متصل فقد نص المشرع المصري على أحقية الربان والبحارة وغيرهم من التابعين، للاستفادة من المبدأ المذكور، فإذا أقيمت الدعوى على الربان أو البحارة أو غيرهم من التابعين، جاز لهم تحديد مسؤوليتهم ولو كان الحادث الذي نشأ عنه الضرر، يرجع إلى خطأ شخصي صادر منهم بصفتهم المذكورة.

وطالما أن مبدأ التحديد الذي يرتبط بفكرة الاستغلال يهدف بالأساس إلى تنمية التجارة البحرية وهو أمر غير متحقق في قصر تحديد المسؤولية على المالك أو المجهز,فإننا نرى ضرورة تعديل مقتضيات القانون المغربي الخاصة بهذا الشأن، لتشمل باقي الأطراف على النحو الذي أوضحناه ،إذ أن المسؤولية قد تثبت في حق هؤلاء ليس بناء على ملكية السفينة وإنما بناء على الحيازة أو الحراسة أو الخطإ الشخصي للتابع.

وقد يقول قائل أنه ليس ثمة ضرورة لامتداد تحديد المسؤولية إلى الربان والبحارة أو غيرهم من تابعي المالك أو مستغل السفينة لأن هؤلاء التابعين في الغالب غير موسرين ومن النادر أن يلجأ المتضرر إلى اختصامهم على استقلال بل ويركز في دعواهم على شخص مالك السفينة.

إلا أن هذا القول مردود عليه إذ أن حصر المستفيدين من نظام تحديد المسؤولية في المالك أو المجهز وعدم توحيد قواعد هذا النظام وامتداده لإعطائه الفعالية من شأنه أن يترك الأمر لتقدير المضرور الذي قد يؤثر الرجوع على البحار أو الربان المسؤول شخصيا عن الضرر، فيصدر له حكم بكامل التعويض بينما لا يكون مالك السفينة أو مجهزها مسؤولا إلا عن تعويض أقل، وإذا كان للمسؤول المباشر عن الضرر حق الرجوع على المالك أو المتبوع بما أداه بموجب عقد الشغل البحري فهذا يعني حرمان المالك أو المجهز من ميزة هذا التحديد بشكل غير مباشر نظرا لكونهما ملزمين بأداء هذا التعويض، وبذلك تنتفي الحكمة من نظام تحديد المسؤولية.

[13]  – وبتقرير مسؤولية المالك أو المجهز عن أفعال الربان يكون المشرع قد حسم كل خلاف حول مدى تبعية الربان للمجهز نظرا لما يتمتع به من سلطات واسعة من جانب وعدم إمكانية خضوعه لسلطان المجهز من الناحية الواقعية والسفينة في عرض البحر من جانب آخر وذلك بخلاف ما يراه أنصار عدم اعتبار الربابين تابعي المجهز أن علاقة الربان بمجهز السفينة أقدم تاريخيا من العلاقات الناشئة عن عقد الشغل، وتلك حقيقة لا يمكن إنكارها، إلا أن الأمر لا يعني أنه مع هيمنة رأس المال على النشاط البحري لم تنقلب تلك العلاقة إلى علاقة عامل برب عمل أي علاقة تابع بمتبوع، والواقع أن اتساع سلطات الربان أملتها الحاجة إلى ضرورة تنظيم العلاقات التي تنشأ على متن السفينة وهي في البحر العالي، ولا يحول ذلك دون اعتباره تابعا للمجهز، ثم أنه في حالة تأجر السفينة غير مجهزة كيف يتسنى لمالك السفينة الرجوع على المستأجر بسبب الأضرار التي تلحق بالسفينة إذا لم تتقرر مسؤولية المستأجر المجهز عن أفعال الربان؟ أنظر في ذلك كله:

DE LESTANG : Garde et préposition à propos du capitation du navire et du commandant d’aéronef, L GDJ, Paris 1963 NO 112 et s.

[14]فالأضرار المادية هي كل ما يمكن أن تحدثه السفينة للغير، سواء ما يتعلق بالخسارات أو البضائع أو المبالغ المالية أو المساعدات أو المكافآت التي تكون لهذا الغير على ظهر السفينة على النحو المقرر في الفصل 125 من ق.ب.م، وبصفة عامة الأضرار اللاحقة بالحمولة المسلمة للربان أو بجميع الأموال والأشياء على متن السفينة كأمتعة المسافرين، غير أن المشرع المغربي قد استثنى من هذه الأضرار كل ما يتعلق بالتعويضات المدفوعة أو المستحقة بمقتضى عقود التأمين وكذا المساعدات أو المكافآت أو غير ذلك من الإعانات التي تقدمها الدولة، حيث إن هذه التعويضات تكون فيها مسؤولية المجهز مطلقة لا تحديد يرد عليها، والعلة في ذلك ترتبط بعدم التصرف فيما هو من النظام العام أو يمس بالمصلحة العامة.

أما الأضرار البدنية: فتشمل وفاة أو إصابة أي شخص آخر بأضرار جسمية، على البر أو في البحر إذا كان الضرر ناشئا عن تصرفات وأخطاء الربان أو الملاحين أو المرشد أو أي شخص آخر يوجد في خدمة السفينة سواء وجد هذا الشخص على متن السفينة أو لم يوجد وفي هذه الحالة الأخيرة يجب أن يكون الفعل أو الخطأ متعلقا بالملاحة أو بإدارة السفينة أو بشحن البضائع أو نقلها أو تفريغها أو بصعود المسافرين أو نقلهم أو نزولهم، وإزاء عمومية النص فإن الأمر لا يقتصر على الأضرار البدنية التي تلحق بالمسافرين أو الشاحنين وإنما يمتد إلى الأضرار البدنية التي تلحق الغير الموجودين على الأرض أو الموجودين على سفينة أخرى أو المتسللين إلى السفينة، أو الموجودين عليها بصفة عامة، عدا الربان والبحارة والتابعين حيث لا يجوز تحديد المسؤولية عن حقوق هذه الطائفة.

[15]  وتضيف بعض القوانين المقارنة كالقانون البحري المصري ” المادة 82″ والقانون الأردني المادة 96 إلى هذه الالتزامات المستثناة من نطاق تطبيق المسؤولية المحدودة ، حالات أخرى لا يجوز لمالك السفينة أو مجهزها فيها التمسك بتحديد مسؤوليته ولكل استثناء علة :

– إنقاذ السفينة : ويبرر هذا الاستثناء تشجيع على تقديم المساعدة للسفن الموجودة في حالة خطر أملا في الحصول على المكافأة كاملة وحتى لا يثني تحديد المسؤولية في هذا المجال المنقذين عن المبادرة إلى تقديم خدماتهم إذا عرفوا أن جهودهم لن تكلل بالمكافأة المناسبة .

– الإسهام في الخسائر المشتركة : ويبرر هذا الاستثناء أن هذه الديون تمثل حصة في مشاركة تضل ناقصة إذا لم تقدم الحصة بكاملها .

– الضرر النووي : هو الضرر الناشئ عن التلوث بالنفط وغيره من المواد الأخرى : وتساير قوانين المقارنة في كل من الضررين السابقين اتفاقية لندن لسنة 1976 والتشريعات البحرية التي أخذت بها نظرا لخطورة هذه الأضرار وتنظيمها بنصوص خاصة في اتفاقية دولية مستقلة .

[16]وعدم جواز تحديد المسؤولية عن الخطأ الشخصي للمالك أو المجهز أمر بديهي وتقرره معظم التشريعات إذ أن المالك لا يستحق الرعاية في هذه الحالة، ومع ذلك فإنه متى كان ربان السفينة مالكها أو مشتركا في ملكيتها فإنه يمكنه التمسك بتحديد المسؤولية في الحالة التي ينشأ فيها الضرر عن أخطائه الملاحية، أي الأخطاء الفنية في قيادته للسفينة أو إدارتها دون غيرها من أخطائه الشخصية الأخرى وكذلك يحق له التمسك بالتحديد بالنسبة للأخطاء الصادرة من مستخدمي السفينة كالبحارة وغيرهم.

[17]وفي هذا الفرض، فإنه يبقى خضعا للقواعد العامة فيكون بذلك مسؤولا مسؤولية كاملة و تكون كل أموله ضامنة للوفاء بهذه الالتزامات البحرية .و يمكن تبرير الرجوع إلى القواعد العامة، أن مبدأ تحديد مسؤولية المجهز  عن أخطاء الربان و التابعين البحريين له أثناء تنفيذ الرحلة البحريةالتي يكون فيها هؤلاء بعيدين عن رقابة أي  إشراف جدي من مجهز السفينة،  فإذا كان الخطأ أو التصرف قد قام به المجهز نفسه  أو بموافقته أو بإذنه فقد انتفى المبرر من الخروج عن القواعد العامة.

[18]ويقصد بذلك رعاية مصالح هؤلاء الأشخاص وهم ذوو موارد محدودة وضمان حصولهم على كامل حقوقهم خاصة وأن مالك السفينة أفاد بجهودهم وهو عادة شخص مقتدر وتفريعا لما ذكر فإن المسؤولية لا تقبل أي حصر أو تحديد في حالة وقوع أضرار بدنية للبحارة بسبب أخطاء الربان أو أحد مستخدمي السفينة وما إلى ذلك من حق في التعويض عن هذه الأضرار.

[19] –  August Baynold Werner- Traité de Droit Maritime (élément et système, définitions, problèmes, principes )  Librairies  Droz Genève 1964- p73

[20]  – انظر الفصل 127 من ق.ب.م

[21]  – ويرى بعض الفقه أن هذا المقتضى هو استثناء من القاعدة العامة الواردة في الفقرة الأولى من الفصل 127 (ق.ب.م) والتي تقضي بالتحديد بعد الحادث وفي أول ميناء وصول.

J.r Bayssière : Droit commercial maritime du Maroc français, P :200

[22]  – إذ ينص الفصل 99 من القانون البحري اللبناني على أن أجرة النقل تقدر تقديرا جزافيا بعشرة في المائة من قيمة السفينة أيا كان نوعها في بدء السفر ولو لم تكسب السفينة أية أجرة.

[23]كالتعويضات المستحقة للمجهز عن الأضرار المادية التي تصاب بها السفينة وكذا جميع المبالغ المكتسبة على وجه المكافأة عن إسعاف أو إنقاذ أو مساعدة،.

ويتعلق الأمر بما أصبح تابتا منها بعد مغادرة آخر ميناء ولا تخضع هذه المبالغ لأي إنقاص خلافا للأجرة.

وتدخل هذه التعويضات التي يستحقها المجهز ضمن محل المسؤولية المحدودة لأنها تمثل ما لحق السفينة من تلف أو نقص، فتكمل قيمة السفينة وتعيد الثروة البحرية إلى ما كانت عليه.

إلا أن الملحقات المذكورة لا تشمل التعويضات المدفوعة أو المستحقة بمقتضى عقود التأمين ولا المساعدات والمكافآت أو غير ذلك من الإعانات الوطنية.

ويقال في تبرير استبعاد تعويض التأمين من الملحقات، أنه لا يمثل قيمة السفينة وإنما هو مقابل مجموع الأقساط التي يدفعها المجهز أثناء مدة التأمين إلا أننا نرى أن هذا التبرير غير سليم من حيث إن تعويضات التأمين لا تدفع إلا إذا تحقق الخطر المؤمن عليه، كما أن الأقساط التي يدفعها المجهز إنما يدفعها من أرباح وعائدات الراحلات البحرية ومن ثم فإن هذا التبرير يتنافى وطبيعة عقد التأمين، من أنه عقد تعويض، بحيث يحل تعويض التأمين محل ما لحق السفينة من أضرار، ولا يختلف عن التعويضات المستحقة للمجهز بسبب ما لحق السفينة من أضرار بعد بدء الرحلة، ومن ثم كان خليقا على المشرع المغربي أن يدخل هذه التعويضات ضمن  مشتملات التحديد.

أما استبعاد الإعانات الحكومية فيبرره أن المقصود من هذه الإعانات هو تشجيع الاستثمارات البحرية وتنمية الملاحة الوطنية، وإدخالها ضمن الملحقات يفوت تحقيق هذا الغرض فضلا عن أن هذه المساعدات التي تقدمها الدولة لمن قام بالاستثمار في الميدان البحري، تكتسي طابعا شخصيا ولذلك لا يمكن اعتبارها من بين مشتملات الثروة البحرية التي يجب أن تلحق السفينة.

[24]  – لقد كان المبلغ المقرر أول الأمر هو 200 فرنك عن الأضرار المادية و 175 عن الأضرار البدنية ولقد عدل الفصل 124 بعد ذلك بظهير 26 نوفمبر 1926 حيث ارتفع المبلغ إلى 600 فرنك وبعد ذلك عدل الفصل 126 ليرتفع المبلغ الثاني إلى 175 فرنك وبعد تعديل 1948 أصبح المبلغان 13800 و 12000 فرنك ولم يحدث أي تعديل بعد ذلك التاريخ بالنسبة لهذين الفصلين.

[25]هذا ويظهر من ذلك أيضا أن القواعد الخاصة بتحديد المبالغ القصوى للتعويضات إنما تتعلق بالنظام العام حيث لا يجوز أي اتفاق يتضمن التخفيف من  مسؤولية المجهز بأقل من المبالغ المنصوص عليها والمذكورة آنفا وفي ذلك حماية للمتضرر في مواجهة مالك السفينة أو من في حكمه، وعليه فإن أي اتفاق من هذا القبيل لا يكون صحيحا وغير منتج لآثاره ولا يجب الاعتداد به.

ونرى ذلك متى وقع الاتفاق قبل وقوع الحادث الذي نشأ عنه الدين، أما إذا كان الاتفاق الذي يتضمن تحديد المسؤولية بأقل من المبالغ المعينة في القانون قد تم بعد وقوع الحادث فلا محل لإبطاله، إذ أن الحكمة من حماية المتضرر تكون قد ارتفعت وذلك برغبته في التنازل عن هذه الحماية التي قررها القانون لمصلحته.

كما يتحدد نطاق البطلان بتحديد مسؤولية مالك السفينة بأقل مما هو منصوص عليه قانونا، أما إذا كان الاتفاق على رفع الحد الأقصى للتعويض أو على إطلاق المسؤولية فإنه يقع صحيحا، والواقع أن مثل هذا الاتفاق نادر الوجود لتعارضه ومصالح مالك السفينة أو من في حكمه، وقد يترتب على ذلك قيام الاتفاق بين المالك وبعض المضرورين دون البعض الآخر على رفع الحد الأقصى للتعويضات المقررة عن الأضرار البدنية أو المادية، وفي هذه الحالة يستحق الدائن النسبة المقررة لحقه على ضوء تحديد مسؤولية السفينة بالأحد الأقصى المتفق عليه.

[26]  – وتميز المادة الثامنة من الاتفاقية المذكورة في هذا الصدد بين الدول الأعضاء في صندوق النقد الدولي الذي يتولى تحديد قيمة حقوق السحب الخاصة والدول غير الأعضاء فالبنسبة لهذه الأخيرة يمكنها التحفظ عند الانضمام إلى الاتفاقية على حساب التعويضات على أساس من هذه الحقوق واستبدال الفرنك بوانكاريه بها طبقا للمبالغ التي تولت الفقرة الثانية من المادة المذكورة تحديدها.

[27]  – كالتشريع البحري اللبناني الذي ينص في مادته 94 على أنه للمالك حق الاختيار في كل الأحوال التي يسأل فيها عن أخطاء الربان والتابعين البحريين عدا حالات ثلاث يتعين عليه تحديد مسؤوليته عنها بدفع قيمة السفينة وأجرة النقل وهذه الحالات هي:

1 – مكافآت المساعدة والإنقاذ.

2 – حصة مالك السفينة في الخسائر المشتركة.

3 – الالتزامات الناشئة عن العقود التي يبرمها الربان أو العمليات التي يجريها بمقتضى سلطاته القانونية خارج ميناء التسجيل لحاجة فعلية لصيانة السفينة أومتابعة السفر.

غني عن البيان أن إثبات قيمة السفينة وملحقاتها يقع على عاتق المجهز مع حق كل ذي مصلحة في إقامة الدليل العكسي، وتنتج ضرورة هذا الإثبات عن[28] القواعد العامة، فالمجهز حين يتمسك بمبدأ المسؤولية في وجه دائنيه يصبح مدعيا فرعيا ويتعين عليه إذاك أن يثبت قيمة السفينة وتوابعها في مواجهة الدائنين   الذين يسري عليهم التحديد القانوني للمسؤولية.

ومن مزايا النظام المغربي أنه لا يراعي جانب المجهزين الكبار على حساب الذين لا يمكنهم أن يجهزوا سوى سفن صغيرة ومتوسطة.

وبذلك يحفظ التوازن بين الفئتين بفضل معيارين للتحديد، ويراعي في هذا الصدد أن المشرع المغربي يلزم كيفية التمسك بتحديد المسؤولية بإجراءات خاصة على خلاف القانون الفرنسي ولذلك يأتي هذا التمسك بطلب يقدمه المجهز أو المالك بحسب الأحوال وفقا للقواعد العامة أو خلال دعوى المسؤولية المرفوعة عليه.