المسؤولية الإدارية في الإسلام

ذ. حسن توراك أستاذ جامعي كلية الحقوق – الدار البيضاء ذ. عمر لغليمي أستاذ زائر كلية الحقوق – الدار البيضاء

498

من خصوصيات الدراسات والأبحاث القانونية في العديد من الدول أنها تركز على تجربة المنظومة القانونية الفرنسية، والمغرب لا يشكل استثناء في هذا الإطار. وهذا يظهر جليا عندما يتعلق الأمر بالدراسات والأبحاث في مجال القانون الإداري. ويفسر ذلك انطلاقا من تلك الفكرة السائدة داخل محاضرات القانون الإداري أن هذا القانون ذو نشأة فرنسية. وبالتالي سيكون من الصعب على كل باحث أن يثبت العكس. وسيصبح هذا الإثبات أكثر صعوبة عندما يتعلق الأمر بما يمكن أن نسميه القانون الإداري في الإسلام.

إن ظهور وتطور القانون الإداري في فرنسا مرتبطان أساسا بظروف سياسية خاصة بالمجتمع الفرنسي ؛ ظروف تتمثل أساسا في الدور السياسي الذي سيضطلع به هذا القانون، سيما إبان العهد الملكي. هذا القانون ظهر في بدايته كرد فعل ضد تصرفات “البرلمانات القضائية” (محاكم) والتي كانت تتصرف بشكل، من جهة، يعرقل عمل الإدارة، ومن جهة أخرى، يضر بمصالح المتقاضين، حيث كانت تحكم لصالح من سيدفع أكثر، لأن قضاتها لم يكن لهم راتب رسمي ([1]) على عكس قضاة المحاكم العادية. في ظل هذه الظروف سيصدر الملك مرسوم Edit de Saint Germain بتاريخ 23 فبراير 1641.

وبالرغم من التطورات الهائلة التي سيعرفها القانون الإداري الفرنسي نتيجة تطور المجتمع والإدارة، فإن العديد من مقتضياته لازالت تطبعها وتحكمها اليوم تلك الظروف التي كانت وراء نشأته. وعلى سبيل المثال إذا كان القانون الإداري الفرنسي قد وجد في الأصل من أجل عدم إخضاع الإدارة لمراقبة القاضي العادي، لأن هذه الإدارة لها خصوصية. ولا يزال هذا المنطق يطبع القانون الإداري الفرنسي إلى اليوم وخير مثال على ذلك أن قضاة المحاكم الإدارية في فرنسا، بالرغم من الدور الذي يلعبه القاضي الإداري في مجال تطور القانون الإداري، قال فيهم Michel Debré أنهم مجرد موظفين إداريين يمارسون مهام القضاة ([2]).ألم يسبق لمجلس الدولة الفرنسي في قضية بوس Beausse بتاريخ 2 فبراير 1962 (قرار لجمعية) أن أكد أن قضاة المحاكم الإدارية الفرنسية يخضعون لقانون الوظيفة العمومية للدولة ([3]). إن إخضاع قضاة المحاكم الإدارية لقانون الوظيفة العمومية لا يزال يعبر عن واقع سياسي عمر ما يناهز أربعة قرون ولا زال إلى يومنا هذا يطبع القانون الإداري الفرنسي. وما نظرية قرار محكمة التنازع في قضية Bac d’Eloka سنة 1921 المتعلق بالمرافق العامة التجارية والصناعية إلا محاولة من طرف القاضي العادي لإخضاع الإدارة لمراقبته ([4]). ونفس الأمر ينطبق على نظرية أعمال التسيير والتدبير للإدارة ([5]).

المقصود من وراء مثل هذه العناصر هو التأكيد على أن القانون الفرنسي هو ابن بيئته، وبالتالي حان الوقت للخروج عن تلك الأطروحات والنظريات التي تريد أن تربط على مستوى المفاهيم أو التراكيب القانونية، القانون الإداري المغربي بالقانون الإداري الفرنسي. صحيح أن القانون الإداري المغربي قد استفاد كثيرا من تجربة القانون الإداري الفرنسي، ولكن ليس لدرجة أن يسير على خطاه ويمشي ويتطور على وثيرته وشكليته لدرجة أن العديد من الكتابات والدراسات تربط نشأة القانون الإداري المغربي بالحماية الفرنسية. إن مثل هذا التصور لا يعبر حقيقة عن الظروف السياسية والاجتماعية التي نشأ فيها قانون الإدارة المغربية. إن نفي وجود قانون إداري يتعلق بالإدارة في مرحلة ما قبل الحماية ما هو إلا تعبير عن تلك الأطروحات السوسيولوجية الكولونيالية التي أرادت أن تظهر أن المغرب لم يكن يتوفر على إدارة مركزي ؛ وإن توفر عليها فإنها، كانت، كما يقول طيراس Terrasse ([6])،منفصلة عن المجتمع . لكن الواقع غير ذلك، لأن المغرب كدولة ألفية وكإمبراطورية في مرحلة من تاريخه، ما كان ليستمر لولا وجود سلطة مركزية حقيقية لها ضوابطها وقواعدها وخصوصا امتيازاتها.

إن دراسة المسؤولية الإدارية في الإسلام تندرج ضمن طرح جديد يريد أن يثبت أن مرحلة ما قبل الاستعمار مرحلة غنية بمؤسسات ومفاهيم وعناصر لها علاقة جد وطيدة بالقانون الإداري : التظلم والأقاليم والدواوين والوزراء والأشغال العمومية، والملك العام، إلخ… العديد من هذه المفاهيم والمؤسسات والعناصر عرفها المغرب حتى قبل مجيء الإسلام، حيث عرفت الدولة الأكليدية “نظاما إداريا” أعطى للإدارة امتيازات في علاقتها مع الأفراد. كل هذا يبين مدى أهمية دراسة الإدارة خلال مرحلة ما قبل الاستعمار ولكن بمنظور يختلف عن المنظور الكولونيالي الذي وظف من أجل دراسة التاريخ السياسي والإداري للمغرب من أجل السيطرة عليه. لذلك فدراسة المسؤولية الإدارية في الإسلام تندرج ضمن هذا الاهتمام. ولكن لماذا هذا الموضوع بالضبط ؟ ثلاثة أسباب رئيسة كانت وراء اختيار هذا الموضوع :

  • أولا، خلال مرحلة ما قبل الاستعمار كان المصدر الأساسي للقانون هو الشريعة الإسلامية. ولازالت الشريعة الإسلامية مصدرا من مصادر القانون المغربي إلى اليوم حيث نصت جميع الدساتير المغربية على أهمية هذا المصدر. وقد نص دستور 2011 في ديباجته على أن الملكة المغربية دولة إسلامية. كما نص في فصله الثالث على أن الإسلام دين الدولة. ولا يمكن، حسب الفصل 175 من الدستور، أن تتناول المراجعة الأحكام المتعلقة بالدين الإسلامي. ولقد أكد القضاء الإداري المغربي على أهمية الشريعة الإسلامية كمصدر من مصادر القانون في قضية جليلة المرابط ضد وزير التربية الوطنية ([7]).
  • ثانيا، تطبيقات الشريعة الإسلامية حملت العديد من العناصر التي يمكن ربطها بالقانون الإداري : ديوان المظالم، وزير الشكايات، المحتسب، إلخ… وجميعها تهدف إلى رفع الضرر عن الأفراد وحمايتهم من ظلم وبطش الإدارة المركزية أو المحلية.
  • ثالثا، المسؤولية الإدارية، في إطار تاريخ القانون الإداري بالمغرب هي من المستجدات الحديثة : القرن التاسع عشر في فرنسا والقرن العشرون في كل من إنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية. في العالم الإسلامي كانت هذه المسؤولية متزامنة مع ظهور الدين الإسلامي. إن دراسة المسؤولية الإدارية في الإسلام ما هي إلا خطوة أولى لمحاولة دراسة المسؤولية الإدارية بالمغرب في عهد ما قبل الاستعمار ([8]) ؛ عهد غالبا ما ربطته العديد من الدراسات والأبحاث بإدارة مخزنية ظالمة. لو كان الأمر كذلك لما رضخ يوسف بن تاشفين وهو في أوج قوته وعظمته السياسية والإدارية والعسكرية، للفقهاء الذين رفضوا الترخيص له لاستخلاص الضريبة من الناس ؛ رفض لم يتبعه أي عقاب لهؤلاء الفقهاء. ولو كان الأمر كذلك لما لعب ديوان المظالم دورا في مواجهة الإدارة المخزنية من أجل حماية المتضررين، إلخ… مظاهر في العديد من جوانبها مرتبطة أو مستمدة من قواعد المسؤولية الإدارية في الإسلام.

من خلال هذا المقال سنتطرق فقط إلى المسؤولية الإدارية في الإسلام على أساس أن المسؤولية في عهد ما قبل الحماية قد نتناولها بالتحليل والتفصيل في مقال آخر. وهكذا سنتناول المسؤولية الإدارية في الإسلام أولا عبر دراسة مرحلة ما قبل الإسلام والتي لم تعرف خلالها الحضارات السائدة آنذاك تطبيقا للمسؤولية الإدارية، سواء بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر، وما ترتب عن ذلك من عدم التعويض عن أضرار ارتكبتها الإدارة في حق الأفراد. كما أن غياب المسؤولية الإدارية سيميز كذلك ولفترة طويلة العديد من المنظومات القانونية الغربية (المبحث الأول).

في العهد الإسلامي ستصبح المسؤولية الإدارية من القواعد الأساسة التي تقوم عليها العلاقة بين الإدارة والأفراد من مسلمين وغيرهم. إن هذه المسؤولية لها مرتكزات ومصادر مستنبطة من إطار عام يحدد مجموعة من المسؤوليات بما في ذلك المسؤولية الإدارية (المبحث الثاني). إن المسؤولية الإدارية في الإسلام ليست مجرد إطار نظري قانوني ينظم العلاقة بين الإدارة والأفراد، وإنما حقيقة تجلت عبر العديد من التطبيقات الإدارية والقضائية تصب جميعها في ضرورة تعويض الأفراد (مسلمين وغير مسلمين) عن الأضرار التي لحقت بهم نتيجة تصرفات الإدارة (المبحث الثالث).

وقبل تناول المسؤولية الإدارية في الإسلام، لابد من وضع بعض الضوابط المنهجية. إن هذا الموضوع سنتطرق إليه من الجانب القانوني معتمدين في ذلك عناصر المسؤولية الإدارية في القانون الوضعي كعناصر لابد من اعتمادها في التحليل، لأن هذه المسؤولية الإدارية خاصة في فرنسا، مهما وجهت إليها من انتقادات، فإنها لعبت دورا حضاريا كبيرا في حماية الأفراد في علاقتهم مع الإدارة، لدرجة أن النموذج الفرنسي يطبق في العديد من الدول. وبالتالي، فدراسة المسؤولية في الإسلام يجب ألا تعتبر كتنقيص من المجهودات التي بذلتها العديد من المنظومات القانونية في هذا المجال، خاصة المنظومة القانونية الفرنسية.

ومن الضوابط المنهجية كذلك هو عدم اعتماد التحليل العاطفي الذي يريد ليَ عنق النصوص والوقائع حتى تتطابق مع تصور مسبق وهدف محدد بشكل مسبق، هذا التحليل لن يخدم الجانب العلمي للموضوع. صحيح أن هذه المسؤولية الإدارية في الإسلام تضمنت العديد من الإيجابيات على مستوى حماية الأفراد من التصرفات الإدارية المضرة بهم، ولكن على المستوى التاريخي ستتلاشى هذه الإيجابيات لنصبح أمام إدارات وحكام لا يقيمون وزنا لحماية الأفراد من الأضرار التي قد تلحق بهم من جراء أعمال الإدارة. لذلك سنقوم بدراسة هذه المسؤولية عبر التطبيقات الفعلية والواقعية للعلاقة بين الإدارة والأفراد.

 

المبحث الأول : غياب المسؤولية الإدارية في عهد ما قبل وما بعد الإسلام

المسؤولية الإدارية في الإسلام، تشكل بالمقارنة مع الوضع السياسي والإداري السائد آنذاك، حدثا متميزا خصوصا على مستوى ضبط العلاقة بين الإدارة والأفراد عبر تحميلها مسؤولية التعويض عن كل ما لحق بالغير من أضرار. إن فكرة التعويض عن الأضرار المرتكبة من طرف الإدارة لم تكن معروفة عند الأنظمة والثقافات القانونية والإدارية السابقة أو المعاصرة للإسلام، حيث العلاقة بين الإدارة والأفراد كان يحكمها منطق السلطة أو الإدارة المستبدة ؛ إدارة لا تعترف بأي حقوق للأفراد الذين ليس لهم كذلك الحق في المطالبة بالتعويض من جراء ما لحق بهم من أضرار نتيجة أعمال الإدارة.

الأنظمة والثقافات القانونية السابقة أو المعاصرة للإسلام كانت تعرف نظاما قانونيا يتعلق بالتعويض عن الضرر عبر تحديد المسؤوليات وذلك ضمانا لحقوق الأفراد ضد كل ما يمكن أن يلحق بهم من أضرار. وخير نموذج على ذلك هو القانون الروماني الذي وضع أنظمة محددة للمسؤولية ولكن فقط في إطار العلاقات بين الأفراد. أما العلاقات بين الإدارة والأفراد فظلت خارج نظام المسؤولية بحيث أن السلطة الحاكمة أو الإدارة لم تكن تسأل عن الأضرار التي قد تلحقها بالأفراد (المطلب الأول). إن غياب المسؤولية الإدارية لم يقتصر فقط على المنظومة القانونية الرومانية وإنما نجد نفس انعدام المسؤولية الإدارية كذلك في العديد من المناطق التي ستعتنق لاحقا الإسلام، خصوصا بلاد العراق (الرافدين) والجزيرة العربية (المطلب الثاني). وسيستمر الحال على ما هو عليه حتى بعد إقرار مبدأ مسؤولية الإدارة مع الحضارة الإسلامية، خصوصا بالعديد من المنظومات القانونية الأوربية كفرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية (المطلب الثالث).

 

المطلب الأول : عدم الاعتراف بالمسؤولية الإدارية في القانون الروماني

القانون الروماني يحتل مكانة بارزة على مستوى مصادر القانون الوضعي، لكن الدراسات الوضعية التي تناولت المسؤولية الإدارية لا تتطرق إليه، لأن هذه المسؤولية كانت جد منعدمة في ذلك العهد. وأمر منطقي ألا تثار هذه المسؤولية في القانون الروماني، ليس فقط لأهمية وقوة السلطة المركزية، وإنما، أيضا، لعدم وجود تنظيم محكم لنظام المسؤولية بشكل عام. إن هذا العهد لم يعط تفصيلات قانونية واضحة لمختلف أصناف المسؤولية (المدنية، الجنائية، إلخ…)، وإنما حصر المسؤولية في جانب واحد هو المسؤولية المدنية الناشئة عن التعاقدات ([9]). كما أن القانون الروماني لم يميز بين المسؤولية المدنية والجنائية، لدرجة أنه كان من حق الدائن الاستيلاء على شخص الجاني أو المدين واستعباده أو الانتقام منه على النحو الذي يشاء ([10]).

كما أن القانون الروماني لم يقم المسؤولية على أساس الخطأ، وإنما اقتصر فقط على الضرر الذي كان مجرد حدوثه يعتبر سببا كافيا لقيام المسؤولية دون الالتفات فيما إذا كان الضرر ناتجا عن خطأ من قبل المعتدي أو عن فعل مقصود منه ([11]). وهذا في حد ذاته يعتبر من أخطر المسؤوليات على المستوى القانوني، لأنها لم تأخذ بعين الاعتبار عنصر القصد، وبالتالي تكون النتائج المترتبة عنها متساوية سواء في حالة الخطأ أو العمد أو حتى في حالة انعدام الخطأ أصلا، علما أن التعويض قد يتخذ شكل انتقام من مرتكب الخطأ.

علاوة على ما تقدم، فقد كانت المسؤولية في العهد الروماني مسؤولية جماعية، حيث تتحمل الجماعة التابع لها المعتدي نتائج الأفعال المضرة، لدرجة أن التاريخ يشهد بقيام جماعة المضرور بالثأر والانتقام من الجماعة التي ينتمي إليها الفاعل ([12]). لقد كانت عقيدة الثأر والانتقام هي القانون الفيصل في الاقتصاص من شخص الجاني، الشيء الذي ترتب عنه شيوع حالة من عدم الاستقرار داخل المجتمع الروماني ([13]). وأمام حالة اللاستقرار هاته، ستخضع عملية الثأر للتنظيم، وذلك بانتقالها من حالة جماعية إلى حالة فردية في شكل الاقتصاص من جسد الجاني بناء على قاعدة العين بالعين ([14]). ثم بعد ذلك بالاستعاضة عنها بنوع جديد من الجزاءات تمثل في نظام الدية. هذه الأخيرة كانت في البدء اختيارية أي أن المعتدى عليه لم يكن ملزما بها بدلا من الثأر، ثم صارت بعد ذلك إجبارية عن بعض الأفعال مثل موت رقيق أو قتل رأس ماشية، وإعطائها وصف الجرائم الخاصة وتحديد جزائها بالغرامة ([15]).

هكذا، نخلص إلى القول بأن نظام المسؤولية في العهد الروماني، ظل، ولحقبة طويلة، ذا طابع عقابي وانتقامي فقط. لكن القانون الروماني سيتطور نحو وضع قواعد قانونية عامة للمسؤولية ولكن في مجالات محددة كتلك المشار إليها أعلاه. أما المسؤولية الإدارية فقد ظلت منعدمة.

هذا الطابع الجزائي الذي كان يطبع نظام المسؤولية في العهد الروماني، سيمتد إلى العصور الوسطى في أوربا التي كان القانون الروماني يعتبر أحد أبرز وأقوى مصادر القانون فيها. لقد تميزت المسؤولية في هذه العصور بغياب تام للمسؤولية الإدارية، ومن جهة أخرى بالخلط بين كل من المسؤولية المدنية والجنائية، بل أكثر من ذلك، كانت الأحكام المنظمة للمسؤولية المدنية مستمدة أساسا من القانون الجنائي لا من القانون المدني. يقول BATON معبرا عن هذا الوضع : “المسؤولية التقصيرية لها صلة وثيقة بالمسؤولية الجنائية، لأن كثيرا من الأعمال غير المشروعة تشكل جريمة وخطأ تقصيريا في وقت واحد” ([16]).

على غرار القانون الروماني، ارتبطت المسؤولية في العصور الوسطى بالضرر فقط دونما تفريق بين القصد الجنائي أو مجرد الإهمال أو الخطأ، فالشخص معرض للمسؤولية الجنائية عن عمده وخطئه ([17]). ينضاف إلى هذا، أن نظام المسؤولية في هذه العصور لم يكن يعترف فيه بالأسباب النافية للمسؤولية أو المخففة منها، كالدفاع عن النفس أو القوة القاهرة أو الإكراه. وفي هذا الصدد يقول هولدز ورت : “إن الدفاع عن النفس والحادث القهري لم يعتبرا في نظر القانون العرفي سببين لنفي المسؤولية” ([18]). أكثر من هذا، لم يكن هناك تمييز في المعاملة بين الصبي والعاقل البالغ على مستوى توقيع العقوبات.

إن المسؤولية في العهد الروماني وإن وجدت فإنها كانت مرتبطة فقط بالأشخاص سواء على المستوى المدني أو المستوى الجنائي، و لا مجال، في هذا العهد، للمسؤولية الإدارية ولو في نطاق ضيق ومحدود. إن عدم الاعتراف بالمسؤولية الإدارية في العهد الروماني نابع من ذلك التصور آنذاك حول الحاكم في المدن اليونانية والرومانية القديمة ؛ تصور قائم على أساس تقديس السلطة الحاكمة. لقد كان الاعتقاد السائد في هذا العهد أن من قاموا على شؤون الحكم في اليونان كانوا من مخلوقات أسمى من الإنسان لأنها من أصل إلهي ([19]). وكانت ديانة الإمبراطور هي الديانة الرسمية في المدن الرومانية القديمة حيث كان هذا الإمبراطور هو الكاهن الأكبر والذي ينتقل إلى مصاف الآلهة بعد وفاته ([20]). ففي ظل هذا الوضع القائم على أساس تأليه السلطة الحاكمة لم يكن من السهل الحديث عن المسؤولية الإدارية، لأن الحاكم منزه عن الخطأ. وبالتالي، لا مجال لمساءلته أو مساءلة موظفيه عن الأضرار التي قد تلحق بالغير.

 

المطلب الثاني : عدم المسؤولية الإدارية في عهد ما قبل الإسلام

إن عهد ما قبل الإسلام يتضمن فترة زمنية جد مهمة تميزت بغياب أي مسؤولية للأجهزة الإدارية عن الأضرار التي تكون سببا فيها. خلال هذه المرحلة، لا بد من التمييز بين منطقتين جغرافيتين : بلاد العراق ( الرافدين ) والجزيرة العربية.

بالنسبة لبلاد الرافدين ([21])، فقد تميزت، على غرار القانون الروماني بعدم الاعتراف بمسؤولية الإدارة عن الأضرار التي قد تتسبب فيها للغير. ولكن بالمقابل، كانت هناك حالات للمسؤولية خارج المسؤولية الإدارية نظمتها قواعد قانونية كانت سائدة آنذاك أشهرها قانونا أور-نمو ([22]) وحمو رابي ([23]). فبالنسبة للقانون الأول (قانون أور-نمو)، فمن بين المسائل التي عالجها مسألة مسؤولية التجاوز على حقول الغير حيث يحكم على الشخص المتجاوز بخسران النفقات جميعها. أما في حالة إغراق شخص لحقل شخص آخر، فإنه يحكم عليه بتعويض صاحب الحقل بكمية من الشعير تقدر بنسبة مساحة الحقل. وفي حالة إهمال الحقل المستأجر فإنه يدفع لصاحب الحقل كمية من الشعير بنسبة مساحة الحقل أيضا ([24]).

غير أن القانون الأشهر الذي صدر في هذه الحقبة من التاريخ يبقى قانون حمو رابي الذي تضمن هو الآخر عددا من المواد والأحكام التي تتطرق لموضوع المسؤولية. وكانت الغاية من ذلك هي تفادي انتشار عقيدة الثأر والانتقام. فمن بين المسائل التي نظمتها أحكام هذا القانون نجد : مسؤولية الفلاح المهمل بدفع تعويض لصاحب الأرض في حالة إهمال الأرض الزراعية التي استأجرها من مالكها وذلك بقدر ما ينتجه الحقل المجاور ([25])، ومسؤولية الفلاح المهمل عن تعويض صاحب الحقل المجاور في حالة إغراق حقله والتسبب في إتلاف الحبوب ([26])، وكذلك مسؤولية صاحب الدار عن تعويض مستأجرها في حالة إتلاف أثاثه وممتلكاته أثناء ترميمها ([27]).

بالرغم من الاعتراف بهذه المسؤوليات سواء في ظل قانون أور-نمو أو قانون حمو رابي، فإنها، على غرار القانون الروماني، كانت مجرد مسؤوليات مرتبطة حصرا بالأشخاص وليس هناك بالتالي أي مجال أو أية فرصة لمساءلة الإدارة أو الحاكم. إن غياب المسؤولية الإدارية خلال هذه الحقبة التاريخية ما هو إلا تجسيد للوضع السائد آنذاك في ممالك آشور وبابل والهند القديمة، حيث كان الملك يعتبر بمثابة إله وكان يستمد سلطاته الواسعة مباشرة من “براهما”، الإله الأكبر ([28]).

لقد ترتب عن هذا التصور أن كان الحكام يملكون سلطات مطلقة وما على الرعايا إلا الطاعة والخضوع التام لهم دون إبداء أي اعتراض أو مناقشة، لأن الحكام هم بمثابة آلهة. ولقد تكلم القرآن عن هذه النماذج السياسية التي كانت تقوم على تأليه الحكام في غير ما آية والتي يجسدها، بشكل أساسي، فرعون : “أنا ربكم الأعلى” ([29]) ؛ “يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري” ([30]). ؛”لئن اتخذت إله غيري لأجعلنك من المسجونين” ([31]). في ظل هذه الأنظمة الحاكمة ذات الطابع الإلهي، الحاكم هو فوق كل الأشياء لأنه كإله منزه عن الخطأ، وبالتالي لا يمكن مساءلته حتى عن أبسط الأشياء سواء كانت مادية أو معنوية.

لم يختلف الوضع في الجزيرة العربية أيام الجاهلية عما كان عليه الوضع في العهد الروماني أو في العصور الوسطى. فقد اتسم الوضع في تلك المرحلة بغياب تام للمسؤولية. مما فسح المجال أمام ما كان يسمى آنئذ بعقيدة الثأر والانتقام كسبيل لإرضاء المتضرر. إن افتقاد الجزيرة العربية لسلطة مركزية (دولة) تتولى مهمة صون وحفظ حقوق الأفراد ومنها الحق في الحصول على تعويض، ساهم بشكل كبير في تكريس عقيدة الثأر تلك، سيما في ظل تغلغل النزعة القبلية، والحمية الجاهلية. والنتيجة أن كانت المسؤولية جماعية ولا تظهر إلا في مواجهة مجتمع قبيلة أخرى لأّنه من النادر أن يقع اعتداء على أحد أفراد القبيلة من أحد الأفراد في القبيلة ذاتها، وإن حصل ووقع استثناء، فإنه يكون اعتداء غير عمدي، وغالبا ما يتغاضى عنه المضرور ([32]).

لكن الوضع يختلف تماما حينما يتعلق الأمر بالمعتدي من خارج القبيلة التي ينتمي إليها المتضرر. فقانون المسؤولية الجماعية يقتضي أن تكون، قبيلة الفاعل أو المعتدي كلها محلا للمساءلة، التي تأخذ شكل ثأر جماعي. وقد نتج عن هذا الوضع سيادة حالة من الفوضى العارمة بين غالبية القبائل التي شكلت مجتمع العرب ([33]). وكم من حروب طويلة وطاحنة، كحرب داحس والغبراء، التي وقعت بين قبيلتين من قبائل العرب، كانت في أصلها بسبب جريمة فردية قليلة الأهمية ([34]).

غير أن رغبة القبائل العربية في السلام والوئام سينتهي بها، في آخر المطاف، إلى الاستعاضة عن عقيدة الثأر والانتقام بقانون جديد تمثل في الصلح نظير مقابل ما سمي عند العرب بالدية التي غالبا ما كانت تفتقد لضوابط المساواة والإنصاف. من جهة، لأنها كانت تتحكم فيها أمور خارجية مثل مكانة الجاني والمجني عليه ومكانة القبيلة المعتدية والمعتدى عليها. ومن جهة أخرى، لأنه لم يكن يميز فيها بين طبيعة الجرائم المرتكبة. فقد كانت تؤدى عن جريمة القتل الخطأ وعن جريمة القتل العمد بل وعن كافة الجروح. ودليل هذا ما أوردته كتب السيرة في شأن أهل قريش الذين جمعوا نفراً من كل قبيلة في مؤامرتهم التي حاولوا بموجبها قتل الرسول صلى الله عليه وسلم قبل خروجه للهجرة وكان منهجهم في هذا هو أن دم الرسول صلى الله عليه وسلم سيتوزع بين القبائل فلن يكون أمام أهله آنذاك من بد إلا قبول الدية ([35]).

ومما يفسر غياب المسؤولية الإدارية في هذا العهد، أن الجزيرة العربية كانت مرتعا خصبا للتعسف والظلم وغياب لإنصاف المظلوم سيما ممن هم من علية القوم وكبرائهم ([36]). فقد كان ينطبق عليها القولة الشهيرة : “انصر أخاك ظالما أو مظلوما” ([37]). وكذلك قول الشاعر : “وما أنا من غزية إن غوت غويت  /  وإن ترشد غزية أرشد”. ولعل حادثتي الرجل الزبيدي من اليمن وقيس بن شيبة السلمي أبرز مثال على حالة التعسف والجور وانعدام المسؤولية التي كانت تعيشها الجزيرة العربية قبل مجيء الإسلام.

حادثة الرجل الزبيدي تتمثل في أن رجلا من اليمن باع بضاعته بمكة للعاص بن وائل (وهو من أشراف قريش وساداتها) لكن هذا الأخير امتنع من إعطائه ثمن البضاعة أو ردها إليه. فوقف على جبل أبي قبيس عند طلوع الشمس ونادى بأعلى صوته : “يا آل مكة. يا لقصي. بضاعة لي اشتراها مني العاص بن وائل، فلوى بحقي وامتنع من إعطائي ثمنها أو ردها إلي. تهامس الناس عند سماع الاسم ومن ؟ العاص بن وائل.إنه من سادات قريش وأشرافهم. من يقف في وجهه ويردعه عن ظلمه ويلزمه برد الحق إلى أهله ؟ أما الحادثة الثانية، فتخص قيس بن شيبة السلمي الذي باع متاعا إلى أبي بن خلف. فلواه حقه، فاستجار برجل من بني جمح فلم يجره خوفا من بطش وظلم أبي بن خلف.

هاتان الحادثتان ستشكلان منعطفا تاريخيا زمن الجاهلية من حيث أثرهما البالغ في إرساء دعائم ما سمي آنذاك بــ “قضاء المظالم” المتمثل في عقد “حلف الفضول” الذي يعتبر بمثابة تحالف ضد العصبية القبلية المستشرية، ويكون له صفات القضاء والتنفيذ معا. وقد عقد الحلف المذكور بدار عبد الله بن جدعان أحد أشراف قريش و بمبادرة من الزبير بن عبد المطلب بحضور أشراف قريش ([38]). و شهد أيضا حضور كذلك الرسول صلى الله عليه وسلم وهو بن الخامسة والعشرين ([39]). يقول الإمام الماوردي بخصوص هذا الحلف : “وكانت قريش في الجاهلية حيث كثر فيهم الزعماء، وانتشرت فيهم الرياسة، وشاهدوا من التغالب والتجاذب ما لم يكفهم عنه سلطان قاهر، عقدوا حلفا على رد المظالم وإنصاف المظلوم من الظالم” ([40]).

إن حلف الفضول يعتبر بمثابة نواة أولى للمسؤولية الإدارية بالجزيرة العربية. صحيح أن المنطقة كانت تفتقر إلى سلطة مركزية حاكمة، لكن هذا الحلف جاء من أجل رد الظلم المرتكب من طرف علية القوم. العبرة هنا أن حلف الفضول رتب المسؤولية عن الأضرار المرتكبة بغض النظر عن فاعلها سواء كان من علية القوم أو من غيرهم. في ظل هذا التصور، العبرة برد المظالم مهما كانت مكانة المرتكب للضرر. لقد كان حلف الفضول على حد تعبير محمد الرفاعي : “مجالا لدعم محاكمة ومقاضاة كل ظالم ذي قوة أو جاه وأخذ الحق منه ورده إلى ذويه” ([41]). لذلك تقبلت نفوس العرب، في ظل الإسلام، مبدأ المسؤولية العامة ورفع المظالم، خاصة إذا كان فاعلوها من الدولة أو من علية القوم.

 

المطلب الثالث : عهد عدم المسؤولية الإدارية في القانون الوضعي

من خصوصيات هذه الأنظمة الوضعية الولادة الصعبة والمتأخرة للمسؤولية الإدارية، لدرجة أن برسبير فايل Prosper Weil اعتبر أن ظهور المسؤولية الإدارية على مستوى القانون الإداري الفرنسي كان “معجزة” ([42]). وهذه خاصية تشترك فيها، تاريخيا، جميع الأنظمة الوضعية وبدون استثناء. ومن الصعب الإحاطة، من الناحية التاريخية، بجميع هذه الأنظمة الوضعية على مستوى موضوع المسؤولية الإدارية. لهذا، سنقتصر فقط على دراسة مرحلة غياب المسؤولية الإدارية في كل من النظامين الفرنسي والأنجلوسكسوني، وذلك لسببين رئيسين : أولا، لأهمية التجربة الفرنسية في مجال المسؤولية الإدارية، وثانيا، لخصوصية العلاقة بين الأفراد والإدارة الأنجلوسكسونية وخاصة على مستوى المسؤولية الإدارية.

صحيح أن الدراسات الإدارية تقر اليوم بأن المسؤولية الإدارية هي من الركائز المهمة التي يقوم عليها القانون الإداري الفرنسي. لكن من الناحية التاريخية، الأمر بخلاف ذلك، لأن مبدأ مسؤولية الإدارة لم يتقرر إلا في القرن التاسع عشر، وبالضبط مع قرار بلانكو الصادر بتاريخ 1873 عن محكمة التنازع ([43]).

لقد كانت مسألة تمتع الدولة بالسيادة تقف حائلا أمام عدم إمكانية مقاضاتها من قبل الأفراد للحصول على تعويضات عن الأضرار التي تتسبب فيها لهم. ولهذا، لم يكن هناك من سبيل أمامهم سوى مقاضاة الموظف بصفة شخصية للحصول على التعويض من ماله الخاص. غير أن المتضرر، غالبا ما كان يفاجأ بإعسار الموظف. بالإضافة إلى ذلك، فإن المشرع غالبا ما كان يتدخل لحماية الموظف من خلال عدم السماح للأفراد بمقاضاة موظفي الإدارة إلا بعد الحصول على إذن سابق. وهكذا كانت تنص المادة 75 من دستور السنة الثامنة في فرنسا والتي ألغيت سنة 1870 : “لا يمكن مقاضاة موظفي الحكومة عما يتعلق بشؤون وظائفهم إلا بمقتضى قرار من مجلس الدولة. وفي هذه الحالة تكون مقاضاتهم أمام المحاكم العادية”.

ولأن من خصائص السيادة التامة – يوضح بول دويز Paul Duez ([44]) ـ أن تلزم الجميع دون أن تلتزم بالتعويض. فإذا حدث وعوضت الإدارة الأفراد عن أضرار لحقتهم، فإن ذلك على سبيل التسامح والتبرع. إن السؤال الذي يطرح نفسه وبإلحاح، هو ما السبيل الذي كان متاحا أمام الأفراد للحصول على تعويض عن الأضرار التي لحقت بهم من جراء أعمال الإدارة ؟

لقد كانت القاعدة السائدة قبل إقرار هذه المسؤولية الإدارية، هي عدم مسؤولية الدولة أو الإدارة عن أعمالها، لأن مثل هذه المسؤولية كانت تتنافى مع العديد من المفاهيم السائدة آنذاك حيث بالأساس كان الملك يعتبر امتدادا وظلا لإرادة الله فوق الأرض ([45]). والتالي، “لا يسيئ صنعا الملك” ([46]). الأمر الذي جعل الملك يتوفر على سلطة مطلقة في جميع المجالات، لدرجة أنه يعتبر فوق الدولة، حيث كان لويس الرابع عشر يقول : “أنا الدولة والدولة أنا”. وكان يقول كذلك : “إن سلطة الملوك مستمدة من تفويض الخالق، فالله مصدرها وليس الشعب، وهم مسئولون وحدهم أمام الله وحده وعن كيفية استخدامها” ([47]). ومن بعده لويس الخامس عشر : “إننا لم نتلق التاج إلا من الله، فسلطة سن القوانين من اختصاصنا وحدنا ولا يشاركنا فيها أحد ولا نخضع فيها لأحد” ([48]) تفويض إلهي اتخذه هؤلاء الحكام ليكون بمثابة غطاء يحميهم من المساءلة والمحاسبة من طرف الشعب وأيضا لتبرير حكمهم المطلق. يقول محمد يوسف موسى تعبيرا عن هذا الوضع : “كان من الطبيعي أن يعيش رئيس الدولة التي تعيش تحت هذا النظام، وأن يكون لغيره ومن معه من النبلاء ورجال الدين من الامتيازات ما ليس لأحد من طبقات الأمة المختلفة” ([49]). ولابد من التذكير هنا بأن العهد الملكي في فرنسا كان يقوم على فكرة أساسية مفادها أن الأفراد ليست لهم حقوق في مواجهة الملك أو كما كان يقول إدوار لافريير  Edouard Laferrièreأن من خصوصيات إرادة الملك أنها تطبق على الجميع وبدون تعويض ([50]). هذا المفهوم سيستمر حتى بعد الثورة الفرنسية لأن السيادة الشعبية لا يمكن لها أن تخطئ ([51]).

وهكذا ستظهر الدولة كسلطة عامة صاحبة سيادة ولها إرادة ذاتية تسمو على إرادة الأفراد، وبالتالي لا يمكن كما كان يقول لافريير، نائب رئيس مجلس الدولة الفرنسي خلال القرن التاسع عشر مساءلتها ([52]). إن تمتع الدولة بالسيادة كانت تقف حاجزا أمام عدم إمكانية مقاضاتها من قبل الأفراد للحصول على تعويضات عن الأضرار التي تلحقها بهم. لكن تظافر العديد من العوامل أدى إلى العدول عن فكرة سيادية الدولة باتجاه إلزام الدولة بتحمل مسؤولياتها في تعويض الأفراد المتضررين من الأخطاء التي تلحقها بهم، على اعتبار أن تطبيق نظرية السيادة التامة للدولة تتنافى وإمكانية مقاضاة الإدارة وإلزامها بتعويض الأفراد عن الأضرار التي تصيبهم من جراء تصرفات موظفيها ([53]).

هذه العوامل عديدة ومتنوعة ([54]). عوامل سياسية، تتمثل في تحول نظام الحكم من ملكية مطلقة إلى نظام جمهوري ديمقراطي أكثر تقبلا لفكرة خضوع كل من الحكام والمحكومين للقانون، سيما أن الخواص ضغطوا بقوة من أجل الحصول على التعويض عن مالحقهم من أضرار ناتجة عن تصرفات الإدارة ([55]). وعوامل فقهية، تتجلى في الدور البارز الذي اضطلع به الفقه الإداري الفرنسي في مهاجمة مبدأ عدم المسؤولية والمطالبة بضرورة خضوع الدولة لقواعد المسؤولية ([56]). وكذلك عوامل قضائية، تمثلت في دور القضاء الإداري الفرنسي في تقرير مبدأ مسؤولية الدولة ولكن بشكل تدريجي ([57]). أولا، التمييز في بادئ الأمر بين أعمال السلطة العامة وأعمال التسيير  ([58]) وقد رتب على هذا التمييز مسؤولية الدولة عن الأعمال الأولى (أعمال السلطة)، وعدم مسؤوليتها عن النوع الثاني من الأعمال ([59]) إلا إذا وجد نص قانوني ينص على تعويض الأضرار الناتجة عن أعمال السلطة ([60]). ثانيا، قرار مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 27 فبراير 1903 في قضية zimmermann حيث أن الإدارة مسؤولة عن جميع تصرفاتها ([61]). لقد أسس مجلس الدولة الفرنسي بموجب هذا القرار لمسؤولية الدولة عن جميع تصرفاتها باستثناء طائفة أعمال السيادة وأعمال الحكومة ([62]).

من خلال تطرقنا للعوامل التي كانت وراء ظهور المسؤولية الإدارية في فرنسا لم نتطرق إلى الثورة الفرنسية لسنة 1789 لأنها لم تساهم، بشكل مباشر، في ذلك. صحيح أ، المادة 17 من الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن نصت على ضرورة احترام الملكية الخاصة ([63]) ولكن في نطاق جد ضيق : التعويض فقط في حالة نزع الملكية . أما الأضرار الأخرى المرتكبة من طرف الإدارة والخارجة عن نزع الملكية فلا تعويض عنها ([64]). وإذا كانت المادة 13 من الإعلان الفرنسي تنص على مبدأ المساواة أمام التكاليف والأعباء العامة ([65]) (مبدأ سيلعب لاحقا دورا أساسيا في تجسيد المسؤولية الإدارية)، فإن هذا المبدأ في عهد الثورة الفرنسية كان يقتصر فقط على الجانب الجبائي : المساواة أمام التكاليف الضرورية لسير الإدارة ([66]). أما أن تعوض الإدارة عن الأضرار التي تلحقها بالغير خلال هذا العهد فلا مجال للحديث عن ذلك في ظل المادة 13. صحيح أن المادة 15 من الإعلان الفرنسي تعطي للمجتمع حق مساءلة الموظفين ([67])، ولكن فقط في إطار المحاسبة العمومية ([68]) وليس في مجال المسؤولية الإدارية. إن الاستبداد الإمبراطوري بعد 1789 سيزيد من معاناة ظهور المسؤولية الإدارية في فرنسا خصوصا عندما سيقف هذا الاستبداد في وجه الأفكار التحررية التي دعت إليها الثورة الفرنسية وذلك، كما يقول جورج طايسيي Georges Teissier، عبر التركيز، إداريا وقضائيا على عدم مسؤولية الدولة ([69]).

إن انعدام المسؤولية الإدارية يعتبر كذلك من الخصوصيات التاريخية للأنظمة الإدارية الأنجلوسكسونية سواء تعلق الأمر بالقانون الإنجليزي أو القانون الأمريكي. في إنجلترا كان المبدأ العام السائد هو عدم مسؤولية الدولة عن الأضرار التي تتسبب فيها للأفراد ([70]). هذا المبدأ يجد سنده في عاملين أساسيين .العامل الأول يتمثل في تلك القاعدة الدستورية القديمة التي تقول : الملك لا يخطئ ([71]) the king can do no wrong ولقد ترتب عن هذا المبدأ خلط بين كل من الدولة والتاج البريطاني. وبما أن التاج لا يخطئ فإن الدولة هي الأخرى لا تخطئ ([72]). إن عدم مسؤولية التاج البريطاني تستمد جذورها من تلك النظريات الثيوقراطية les théories théocratiques ([73]) والتي تبرر سلطة الملوك بأنها مستمدة من الله بطريق مباشر أو غير مباشر. ومن ثم فإن إرادة الحكام تعلو على إرادة المحكومين ولا يملك الشعب محاسبتهم أو مساءلتهم عما ارتكبوه من أخطاء أو تقصير أو إهمال ([74]).

أما العامل الثاني فيقوم على طبيعة العلاقة بين الدولة والموظف : علاقة تعاقدية أو علاقة وكالة ([75]). ومن هذا المنطلق، فالموظف كوكيل عن الدولة في أداء مهامه لا يمكن أن يسأل عن الأعمال التي يقوم بها في ظل هذه الوكالة حتى وإن تسببت هذه الأعمال في أضرار للأفراد ([76]). أما إذا تصرف الموظف خارج هذه الوكالة وترتبت أضرار عن هذا التصرف فإنه يسأل شخصيا عن هذه الأضرار ([77]). إن ثبوت الخطأ في حق الموظف يترتب عنه التزام هذا الأخير من ماله الخاص، غير أنه من الناحية الواقعية “جرى العرف أن تتحمل الدولة هذا التعويض من ماله الخاص لا من باب الالتزام القانوني وإنما فقط من باب الشفقة والرحمة” ([78]).

النظام الأمريكي في مجال المسؤولية الإدارية يقوم على نفس المبدأ الذي تقوم عليه هذه المسؤولية في النظام الإنجليزي :”التاج لا يخطئ” ولهذا الوضع تفسير تاريخي يتمثل في كون الولايات المتحدة الأمريكية كانت خاضعة للتاج البريطاني ([79]) وسيستمر الوضع على هذا الحال حتى بعد استقلال الولايات المتحدة الأمريكية عن بريطانيا وكذلك حتى بعد تبنيها للنظام الجمهوري الذي يختلف عن النظام الملكي السائد في بريطانيا ([80]).

صحيح أن كلا من النظام الفرنسي والنظام الأنجلوسكسوني عرف تطورا في اتجاه الاعتراف بالمسؤولية الإدارية. ففي فرنسا أقر حكم بلانكو الصادر عن محكمة التنازع بتاريخ 8 فبراير 1873 بمسؤولية الإدارة عن الأضرار التي تتسبب فيها للغير ([81]). النظام الأنجلوسكسوني هو الآخر سيقر بمبدأ مسؤولية الإدارة عن أفعالها الضارة سنة 1947 في انجلترا وسنة 1946 في الولايات المتحدة الأمريكية ([82]). وكما نلاحظ، فالقاسم المشترك بين فرنسا وانجلترا والولايات المتحدة الأمريكية هو حداثة نشأة المسؤولية الإدارية تظل في حقيقة الأمر خصوصا في جانب كبير من تاريخها، جد محدودة وغير كاملة.

صحيح أن المادة 75 من دستور السنة الثامنة في فرنسا والتي ألغيت سنة 1870 نصت على إمكانية مقاضاة موظفي الحكومة عما يتعلق بشؤون وظائفهم ولكن شريطة الحصول مسبقا على إذن من طرف مجلس الدولة. غير أن الواقع التاريخي يثبت أن مجلس الدولة لم يمنح الإذن إلا في حالات جد نادرة حيث، خلال الفترة ما بين 1852 و 1864، لم يرخص إلا لـ 34 طلبا مع العلم أن طلبات الترخيص المتعلقة بمقاضاة الإدارة كانت 264 طلبا ([83]).

وتجدر الملاحظة، أن حكم بلانكو في فرنسا يعتبر مهما على مستوى تقرير مبدأ المسؤولية الإدارية لدرجة أن العديد من الكتابات والدراسات ترى أن هذا الحكم لعب دورا أساسيا في نشأة القانون الإداري الفرنسي وإعطاء استقلالية للقانون الإداري في علاقته بالقانون الخاص ([84]) لكن هذا الحكم لا يعتبر بمثابة تقرير كلي ونهائي لمبدأ مسؤولية الإدارة عن أفعالها الضارة. إن محكمة التنازع نفسها ضمنت حكم بلانكو مجموعة من العناصر تصب كلها في إطار عدم الاعتراف بوجود مبدأ عام للمسؤولية الإدارية، عبر تأكيدها على أن هذه المسؤولية لا يمكن أن تكون عامة وكذلك لا يمكن أن تكون مطلقة ؛ إنها مسؤولية محددة بمجموعة من الشروط والقيود تؤكد أن المسؤولية الإدارية آنذاك استثناء وليس قاعدة.

ويسير حكم بلانكو في نفس اتجاه التضييق والحصر عبر التأكيد على أن هذه المسؤولية لا يمكن أن تخضع لنفس القواعد القانونية التي تتحكم في المسؤولية التي تنشأ بين الخواص وبالتالي فهي لا تخضع لقواعد القانون المدني. إن هذه المسؤولية لها كذلك قواعدها الخاصة التي تختلف حسب حاجيات المرفق العام وضرورة التوفيق بين حقوق الدولة وحقوق الأفراد ([85]).

ولا بد من التأكيد على أن هذه المسؤولية الإدارية التي ولدت في نطاق ضيق لا تهم، في إطار حكم بلانكو، جميع الأضرار الناتجة عن أفعال جميع الأشخاص المعنوية للقانون العام وإنما تتعلق فقط بالدولة، أما الأشخاص المعنوية الأخرى فإنها لم تكن معنية بحكم بلانكو حيث لم يعترف بمسؤولية الأشخاص المعنوية العامة الإقليمية (Départements) إلا سنة 1908 في قضية Feutry ([86]) وفي نفس السنة سيعترف بمسؤولية الأشخاص المعنوية العامة الجماعية (communes) في قضية Fonscolombe ([87]) ولم يعترف بمسؤولية المؤسسات العمومية إلا مع قضية Jouillié سنة 1908 ([88]).

جميع هذه الأحكام تؤكد أن المسؤولية الإدارية عند ظهورها في فرنسا كانت جد محدودة وفي نطاق جد ضيق بالإضافة إلى مجالات عديدة كانت غير خاضعة لمبدأ المسؤولية الإدارية كأعمال السيادة التي لم تخضع لمبدأ المسؤولية الإدارية إلا مع سنة 1875 مع قضية Prince Napoléon ([89]) وأعمال الشرطة التي لم يتم إخضاعها للمسؤولية الإدارية إلا سنة 1905 مع قرار محكمة التنازع الفرنسية في قضية Tomaso Crecco ([90]). لدرجة أن فرانسيس بول بينوا Francis-Paul Bénoit يقول أنه خلال الثلاثين سنة الأخيرة من القرن 19 لا نجد إلا ناذرا (إن لم تكن منعدمة) اجتهادات قضائية تتعلق بالجيش أو بالموانئ أو بعربات الدولة أو بالانفجارات ([91]).

إن الأهمية التي يحتلها حكم بلانكو تجد تفسيرا لها من خلال تلك الكتابات والدراسات التي جعلت منه، عبر إقراره لمبدأ المسؤولية الإدارية، منطلقا جوهريا في نشأة القانون الإداري الفرنسي. لكن مثل هذا التصور يحمل في طياته العديد من المغالطات. وبالفعل، هناك أحكام قبل حكم بلانكو سبق وأن أكدت أن المسئولية الإدارية لا يمكن أن تقوم على أسس القانون الخاص كما أكد على ذلك مجلس الدولة الفرنسي في 8 غشت سنة 1844 في قضية Dupart c/ Perrin ([92]). ونفس الاجتهاد سيقرره مجلس الدولة الفرنسي في 6 دجنبر 1855 في قضية Rotschild ([93]). إذا كان الأمر كذلك فأين تتجلى خصوصية حكم بلانكو؟ إن حكم بلانكو في حد ذاته لا يحمل أي تطور قانوني بالمقارنة مع الاجتهادات القضائية الإدارية السابقة، ولكن خصوصية هذا الحكم تتجلى عبر استنتاجات مفوض الحكومة David الذي وضع بشكل دقيق المبادئ التي يقوم عليها القانون الإداري، خاصة استقلالية المسئولية الإدارية  عن قواعد القانون المدني ([94]).

مثل هذه الأحكام تؤكد فعلا أن إقرار مبدأ المسؤولية الإدارية من طرف الدولة الفرنسي لم يكن وليد حكم بلانكو. وفي نفس الوقت هذا لا يعني قطعا أن المسؤولية الإدارية هي ابتكار القضاء الإداري الفرنسي وحده، لأن المحاكم العادية هي الأخرى، في صراع مع مجلس الدولة الفرنسي، أقرت مساءلة الدولة عبر قواعد القانون الخاص بناء على المواد 1382 و 1383 و 1384 من القانون المدني الفرنسي. وكمثال على ذلك مساءلة محكمة النقض الفرنسية الدولة عن أفعالها بناء على قواعد القانون المدني في قضية Depeyre ([95]). بالرغم من أن فترة ما قبل حكم بلانكو تميزت بتقرير مسؤولية الدولة سواء من طرف القضاء الإداري أو من طرف القضاء العادي، فإن المتضرر من أفعال الإدارة كان يجد صعوبة في تحديد الجهة القضائية المختصة التي سيرفع أمامها دعواه. صحيح أن الثورة قد وضعت عبر مقتضيات القانون 16-24 غشت 1790 مبدأ منع القضاء العادي من التدخل في الأعمال الإدارية، لكن الواقع أتبت عكس ذلك حيث أن هذا القضاء سيحاول، سيما خلال النصف الأول من القرن 19، تجاهل هذا المبدأ عبر منافسة مجلس الدولة الفرنسي وذلك بمساءلة الإدارة عن أفعالها الضارة معتمدا في ذلك على قواعد القانون المدني. إن هذه المنافسة بين القضاء الإداري والقضاء العادي كانت وراءها، وكما يقول فرانسوا كوشلان François Koechlin، العديد من الأسباب السياسية ([96]). لكن مجلس الدولة الفرنسي سيخرج فائزا من هذه المنافسة خصوصا وأنه خلال هذه المرحلة كان في نفس الوقت مكلفا بحل قضايا التنازع بين القضاء العادي والقضاء الإداري ([97]). بل أكثر من ذلك لم يكن من حق المتضررين رفع دعوى ضد الدولة إلا بعد الحصول على ترخيص من مجلس الدولة الفرنسي ؛ ترخيص لا يصدره إلا في حالات ناذرة جدا ([98]).

نفس الأمور يمكن ملاحظتها على مستوى الأنظمة الأنجلوسكسونية، حيث ظلت مجالات جد عديدة غير خاضعة لمبدأ المسؤولية الإدارية. وهكذا فبالرغم من الاعتراف في انجلترا بالمسؤولية الإدارية، منذ 1946 ، فإن هذه المسؤولية لا يمكن أن تنطبق على موظفي الإدارة المركزية لارتباطهم مباشرة بالتاج البريطاني الذي لا يخطئ وكذلك موظفوه ([99]). إن المسؤولية الإدارية المعترف بها آنذاك كانت منحصرة في الأعمال التعاقدية و المسؤولية الناجمة عن أعمال الموظفين بالمصالح التابعة للهيئات المحلية ([100]).

ونفس الاستنتاجات يمكن أن تنصب على المسؤولية الإدارية بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث بالرغم من الاعتراف بمسؤولية الدولة على أساس الخطأ فقط، فإن العديد من المرافق العامة ظلت خارج المسؤولية الإدارية حتى في حالة الخطأ كما هو الشأن بالنسبة لمرافق البريد وتحصيل الضرائب والرسوم الجمركية وتطبيق الإجراءات الصحية والقوات المسلحة وقت الحرب ([101]). وحتى حينما أقر القضاء الأمريكي المسؤولية الإدارية في بعض المجالات، فإنه ميز بين الوحدات الإدارية معتمدا في ذلك طبيعة النشاط : إذا كان العمل الذي تقوم به الوحدة الإدارية يشبه العمل الذي تقوم به الدولة فإن الأضرار الناتجة عن مثل هذه الأعمال لا تخضع للمسؤولية الإدارية و لا تعويض عن الأضرار التي تنتج عنها. أما إذا كان العمل الذي تقوم به الوحدة الإدارية من صنف الأعمال التي تقوم به الهيئات الخاصة طبق مبدأ المسؤولية الإدارية مع تعويض المتضررين ([102]).

 

المبحث الثاني : المسؤولية الإدارية، ركن جوهري من أركان المسؤولية الشاملة في الإسلام

إذا كانت المسؤولية الإدارية في القوانين الوضعية قد ظهرت بشكل تدريجي، فإنها في الإسلام ظهرت في ظل نسق شامل للمسؤولية بغض النظر عن طبيعة الشخص المرتكب للفعل الذي ترتب عنه الضرر، سواء كان شخصا معنويا أو شخصا ذاتيا. إن خلق الإنسان في الإسلام مرتبط ارتباط وثيق بمفهوم المسؤولية حيث يقول الله تعالى : “إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا” ([103]). هذه الآية تؤكد على أن الإنسان مسؤول على وجه الأرض. هذه المسؤولية هي حقيقة وجوده وبدونها هذا الإنسان، حسب المنظور الإسلامي، لا قيمة له. لذلك جاء الإسلام بمنظومة من المسؤوليات جوهرها مسؤولية الإنسان سواء مع ربه أو مع نفسه أو مع غيره من الأفراد أو مع الحيوانات أو مع الطبيعة. وبالتالي، فالمسؤولية الإدارية ما هي إلا تجسيد لتحمل الدولة أمانة تدبير الشأن العام (المطلب الأول) ولكن وفق شروط وضوابط قوامها احترام حقوق وحريات أفراد المجتمع بغض النظر عن دينهم أو جنسهم أو عرقهم. وتجدر الملاحظة، أن الأمانة، حسب المفهوم الإسلامي، مرتبطة كذلك بالمسؤولية في مجال تدبير الشأن العام حيث يقول الله عز وجل : “إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل([104]). ومن العدل، حسب المدلول الإسلامي، عدم إلحاق الضرر بالغير في جميع حقوقه المادية والمعنوية، وإن حصل ذلك فلابد من تعويضه.

إن المسؤولية الإدارية في إطار المنظومة الإسلامية لتعدد المسؤوليات تستخلص من مجموعة من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية وكذلك العديد من مواقف وممارسة الصحابة. هذه المصادر كلها (المطلب الثاني) تقوم على فكرة أساسية مفادها أن المسؤولية الإدارية تخضع لنفس المنطق والضوابط الذي تخضع له مسؤولية الأفراد. ونظرا لكون هذه المسؤولية الإدارية تعتبر جزءا لا يتجزأ من المسؤولية الشاملة، فإن الإسلام لا يعترف بأي استثناءات في مجال مسؤولية الإدارة في علاقتها مع الأفراد (المطلب الثالث).

 

المطلب الأول : مسؤولية إدارية في إطار تعدد المسؤوليات في الإسلام

إذا كانت النظم السابقة قد حملت الإنسان مسؤولية واسعة وصارمة باستثناء الحكام، فإن الإسلام جعل من الإنسان محوره الأساس والمناط الذي تدور حوله تشريعاته وأحكامه دون أن يميز في ذلك بين الحكام والمحكومين. الإسلام جملة وتفصيلا جاء لتحقيق كرامة الإنسان وكل ما هو في خدمة الإنسان من حيوان وجماد، بل أكثر من ذلك، لم يقتصر، في مجال المسؤولية، على الجانب المادي للأشياء وإنما وجه اهتمامه أيضا نحو الجانب المعنوي. إن تكريم الإنسان فكرة محورية وأساسية في الإسلام حيث يقول الله عز وجل : “ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا” ([105]).

وقد بلغ الإسلام من تكريمه للإنسان أن أسجد له ملائكته حيث يقول الله تعالى : “وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين” ([106]). إن هذه الكرامة التي حظي بها الإنسان مشروطة بعمارة الأرض حيث يقول الله عز وجل : “وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة” ([107]). وهذا هو جوهر المسؤولية في الإسلام، حيث الضرر ما هو في حقيقة الأمر إلا إخلال بهذه الكرامة وبهذا الإعمار سواء على المستوى الجسدي أو المالي أو حتى الطبيعي، لأن مثل هذا الإخلال، حسب المنظور الإسلامي، ما هو إلا إفساد في الأرض.

إذا كانت التشريعات السابقة قد ميزت في مجال المسؤولية بين من يسألون وبين من هم خارج هذه المسؤولية (الحكام وذوو الجاه والشرف)، فإن الإسلام حرص على مبدأ المساواة بين بني البشر أيا كانت ديانتهم أو أعراقهم أو ألوانهم. وفي هذا الصدد، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم :  “ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على بعلها وولده وهي مسؤولة عنه، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته” ([108]). فلا مكان في الإسلام للامتيازات والمعاملات الخاصة، بل إن الكل سواسية في تحمل مسؤولية أفعالهم وتصرفاتهم حتى ولو كان المخطئ بنت رسول الله. وفي هذا الصدد يقول (ص) : “لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها”. وحتى لو كان الشفيع (الوسيط) أقرب المقربين إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. فقد رفض الرسول شفاعة أسامة في المرأة المخزومية التي ارتكبت جريمة السرقة : “يا أيها الناس إنما أهلك من قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه” ([109]).

إن الحكم السياسي في الإسلام لا أهمية له إلا في خدمة كرامة الإنسان بغض النظر عن جنسه أو عرقه أو ديانته. ولذلك فإن الإسلام يعتبر الحكم أمانة يسأل عنها الحاكم من جميع جوانبها المادية والمعنوية حيث تقول العددي من الآيات الكريمة : “يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون” ([110]) ؛ “فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون” ([111]). فالحاكم والمحكوم سيان على مستوى الخضوع للمسؤولية والمحاسبة.

ومن عناصر كرامة الإنسان في الإسلام هو الحصر الضيق والمحدود للمسؤولية في مجال تصرفاته الشخصية فقط. وبالتالي، فلا مجال في الإسلام لمؤاخذة الشخص بجريرة غيره كما كان عليه الوضع في الأنظمة السابقة حيث يقول الله عز وجل: “ولا تزر وازرة وزر أخرى” ([112]). وفي هذا الإطار يعتبر الإسلام أول من أقر بمبدأ شخصية العقوبة على عكس ما كان في الجاهلية حيث كانت المسئولية عن جريمة الشخص تتسع لتشمل عشيرته كلها، وربما قبيلته بأكملها ([113]).  لقد تمثل مبدأ شخصية الجريمة في الآية الكريمة : “ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة أخرى” ([114]). وقد نصت الصحيفة ([115]) على هذا المبدأ في مواضع عدة : “لا يأثم امرؤ بحليفه، وأن النصر للمظلوم ” ([116]) ؛ “لا يكسب كاسب إلا على نفسه” ([117]).

كما أن هذه الكرامة الإنسانية لا قيمة لها إذا كان هناك اختلاط في المسؤوليات وتداخل بعضها في بعض كما كان الأمر في الأنظمة السابقة، لأن هذه الأمور تشكل ضربا لمبادئ العدالة والإنصاف. وهكذا، كان المدين، خلال العهد الروماني، يعاقب جنائيا وحتى جسديا من طرف دائنه ([118]). إن هذا الخلط بين المسؤوليتين المدنية والجنائية كان يتنافى ومبادئ العدالة والإنصاف، لذلك حرص الإسلام على الفصل بين مختلف المسؤوليات واضعا بذلك حدا للخلط والتداخل الذي ظل يميزهما في العهود السابقة.

وهكذا حدد الإسلام المسؤولية المدنية في التعويض عن الضرر دون تبعات جنائية أو جسدية. إن المسؤولية المدنية تميزت كذلك عن المسؤوليات في الأنظمة السابقة بكونها تطبق على الجميع ومن دون استثناء، حتى ولو كان مرتكب الخطأ زوج رئيس الدولة محمد صلى الله عليه وسلم ” طعام بطعام وإناء بإناء” ([119]). بخصوص هذا الحديث، قال أنس : “أهدت بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم طعاما في قصعة فضربت عائشة القصعة بيدها فألقت ما فيها فقال النبي صلى الله عليه وسلم طعام بطعام وإناء بإناء” ([120]). إن الذي حصل من عائشة (ض) كان بسبب الغيرة بينها وبين الزوجة الأخرى، ثم إنه أتي بالقصعة السليمة التي في بيت زوجته التي كسرت القصعة وحبس الغلام عنده، ثم أعطاه القصعة السليمة، وأبقى القصعة المكسورة عند الكاسرة. ويدل هذا الحديث أن من تسبب بضرر للغير فعليه إصلاحه (تعويضه). وهذا ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم بالذات حيث أبقى القصعة المكسورة ودفع بالقصعة الصحيحة التي عند التي تسببت في كسرها وسلمها إلى الغلام.

أما المسؤولية الجنائية فهي تقوم في الإسلام على عناصر جد مميزة. من جهة، لا يمكن أن ترتبط هذه المسؤولية إلا بالشخص عينه، فلا مجال لمعاقبة عائلته أو قبيلته : “ولا تزر وازرة وزر أخرى”. ومن جهة ثانية، ليس من السهل إثارة هذه المسؤولية، وإنما وضع لها الإسلام العديد من الشروط والضوابط. مثلا جريمة الزنا لا يمكن معاقبة مرتكبها إلا بعد استيفاء شروطها (أربعة شهود، إقرار الفاعل …). وارتباطا دائما بالمسؤولية الجنائية، لا بد من التذكير بذلك المبدأ الفريد الذي جاء به الإسلام والمتمثل في ما يسمى بمبدأ القصاص. القصاص لغة هو القود وهو القتل بالقتل والجرح بالجرح ([121]) و معناه اصطلاحا أن يعاقب الجاني بمثل جنايته على أرواح الناس أو عضو من أعضائه ([122]). القصاص، حسب المنظور الإسلامي، مفهوم يحمل في طياته معاني الإنصاف والعدالة والذي حل محل المثل العربي في الجاهلية : ‘القتل أنفى للقتل”. ففي الإسلام لا يقتل الحر إلا بالحر، ولا يقتل العبد إلا بالعبد، والأنثى بالأنثى. وفي هذا الصدد يقول الله عز وجل : “يا أيها الذين ءامنوا كتب عليكم القصاص في القتلى، الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى… ” ([123]). القصاص لغة يفيد العدل والمساواة، ومن ثم سمي المقص لتساوي جانبيه. ويعني شرعا قتل القاتل لأنه مساو للمقتول في نظر الشرع. كانت العرب تتحكم في القصاص بحسب قوة القبيلة أو ضعفها. وغالبا ما كانت القبيلة ترفض القصاص من الجاني، بل كانت تفضل إما القصاص من كبير القبيلة أو أن تقتل بالواحد عشرة، وأن تقتل بالعبد حرا وبالأنثى ذكرا. فإن لم يستجب إلى طلبها تقاتل قبيلة الجاني. وفي نفس السياق، لابد من تحديد الأقوال الفقهية حول المثل العربي الجاهلي : “القتل أنفى للقتل” وما يقابله عند الفقهاء والفرق بينهما كبير. بالنسبة للفقهاء، القصاص جعله الإسلام سببا للحياة “ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون”. أما المثل العربي فجعل القتل سببا لنفي القتل وهذا لا يستلزم بالضرورة الحياة. فقد يكون القتل ارتكب ظلما فيكون سببا للفناء لا للحياة. ولهذا، فالعبارة الأصح هي أن يقال “القتل قصاصا أنفى للقتل ظلما”.

 

المطلب الثاني : مصادر المسؤولية الإدارية في الإسلام

إذا كانت المسؤولية الإدارية لم تجد لها مكانا سواء في الأنظمة التي سبقته أو حتى في الأنظمة الحديثة إلى عهد قريب، فإنها في ظل النظام الإسلامي احتلت مركزا هاما باعتبارها جوهر نظام الحكم في الإسلام. ففي النظام الإسلامي، هناك تلازم وثيق بين السلطة والمسؤولية. فحيث توجد السلطة توجد المسؤولية ([124])، وبالتالي لا مجال للحديث عن الحاكم الإله أو الحاكم ظل الله في الأرض أو الحاكم الذي يسمو على الشعب.

إن الإسلام كان له قدم السبق في تقرير مسؤولية الدولة أو الإدارة عن أفعالها الضارة. وفي هذا ضمانة قوية للحقوق والحريات. هكذا، حينما نتصفح التشريع الإسلامي، نرى أن هذا الأخير قد حفل بعدد من النصوص والأحكام التي توجب على الإدارة تعويض الأفراد عن الأضرار التي تتسبب فيها لهم. وتستوي في ذلك كل من المسؤولية القائمة على الخطأ أو المسؤولية القائمة على أساس المخاطر. هذه الأحكام وتلك النصوص إما تجد مصدرها في نصوص القرآن أو في السنة النبوية الشريفة أو في المبادئ الفقهية العامة.

فبخصوص النصوص القرآنية، فإن المسؤولية الإدارية تستمد مبررها من عدد من الآيات الكريمة وبخاصة الآية التي يقول فيها الله عز وجل : “ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا” ([125]). كما تجد المسؤولية الإدارية سندها في الآية الكريمة : “إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا” ([126]). فالحكم والمسؤولية في الإسلام ليس أبهة ووجاهة ووسيلة للتسلط والتجبر على العباد، إنما هما بالدرجة الأولى أمانة. ولابد لمن يتقلد مسؤولية الحكم من تأديتها على الوجه الأكمل وعدم خيانتها. وقد حذر الله عز وجل من ذلك حيث قال : “يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون” ([127]). فخيانة المسؤولية هي أولا وأخيرا خيانة لله والرسول صلى الله عيه وسلم. وأكيد أن من يتولاها سيسأل عنها : “لتسألن عما كنتم تعملون” ([128]).

إن التمعن في مجموع هذه الآيات قد لا يفيد بأن الأمر يتعلق بالمسؤولية الإدارية بمفهومها الحديث، حيث أن هذه الآيات لم تستعمل مصطلحات من قبيل المسؤولية المرفقية أو المصلحية أو المسؤولية الشخصية…إلخ. ولكن هل هذا يعني أن المسؤولية الإدارية غير مشمولة بهذه الآيات ؟ إن عدم تخصيص الإدارة ومؤسسات الدولة في ظل هذه الآيات منبثق من فلسفة الإسلام في مجال المسؤولية : مسئولية شاملة، دون التمييز بين الحاكم والمحكوم، حيث لا نجد قواعد مسؤولية خاصة بالحاكم وأخرى بالمحكوم ؛ فكلاهما يخضع لنفس قواعد المسؤولية. بالإضافة إلى أن منطق الإسلام قائم على أساس أن هذه القواعد صالحة لكل زمان ومكان. لذلك غاب عنها التخصيص وجاءت عامة، لأن العبرة، في علم أصول الفقه، بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

من جهتها حفلت السنة النبوية الشريفة بأحاديث كثيرة تعتبر بمثابة الأساس الذي تستند عليه المسؤولية الإدارية في الإسلام. ويكفي أن نورد الحديث الجامع المانع الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم : “لا ضرر ولا ضرار” ([129]). وكذلك الحديث الذي يوجب على المرافق الطبية تعويض الأضرار التي تلحقها بالأفراد : “من تطبب ولا يعلم منه طب فهو ضامن” ([130])، دون التمييز في ذلك بين الطبيب الذي يعمل في المرفق العام أو الطبيب الخاص.

هناك أحاديث أخرى توجب على من تسبب في الضرر تعويضه. كالحديث الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم “الزعيم غارم” ([131])، بمعنى “ضامن”. والزعيم هو الضامن، والغارم معناه الذي يؤدي شيئا لزمه. ([132]). وقد بلغ من حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على المسؤولية أنها كانت على رأس الأمور الجوهرية التي ركز عليها حتى وهو في حجة الوداع حيث قال: “إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا” ([133]). وأعاد التأكيد على ذلك في حديث آخر حيث قال : “كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه” ([134]).

وهناك أحاديث نبوية أخرى لن تسمح للإدارة بعدم التعويض عن الأضرار التي قد تلحقها بالغير، لأن مثل هذا التصرف يعتبر ظلما في الإسلام “. وفي هذا الإطار يقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل : “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا…”. وقوله صلى الله عليه وسلم كذلك “اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة”. والظلم له أوجه عدة منها رفض التعويض عن الأضرار التي تم إلحاقها بالغير، بغض النظر عن الجهة التي تسببت في الضرر ؛ إدارة أم فردا. لذلك فإن للمسؤولية الإدارية في الإسلام سندا قويا في ذلك الرفض القاطع للنسة النبوية لكل عمل ظالم كرفض الإدارة التعويض عن الأضرار التي تلحقها بالغير.

إن هذه الأحاديث الشريفة غاب عنها هي الأخرى التخصيص في جانب المسؤولية الإدارية، لأنها تتمشى مع المبدأ القرآني العام القائم على أساس عدم التمييز بين الحكام والمحكومين على مستوى الخضوع للمسؤولية. بالإضافة إلى أنها تعتبر قواعد صالحة لكل زمان ومكان، مما يفسر ورودها على وجه التعميم. كما أنها تدخل في إطار النظرة الشمولية للإسلام في مجال المسؤولية.

المسؤولية الإدارية تستقي مصادرها أيضا من أقوال الصحابة، وبخاصة أقوال الخلفاء الراشدين. فأبو بكر رضي الله عنه كان شديد التهيب من الحكم، لأنه كان يستشعر عظم المسؤولية التي تنتظره. فقد صرح في إحدى خطبه : “والله ما كنت حريصا على الإمارة يوما ولا ليلة قط، ولا كنت راغبا فيها ومالي في الإمارة من راحة، ولكن قلدت أمرا عظيما ما لي به من طاقة ولا يد إلا بتقوية الله عز وجل ولوددت أن أقوى عليها مكاني” ([135]).

دائما في إطار التصريح بخضوعه شأنه شأن باقي الرعية للمسؤولية، يصرح أبو بكر رضي الله عنه : “إنما أنا متبع ولست مبتدع فإن استقمت فتابعوني وإن زغت فقوموني، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض وليس أحد من الأئمة يطلبه بمظلمة ضربة سوط فما دونها ألا وإن لي شيطان يعتريني فإذا أتاني فاجتنبوني” ([136]). نفس المبدأ شدد عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال : “إن الناس لم يزالوا مستقيمين ما استقامت لهم أئمتهم وهداتهم، والرعية مؤدية للإمام ما أدى الإمام إلى الله، فإن رتع الإمام رتعوا” ([137]). أقوال الصحابة هذه استشعار بأن تقلد الحكم تنتج عنه مسؤولية مباشرة ومتعددة في جوانبها الروحية والدنيوية بما في ذلك المسؤولية الإدارية.

بالإضافة إلى الأسس المشار إليها أعلاه وضع الفقهاء عددا من المبادئ العامة تعتبر بمثابة الإطار الذي تمارس فيه المسؤولية الإدارية. من جملة هذه المبادئ يمكن أن نذكر مبدأين أساسيين : مبدأ “كل ضرر يزال” ومبدأ “من أفسد شيئا فعليه إصلاحه” ؛ وكلاهما أساسي وجوهري في مجال المسؤولية الإدارية.

المبدأ الفقهي “الضرر يزال” يجد أساسه في الحديث النبوي الشريف “لا ضرر ولا ضرار”. وهي تعتبر أساسا في منع الفعل الضار والحيلولة دون وقوعه. كما تتضمن ترتيب النتائج الناجمة عنه والمتمثلة في التعويض المالي والعقوبة. إن هذه القاعدة الفقهية سيعتمد عليها الفقهاء في تقرير الأحكام الشرعية للحوادث والنوازل. كما أن نص هذه القاعدة يوحي بمنع وقوع الضرر مطلقا. كما أنه يشمل أيضاً دفع الضرر قبل وقوعه، بكل طرق الوقاية الممكنة، كما يشمل أيضا رفعه بعد وقوعه بما يمكن ‏من التدابير التي تزيل آثاره وتمنع تكراره ([138]). وعن كيفية إزالة الضرر، فتوضحها قاعدة فقهية أخرى تعتبر مقيدة لها : “لا يزال الضرر إلا بمثله”. فلا يجوز إزالة الضرر بإحداث ضرر مثله أو بضرر أشد منه. وهذا ما تشير إليه القاعدة الفقهية الأخرى “الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف” ([139]).

بخصوص المبدأ الثاني : “من أتلف شيئا فعليه إصلاحه”، فإن الإتلاف هو إلحاق ضرر بالغير سواء في ماله أو نفسه. والإتلاف موجب لتعويض الضرر الناشئ عنه. والإتلاف قد يكون جزئيا كبتر أحد الأعضاء، كما قد يكون كليا كقتل إنسان ([140]). وهو يرد على النفس الإنسانية، والبهائم والجمادات والأشياء ([141]). وهذا المبدأ يجد سنده في الحديث النبوي “طعام بطعام وإناء بإناء”. فمقتضى هذا المبدأ، أن من أتلف شيئاً لغيره فإن عليه تعويضه حتى ولو ارتكب خطأ، مثلما يحصل في قتل الخطأ ففيه الدية ولو كان خطأً، وكذلك الإنسان إذا أفسد شيئاً لغيره ولو كان مخطئاً فإنه يضمنه ([142]).

 

المطلب الثالث : عدم الاعتراف الإسلام بالاستثناءات في مجال المسؤولية الإدارية

في الوقت الذي نرى فيه الأنظمة الوضعية قد استثنت بعض الأعمال والتصرفات من دائرة المسؤولية الإدارية، حرص النظام الإسلامي على صياغة نظام شامل ومتكامل لهذه المسؤولية. فلا مكان فيه للاستثناءات والتقييدات اللهم تلك القيود التي شرعها لفاقدي الأهلية كالمجنون والصبي. “رفع القلم عن ثلاثة عن المجنون حتى يفيق وعن الصبي حتى يدرك وعن النائم حتى يستيقظ” ([143]). فأيا كانت طبيعة مرافق الدولة، فهي تظل خاضعة لمبدأ المسؤولية ابتداء من رئاسة الدولة إلى أبسط موظف فيها، وهذا بخلاف القوانين الوضعية التي ملئت بالاستثناءات لذوي الأهلية لا لفاقديها عن طريق الحصانات البرلمانية أو الدبلوماسية أو القضائية ([144]).

إن المسؤولية في الإسلام – يقول محمد فوزي لطيف – “توقع على كل فرد ارتكب فعلا أخل بالمجتمع ونظامه، والكل سواء أمام الخضوع لشرع الله، فليس هناك فضل لأحد على أحد، ولا يوجد فاضل ومفضول عند ارتكاب الأخطاء، ولا استثناءات في الخضوع للمسؤولية لشخص لعظمته أو سلطانه وماله حتى ولو كان الشخص فاطمة بنت محمد ولكن الاستثناء الوحيد هو من ليس له الأهلية على التصرف أو فاقد الإدراك أو من لم يبلغ بعد حد البلوغ” ([145]).

إن الشواهد التاريخية على ذلك كثيرة ومتعددة. فحتى الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي هو رئيس الدولة، أخضع نفسه للمسؤولية حينما كشف عن جسده لسواد بن غزية من أجل الاقتصاص منه. فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد طعن سوادا في بطنه ([146]). إذا كان هذا الأمر بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم، فما بالنا بمن هم أدنى درجة. بل إن المسؤولية لم يسلم منها حتى أعز بناته لديه فاطمة حيث قال : “لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها”. من جهة أخرى، فإن الإسلام لا يقبل الوساطات، من أجل إسقاط المسؤولية، من أي مصدر كانت، وأيا كانت منزلة المشفوع له. وهكذا، فقد رفض الرسول صلى الله عليه وسلم شفاعة أسامة بن زيد في المرأة المخزومية التي سرقت قائلا له : “إنما أهلك من قبلكم أنهم كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه” ([147]). بل إن الإسلام حمل الرسول صلى الله عليه وسلم المسؤولية المعنوية حين خاطبه الله عز وجل قائلا : “عبس وتولى أن جاءه الأعمى” ([148]). نزلت أية عبس في عبد الله بن مكتوم وكان أعمى من فقراء الناس. وقد جاء يطلب الرشد من الرسول صلى الله عليه وسلم لكن الرسول تشاغل عنه لأنه كان عنده نفر من عظماء المشركين وكبرائهم. فكان كلما خاطبه أعرض عنه وأقبل عليهم طمعا في هدايتهم. ولأن الإسلام دين المساواة، فإنه لا يفرق بين الناس على أساس شرفهم أو حسبهم أو جاههم. لذلك نزلت سورة عبس.

كما ضرب الخلفاء من بعده أروع الأمثلة في خضوعهم، شأنهم شأن العامة، في الخضوع للمسؤولية. فأبو بكر رضي الله عنه قرر هذا المبدأ منذ أول وهلة تقلد فيها المسؤولية حيث قال في خطبته : “أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم. فإن أحسنت فأعينوني وإن زغت فقوموني…”. وكرس عمر بن الخطاب رضي الله عنه المبدأ نفسه حيث قال : “إن الناس لم يزالوا مستقيمين ما استقامت لهم أئمتهم وهداتهم، والرعية مؤدية للإمام ما أدى الإمام إلى الله، فإن رتع الإمام رتعوا”. فلا اعتبار إذن في الإسلام لمركز الشخص أو لمكانته الاجتماعية أو لوظيفته. ولابد هنا من أن نذكر بحادثة القبطي الذي مكنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه من الاقتصاص من ابن واليه على مصر عمرو بن العاص، وقال عمر رضي الله عنه قولته الشهيرة : “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا” ([149]).

إن المسؤولية الإدارية في الإسلام لا تؤمن بالاستثناءات. فكل من يمارس وظيفة داخل الدولة، أيا كانت هذه الوظيفة، يظل معرضا للمساءلة والمحاسبة، بما في ذلك السلطة القضائية التي غالبا ما تستثنى من المسؤولية في إطار النظم الوضعية. إن السلطة القضائية في الإسلام مسؤولة عن أفعالها في حالة ما إذا تسببت الأحكام الصادرة عنها في ضرر للأفراد. ولعل الحادثة التي وقعت للقاضي أبي موسى الأشعري مع أحد الرعية في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه خير مثال على خضوع القاضي للمسؤولية الإدارية. فقد قام أبو موسى الأشعري بتوقيع عقوبة الحد على أحد الرعية كان قد شرب الخمر، كما عاقبه بعقوبة إضافية حيث منعه من حضور المجالس. فتظلم المتضرر لدى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقضى له بالتعويض. بل إن هناك قولة لعلي بن أبي طالب (ض) يشير فيها إلى خضوع القاضي للمسؤولية في حالة ارتكابه خطأ مرفقيا : “إن ما أخطأت به القضاة من دم أو قطع فعلى بيت مال المسلمين” ([150]).

إذا كان مجلس الدولة الفرنسي قد اعتبر سنة 2010 في قضية Sociétés Touax et Touax Rom. أن العمليات العسكرية بطبيعتها لا يمكن أن تؤدي إلى مسؤولية الدولة إلا في حالة وجود نص صريح ينص على ذلك ([151])، فإن الإسلام لم يجعل للجيش استثناءات على مستوى المسؤولية الإدارية. فقد ورد أن أفرادا من الجيش الإسلامي قاموا بالدوس على زرع أحد الرعية. فتظلم المتضرر لدى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز الذي حكم له بالتعويض على اعتبار أن المسؤولية تقع على الدولة (إدارة الجيش)، وبالتالي فهي ملزمة بالتعويض. وبخصوص اعتداءات الجيش (مسؤولية الجيش) يقول علي بن أبي طالب (ض) : “…وقد سيرت جنودا هي مارة بكم إن شاء الله، وقد أوصيتهم بما يجب الله عليهم، من كف الأذى، وحرف الشذى ([152])، وأنا أبرؤ إليكم منة معرة ([153]) الجيش واعتداءاته…” ([154]).

هذا في حالة السلم، أما في حالة الحرب فلا مجال للحديث عن هذه المسؤولية في الأنظمة الوضعية. وهذا الأمر لا زلنا نلاحظه إلى يومنا هذا، حيث لا زال يعتبر من المجالات الخارجة عن مجال المسؤولية، لأنه يندرج صمن أعمال السيادة، لدرجة أن الجيوش في الأنظمة الوضعية، في مثل هذه الحالات، تتمتع بحصانة قانونية توفرها لها التشريعات الوطنية أو المعاهدات. إن مثل هذه الأعمال الحربية لا تشكل استثناء في مجال المسؤولية الإدارية في الإسلام. فقد أقر القاضي المسلم بمسؤولية الجيش حتى وإن كان في حالة حرب. وقد حدث هذا في عهد عمر بن عبد العزيز، حينما دخل الجيش الإسلامي مدينة سمرقند وكان على رأسه قتيبة بن مسلم الباهلي. وقد أثار هذا التصرف حفيظة أهل سمرقند لأن التصرف لم يكن شرعيا حيث خالف الإجراءات التي وردت في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : “إذا لقيت عدوك فادعه أولا لإحدى خصال ثلاث : أدعه إلى الإسلام فسيكون منا، وإن أبوا إلا البقاء على دينهم وسلطانهم فاسألهم الجزية، وإن رضوا فاجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه وكف عن قتالهم، وإن أبوا الجزية فاستعن بالله وقاتلهم”. وقد أقر القضاء بمسؤولية الجيش الإسلامي وأمر بالخروج منها ([155])، بعدما تم فتحها، لأن الضوابط الإسلامية لم تحترم.

 

المبحث الثالث : تطبيقات إسلامية للمسؤولية الإدارية

المسؤولية الإدارية في الإسلام ليست مجرد مبدأ أو فكرة، وإنما حقيقة عرفتها وطبقتها منذ قرون عدة الإدارة الإسلامية في علاقتها مع الأفراد على أساس تعويض الأفراد عن كل ما قد يلحق بهم من أضرار جراء التصرفات الإدارية، بغض النظر عن طبيعة الأضرار أكانت مادية أو معنوية. ومن خلال التطبيقات الإسلامية للمسؤولية الإدارية، سنلاحظ أن هذه الأخيرة تتوفر فيها جميع عناصر المسؤولية الإدارية كما هو متعارف عليه في القانون الوضعي، وخاصة القانون الإداري الفرنسي.

إن الإدارة في الإسلام مجبرة على تعويض كل ضرر ألحقته بالأفراد نتيجة خطأ أحد مرافقها (المطلب الأول). وعبر هذه التطبيقات سنلاحظ كذلك أن الضرر عندما يكون ناتجا عن خطأ شخصي (المطلب الثاني)، فإن الموظف في الإدارة الإسلامية هو الذي يتحمل، بشكل شخصي، التبعات المالية لهذا الخطأ حتى وإن كان هذا الموظف هو الخليفة. وبالتالي، لن يكون التعويض إلا من ذمته المالية الشخصية. كل هذا في إطار تصور قانوني يميز، داخل المجتمع، بين ما هو عام وما هو خاص وكذلك بين الذمة المالية العامة والذمة المالية الخاصة. وإذا كانت المسؤولية على أساس المخاطر تعتبر من مستجدات المسؤولية الإدارية في القوانين الوضعية، فإن العلاقة بين الإدارة والأفراد في الإسلام عرفت مجموعة من الضوابط تصب جميعها في اتجاه إجبار الإدارة على تعويض الأفراد عن الأضرار التي قد تلحق بهم حتى وإن لم ترتكب الإدارة أي خطأ. وهذا هو جوهر المسؤولية على أساس المخاطر (المطلب الثالث).

 

المطلب 1 : الخطأ المرفقي في الإسلام

يعرف الفقه الإداري الخطأ المرفقي بأنه الخطأ المنسوب إلى الإدارة ذاتها ولو قام به أحد الموظفين ([156]). وتمييزا له عن الخطأ الشخصي، أوجد الفقه الإداري عددا من المعايير الكفيلة بتمييزه عن الخطأ الشخصي. وهكذا، يعتبر خطأ مرفقيا “الخطأ غير المطبوع بطابع شخصي، والذي ينبئ عن موظف عرضة للخطأ والصواب” حسب ما حدده إيدوار لافيريير Laferrière  في استنتاجاته المتعلقة بقضية Laumonnier-Carriol سنة 1877 ([157]). أو “أنه الخطأ الذي لا يمكن فصله عن واجبات الوظيفة بحيث يعتبر من المخاطر العادية التي يتعرض لها الموظفون” (معيار هوريو) أو هو “الخطأ الذي يرتكبه الموظف بقصد تحقيق غرض إداري” ([158]). مهما تعددت هذه التعاريف  فهي تصب في قالب واحد هو أن الخطأ المرفقي هو كل ما لا يعتبر خطأ شخصيا. إن ثبوت خطأ مرفقي في حق العاملين بالإدارة يرتب على هذه الأخيرة مسؤولية تعويض الأفراد عن الأخطاء التي لحقتهم من جراء ذلك الخطأ المرفقي ([159]).

إن تصفح تاريخ المسؤولية الإدارية في الإسلام، يكشف كيف أن الإسلام  كان أمينا في تطبيق قواعد تلك المسؤولية، سيما فيما يتعلق بتمييز الأخطاء المرفقية عن الأخطاء الشخصية. ويتجلى ذلك من خلال تحميل الدولة مسؤولية تعويض الأضرار التي تسببت فيها في حالة الخطأ المرفقي.

ولقد ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في تطبيق قواعد المسؤولية الإدارية، من خلال التزامه بتعويض المتضررين عن الأخطاء المرفقية التي ارتكبها العاملون في مختلف مرافق الدولة الإسلامية. ولعل أبرز مثال هي الحادثة التي وقعت لخالد بن الوليد باعتباره أحد المسؤولين العسكريين بالجيش الإسلامي. تتلخص وقائع هذه الحادثة في أن خالد بن الوليد  قتل أفرادا من بني جذيمة، ظنا منه أنه يخادعونه، ولم يسلموا. فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حزه ذلك وقال “اللهم إني أبرؤ إليك مما صنع خالد”. ثم استدعى علي بن أبي طالب وقال له :  يا علي اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك” فخرج حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام بتعويض كل قتيل من بني جذيمة، بتقديم الدية إليهم وعوضهم عما افتقدوه من متاع من أموال البيت” ([160]).

إن هذه الواقعة تتضمن العديد من المبادئ التي تقوم عليها المسؤولية الإدارية في الإسلام. بالرغم من أن خالد بن الوليد هو “سيف الله المسلول” في الإسلام، فإن هذا لم يعفه من الخضوع للمسؤولية والمحاسبة، علما أنه كان ذا مكانة مهمة سواء شرفا أو خبرة عسكرية. كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم شنع من فعل خالد بن الوليد قائلا : “اللهم إني أبرؤ إليك مما صنع خالد”. سياق الواقعة يستبعد كل خطأ شخصي لخالد بن الوليد، حيث أن الأمر يتعلق بظنه أنه خداع من أفراد بني جدذيمة. وبالتالي لو غاب هذا الظن لقامت المسؤولية الشخصية. هذا الخطأ المرفقي استوجب تعويضا كليا وليس جزئيا شمل جميع المتضررين، ولكن من خزينة الدولة. وهذا هو قضاء التعويض ([161]).

من جهتهم، لم يحد الخلفاء الراشدون عن الخط الذي رسمه الرسول صلى الله عليه وسلم في التقيد الصارم بالقواعد والمبادئ المؤطرة لمسؤولية الإدارة في الإسلام.  بل إنهم كانوا شديدي الالتزام بمنهجه في تعويض الأفراد عن الأضرار الناجمة عن الأخطاء المرفقية التي يرتكبها الموظفون العاملون بالدولة. ففي عهد أبي بكر رضي الله عنه حدثت واقعة بن نويرة وخالد بن الوليد، حيث ارتكب أحد موظفي الدولة خطأ مرفقيا تسبب بحدوث أضرار لأحد الأفراد، وتحمل بيت المال على إثر ذلك الخطأ مسؤولية تعويضه عن تلك الأضرار.

تتلخص وقائع هذه الواقعة في أن مالك بن نويرة (أحد رؤساء بني يربوع) كان من جملة الذين امتنعوا عن أداء الزكاة إلى بيت مال المسلمين. وكان المسؤول عن تأديب هؤلاء خالد بن الوليد (ض)، الذي أرسل سراياه في إثر أهل البطاح. وكان من ضمن الأسرى مالك بن نويرة. وقد قام خالد بن الوليد – بأمر من الخليفة – بقتلهم. وكان من بين القتلى مالك بن نويرة. وتزوج خالد من امرأة مالك من دون أن يترك الأمر إلى الخليفة أبي بكر رضي الله عنه. وقد تأول أعداؤه ومن لا يرغبونه بأنه قتله ليتزوج بامرأته ونسجوا حول تلك الواقعة القصص والأقاويل وخالد براء من ذلك. لكن خالد أخطأ حيث، من جهة، لم يترك أمر مالك إلى الخليفة كما فعل بزعماء بني فزارة وغيرهم، و من جهة أخرى، السرعة في زواجه امرأة مالك ([162]).

وقيل، إنه حدث خطأ في توجيه الأوامر حيث أن خالدا  قال والليلة باردة : “دافئوا أسراكم”. ففهم الحراس أنه يريد القتل لأنهم من بني كنانة، والمدافأة بلهجتهم كناية عن القتل ([163]). وقد حاكمه الخليفة. وكان مما اقترحه عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه (وهو أحد مستشاري الخليفة آنذاك) بعزله أو قتله قصاصا، قائلا : “إن سيفه فيه رهق”. إلا أن الخليفة أبا بكر رضي الله عنه قال لعمر : “يا عمر إنه تأول فأخطأ، ارفع لسانك عن خالد، فإني لا أشيم (أي لا أغمد) سيفا سله الله على الكافرين”. وهذا يفيد أن الخليفة اعتبر خطأ خالد خطأ مرفقيا، وليس خطأ شخصيا، فأمر بدفع دية مالك من بيت مال المسلمين، وعنف ووبخ خالدا على فعلته واجتهاده الذي أخطأ فيه، وأبقاه في منصبه ([164]). وقد جاء في الموسوعة الفقهية : “أنه إذا أخطأ ولي الأمر أو القاضي في حكمه فتلف بذلك نفس أو عضو فديته في بيت المال عند جمهور الفقهاء” ([165]).

وإذا كانت الأنظمة الوضعية خلال فترة تاريخية جد طويلة لا تقيم مسؤولية الدولة عن أخطاء القضاة، فإن الدولة في الإسلام مسؤولة أيضا عن أخطاء قضاتها. ويمكن أن نسوق في هذا الصدد واقعة أبي موسى الأشعري مع الرجل شارب الخمر. وتتلخص وقائع هذه القضية في أن أبا موسى الأشعري حكم على أحد الأفراد شرب الخمر بعقوبة الجلد كحد، لكنه أضاف إلى هذه العقوبة الشرعية عقوبة أخرى تمثلت في منعه من حضور مجالس الناس. فشكاه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فحكم له بتعويضه عن الضرر الذي أصابه من جراء منعه من مجالسة الناس. يستخلص من هذه الواقعة ثلاثة عناصر أساسة : أولا، ليس هناك ما يسمى بحجية الشيء المقضي به أمام حقوق الأفراد طالما أن حقوق الأفراد متضررة. ثانيا، تقرير مسؤولية القاضي عن الأضرار التي قد يلحقها بالمتقاضين أو بالأفراد. ثالثا، الضرر ليس دائما ماديا، لأن هذه الواقعة اعترفت بوجود ضرر معنوي، علما أن القضاء الإداري كان يرفض ولفترة طويلة التعويض عن الأضرار المعنوية بناء على القاعدة التي تقول أن “الدموع لا تعويض عنها” Les larmes ne se monnayent pas في وقت كانت فيه المحاكم العادية تؤكد في القضايا الخاصة التي ترفع أمامها على إمكانية التعويض عن الضرر المعنوي. ولم يتم الاعتراف من طرف مجلس الدولة الفرنسي (في إطار قرار لجمعية المجلس) إلا سنة 1961 في قضية لوتيسرون Letisserand ([166]). وفي نفس السياق ظل مجلس الدولة الفرنسي يرفض ولفترة طويلة التعويض عن الآلام الجسدية les souffrances physiques ولم يقبل التعويض عن مثل هذه الآلام إلا سنة 1942 في قضية موريل Morell (في إطار قرار لجمعية المجلس) شريطة أن تكون هذه الآلام على درجة معينة من الجسامة ([167]). صحيح أن القضاء الإداري الفرنسي سيطور من موقفه بخصوص التعويض عن الآلام الجسدية منذ 1958 في قضية جماعة كرينيي Commune de Grigny شريطة أن تكون هذه الآلام على درجة من الأهمية ([168]).

كما أن الدولة، في الإسلام، مسؤولة عن تعويض الأضرار الناجمة عن الأخطاء الطبية. وكمثال على هذه الحالة، الواقعة المعروفة بقطع ذكر الصبي. فقد روي أن رجلا كان يختن الصبيان، فقطع من ذكر الصبي فضمنه عمر رضي الله عنه ([169]). إذا كانت هذه الواقعة مرتبطة بالخطأ الطبي، فلابد من التأكيد على أن الخطأ الطبي في الأنظمة الوضعية لا يقوم إلا في حالة الخطأ الجسيم آخذا بعين الاعتبار طبيعة المرفق العمومي. وهذه الواقعة تشير إلى أنها تتضمن فعلا خطأ جسيما : القطع من ذكر الصبي. وهذا خطأ فادح وجسيم، لأنه كان يشكل خطأ استثنائيا في الممارسات الطبية آنذاك. إن هذه المسؤولية اعتبرت مسؤولية شخصية لأن “الطبيب” هو الذي يتحمل مسؤولية التعويض (ملحوظة : ليس هناك ما يشير في الواقعة أهو طبيب عام أم خاص).

ودائما في إطار المسؤولية الإدارية، هناك واقعة أخرى تعرف بواقعة أمير جيش عمر والرجل الشيخ. تتلخص وقائعها في أن بعض أمراء عمر بن الخطاب أراد أن يجتاز بجنوده نهراً فلم يجد سفناً، فقال: “اطلبوا رجلاً يعلم غور النهر”، فأتى بشيخ، فقال الشيخ: “أني أخاف البرد” (وكان ذلك فى وقت بارد). فأكرهه الأمير فأدخله النهر، فلم يُلبثه البرد فغرق. واستدعى عمر رضي الله عنه الأمير ليسائله، فأعتذر الأمير إليه قائلاً : “يا أمير المؤمنين ما تعمدت قتله، لم نجد شيئاً نعبر فيه، وأردنا أن نعلم غور الماء- أي عمقه- فنفتح كذا وكذا”. فقال عمر رضي الله عنه : “لرجُل مسلم أحب إلي من كل شيء جئت به، لولا أن تكون سنّة لضربت عنقك، فأعط أهله ديته واخرج فلا أراك” ([170]). إن الخليفة عمر بن الخطاب اعتبر تصرف أمير الجيش بمثابة خطإ مرفقي فقام بعزله وتحميل بيت المال دية الجندي ([171]). هناك وقائع أخرى وقعت في عهد الدولة الأموية وبالضبط في عهد عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين. من بين هذه الوقائع ما حدث لأحد الأفراد من اليمن الذي غصبه ابن الوليد بن عبد الملك ضيعته. فتقدم بشكوى إلى الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز. وعند تثبته من صحة ادعاء الرجل، أمر الخليفة بإخراج الضيعة من دفتر الصوافي  ([172])، وردها إلى الرجل اليمني ويطلق له ضعف نفقته”. لقد جمعت هذه الواقعة بين القضاء بنوعيه : قضاء إلغاء وتعويض ([173]).

إن هذه الأخطاء المرفقية تتضمن جميعها أضرارا مادية واضحة تستوجب التعويض. وهذا لا يعني أن الدولة غير مسؤولة عن الأضرار المعنوية. فمثل هذا الضرر تسأل عنه الدولة كباقي الأضرار المادية. فقد ورد أن عمرو بن العاص -وهو أمير مصر-، قال لرجل : “يا منافق”. فشكاه إلى عمر بن الخطاب، فكتب عمر رضي الله عنه إلى عمرو : “إن أقام عليه البينة جلدتك سبعين”. فشهد الناس واعترف عمرو…فأمكن عمرو الرجل من نفسه فعفى عنه. وفى رواية أن عمر رضي الله عنه قال لعمرو : “أكذب نفسك على المنبر”، ففعل ([174]). وفي هذا إقامة لمسؤولية الدولة عن الأضرار المعنوية بما في ذلك، حسب الواقعة، الأضرار المتعلقة بشرف وقيمة الإنسان. إن مثل هذه الأضرار لم يتم التعويض عنها في القانون الإداري الفرنسي إلا حديثا. ومن تطبيقات القضاء الإداري الفرنسي للتعويض عن الأضرار المرتبطة بالكرامة والشرف اجتهاداته في قضية بيليك Bellec سنة 1965  ([175]).

 

المطلب 2 : الخطأ الشخصي في الإسلام

يمكن للموظف أن يرتكب بالإضافة إلى الخطأ المرفقي، خطأ شخصيا يتحمل بسببه عبء التعويض من ماله الخاص. ولقد سبق وأن تطرقنا إلى المعايير التي وضعها الفقهاء لتمييز الخطأ المرفقي عن الخطأ الشخصي. فهذا الأخير إما يكون مطبوعا بطابع شخصي ينبئ عن نزوات الموظف الشخصية (لافيريير) أو منفصلا عن الوظيفة إما انفصالا ماديا أو معنويا (هوريو) أو خارجا عن أغراض الوظيفة (معيار دوجي) ([176]).

على العموم فإن الفقه الإداري يضع للخطأ الشخصي صورا متعددة منها أن يكون الخطأ المرتكب جسيما أو يكون جريمة مرتكبة عن طريق العمد من قبل الموظف ([177])، وهي تقترب كثيرا من المعايير التي وضعها الفقه الإسلامي. وفي هذا الصدد يقول محمد شمس الدين مهدي أن “المسؤولية الشخصية التي يقوم بها الإنسان، بصفته الشخصية، ومن حيث أنه مكلف بتكليف شخصي أو عام. وأما الأعمال التي يقوم بها باعتباره عضوا في هيئة عامة، فإن المسؤولية في هذه الحالة لا تكون شخصية إلا في حالتي العمد والتقصير، لأنه في هاتين الحالتين لا يخرج عن كونه عضوا في الهيئة العامة بالنسبة إلى مورد التجاوز، وأما في غير هاتين الحالتين، فمسؤوليته جزء من مسؤولية الهيأة العامة” ([178]).

بالمقارنة مع الخطأ المرفقي، فإن حالات الخطأ الشخصي تظل جد قليلة، خاصة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عهد الخلفاء الراشدين. ويمكن إرجاع ضآلة حالات الخطأ الشخصي إلى مجموعة من الأسباب، أهمها قوة الورع والوازع الديني آنذاك. وكتب السيرة وتلك التي ترتبط بعهد الصحابة كثيرة بالأمثلة المتعلقة بالورع والوازع الديني لدرجة أنها تستحوذ على جانب كبير من الكتابات الإسلامية بخصوص هذه الحقبة. ولذلك سنقتصر على بعض الحالات ولعل أهمها تهرب الصحابة والناس من تحمل المسؤولية خاصة مسؤولية الدولة والحكم. فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول عندما عرضت عليه رئاسة الدولة : “لو علمت أن واحدا من الناس أقوى عليه مني لكنت أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن أليه” ([179]). وقال علي (ض) حينما أرادوا بيعته : “لا تفعلوا فأن أكون وزيرأ ولا أكون أميرا” وقال في خطبة أخرى : “إني كنت كارها لأمركم وأبيتم إلا أن أكون عليكم” ([180]). وقال في موضع آخر : “دعوني والتمسوا غيري” ([181]).

كل هذه المواقف تبين مدى تخوف الصحابة من تحمل المسؤولية، لأن الخليفة مسؤول عن أفعاله دنيويا ودينيا. ويرى ابن رجب الحنبلي أن : “الخليفة في الإسلام مسؤول مسؤولية مدنية كاملة عن أخطائه التي ينتج عنها ضرر. فإذا كان الخطأ يتعلق بالمصلحة العامة للمسلمين، ففي هذه الحالة يلتزم بيت المال “الخزينة العامة” بضمان خطأ معاونيه إذا كان التصرف للمصلحة العامة، حيث إن المتصرف تصرفا عاما على الناس من غير ولاية أحد معين، وهو الإمام إن جعلنا خطأه على عاقلته فهو متصرف بنفسه وإن جعلناه في بيت المال فهو متصرف بوكالتهم له فلا يضمن لهم ولا يهدر خطؤه ويجب في بيت المال” ([182]).

إن هذا التصور الذي وضعه ابن رجب الحنبلي يحدد بدقة ضوابط التمييز، في إطار المسؤولية الإدارية، بين الخطأ المرفقي والخطأ الشخصي. إذا كان الخطأ نتج عن تصرفات مرتبطة بالولاية، يعني المصلحة العامة، سواء ارتكب من طرف الخليفة أو معاونيه، فإن بيت مال المسلمين هو الذي يتحمل التعويض، لأن الأمر يتعلق بخطأ مرفقي. . أما عندما يتصرف الخليفة أو معاونوه بدون ولاية، يعني خارج المصلحة العامة، فالخطأ يعتبر شخصيا لا يمكن التعويض عنه من بيت مال المسلمين وإنما من الذمة المالية الشخصية لمرتكب الخطأ.

بالنسبة لإبن رجب الحنبلي المعيار هو “الوكالة”، لأن الخليفة يتصرف بوكالة من طرف الأمة شريطة أن تكون في إطار المصلحة العامة. فكل تصرف من الخليفة أو معاونيه في إطار هذه الوكالة لا يعتبر تصرفا خاصا، وبالتالي فالأضرار التي قد تترتب عنه يتم تعويضها من بيت مال المسلمين. وكما نلاحظ، فإن ابن رجب الحنبلي لم يتكلم عن الجسامة أو الفداحة : لابد من التعويض مهما كان الضرر حتى وإن كان بسيطا. أما إذا كان التصرف خارج تلك الوكالة، بمعنى أنه تصرف لا يدخل في نطاق المصلحة العامة، فالأضرار التي تنتج عنه تستوجب تعويضا من المخطئ لأن الخطأ مجرد خطأ شخصي. وهنا يظهر الفرق بين طبيعة العلاقة بين الموظف والدولة في النظامين الأنجلوسكسوني والإسلامي. صحيح أن النظام الأنجلوسكسوني تطرق كذلك لمفهوم الوكالة ولكن بطريقة مختلفة عن المفهوم الإسلامي. الموظف في إنجلترا وكيل للتاج البريطاني. وبالتالي، فهذا الموظف غير مسؤول عن تصرفاته الخاطئة لأنه مجرد وكيل لتاج لا يخطئ.

تصور ابن رجب الحنبلي يتمشى مع المنطق السائد آنذاك حيث أن المنظور الإسلامي للأشياء كان يؤكد على ضرورة التمييز بين الخاص (الأمور الشخصية) والعام (الأمور العامة).  مثل هذه الأمور لم تكن تسبب حرجا للحكام والمحكومين، لأنها فعلا كانت ثقافة وواقعا معاشا حيث كانت مسألة الخلط بين الخاص والعام منعدمة على مستوى تدبير الأمور العامة والإدارية. وبالفعل، كان الحكام في النظام الإسلامي يحرص على احترام المال العام. والنماذج على ذلك كثيرة منها :  قولة أبي بكر رضي الله عنه لابنته عائشة عند احتضاره : “إنا ولينا أمر المسلمين ولم نأخذ لنا درهما ولا دينارا، ولكنا أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا ولسبنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، فإنه لم يبق من فيء المسلمين قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشي وهذا البعير الناضج وجرد هذه القطيفة، فإذا مت فابعثي بهن إلى عمر” ([183]). وهناك قول مأثور عن عمر بن عبد العزيز الذي جاءه عامله فقال له : “إن جئتنا لأمر يهم المسلمين تركت المصباح مضيئا، وإن جئتنا في أمر يخصك أطفأنا المصباح” حرص الخلفاء في استعمال المال العام لمصلحة المسلمين فقط.

وحتى يتمكن من التفرغ لشؤون الحكم كان يفرض للخليفة راتبا من بيت المال. هكذا،  لما ولي أبو بكر رضي الله عنه الحكم نزل إلى السوق من أجل المتاجرة وذلك من أجل القيام على شؤون أسرته، لكن الصحابة منعوه من ذلك وفرضوا له راتبا من بيت مال المسلمين. ويقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند توليه الحكم : “لا يحل لي من هذا المال إلا ما كنت آكلا من صلب مالي، أي إلا مقدار ما أنفقه من مالي الخاص لو لم أكن خليفة” ([184]). وقد حافظ الخلفاء على هذا النهج في التعامل مع المال العام حتى بعد توسع الدولة الإسلامية إبان الفتوحات. فقد ذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما فتح القادسية سأل الناس عما يحل له من المال. فكان رأي علي هو ما يكفي عمر وأهله ([185]).

أمام هذه الثقافة القائمة على أساس التمييز بين الخاص والعام، فإن المسؤولية الإدارية آنذاك لم تجد أي صعوبة في التمييز بين الخطأ المرفقي الذي يستوجب التعويض من بيت مال المسلمين والخطأ الشخصي المرتبط بالذمة المالية الشخصية لمرتكب الخطأ. ومن الأمثلة عن الأخطاء الشخصية، ما حدث لعمر رضي الله عنه التي ذكرت عنده إحدى النساء بسوء، وقد أدى استدعاؤها إلى إسقاط جنينها وموته.

وملخص هذه القضية أن هذه المرأة ذكرت عند عمر رضي الله عنه بسوء، فأرسل إليها ففزعت، وضربها الطلق (المخاض) وهي فى طريقها إليه، فألقت ولداً فصاح صيحتين ثم مات. فاستشار عمر الصحابة فقال بعضهم : “ليس عليك شيء، إنما أنت وال ومؤدب”. لكن سيدنا علياً كرّم الله وجهه قال: “إن ديته عليك لأنك أنت أفزعتها فألقت”. فأمر عمر علياً أن يقسم عقله على قريش، بمعنى أن يقسم دية الجنين على عاقلة عمر وهي قريش ([186]). كان التعويض عن خطأ عمر من عاقلته (من ماله الخاص) لأن الخطأ هنا خطأ شخصي، وليس خطأ مرفقيا، لأنه لو كان كذلك لأدى ديته من بين المال (خزينة الدولة). وهذا ما أشار عليه إليه علي كرم الله وجهه. “إن ديته عليك، أنت الذي أفزعتها فألقت وليدها في سبيلك”.  فلو أن المرأة هي التي ماتت بسبب هذا الاستدعاء، لكان التعويض من بيت المال وليس على عاقلته.

إن هذه الواقعة تحمل في طياتها ثلاث عبرتين أساسيتين. من جهة، أهمية الحاشية (أو ما يسمى فقها “البطانة الصالحة”) في المساهمة في وضع أسس الحكم وقضايا التدبير الإداري. إن هذه الحاشية لم تتقرب من الخليفة عبر إعفائه من المسؤولية الإدارية، ولكن أشارت عليه بما تراه صائبا : خطأ شخصي يستوجب تعويضا من الذمة المالية للخليفة. ومن جهة أخرى، خضوع الخليفة للمساءلة الشخصية من ماله الخاص لأن الخطأ الذي ارتكبه لا يمكن اعتباره خطأ مرفقيا، علما أن الأمر يتعلق بعمر أمير المؤمنين.

ويمكن أن نذكر في هذا الصدد بالواقعة التي حدثت للخليفة عمر بن الخطاب مع الأعرابي الذي أخذ منه فرسه من أجل تجربته قبل شرائه. وقد أدى ذلك إلى حدوث عطب للفرس. فطالبه الأعرابي بالتعويض. فاتفقا أن يحتكما إلى القضاء. وقد قضى هذا الأخير بتعويض الأعرابي بمنحه ثمن الفرس ([187]) . وقد تم التعويض من المال الخاص للخليفة وليس من المال العام، لأن الخطأ مجرد خطأ شخصي، سيما وأن حيثيات الواقعة لا تتضمن ما يفيد أن الهدف من وراء شراء الفرس هو المصلحة العامة. فلو كان الأمر كذلك لاعتبر الخطأ مرفقيا يعوض الضرر الناتج عنه من بيت مال المسلمين.

وهناك واقعة أخرى يمكن ربطها بالخطأ الشخصي ([188]) “تتلخص أحداثها في أن رجلا كان مع أبي موسى الأشعري، وكان ذا صوت ونكاية في العدو. فغنموا مغنما، فأعطاه أبو موسى بعض سهمه، فأبى أن يقبله إلا جميعا، فجلده أبو موسى عشرين سوطا وحلقه. فجمع الرجل شعره ثم ترجل إلى عمر بن الخطاب حتى قدم عليه فدخل، فأدخل يده فاستخرج شعره ثم ضرب به صدر عمر بن الخطاب فقال : “أما والله لول”ا ! فقال عمر : “صدق لولا النار”. فقال : “يا أمير المؤمنين إني كنت ذا صوت ونكاية في العدو وأخبر بأمره، وقد ضربني أبو موسى عشرين وحلقني، وهو يرى أن لا يقتص منه”. فقال عمر : “لأن يكون الناس كلهم على صرامة هذا أحب إلي من جميع ما أفاء الله علي”. فكتب عمر إلى ابي موسى : “سلام عليكم، أما بعد فإن فلانا أخبرني بكذا وكذا، فإن كنت فعلت ذلك في خلاء من الناس، فاقعد له في خلاء من الناس حتى يقتص منك”. فقدم الرجل، فقال له الناس : “أعف عنه”. فقال : “لا والله، لا أدعه لأحد من الناس”. لما قعد أبو موسى ليقتص منه، رفع الرجل رأسه إلى السماء ثم قال : “اللهم قد عفوت عنه”.

وقد يجتمع في نفس الواقعة خطأ مرفقي وخطأ شخصي. كتلك التي ذكرنا سابقا والتي تتلخص في أن أحد أمراء عمر بن الخطاب على الجيش أراد أن يجتاز بجنوده نهراً فلم يجد سفنا، فأكره شيخا على ذلك والبرد حاد لكنه غرق. هناك خطأ مرفقيا تم التعويض عنه من بيت المال، وكذلك خطأ شخصي تم بسببه عزل الموظف المخطئ.

ومثل هذه الوقائع المرتبطة بالخطأ الشخصي، في إطار المسؤولية الإدارية، هي في نفس الوقت درس في مجال المالية العامة حيث كان الإسلام يميز بين الذمة المالية العامة (بيت مال المسلمين أو الخزينة العامة) والذمة المالية الخاصة في وقت كانت فيه النظم المالية السائدة آنذاك تطلق العنان للحاكم للتصرف الكلي وغير المقيد في مالية الدولة، لأنه لم يكن هناك فصل بين الذمة المالية للحاكم ومالية الدولة. ولقد ذهب الفقهاء إلى التشديد في حماية المال العام لدرجة أن هذا المال كيف شرعا كمال اليتيم بناء على المبدأ الذي وضعه عمر حيث قال : “إنما أنا وأموالكم كالولي لليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف” ([189]).

ففي ظل هذا التصور للمالية العامة، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتم التعويض عن الخطأ الشخصي انطلاقا من الذمة المالية العامة، لأن التعويض يجب أن يكون فقط من الذمة المالية الخاصة لمرتكب الخطأ، بغض النظر أكان هذا الخطأ جسيما أو بسيطا.

 

المطلب الثالث : المسؤولية على أساس المخاطر

المسؤولية على أساس المخاطر تعتبر المستجدات الحديثة للأنظمة الوضعية. فإذا كانت المسؤولية الإدارية بناء على الخطأ المرفقي  في الأنظمة الوضعية قد ظهرت بشكل تدريجي، فإن المسؤولية على أساس المخاطر (أو المسؤولية بدون خطأ) لم تظهر إلا حديثا في فرنسا، خاصة بعد 1919 ([190])، حيث تم تأصيلها مع القضاء الإداري الفرنسي في قضية Regnault-Desroziers ([191]). إن مثل هذه المسؤولية كانت في البداية تقوم على فكرة “المخاطر غير العادية” ([192]) ليؤكد الفقه الفرنسي لاحقا أن أساسها هو مبدأ المساواة أمام الأعباء أو التكاليف العامة ([193]).

حداثة هذا النوع من المسؤولية راجع بالأساس إلى تطور مهام الدولة الحديثة وظهور أنشطة جديدة نتجت عنها العديد من المخاطر، سيما بعد انتشار الصناعات والآلات والأسلحة الحديثة ([194]). مبدأ المساواة أمام التكاليف العامة يصنف ضمن ما يسمى بالمبادئ العامة للقانون التي هي ابتكار خاص للقضاء الإداري الفرنسي ([195]) ومفاده أن الدولة وباقي الأشخاص المعنوية العامة تمارس أنشطة تهدف من ورائها إلى تحقيق المصلحة العامة. ومن أجل تمويل تلك الأنشطة، تقوم تلك الأشخاص بفرض مساهمات عمومية يتحملها الجميع على قدم المساواة. لكن قد يحدث، أثناء توزيع هذه الأعباء المالية، أن يتحمل البعض تكاليف أكثر وغير عادية. وهذا يشكل في حد ذاته إخلالا بمبدأ المساواة العامة. من هنا يكون من حق أولئك الأشخاص الحصول على تعويض بشرط أن يكون الضرر خاصا واستثنائيا ([196]). بخلاف المسؤولية القائمة على أساس الخطأ، فإن المسؤولية على أساس المخاطر تثار بصرف النظر عن وجود خطأ من قبل الإدارة من عدمه. فمجرد حدوث الضرر يعتبر سببا كافيا لإثارة هذا النوع من المسؤولية. هذه الأخيرة ليست في حاجة إلى خطأ وإنما تتكون فقط من عنصرين أساسيين : الضرر والعلاقة السببية. ولا بد من التذكير أن هذه المسؤولية تقوم على أساس فكرة مساواة الأفراد أمام التكاليف العامة ([197]).

صحيح أننا لا نصادف في الشريعة الإسلامية نصوصا وأحكاما صريحة تتعلق بهذا النوع من المسؤولية. وحتى الدراسات الفقهية خلت من الإشارة بكيفية صريحة إلى المسؤولية على أساس المخاطر بالشكل والمصطلحات المتعارف عليه حديثا. ولكن من الناحية الشرعية والفقهية، فإن هذا النوع من المسؤولية قد عرفه الإسلام حيث تحكمه ضوابط الحديث الجامع “لا ضرر ولا ضرار” الذي يمنع بشكل مطلق إيقاع الضرر بالغير. وكذلك الحديث الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم : “إذا مر أحدكم في مسجدنا أو في سوقنا ومعه نبل فليمسك على نصالها أو قال فليقبض بكفه أن يصيب أحدا من المسلمين منها بشيء” ([198]).

بالنسبة للحديث الأول، العبرة بضرورة نفي واستبعاد الضرر سواء عبر التصرفات التي قد تكون سببا في ظهوره أو عبر التعويض عن الضرر. وبالتالي، فطالما هناك ضرر فلابد من تعويض المتضرر عنه حتى وإن انعدم الخطأ في التصرفات الضارة. وهذا هو جوهر المسؤولية على أساس المخاطر. كما أن الحديث لم يميز بين فاعل الضرر أكان شخص عام أم شخص خاص. الأمر هنا محكوم بمبدأ واحد : منع الضرر . لذلك وضع الفقهاء قواعد تطبيقية لهذا المبدأ اجتمعت كلها في مفهوم “الضمان”، حيث يسأل المباشر للضرر وإن لم يكن معتديا ويسأل المتسبب في إحداث الضرر إذا كان معتديا (2) : “الضرر يزال” و”لا يزال الضرر إلا بمثله” و”الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف “. كل هذه القواعد استنبطها الفقهاء من الحديث النبوي الجامع ” لا ضرر ولا ضرار “.

أما لحديث الثاني، ففيه دلالة واضحة على وجوب الاحتياط من إلحاق الضرر بالغير سيما في الأماكن الأكثر أمانا. وإن كان الحديث قد استعمل سلاح النبل فلأنه يتناسب والبيئة السائدة آنذاك، حيث كان يعتبر من الأسلحة الخطيرة في ذلك الوقت. لكن الحديث ينسحب أيضا على كل سلاح خطير سيما في عصرنا الحالي. ومن ثم  فقد جاء التحذير صريحا في ضرورة إبعاد كل الأسلحة الخطيرة عن الأماكن المدنية والتي من شأنها التسبب بالأذى للأفراد. (عدم بناء الثكنات العسكرية والمفاعلات النووية بالقرب من الأماكن السكنية).

غير أنه إذا كانت المسؤولية على أساس المخاطر تقوم على مبدأ المساواة أمام التكاليف العامة، فإن هذا المبدأ تقابله في النظام الإسلامي القاعدة الفقهية التي تقول “الغنم بالغرم”. والغرم لغة من غرم غرما وغرامة.  لزمه شيء من غير ما يجب عليه. وغرم الدية أو الدين أداهما عن غيره. والغرم ما ينوب الإنسان في ماله من ضرر بغير جناية ([199]). والغرم اصطلاحا مستفاد من الحديث النبوي ” الخراج بالضمان “. وهو ما يلزم المرء لقاء شيء من مال أو نفس مقابل ” الغرم ” هو ما يحصل له من مرغوبه من ذلك الشيء ([200]). ويعني أيضا أن التكاليف والخسارة التي تحصل من شيء تكون على من يستفيد منه شرعا ([201]).

يقول سليمان محمد الطماوي : “وأساس المسؤولية هنا (ويعني المسؤولية على أساس المخاطر) فكرة الغنم بالغرم، أو مساواة الأفراد أمام التكاليف العامة. إذ يجب على الجماعة أن تتحمل مخاطر نشاط الإدارة إذا ما أصاب بعض الأفراد بأضرار؛ لأن الإدارة ما قامت به إلا لصالحهم، فيجب ألا يتحمل غرمه أفراد قلائل من بينهم، وإنما يجب أن تتوزع أعباؤه على الجميع. وهذا الأساس يستبعد كما هو واضح فكرة الخطأ نهائيا” ([202]). والغنم بالنسبة للدولة هو تحقيق المصلحة العامة. وعلى هذا الأساس فإن المشاريع التي تنجزها الدولة بهدف الصالح العام، أو القرارات التي تتخذها لهذا الغرض والتي قد تحدث أضرارا بالأفراد، يترتب عنها تحمل الدولة نفقات هذه الأضرار في مقابل استفادتها من تلك المشاريع.

كما أن المسؤولية على أساس المخاطر يمكن أن تجد لها سندا كذلك في القاعدة الفقهية : “درء المفاسد أولى من جلب المصالح” التي تشير بكيفية صريحة إلى منع إلحاق الضرر بالغير. فليس للإنسان أن يحدث في ملكه ما يضر بجاره ضررا بينا. كاتخاذه بجانب دار جاره ما يلحق ضررا بغيره أو كإنشاء فرن مثلا يؤذي الساكنة بالرائحة والدخان. فلصاحب الجدار أن يكلفه إزالة الضرر، وإذا كان الضرر لا يزال إلا برفعه بالمرة فإنه يرفع وإن كان لمحدثه منفعة في إبقائه، لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح ([203]).

ولم يقف سبق الإسلام على الأنظمة الوضعية عند هذا الحد، بل إن فقهاء الإسلام صاغوا مبدأ فقهيا آخر يعتبر هو الآخر سندا للمسؤولية على أساس المخاطر. هذا المبدأ يتمثل في القاعدة الفقهية “المباشر ضامن وإن لم يتعمد”. جاء في مجلة الأحكام العدلية في مادتها 887 في شرحها لهذه القاعدة الفقهية : “الإتلاف مباشرة هو إتلاف الشيء بالذات من غير أن يتخلل بين فعل المباشر والتلف فعل آخر .فالمباشر هو الذي يلي الفعل بنفسه، فإنه يضمن الضرر الذي يتولد عن فعله سواء كان عن قصد منه أو لم يكن، كمن رمى صيداً بسهم فأصاب إنسانا معصوم الدم فقتله فإنه يضمن ديته، وإنما كان الحكم كما ذكرنا لأن الخطأ يرفع عنه إثم مباشرة الإتلاف ولا يرفع عنه ضمان ما أتلفه بعد أن كان مباشرا للإتلاف، ولأن المباشرة علة صالحة وسبب مستقل للإتلاف فلا يصح عدم التعمد سببا مسقطاً للحكم” ([204]). ومثال هذه القاعدة هو أنه إذا أحدث شخص ما ضررا بغيره في ماله فهو مسؤول عن تعويضه وإن لم يكن متعمدا ذلك.، بمعنى حتى وإن انعدم الخطأ.

إن هذه القاعدة تنطوي على الشروط الثلاثة التي يشترطها فقهاء القانون الإداري لإثارة هذا النوع من المسؤولية : جهة يصدر منها الفعل، وضرر ناتج عن هذا الفعل وعلاقة سببية بينهما. فمتى ثبتت هذه العلاقة وجب التعويض بغض النظر عن وجود خطأ من عدمه. فلا اعتداد بالخطأ ما دام الضرر محققا في مثل هذه الحالات. وهذا جوهر المسؤولية على أساس المخاطر. فتسرب مثلا إشعاعات نووية من مفاعل نووي بقرب الأماكن السكنية يترتب عنه تعويض في حالة ما إذا تسببت بأضرار للأفراد، سواء كانت هذه الأضرار جسدية أو مالية. نفس الأمر ينسحب على الأفعال التي تصدر عن الإدارة وتنطوي على مخاطر بالنسبة للأفراد.

ومن التطبيقات الإسلامية للمسؤولية على أساس المخاطر ما أقره عمر بن الخطاب بخصوص مسؤولية الإدارة المرتبطة بالأشغال العمومية. وقد قال في هذا الصدد : “لو أن بغلة عثرت في العراق لسألني الله عنها لم تصلح لها الطريق يا عمر”. وفي هذا دلالة واضحة على مسؤولية الدولة عن مخاطر الأشغال العمومية حتى وإن كانت الأضرار المترتبة عنها بسيطة حيث الفعل الذي استعمله عمر جد بسيط على مستوى الضرر : “عثرت”. وبالفعل، فالضرر المترتب عن “العثور” جد بسيط بالمقارنة مع الضرر المترتب عن “الموت” أو “الجروح” أو “الهلاك”، إلخ. وقد يعتقد البعض أن هذا المبدأ قد وضعه عمر بن الخطاب من أجل حماية الحيوانات فقط. صحيح أن سياق الواقعة يتعلق ببغلة ولكن هذا لا يعني أن المسؤولية على أساس المخاطر مرتبطة فقط بالحيوانات، لأن ظروف النازلة تفيد أن الأمر يتعلق بحماية كل مستعمل لهذه الطريق أكان إنسانا أم حيوانا. لذلك بدأ عمر بن الخطاب قوله بـ ” لو” الشرطية إشارة إلى خطورة المسألة. فإذا كان سيسأل عن الحيوان فما بالك بالإنسان.

ومن خصوصيات المسؤولية الإدارية في الإسلام، أنها لم تغفل حتى الضرر البسيط. إن هذه المسئولية لا تميز بين الضرر الجسيم والضرر الهين، فكلاهما سيان على مستوى ضرورة رفع الضرر. وفي هذا الصدد، يعتبر عمر بن الخطاب نفسه مسئولا عن أمور تبدو خارجة عن مسئولية الإدارة: ” انثروا القمح على رءوس الجبال حتى لا يقال جاع طير في عهد عمر”. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على  فداحة  المسؤولية، وأنها تكليف وليست تشريفا.

*  * * * * * *

نخلص من دراستنا للمسئولية في الإسلام إلى أن هذه الأخيرة قد توفر لها من عناصر القوة والتميز ما جعلها تنفرد عن نظيراتها في الأنظمة المقارنة، السابقة عن الإسلام أو اللاحقة له. أول هذه العناصر، تنظيم محكم لقواعد المسئولية الإدارية. فقد ميزت الشريعة الإسلامية وبشكل دقيق بين الخطأين المصلحي والشخصي؛ تمييز هو غاية في الأهمية والعدالة، لأنه يوضح الجهة التي عليها تحمل عبئ التعويض في حالة ارتكاب الخطأ. هذا التمييز لم تهتد إليه النظم الوضعية إلا حديثا، سيما وأن الإسلام ميز منذ البداية بين الذمة المالية العامة والذمة المالية الخاصة.

ثانيا، سرعة البت والاستجابة لتظلمات الأفراد ضد الإدارة بغض النظر عن مركز العامل فيها، خليفة كان أم موظفا بسيطا فيها. فكل من الإدارة والأفراد أطراف متساوية أمام القضاء. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، لا مجال للحديث عن مشكل بطء وتعقد المساطر القضائية باعتباره إحدى النقط السوداء في الأنظمة القضائية الحديثة، والتي تؤثر، ومن دون شك، على فعالية القضاء الإداري.

ثالثا، في مجال المسئولية الإدارية في الإسلام، لا مكان لما يسمى بالمؤثرات والضغوط السياسية على عمل القاضي الإداري. فالقاضي الإداري في الإسلام يتمتع بما يكفي من الضمانات القوية ما يجعله بمنأى عن تلك الضغوط والمؤثرات. يقول Stanley Line Poole : “إن القضاء في هذه العهود (يعني العهود الإسلامية) قد بلغ شأوا بعيدا من حيث التنظيم، والاستقلال والبعد عن التيارات السياسية القائمة آنذاك، ومن ثم إيصال أصحاب الحقوق إلى حقوقهم، ورد ظلامات المظلومين حتى أصبح مضرب المثل في ذلك” ويتابع قائلا : “فالقضاة كانوا مستقلين في أحكامهم لا يحابون واليا أو أميرا، ولا يحكمون إلا بما أنزل الله” ([205]).

في مجال المسئولية الإدارية في الإسلام، لا مكان للأمراض الإدارية التي تنخر جسم القضاء حاليا (الوساطات، المجاملة، الرشوة…)، نظرا، من جهة، لقوة وترسخ الوازع الديني آنذاك، ومن جهة ثانية لأمانة ونظافة يد القاضي الإداري المسلم، وأيضا لشجاعته في الحكم ضد الإدارة في حالة ثبوت الخطأ ضدها. هذه الخاصية أكسبته احترام المتقاضين أمامه. وفي هذا الصدد يقول Stanley Line Poole : “وبلغ من محبة الناس للقضاة أن أصبح الولاة يفكرون طويلا إذا حدثتهم أنفسهم بالإقدام على عزلهم، حتى لا يتعرضوا لكراهة الجمهور” ([206]) دائما في معرض حديثه عن نزاهة القضاة يقول Stanley Line Poole : “…. فقاضي مصر في عهد الأمويين وصدر الدولة العباسية كان ذا خبرة اكتسبها من اشتغاله بالفقه الإسلامي، وكان مشهورا لدى الجمهور بالاستقامة، وسمو الخلق، وكان لمركزه أهمية ولشخصه نفوذ (…) بل ظل القاضي في كثير من الأحيان يشغل منصبه في عهد ولاة عدة، ولم يكن أسرع إلى القاضي في تقديم استقالته إذا تدخل في أحكامه الشرعية” ([207]).

ولابد من التذكير في نهاية هذا المقال أن هذه المسؤولية الإدارية القائمة على مساءلة الإدارة عن الأضرار التي قد تلحقها بالأفراد مرتبطة بفترة زمنية محددة من تاريخ الإدارة الإسلامية لأن الشق الأكبر من هذا التاريخ تميز باستبداد الإدارة في علاقتها بالأفراد

[1]– Olivier Gohin : Contentieux administratif, Ed. du Juris-Classeur, 2002, p 23.

[2]– Michel Debré, in travaux préparatoires de la constitution. Avis et débats du comité consultatif constitutionnel, séances du 5 août 1958, La documentation française 1960, cité par Olivier Gohin : op.cit, p 77.

[3]– Conseil d’Etat, Ass, 2 février 1962, Beausse, Rec. CE 82, cité par Olivier Gohin : op.cit, p 77-79.

[4]– Francis-Paul Bénoit : Le droit administratif français, Ed. Dalloz, 1968, pp. 787 et s.

[5]– نفس المرجع أعلاه، ص. 395 وما بعدها.

[6]– Abdellah Ben Mlih : Structures du Maroc colonial, Ed. L’Harmattan, 1990, pp. 50-51.

[7]– حكم المحكمة الإدارية بفاس رقم 295/17 يوليوز 1996، جليلة المرابط ضد وزير التربية الوطنية، المجلية المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 22 سنة 1998، ص. 119، ذكره الحاج شكرة : القانون الإداري، دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع (الطبقعة الثانية)، 2009، ص. 24.

[8]– هذه الحقبة ستكون مشروع مقال مشترك مع حميد حوماني (أستاذ باحث بجامعة الحسن الثاني – عين الشق ومدير مؤسسة محمد السادس لنشر المصحف…) لدراسة المسؤولية الإدارية في مرحلة ما قبل الإسلام.

[9]– محمد أحمد سراج، ضمان العدوان في الفقه الإسلامي، دار الثقافة، 1990، ص 16.

[10]– الصدة، عبد المنعم فرج، مصادر الالتزام. طبعة بيروت، دار النهضة العربية 1979، ص 532، ذكرته أسماء موسى، أسعد أبو سرور، ركن الخطأ في المسئولية التقصيرية، دراسة مقارنة بين القانون المدني المصري والقانون المدني الأردني، أطروحة لنيل درجة الماجستير في القانون الخاص بكلية الدراسات العليا في جامعة الّنجاح الوطنية في نابلس، فلسطين 2006، ص 27.

[11]– محمد أحمد سراج، م.س.ذ، ص 16.

[12]– أسماء موسى أسعد أبو سرور، م.س.ذ،  ص 27.

[13]– محمد أحمد سراج، م,س,ذ، ص 16.

[14]– الصدة، عبد المنعم فرج، مصادر الالتزام. طبعة بيروت، دار النهضة العربية 1979، ص 532، ذكرته أسماء موسى، م. س. ذ. ص. 15.

[15]– أسماء موسى أسعد أبو سرور، م.س.ذ، ص 27.

[16]– محمد أحمد سراج، م.س.ذ، ص 16.

[17]– محمد أحمد سراج، م.س.ذ، ص 16.

[18]– محمد أحمد سراج، م.س.ذ، ص .16

[19]– عبد الحميد متولي، أصل نشأة الدولة، بحث في الفلسفة السياسية وتاريخ القانون العام، مجلة القانون والاقتصاد، العددان الثالث والرابع) سبتمبر 1984 ص 653-720. ذكره محمد فوزي لطيف نويجي، م.س.ذ، ص 94.

[20]– عاطف البنا، الوسيط في النظم السياسية، 1997، ص 62. ذكره محمد فوزي لطيف نويجي، مسئولية رئيس الدولة في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة، طبعة 2005،  ص 94.

[21]– هذه المعلومات مستقاة من رسالة نصير صبار لفتة، التعويض العيني، دراسة مقارنة، رسالة لنيل درجة الماجيستر في القانون الخاص، 2001، ص 44.

[22]– صدر هذا القانون بتاريخ 2113-2095 ق.م.

[23]– صدر هذا القانون بتاريخ 1725-1672 ق.م.

[24]– نصير صبار لفتة،م.س.ذ، ص. 44

[25]– المادتان 42 و 34.

[26]– المادة 53.

[27]– المادة 55.

[28]– محمد فوزي لطيف نويجي، م,س,ذ،  ص96.

[29]– سورة النازعات الآية 24.

[30]–  سورة االقصص الآية 38.

[31]–  سورة الشعراء الآية  29.

[32]– أسماء موسى أسعد أبو سرور، م.س.ذ،  ص 24.

[33]– نفس المرجع أعلاه، ص 24.

[34]– وليد سعيد عبد الخالق، الدية والتعويض بين الشريعة والقانون، مقال منشور بالموقع الإلكتروني . mrwsa.arabblogs.com تم الاطلاع عليه بتاريخ 20/08/2012.

[35]– وليد سعيد عبد الخالق، مقال س.ذ، ص 4.

[36]– نفس المرجع أعلاه، ص 24.

[37]– عبد الحميد الرفاعي، القضاء الإداري بين الشريعة والقانون، دار الفكر دمشق، طبعة 1979، ص 72.

[38]– حضر هذا الحلف ممثلون عن بني هاشم و بني عبد المطلب وبني أسد بن عبد العزى و بني زهرة بن كلاب وبني تميم بن مرة.

[39]– يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحلف : ” لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلف الفضول ما لو دعيت له لأجبت، وما أحب أن لي به حمر النعم).

[40]– الإمام الماوردي، الأحكام السلطانية،طبعة أولى، 1973، ص 78-79.

[41]– عبد الحميد الرفاعي، م,س,ذ، ص 72.

[42]– Cité par Michel Paillet : La responsabilité administrative, Ed. Dalloz, 1996, p. 1.

[43]– Philippe Foillard : Droit administratif, Ed. Paradigme (12ème), 2007, p. 382.

ولابد من التأكيد على أنه حتى قبل حكم بلانكو كانت هناك نصوصا قانونية تحدد مسؤولية الدولة ولكن في مجالات جد محددة كقانون 28 Pluviose المتعلق بأضرار الأشغال العمومية.

[44]– سليمان محمد الطماوي، القضاء الإداري، الكتاب الثاني، قضاء التعويض وطرق الطعن في الأحكام (دراسة مقارنة)، دار الفكر العربي، طبعة 1996، ص 12.

[45]– Michel Paillet : op. cit., p. 2.

[46]– Francis-Paul Bénoit : op. cit., p. 671.

[47]– محمد يوسف موسى، مرجع أعلاه ص 167.

[48]– نفس المرجع أعلاه، ص 167.

[49]– نفس المرجع أعلاه، ص 167.

[50]– نفس المرجع أعلاه، ص 167.

[51]– Philippe Foillard : op. cit., p. 382.

[52]– Edouard Laferrière, cité par Jacqueline Monrant-Deviller : Droit administratif, Ed. Montchrestien, 1997, p. 732.

[53]– سليمان محمد الطماوي، م.س.ذ، ص 12.

[54]– نفس المرجع أعلاه، ص 12.

[55]– Francis-Paul Benoit : op. cit., p. 677.

[56]– سليمان محمد الطماوي، م.س.ذ، ص 14.

[57]– Francis-Paul Bénoit : op. cit., p. 680.

[58]– Jean Rivero et Jean Waline : Droit administratif, Ed. Dalloz (21ème), 2006, p.487.

[59]– سليمان محمد الطماوي، م.س.ذ، ص 12.

[60]– نفس المرجع أعلاه،  ص 12.

[61]– نفس المرجع أعلاه،  ص 12.

[62]– نفس المرجع أعلاه،  ص 16.

[63]المادة 17:من الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن ‘بما أن حق الامتلاك من الحقوق المقدسة التي لا تُنقض فلا يجوز نزع الملكية من أحد إلا إذا اقتضت المصلحة العمومية ذلك اقتضاءً صريحاً وفي هذه الحالة يُعطي الذي تُنزع منه ملكيته تعويضاً كافياً”.

[64]– Michel Paillet : op. cit., p. 2.

[65]– المادة 13 من الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن : “بما أن الهيئة الحاكمة تحتاج إلى نفقات لإدارة الشؤون فيجب وضع ضريبة عمومية على جميع الوطنيين. أما مقدار هذه الضريبة فيجب أن يكون مناسباً لحالة الذين يدفعونها”.

[66]– Michel Paillet : op. cit., p. 2.

[67]– المادة 15 من الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن : ” للهيئة الحاكمة والمحكومة الحق في أن تسأل كل موظف عمومي عن إرادته وأعماله وأن تناقشه الحساب فيها”.

[68]– Michel Paillet : op. cit., p. 2.

[69]– Georges Teissier : Répertoire Béquet, t. 23, 1906, p. 107, cité par Michel Paillet : op. cit., p. 3.

[70]– زكي محمد النجار، القضاء الإداري، دراسة مقارنة بالشريعة الإسلامية، الطبعة الثانية 1996-، ص129.

[71]– فؤاد العطار، م.س.ذ، ص 196.

[72]– نفس المرجع أعلاه، ص 196.

[73]– عبد الحميد متولي، أصل نشأة الدولة، بحث في الفلسفة السياسية وتاريخ القانون العام، مجلة القانون والإقتصاد، العددان الثالث والرابع، شتنبر 1984، ص. 653-720، ذكره محمد فوزي لطيف نويجي، م.س.ذ، ص. 94.

[74]– محمد فوزي لطيف نويجي، م.س.ذ، ص. 94.

[75]– زكي محمد النجار، م.س.ذ، ص 129.

[76]– فؤاد العطار، م.س.ذ، ص 196.

[77]– نفس المرجع أعلاه، م.س.ذ، ص 196.

[78]– زكي محمد النجار، م.س.ذ، ص 131.

[79]– فؤاد العطار، م.س.ذ، ص 196.

[80]– نفس المرجع أعلاه، م.س.ذ، ص 203.

[81]– نفس المرجع أعلاه،  ص 203.

[82]– Denis Lévy : La responsabilité de la puissance publique en Angleterre, Bibl. DP, 1654, cité par Yves Gaudemet : Traité de droit administratif, Ed. L.G.D.J (16ème), 2011, p. 778.

[83]http://www.5ayma.com/vb/showthread.php?t=21388 (consulté le 31/08/2012).

[84]– Yves Gaudemet : op. cit., p .27.

[85]– فؤاد العطار، م.س.ذ، ص 203.

[86]– Tribunal des conflits, 29 février 1908, Feutry, Rec. CE, p. 28, cité par Michel Paillet : op. cit., p. 6.

[87]– Tribunal des conflits, Fonscolombe, Rec. CE, p. 448, cité par Michel Paillet : op. cit., p. 6.

[88]– Tribunal des conflits, 23 mai 1908, Jouillié, Rec. CE, p. 509, cité par Michel Paillet : op. cit., p. 6.

[89]– Conseil d’État, 19 février 1875, Prince Napoléon, Rec. 155, cité par Jean Rivero et Jean Waline : op. cit., p. 287.

[90]– Conseil d’Etat, 10 février, 1905, Tomaso Crecco, Rec. CE, p. 139, cité par Michel Paillet : op. cit., p. 6.

[91]– Francis-Paul Bénoit : op. cit., p. 680.

[92]– Conseil d’Etat, Confl., 8 août 1844, Dupart c/ Perrin, S. 1845.II.58, cité par Michel äillet : op. cit., p. 3.

[93]– Conseil d’Etat, Confl., 6 décembre 1855, Rotschild, Rec. CE, p. 705, cité par Michel äillet : op. cit., p. 3.

[94]– Michel Paillet : op. cit., pp. 4-5.

[95]– Cass. Civ., 1er avril 1845, D. 1845.1.261, cité par Michel Paillet : op. cit., p. 3.

[96]– François Coechlin : La responsabilité de l’Etat en dehors des contrats de l’an VIII à 1873, 1957, p. 78, cité par Michel Paillet : op. cit., p. 3.

[97]– Michel Paillet : op. cit., pp. 3-4.

[98]– Ibid, p. 4.

[99]– فؤاد العطار، م.س.ذ، ص 195.

[100]– نفس المرجع أعلاه ، ص 195.

[101]– نفس المرجع أعلاه ، ص 206.

[102]– نفس المرجع أعلاه ، ص 206.

[103]– سورة الأحزاب، الآية 72.

[104]– سورة النساء، الآية 58.

[105]– سورة الإسراء الآية 70.

[106]– سورة البقرة الآية 34.

[107]– سورة البقرة الآية 30.

[108]– صحيح مسلم، الحديث رقم 1829، سنن الترميذي الحديث رقم 1705.

[109]– صحيح البخاري، ج 3/1282، صحيح مسلم، ج 3/1315.

[110]– سورة الأنفال الآية 27.

[111]– سورة الحجر الآية 92.

[112]– سورة الأنعام الآية 164.

[113]– محمد مهدي شمس الدين، نظام الحكم والإدارة في الإسلام، الطبعة الأولى 1955، ص 539 .

[114]– محمد مهدي شمس الدين، م.س.ذ ص539.

[115]– وضعها الرسول صلى الله عليه وسلم كإطار عام للحقوق والعلاقات التنظيمية والإدارية مع المشركين واليهود. انظر محمد مهدي شمس الدين، م.س.ذ ص 539

[116]– محمد مهدي شمس الدين، م.س.ذ ص539.

[117]– محمد مهدي شمس الدين، م.س.ذ ص539.

[118]– محمد أحمد سراج، ضمان العدوان في الفقه الإسلامي، 1990، ص 16.

[119]– سنن الترمذي 3/640. 1359.

[120] سنن الترميذي، باب ما جاء فيمن يكسر له الشيء ما يحكم له من مال الكاسر، رقم الحديث 1359.

[121]– لسان العرب لابن منظور، الجزء الثالث / ص 103.

[122]– عبد الرحمن الجزيري، الفقه على المذاهب الأربعة، ج 5، ص 107.

[123]– سورة البقرة الآية 178.

[124]– محمد فوزي لطيف نويجي، مسئولية رئيس الدولة في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة، طبعة 2005، ص 17.

[125]– سورة النساء الآية 91

[126] الآية 58 / سورة النساء.

[127] الآية 27/ سورة الأنفال.

[128] الآية 93/ سورة النحل

[129]– 11658 سنن البيهقي الكبري 6/157.

[130]– سنن أبي داود 4/195 /. 4586

[131]– 11174 سنن البيهقي الكبري 6/72.

[132]– عبد الملك المنصور الصعبي، الضمان في الفقه الإسلامي، بحث منشور بالموقع الإلكتروني 4shared.com تم الاطلاع عليه بتاريخ 07/08/2012.

[133]– 1654 صحيح البخاري 2/620.

[134]– 2564 صحيح مسلم 4/1986.

[135]– محمد فوزي لطيف نويجي، م.س.ذ، ص 162

[136]– نفس المرجع أعلاه، ص 162.

[137]– نفس المرجع أعلاه ، ص 163.

[138]– فريدة صادق زوزو، الضرر يزال، دراسة تأصيلية مقارنة بين السيوطي وابن نجيم، مقال منشور بالموقع الإلكتروني fiqh.islammessage.com. تم الاطلاع عليه بتاريخ 27/08/2012.

[139]– فريدة صادق زوزو، مقال سابق ذكره.

[140]– اعبد الملك منصور المصعبي،الضمان في الفقه الإسلامي، بحث منشور على موقع 4Shared.com ، ص 59.

[141]– نفس المرجع أعلاه ، ص 77.

[142]– بحث منشور بالموقع الإلكتروني :
http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=FullContent&audioid=172794، تم الاطلاع عليه بتاريخ 27/08/2012.

[143]– رواه البخاري في باب (إذا قال لامرأته وهو مكره هذه أختي فلا شيء عليه) ص 2019. والترمذي في باب (ما جاء فيمن لا حد عليه) رقم الحديث 1423 ص 32..

[144]– محمد فوزي لطيف نويجي، ، م.س.ذ، ص 81.

[145]– نفس المرجع أعلاه ، ص 81.

[146]– نفس المرجع أعلاه ، ص 160.

[147]– سبق وأن ذكرنا مصدره.

[148]– سورة عبس الآية 1.

[149]– عبد الحميد الرفاعي، القضاء الإداري بين الشريعة والقانون، دار الفكر، طبعة 1989، ص 43.

[150]– محمد مهدي شمس الدين، نظام الحكم والإدارة في الإسلام، الطبعة الثانية، 1991، ص. 459.

[151]Conseil d’Etat 23 juillet 2010 Sociétés Touax et Touax Rom, Conseil d’État, N° 328757, publié au rec. Lebon
http://arianeinternet.conseil-etat.fr/arianeinternet/ViewRoot.asp?View=Html&DMode=Html&PushDirectUrl=1&Item=1&fond=DCE&texte=touax&Page=1&querytype=simple&NbEltPerPages=4&Pluriels=True (consulté le 31/08/2012).

[152]– الشذى : الشر.

[153]– معرة الجيش : أذى الجيش واعتداءاته.

[154]– محمد مهدي شمس الدين، م,س,ذ، ص. 561.

[155]– عمر يوسف، استقلال السلطة القضائية في النظامين الوضعي والإسلامي، ط 1984، ص334. ذكره سعيد ابن البشير، مراقبة دستورية القوانين في المغرب والقانون المقارن، رسالة لنيل دكتوراه الدولة في القانون لنيل الدكتوراه الدولة في القانون العام، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، الرباط، السنة الجامعية 1999-2000، ص 16.

[156]– فؤاد العطار، القضاء الإداري – دراسة مقارنة لأصول رقابة القضاء على أعمال الإدارة وعمالها ومدى تطبيقاتها في القانون الوضعي، دار النهضة العربية 1967، ص 796.

[157]– Tribunal des conflits, 5 mai 1877, Laumonnier-Carriol, Rec. Lebon, p. 437, cité par Yves Gaudemet : op. cit., p. 784.

[158]– سليمان محمد الطماوي، القضاء الإداري، الكتاب الثاني قضاء التعويض وطرق الطعن في الأحكام (دراسة مقارنة)، دار الفكر العربي 1996، ص 121.

[159]– سليمان محمد الطماوي، م,س,ذ، ص 121.

[160]– عبد الحميد الرفاعي، القضاء الإداري بين الشريعة والقانون، طبعة أولى- دار الفكر دمشق 1989، صفحة 118-119. ص 177.

[161]– عبد الحميد الرفاعي،.م.س.ذ، س 120.

[162]– أورده عبد الحميد الرفاعي، نفس المرجع أعلاه، ص. 122.

[163] عباس محمود العقاد، عبقرية خالد، ص 174 وما بعدها، نقلا عن عبد الحميد الرفاعي، م.س.ذ، ص 122.

[164] عبد الحميد الرفاعي، م.س.ذ، ص 122.

[165] الموسوعة الفقهية، ج 21/ ص 93. نقلا عن غسان عبد الحفيظ حمدان، مسئولية رئيس الدولة عن تصرفاته، أطروحة لنيل درجة الماجستير في الفقه والتشريع بكلية نابلس بفلسطين، 2003، ص 157.

[166]– Conseil d’Etat, Ass., 24 novembre 1961, Letisserand, GAJA, Rec. Lachaume, cité par Philippe Foillard : op. cit., p.388.

[167]– Conseil d’Etat, Ass., 24 avril 1942, Morell, Rec., p. 36, cité par Philippe Foillard : op. cit., p.388.

[168]– Conseil d’Etat, Sect., 6 juin 1958, Rec., p. 479, cité par Philippe Foillard : op. cit., p.388.

[169]– فقه عمر بن الخطاب، للرحيلي  2/91، مصنف عبد الرزاق 9/470، رقم18045، كنز العمال 7/297، رقم 3437. ذكره عبد الملك منصور المصعبي، بحث. س.ذ.

[170]– فقه عمر للدكتور رويعي الرحيلي 2/65-67، 87، مسند عمر بن الخطاب لأبن كثير ص214-215، وكنز العمال 7/299، رقم 3473، وسنن البيهقي 8/323 . ذكره عبد الملك منصور المصعبي، بحث. س.ذ.

[171]– عبد الحميد الرفاعي، م.س.ذ، ص 121.

[172]– دفتر الصوافي : دفتر كان معدا لتسجيل الضيعات (الأموال) التي كان يصفيها ويختصها الأمير لنفسه. يقال أصفاه الشيء أي اختصه به وجعله خالصا له. يقول الله عز وجل : “أفأصفاكم ربكم بالبنين و اتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما” (سورة الإسراء، الآية 40). الإصفاء هو الإخلاص يقال اصفيت   فلانا بالشيء إذا آثرته به.

[173]– الإمام الماوردي، الأحكام السلطانية، ص 28

[174]– فقه عمر للدكتور رويعي الرحيلي 1/345، نقلاً عن كنز العمال 3/120. ذكره عبد الملك منصور المصعبي، بحث. س.ذ.

[175]– Conseil d’Etat, Sect., 19 février 1965, Bellec, Rec., p. 120, cité par Philippe Foillard : op. cit., p. 389.

[176]– محمد مهدي شمس الدين، نظام الحكم والإدارة في الإسلام،  الطبعة الثانية 1991، 462.

[177]– محمد مهدي شمس الدين، م.س.ذ. 462.

[178]– فؤاد العطار، القضاء الإداري – دراسة مقارنة لأصول رقابة القضاء على أعمال الإدارة وعمالها ومدى تطبيقاتها في القانون الوضعي، دار النهضة العربية 1967، ص 796.

[179]– محمد يوسف موسى، نظام الحكم في الإسلام ،  دار الفكر العربي  تاريخ الطبعة غير مذكور ص 162.

[180]– محمود عكاشة، المرجع أعلاه، ص 196.

[181]– محمود عكاشة، المرجع أعلاه، ص 195.

[182]– ابن رجب الحنبلي، القواعد في الفقه الإسلامي، القاعدة رقم 61، ص 116. نقلا عن محمد فوزي لطيف نويجي، م.س.ذ، ص 70.

[183]– السيوطي : تاريخ الخلفاء. نقلا عن  بحث أنجزه ديوان الموظفين تحت عنوان دور الإسلام في حفظ المال العام، منشور بالموقع الإلكتروني 4Sahared.com. تم الاطلاع عليه بتاريخ 28/08/2012.

[184]– المرجع أعلاه. ص116.

[185]– المرجع أعلاه.ص116.

[186]– المهذب، الشيرازي 2/192. انظر كتاب الضمان في الفقه الإسلامي، عبد الملك منصور المصعبي،بحث منشور بالإنترنت 4shared.com تم الاطلاع عليه بتاريخ 20/08/2012.

[187]– مصنف بن أبي شيبة ج4/807، الصنعاني أبو بكر عبد الرزاق بن همام. ذكره غسان عبد الحفيظ محمد حمدان، مسؤولية رئيس الدولة عن تصرفاته، ص 85.

[188]– غسان محمد عبد الحفيظ، مسئولية رئيس الدولة عن تصرفاته، أطروحة لنيل درجة الماستر في الفقه والتشريع بكلية الدراسات العليا بجامعة النجاح  نابلس بفلسطين، 2003، ص 117

[189]– محمد يوسف موسى، نظام الحكم في الإسلام، ص 116.

[190]– Francis-Paul Bénoit : Le droit administratif français, Ed. Dalloz, 1968, p. 712.

[191]– Conseil d’Etat, 28 mars 1919, Recueil Lebon, p. 329, cité par Francis-Paul Bénoit : op. cit., p. 681.

[192]–  Jacqueline Morand-Deviller : Cours de droit administratif, Ed. Montchrestien, 1997, p. 761.

[193]– نفس المرجع أعلاه.

[194]– خنوف حضرية ،تطور فكرة الخطأ في المسئولية  التقصيرية والعقدية، رسالة لنيل دبلوم الماجستير في العقود والمسئولية، تاريخ الرسالة غير مذكور، ص 26.

[195]– Conseil d’Etat,  Ass., 22 février 1974, Association des maires de France.

[196]– Jacqueline Morand-Deviller : op. cxit., pp. 760-761.

[197]– محمد سليمان الطماوي، م.س.ذ، ص 179.

[198]صحيح البخاري مجلد 6/2592. /6664

[199]– المعجم الوجيز، مجمع اللغة العربية، طبعة خاصة بوزارة التربية والتعليم، طبعة 1991 ص 449.

[200]– الشيخ أحمد بن الشيخ محمد الزرقا، شرح القواعد الفقهية، طبعة ثانية 1989، ص 473.

[201]– أبو عبد الرحمن عبد المجيد جمعة الجزائري، القواعد الفقهية المستخرجة من كتاب إعلام الموقعين لابن القيم الجوزية، دار بن القيم، تاريخ غير مذكور، 458.

[202]–  سليمان محمد الطماوي، م.س.ذ، ص 179.

[203]  فريدة صادق زوزو، مقال سابق ذكره.

[204]http://www.d-alsonah.com/vb/showthread.php  (consulté le 28/08/2012)

[205]– نقلا عن عبد الحميد الرفاعي، القضاء الإداري بين الشريعة والقانون، دراسة مقارنة، طبعة 1996، ص 64.

[206]– المرجع أعلاه،. ص 64.

[207]– المرجع أعلاه، ص 64.