المحكمة الدستورية وفق الدستور الجديد من ” حوار المؤسسات ” إلى ” حوار القضاة ”

322

 

عبد الحق بلفقيه                

  باحث بجامعة عبدا لمالك السعدي    

طنجة                     

benhouda12@gmail.com

المحكمة الدستورية وفق الدستور الجديد

من ” حوار المؤسسات ” إلى ” حوار القضاة ”

 

تقديم

اعتاد المجلس الدستوري في النموذج المغربي، و منذ ولادته الأولى، الدخول في حوار مع المؤسسات السياسية والمعارضات المشكلة لها، فتدخله وفق آلية المراقبة القبلية خلال المسطرة التشريعية، مباشرة بعد التصويت و قبل إصدار الأمر بتنفيذ القانون، قد جعل من صورة الرقابة الفعلية للقوانين تتوارى عن عمله لفائدة صورة ”الضابط لنشاط السلطات العامة ” في الفضاء السياسي المغربي، و كذلك بمثابة ”جزء من السلطات العامة” يحافظ على دور استشاري لدى بعض المؤسسات،  وبالتالي، أخذ شكل ”مؤسسة ذات خصوصية  تلعب دور رئيسي في توازن السلطات الدستورية، من خلال تذكيره لمجموع الفرقاء ب”منطوق الدستور”.

من جهة، بدا القاضي الدستوري المغربي، في مرحلة ما قبل دستور 2011، وكأنه ”غير مهيأ[1]” لاستيعاب الحمولة الحقوقية ل”ديباجة الوثيقة الدستورية[2] ” و ذلك بحصر فكرة ضمان الحقوق و الحريات داخل العلاقة بين البرلمان كمؤسسة تشريعية و البرلمانيين كممثلين للأمة[3].  الشيء الذي يعني أن قراراته لم تتجاوز خلال هذه المرحلة، في تأثيرها، محيط المؤسسات الدستورية التي لها علاقة مباشرة به ( البرلمان و الحكومة)[4]. و انه برجوعنا إلى ” القانون المقارن[5] ” يتضح لنا جليا دور مؤسسة القضاء الدستوري في فهم و تطوير مضمون وموضوع القانون الدستوري و كذلك دوره في حماية و صيانة الحقوق والحريات الفردية و الجماعية.

و بالتالي فان محدودية المجلس الدستوري المغربي، ما قبل 2011،  في محيطه و حدود تأثير اجتهاداته القضائية في النظام السياسي المغربي، راجع بالأساس إلى كونه، اشتغل في ”فضاء أحاطه بقيود دستورية و سياسية و سوسيوقضائية[6] ”، جعلت منه ” مؤسسة ثانوية[7]” ل” تأويل الدستور المغربي[8] ”، حيث أسندت إليها مهمة الرقابة الدستورية إلى جانب الملك ك” فاعل أساسي[9]

هذا المعطى، سيتعرض للتغيير، بعد دستور 2011، بفعل القراءة الجديدة التي حملتها آلية ”الدفع بعدم الدستورية” عبر مطالبة المحكمة الدستورية بالتدخل بشكل بعدي، في مواجهة قانون ساري النفاذ. هذه المسألة ستجعل المحكمة الدستورية بمثابة ”مؤسسة قضائية مستقلة” خارجة عن الجهاز القضائي العادي و بدون أي رابط تراتبي معه، و مجبرة في الدخول في حوار مع القضاة للوصول إلى توازنات جديدة.

و يستتبع أن مساءلة ”الدفع بعدم الدستورية” ستمكن المحكمة الدستورية من مصدر متزايد للسلطة المؤسسية و الاجتهادية، عبر إفراز دستورا نية  فروع أخرى من القانون، كانت بسبب عدم الإحالة غير موظفة من قبله. كما ستسمح ”رقابة الامتناع” من توسيع مجال الاجتهاد ليشمل ليس فقط المقتضيات التشريعية، بل أيضا التأويلات الممنوحة لها من قبل الاجتهاد القضائي العادي أثناء النظر في نزاع، و هذا ما سيؤدي إلى بروز أسئلة تطرح ”تنامي السلطة التأويلية للمحكمة الدستورية، و تداعياتها على فرضية التحول إلى مجلس أعلى”.

في هذا السياق، ترمي هذه الدراسة بالأساس إلى دراسة الانعكاسات التي أحدثها دستور 2011 على هوية القضاء الدستوري في الأنموذج المغربي و بالتالي تجاوز القراءة القانونية الضيقة من خلال الانفتاح على العمل القضائي للمحكمة الدستورية الجديدة ( المبحث الأول). كما تهدف الدراسة إلى البحث في مدى تأثير المراقبة اللاحقة- بعد صدور القانون- في مكانة المحكمة الدستورية و هويتها و على موقعها المؤسسي و علاقتها بالسلطة القضائية، وكذلك محاولة التوقف عند مضامينها التعديلية التي ما فتئت السلطة التشريعية تقدمها ( المبحث الثاني).

المبحث الأول: انعكاسات دستور 2011 على هوية القضاء الدستوري في الأنموذج المغربي

اعتبر القانون بعد إصدار الأمر بتنفيذه، و لمدة طويلة في” التجربة المغربية [10] ”، عمل غير قابل للمساس، فكل المؤسسات سوف تخضع للقانون باعتباره، من جهة، تعبيرا عن الإرادة العامة ، و من جهة أخرى،  فان سمو المؤسسة الملكية[11] ” جعلت من الرقابة القضائية لا تنسجم مع الخصوصية المغربية من منطلق أن طبيعتها البعدية تثير مجموعة من الإشكالات، من بينها مدى أحقية إعادة النظر في الظهير الملكي الذي يصدر بموجبه القانون البرلماني و ” المزين بالخاتم التشريعي أو الملكي[12] ”.  فالملك يراقب دستوريته، ويعد فوق ذلك قاضيا، إضافة إلى المرتبة التي يحتلها الظهير الملكي في النظام القانوني المغربي[13].

و إذا كانت الدساتير المغربية لسنة 1962، 1970، 1972، لم تنص على وجود ”مؤسسة دستورية مستقلة ” تضطلع بمهمة الرقابة على دستورية القوانين، بحيث كان المغرب في هذه المراحل من حياته الدستورية قد أسند هذه المهمة إلى الغرفة الدستورية بالمجلس الأعلى ( القضاء العادي ). و بعد ثلاث عقود من تجربة القضاء الدستوري كان لابد أن يفضي سنة 1992، و بعدها سنة 1996،  إلى مراجعة دستورية جاءت بتحولات عميقة لمؤسسة المراقبة في إطار ” المجلس الدستوري” الذي حل محل الغرفة الدستورية بالمجلس الأعلى و لكن في إطار من الاستقلال التام عن المؤسسات الأخرى.

لكن و بخلاف التوقعات المنتظرة من هذه المؤسسة، حيث كان ينتظر منها خلق مدرسة قانونية ذات الخصوصية المغربية في القانون العام و في القانون الدستوري[14]،  تعرض المجلس الدستوري المذكور لكثير من النقض و الاعتراض، كما رأينا سالفا، حيث تم اعتباره في كثير من الأحيان ك ” علبة سوداء في شكل مؤسسة كتومة بشقيه القضائي و الإداري، لا يظهر فيها إلا الإنتاج في شكل القرارات الدستورية[15] ”.

و بموجب الدستور الجديد 2011، سيتم التنصيص صراحة في الفصل 129 منه على إحداث ” محكمة دستورية ” تمارس الاختصاص المسند إليها بفصول الدستور و بأحكام القوانين التنظيمية. حيث أضاف الدستور الجديد اختصاصا إلى المحكمة الدستورية لم يكن مألوفا في الدساتير السابقة أو في القوانين العادية، و يتعلق الأمر بالاختصاص المتعلق بالنظر في كل ” دفع يعلق بعدم دستورية قانون أثير أثناء نزاع….[16]، و هذا النوع من الرقابة يعرف” بالرقابة عن طريق الدفع أو رقابة الامتناع “.

اليوم مع دستور جديد، يمكن القول إن متغيرات كبرى باتت تحيط بإشكالية التأويل، فمن جهة تقدم دستور 2011 على مستوى التفصيل و التدقيق في كثير من المقتضيات، و من جهة أخرى تحمل هذه الوثيقة إقرارا واضحا و قويا بمسألة سمو الدستور و خضوع باقي المؤسسات لأحكامه، زيادة  على ترقية المجلس الدستوري إلى محكمة دستورية[17].

هذا التغيير في طبيعة المراقبة الدستورية، كما مارسها المجلس الدستوري من قبل، ستجعل من المحكمة الدستورية مراقبا فعليا لقرارات محاكم الموضوع، مما سيؤدي إلى تحويل هذه الآلية من طريق لفحص مدى مطابقة القانون للدستور إلى صيغة للطعن القضائي في قرارات الاجتهاد القضائي لمحاكم القضاء العادي. ثلاث ملامح كبرى  تعكس تأثير مسألة الدفع بعدم الدستورية على هوية المجلس الدستوري:

  • الأولى، تتجلى في كون هذا التحول، من جهة، غير من مفهوم الدستور نفسه حيث لم يعد فضاء لتأطير إشكالات الدولة والسلطة، فقط، بل أيضا وثيقة أساسية لتحديد علاقات الدولة و المجتمع، القائمة على ضمان و حماية الحريات بعدما أدى تقليديا وظيفة ” الكابح لتسلطية السلط ”، و  بالتالي،  هيأ الطريق للانتقال من الدستور السياسي إلى الدستور الاجتماعي بالتأسيس لمجال عمومي للمواطنة خارج وصاية الدولة. و من جهة أخرى، أصبح الدستور من الآن فصاعدا ” وسيلة للمتقاضي ” للدفاع عن حقوقه ضد تعسف القانون.
  • الثانية، في انتقاله من الرقابة السياسية القبلية إلى الرقابة القضائية البعدية، بمعنى انتقاله من حوار المؤسسات إلى حوار القضاة، و هو ملمح يعيد النظر بشكل كبير في موقع المجلس الدستوري و مكانته داخل الهندسة الدستورية العامة.
  • الثالثة، إن التحول إلى المحكمة الدستورية يفرض مسطرة قضائية جديدة ، فاستعارة الدعوى الدستورية لإجراءات الدعوى العادية : احترام قواعد الأجل المعقول و مسطرة التواجهية و حقوق الدفاع و علنية الجلسات و تجرد القضاة….كلها ضوابط لا تتلاءم مع تجربة ” المجلس الدستوري ” السابقة، و تفرض وجود مؤسسة قضائية مستقلة في شكل المحكمة الدستورية.

الفقرة الأولى: من ” ثقافة القانون ” إلى ” ثقافة الدستور”

إن الدستور” كحكم أسمى و كبيت مشترك يعلن عن الحقوق و الحريات التي اجتمع حولها الشعب[18]”، لم يتم اعتباره سوى ” نص ثانوي[19]” في مرحلة ما قبل دستور 2011، و ذلك بعدم إمكانية الرجوع إليه بعد صدور القانون لحيز التنفيذ.

إن تاريخ الثقافة القانونية و الدستورية المغربية قد أسس على تقديس القانون، و الذي اعتبر، و لمدة طويلة عملا غير قابل للمراجعة شأنه في ذلك شأن النموذج الفرنسي قبل مراجعة 2008. في هذا السياق، هدف التوسع الجديد بالأساس إلى إرجاع قيمة و مفهوم السمو الدستوري و ذلك من خلال إمكانية المراجعة القضائية للقوانين بعد إصدارها و دخولها حيز التنفيذ،  و من جهة أخرى عمل على جعل ”المحكمة الدستورية” فاعلا مباشرا لحماية حقوق الإنسان و بالتالي، تكريس السمو الدستوري، و ذلك من خلال فتح باب ولوج المتقاضين للمحكمة الدستورية.

الفقرة الثانية: من ” الدستور السياسي ” إلى ” الدستور الاجتماعي”

اليوم، أصبح الدستور ” المتعاقد على مضامينه[20] ”، نتاجا ل”عقد يتم التوافق بموجبه على صك قواعد ممارسة السلطة  بين مكونات المجتمع السياسي و بين الدولة و المواطن[21]“.  حيث مكن المجتمع المدني المغربي من ممارسة حقه في التشريع، وذلك بتقديم الملتمسات التشريعية[22]، و نصه على إحداث هيئات التشاور[23] قصد إشراك مختلف الفاعلين في إعداد السياسات العمومية، كما أعطى للمواطن الحق في تقديم العرائض[24]، بل مكن حتى المغاربة المقيمين في الخارج الحق في المشاركة المؤسسات الاستشارية و هيئات الحكامة الجيدة[25].

ويبقى أهم ” حق دستوري ” كرسه الدستور الجديد،  إعطاء الفرد الحق في الدفع بعدم دستورية القوانين والمراسيم[26] ، و بالتالي أصبحت إرادة الضبط بواسطة دستور 2011 تتجاوز لعبة “المؤسسات الدستورية” وتطال “السياسات الحقوقية [27]،” و تقويتها و تعديل العلاقة بين الأغلبية و المعارضة، عبر منح هذه الأخيرة حقوقا و آليات جديدة للعمل و المراقبة[28] . مما ينمي ضرورة تحول الدستور إلى كتاب يومي مواطني[29]“.

و من هنا فان الإقرار الدستوري للحريات و الحقوق بالنص عليها في صلب الوثيقة الدستورية، يجعل منها تتمتع ليس فقط “بالصفة الدستورية” بل “بالحماية الدستورية”، بحيث إذا اعتدى المشرع على هذه الحقوق و الحريات_ بأن انتقص منها أو أهدرها من خلال تشريعاته التي يصدرها أو أساء استخدامها فان هذه التشريعات تكوون عرضة للحكم عليها بعدم الدستورية و إذا كان الأمر كذلك فان أثر “الرقابة الدستورية” تمثل الارتكاز الأساسي في حماية هذه الحقوق و الحريات

الفقرة الثالثة: الدستور ” وسيلة للمتقاضي ”  Un Moyen pour le justiciable

إن توسيع ” الحقوق المضمونة les droits garanties ” دستوريا، يمثل فرصة إستراتيجية، لتحديد الأهداف و المبادئ ذات القيمة الدستورية و التي ستشكل من خلال الدينامية الخلاقة للاجتهاد القضائي الدستوري المنتظر من المحكمة الدستورية،  موجهات للإنتاج التشريعي لاحترام حقوق و حريات المواطن.

اليوم، و بعد اعتماد آلية للرقابة القضائية اللاحقة، أصبح الدستور ” وسيلة للمتقاضي ” للدفاع عن حقوقه ضد القانون. و يستتبع أن منح مؤسسات المجتمع المدني، حق مراجعة القضاء الدستوري، من خلال المواطن نفسه، أو الجمعيات والهيئات النقابية والمهنية، يأتي في سياق استعادة الوظيفة المجتمعية للدستور[30].  و هكذا فقد أصبح  لجوء المواطنين بطريقة الإدعاء أو الدفع إلى القضاء الدستوري مُعترف به  في غالبية البلدان، وحتى في أكثر الدول العربية[31]. إن الدستور المغربي النافذ حاليا،  سيصبح من الآن فصاعدا شأنا للمواطنين، بحكم أنهم يستعملونه سلاحا للدفاع ضد تعسفات السلطة و خصوصا تعسفات السلطة السياسية [32].

هذا التوسُّع في وصول المواطنين عن طريق ” آلية الدفع ” إلى القضاء الدستوري، يهدف بالأساس إلى تحديد ملامح ديمقراطية  دستورية مواطنة[33]، و جعل  المحكمة الدستورية فاعلاً مباشرا في حماية حقوق الإنسان وتكريس سمو الدستور وتنقية التشريعات من عناصر دخيلة لا دستورية[34] ، وكذا طرد العناصر الغير الدستورية من خلال دينامية محركها الأفراد[35].

إن هذا التغيير سيمس بالأساس مهنة ” القاضي الدستوري”  الذي كان يطلب منه فقط إلى حدود الدسترة الجديدة ” تطبيق القانون[36] ”، حيث سيصبح على القاضي من الآن فصاعدا  إصدار أحكام تتعلق بالدستورية، فالقضاة عليهم التصريح بمدى وجود شك جدي حول دستورية هذا القانون أو ذاك، و للقدرة على التصريح بذلك، يجب على القضاة أن يقوموا بمعالجة، و إن كانت سريعة، لدستورية القانون، و هو ما كان ممنوعا إلى حدود دستور 2011.

 

المبحث الثاني: أثر الانتقال من ”الرقابة السياسية القبلية” إلى ”الرقابة القضائية البعدية”

إذا كان الدستور الجديد قد أخذ بنظام الرقابة السابقة على إصدار القوانين، فإنه جمع بينها وبين أسلوب الرقابة اللاحقة، حيث أشار إلى ذلك في الفقرتين الثانية والثالثة من الفصل 132. كما وسع من أسلوب الرقابة القضائية ليحقق التوازن بينها وبين نظيرتها السياسية، حيث أنزل المحكمة الدستورية منزلة جديدة ( الفقرة الاولى) و جعل من المنازعة الدستورية وجها قانونيا جديدا ( الفقرة الثانية )، و أفرض هذا التغيير وجوب مسطرة جديدة ( الفقرة الثالثة ).

الفقرة الأولى: المحكمة الدستورية هيئة قضائية مستقلة

إن  مؤدى اعتبار المحكمة  الدستورية ” هيئة قضائية مستقلة ” بذاتها، يعني أنها لا تعتبر جزءا من التنظيم القضائي. و أن إصباغ وصف الهيئة القضائية عليها يعني أنها تخضع لما يخضع له التنظيم القضائي من مبادئ عامة، و يكون لها ضمانة الحيدة و الاستقلال و حرية الدفاع، و حصول الإجراءات في مواجهة الخصوم، و تسبيب الأحكام حتى تكون هذه الرقابة فعالة مؤكدة احترام الدستور و صون الحقوق و استقرار الحريات[37].

و جاء التأسيس الدستوري الجديد للمحكمة الدستورية ليكرس للانتقال بالشرعية الدستورية  من وضعها النظري- النص الدستوري- إلى مجال التطبيق العملي، الذي يفترض أن  يظهر من خلال  أهمية أحكام المحكمة الدستورية في الكشف عن حقيقة النصوص الدستورية في إطار تطبيق يساير التطور، ولا ينعزل عن البيئة، و هذا التطور سيجل من الطبيعي أن تكون للمحكمة الدستورية دور إنشائي تتجاوز به حدود التطبيق الحرفي عن طريق تفسير الدستور بمناسبة ما يرفع لها من طعون تستهدف الحكم بعدم الدستورية.

فمن الضروري إذن أن تعامل الوثيقة الدستورية بوصفها تعبيرا عن آمال متجددة، ويكون تطويعها بما يكفل حيويتها و مرونتها حتى تستوعب حقائق العصر كي تظل الوثيقة الدستورية صامدة عبر الأجيال.

و استنادا إلى ذلك حدد المشرع الدستوري المغربي طرقا معينة لتحريك الدعوى الدستورية على سبيل الحصر، فاستبعد منها ” الدعوى الأصلية ” و ” الطلبات الغارضة ” و الإحالة من طرف محكمة الموضوع طبقا للفصل 133 من الدستور الجديد حيث اقتصر فقط على آلية الدفع الفرعي.

و باستبعاد الدعوى الأصلية يكون المشرع قد اشترط المصلحة في الدعوى الدستورية و ما أكده القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية. و الرقابة التي تباشرها المحكمة لا شأن لها بالتناقض بين نصين قانونيين سواء جمعهما قانون واحد أم تفرقا في قانونين مختلفين أم واقعا بين تشريعين من مرتبتين مختلفتين.

و لهذا فان محل الرقابة تنحصر في القانون بمعناه الموضوعي الأعم، محددا على ضوء النصوص التشريعية التي تتولد عنها مراكز قانونية عامة. سواء وردت في تشريعات أصلية أم فرعية.

وتعتبر مبادئ الشريعة الإسلامية معيارا للقياس في مجال الشرعية الدستورية فلا يجوز لنص تشريعي أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية الدلالة.

كما ترتبط بهذه الموضوعات ضمانات المتهمين في التحقيق و المحاكمة، و حق التقاضي، و حرية التنقل، و حرمة المراسلات، ثم حكم المحكمة من حيث عدم قابليته للطعن و تفسيره.

و في إطار موضوعات القضاء الدستوري يتعين مراعاة بعض المبادئ العامة، إذ يجب عدم الخوض في المسألة الدستورية إلا إذا كان لازما و ضروريا للفصل في الخصومة الأصلية، مع مراعاة قرينة الدستورية لمصلحة التشريعات بقصد تفادي إثارة المشكلة الدستورية، هذا مع استبعاد البواعث و ملائمات التشريع من نطاق الرقابة. و كذلك أعمال السيادة.

الفقرة الثانية: المنازعة الدستورية: وجها قانونيا جديدا

و إذا كانت الرقابة السابقة للدستورية تدمج في إجراءات إعداد الدستور، فان الرقابة القضائية اللاحقة تدمج في إطار منازعة قضائية عامة[38]. و  تعكس المنازعة الدستورية ” وضعا قانونيا ”  un moyen de droit   جديدا حيث أن الدعوى أمام المحكمة الدستورية تبقى مجردة ومعزولة عن النزاع الأصلي الذي يحكمها[39]، فالقاضي الدستوري لا يعتبر في هذه المسألة ” قاضي النزاع ” و إنما فقط قاضي مطابقة المقتضى التشريعي مع الدستور فلا يحق له البث في موضوع النزاع المحال عليه[40].

و بذلك صارت المنازعة الدستورية ” وجها قانونيا[41]” يعبر عن شكل المنازعة في مدى دستورية نص تشريعي بسبب مخالفة مقتضى قانوني لأحدى الحقوق أو الحريات المكفولة في الدستور. و هذا التغيير في الوضع له أثر هام من حيث ” إخضاع المنازعة الدستورية لمقتضيات قواعد المحاكمة العادلة[42] ” و الوصول، بالتالي، إلى التحول القضائي للمجلس الدستوري.

إن مثل هذه المتغيرات التي أحدثتها المراجعة الدستورية الأخيرة، على مستويات طبيعة المنازعة، جعلت الحدود غير قائمة بين العمل القضائي العادي و العمل القضائي الدستوري، حيث يمكن الحديث، وانطلاقا من دلك، عن منازعة دستورية ، بوجود نزاع مرتبط بالنزاع في الموضوع، و مسطرة قضائية تضمن مصالح الأفراد، و قرارات المحكمة الدستورية التي تضع من خلال سلطة حجية الشيء المقضي به حدا للنزاع [43] ”.

وفي هذا الإطار، ستعمل المحكمة الدستورية عبر اجتهاداتها المنتظرة، بخصوص آلية الدفع بعدم الدستورية على توضيح المقتضيات المنظمة للمسألة، و الإجابة ضمنيا على مجموعة من التساؤلات الفقهية التي واكبت التعليقات على القانون التنظيمي.  كما أنه من المفترض أن تسعى هذه الاجتهادات المنتظرة من رسم الحدود بين المحكمة الدستورية ك” مؤسسة قضائية مستقلة ” مع كل من ” قاضي الموضوع ” و ” عمل السلطة التشريعية ”، و التوجه، بالتالي،  نحو اعتماد منهجية قضائية  ترمي بالأساس إلى المحافظة على الأمن القانوني من خلال اختيار نموذج ” رقابة الامتناع ” مقابل ” رقابة الإلغاء ”.

كما ستعمل المحكمة الدستورية من خلال قراراتها المنتظرة و المتعلقة ب” الامتناع ” عن تطبيق المقتضى التشريعي المخالف لضمانات حقوقية دستورية، على رسم حدود لعملها المقتصر على فعل الرقابة، و عدم امتداده للتشريع الذي يبقى من صلاحيات البرلمان، و معبرا عن كون المحكمة الدستورية لا تتوفر على سلطة عامة في التقدير مشابهة لتلك التي تعود إلى البرلمان[44].

و بالرجوع إلى النموذج الفرنسي نجد تفضيلا ته للاستقرار و الأمن القانونيين، جعلته يستعير من المراقبة القبلية ثلاث مناهج للعمل أساسية[45] و هي:

  • منهج التحقق من وجود مصلحة عامة في عمل المشرع

اعتبر المجلس الدستوري الفرنسي في كثير من ” قراراته[46] ” الخاصة ب ” المسألة الدستورية ذات الأولية ” مقابل آلية ” الدفع بعدم الدستورية ” في النموذج المغربي، أن خرق الحقوق و الحريات من قبل المشرع لا يشكل خرقا دستوريا، ما دامت هناك مصلحة عامة رام المشرع تحقيقها أو وضعها كغاية للقانون. لذا فان المجلس الدستوري الفرنسي في مراقبته لمدى احترام الحقوق و الحريات المضمونة دستوريا، عمل على التأكد من حقيقة هذه المصلحة، و من كفايتها، قياسا بالخرق الذي يتسبب فيه القانون المعني للحقوق و الحريات المضمونة دستوريا[47].

  • منهج المراقبة الكلية

هذا الاختيار المنهجي يطرح العديد من الأسئلة من قبيل: هل المراقبة البعدية تقتصر على البت في مدى دستورية القانون، على ضوء الفصول الدستورية المثارة في عريضة الطعن، أم تمتد إلى مراقبة دستورية شاملة و كلية تستحضر مجموع أحكام الدستور؟

في هذا السياق، عمل المجلس الدستوري الفرنسي، بمناسبة بثه في ” المسألة ذات الأولية” إلى توظيف منهج ” المراقبة الكلية ” لدستورية المقتضى التشريعي المطعون فيه، و يعني ذلك فحص المقتضى التشريعي، موضوع المسألة، ليس من خلال المآخذ الدستورية التي قدمت من الأطراف، و لكن أيضا من خلال مجموع الحريات و الحقوق المضمونة دستوريا.

ويترجم هذا المنهج في النموذج الفرنسي في حيثية قارة، تظهر في كل قرارات رفض المسائل الدستورية ذات الأولية و وفق العبارات الآتية ” و حيث أن المقتضى التشريعي المطعون فيه ليس مخالفا لأي حق أو حرية مضمونة دستوريا[48] ”.

وبين مناصر لهذا الاختيار و معارض، يبقى مبدأ المفاضلة بين الاستقرار و الأمن القانون من جهة، و حق المتقاضين في إثارة، و بشكل دوري للمسالة الدستورية ذات الأولية من جهة أخرى، هي التي جعلت المجلس الدستوري يستقر في اجتهاداته على الالتزام بمنهج المراقبة الكلية.

  • منهج التحفظات التأويلية

هنا أيضا، يتم التساؤل عن المبرر وراء استعارة هذه التقنية و توظيفها في أنموذج الرقابة البعدية، و التي يكون فيها القانون قد دخل حيز النفاذ و أنتج آثاره و ربما لفترات طويلة، هنا سمحت تقنية ” التحفظات التأويلية ” في أنموذج وضع تأويل يشترط دستوريته،  بتجنيب جزء من القانون التصريح بعدم دستوريته، عبر وضع تأويل يشترط  دستوريته، و قد نقل المجلس الدستوري هذه التقنية من مجال المراقبة القبلية إلى فضاء المسالة الدستورية ذات الأولية، ابتداء من قراره عدد 2010-8 بتاريخ 18 يونيو 2010 الذي تضمن أول تحفظ تأويلي[49]، ليعيد المجلس الدستوري التأكيد على هذا الاختيار المنهجي في قرارات عديدة.

 

الفقرة الثالثة:مسطرة قضائية جديدة

إن اعتماد طريقة حق الأفراد في الدفع بعدم الدستورية يكرس لنوع من التشاركية بين المؤسسات الرسمية والأفراد في تكريس مقومات العدالة الدستورية، شريطة تبني مرونة إجرائية على مستوى ممارسة هذا الحق بما يحفز الأفراد على الانخراط الفعلي والإيجابي في تفعيل وأجرأته بالشكل الجيد.

وعلى الرغم من هذا التطور فالمشرع الدستوري المغربي بحاجة أكثر إلى التكيف مع كل المستجدات القائمة في الرقابة على دستورية القوانين، بما يضمن فتح المجال أكثر للأفراد في الدفع بعدم الدستورية، من خلال تنويع تقنيات الدفع المعمول بها في التنظيمات المقارنة مع إمكانية منح القضاء العادي الحق في فحص دستورية القوانين وأيضا منح الأفراد الحق في الدفع المباشر أمام المحكمة  الدستورية ما دام التوجه الحديث في القضاء الدستوري يسير في هذا الاتجاه التطويري لضمان نجاعة أكثر ولجعل الرقابة على دستورية القوانين في صميم حماية الحقوق والحريات.

وعلى أساس ذلك فإن تفعيل حق الدفع يجب أن يخضع لمنظومة اشتراطيه إجرائية مرنة بالشكل الذي يمكن الأفراد من تكريس هذا الحق تحت فروض ممارسته بشكل عقلاني ورشيد وبمنأى عن أي تعسف، ولعل الاستفادة من التجارب الرائدة في هذا المجال خصوصا التجربة الأمريكية و التجربة الفرنسية الحديثة سيكون له النفع الوفير على التجربة المغربية المستحدثة بفعل دستور 2011، وبالتالي السير وجوبا نحو الانفتاح أكثر على أنواع الرقابة اللاحقة على دستورية القوانين التي تؤدي إلى السير وجوبا نحو الانفتاح أكثر على أنواع الرقابة اللاحقة على دستورية القوانين التي تؤدي إلى تبيئة جيدة لمقومات العدالة الدستورية الحقة، لأن القصد النبيل في الوقت الراهن هو التفكير في جعل العدالة الدستورية في خدمة المواطن والعكس صحيح أيضا.

إن امتداد عمل المجلس السابق إلى المحكمة الدستورية من خلال الآلية القضائية الجديدة، وانتقاله من مراقبة القانون – المضمون- إلى تأويله، أي مراقبة الأنموذجات التطبيقية الممارسة من قبل القاضي العادي، ستعمد إلى طرح التساؤل حول طبيعة الرابط المسطري الجديد المنشأ بين المحكمة الدستورية و محاكم القضاء العادي.

و بالتالي، فان الانتقال من ”المجلس” إلى ”المحكمة”، يفرض التأسيس ل” مسطرة قضائية ” جديدة، و ذلك من خلال استعارة الدعوى الدستورية لإجراءات الدعوى العادية من قبيل احترام الأجل المعقول و مسطرة التواجهية و حقوق الدفاع و علنية الجلسات و تجرد القضاة،……كلها ضوابط قضائية لا تتلاءم مع تعبير ” المجلس ” السابق.

 

خاتمة

إن هذه  محدودية على رقابة المجلس الدستوري والانتقادات الموجهة إلى القضاء الدستوري المغربي، دفعت المشرع الدستوري إلى النص على مجموعة من التعديلات في دستور 2011، بهدف تجاوز هذه الثغرات وتدعيم دولة القانون في النموذج المغربي، وذلك من خلال النص على إحداث محكمة دستورية، وتغيير تكوينها وتوسيع اختصاصاتها (الباب الثامن من الدستور).

وعليه، فإن وجود المحكمة الدستورية في الدستور المغربي السادس النافذ حاليا، وإناطة مهمة الرقابة القضائية عن طريق الدفع-رقابة الامتناع- على دستورية القوانين بها- أي إنشاء قضاء دستوري متخصص في المغرب-، يعد تطورا دستوريا وديمقراطيا مهما، ولذا فإنه يلزم الحفاظ على هذه المحكمة وعلى اختصاصاتها، والعمل على تنفيذ أحكامها- ولاسيما أحكامها بعدم الدستورية- في مواجهة السلطات العامة في الدولة والكافة من الأشخاص الطبيعية والاعتبارية إعلاء للشرعية الدستورية وضمان لحقوق الأفراد وحرياتهم.

فاختصاصات هذه المحكمة تجعل منها أحد الضوابط والتوازنات التنظيمية المهمة التي تحول دون اعتداء السلطات العامة على الدستور، وترفع ذلك الاعتداء بما تملكه من حق بالامتناع عن تطبيق النص المخالف للدستور، لذلك تعد هي بحق دعامة أساسية من دعائم مشروع  دولة القانون في المغرب.

لائحة المراجع

 

  • جورجي شقيق ساري، اختصاص المحكمة العليا الدستورية بالتفسير( النطاق- الشروط- الأثر)، دراسة تحليلية للنصوص و أحكام القضاء و آراء الفقهاء، دار النهضة العربية، القاهرة، 1995
  • حسن طارق، ” القضاء الدستوري و رهانات المرحلة التأسيسية ( تأملات سريعة في عينة من القرارات المجلس الدستوري )، المجلة المغربية للسياسات العمومية، طبع هذا العدد بمساهمة من وزارة الثقافة، العدد 12، صيف2014
  • عبد الرحيم المنار السليمي،” مناهج عمل القاضي الدستوري: دراسة سوسيو قضائية”، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية، سلسلة ” مؤلفات و أعمال جامعية” عدد 65، الطبعة الأولى، 2006
  • عبد العلي حامي الدين، ” سؤال الانتقال الديمقراطية بالمغرب المعوقات الدستورية للانتقال الديمقراطي “، مجلة وجهة نظر، العدد 23، خريف 2004
  • عبد الكبير يحيا: “تقسيم التراب و السياسة الجهوية بالمغرب: نحو اعتماد جهوية سياسية”، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية، سلسلة مؤلفات و أعمال جامعية، الطبعة الأولى، 2010
  • محمد أتريكن، ” دعوى الدفع بعدم الدستوري في التجربة الفرنسية: الإطار القانوني و الممارسة القضائية”، مطبعة النجاح-الجديدة، الطبعة الأولى 2013
  • محمد أتريكن، “الدستور ة الدستورانية: من دساتير فصل السلط إلى دساتير صك الحقوق” ك سلسلة الدراسات الدستورية(1)، الطبعة الأولى ، مطبعة النجاح الجديدة- الدار البيضاء ،2007.
  • مصطفى بن شريف، ” الرقابة على دستورية القوانين في المغرب، : الرقابة السياسية و الرقابة القضائية”، المجلة المغربية للسياسات العمومية”، ” دستور 2011 النص و السياق”، العدد 8، صيف 2012
  • مصطفى قلوش، ” النظام الدستوري المغربي: الجزء الأول: المؤسسة الملكية. بابل للطباعة و النشر و التوزيع، الرباط، 1996-1997،
  • نور الدين أحشاش،” الرقابة على دستورية القوانين في المغرب: دراسة مقارنة ”، بحث لنيل دبلوم الدكتوراه، 2000- 2001،

 

 Modern Frank, «  la déclaration de  conformité sous réserve » ; in le conseil constitutionnel et les parties politiques ; collection droit public positif ; dirigé par louis Favreau ; éd. éconnomica 1988 .

Adil Moussebbih,  « la justice constitutionnelle au Maroc : Evolution et perspective » , in : revue marocaine des sciences politiques et sociales, N° 3, V : 5, Edit : Top press-Rabat, Juin 2012,

Berramdanne ( Ab), «  Considérations sur le conseil constitutionnel marocain» ; A.I.J.C XII 1996.-

Nadia Bernoussi : les cours constitutionnelles au Maghreb. Revue Maghrébine de Droit N° 4.

Nadia Bernoussi, «  la justice constitutionnelle au Maroc » ; R.F.D.C. ….N°19, 1994 

 

[1] د. عبد الرحيم المنار السليمي،” مناهج عمل القاضي الدستوري: دراسة سوسيو قضائية”، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية، سلسلة ” مؤلفات و أعمال جامعية” عدد 65، الطبعة الأولى، 2006، ص:435.

[2] ”….. حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا…”. انظر ديباجة الوثيقتين الدستوريتين، 1992، 1996.

[3] أعطى دستور 1992 الحق ل ” لرئيس مجلس النواب و ربع أعضاء المجلس الحق في طلب التحقق من مطابقة القوانين للدستور” كما أن الطعن في دستورية القوانين العادية أصبحت كذلك من حق ربع أعضاء مجلس المستشارين، نظرا لأخذ المغرب بنظام الغرفتين في دستور 1996.

[4] د. عبد الرحيم المنار السليمي، مرجع سابق، ص: 393.

[5] ففي النموذج الاسباني، مثلا، لم تنتظر كثيرا مؤسسة القضاء الدستوري  لتظهر و تبرز على الساحة السياسية و القضائية في البلاد. فمنذ بداية تأسيسها مع دستور1978 تبنت المحكمة الدستورية مواضيع جد حساسة و مصيرية في آن واحد.

و هكذا لم يكن للتجربة الاسبانية في مجال ”الحكم الذاتي” أن يكتب لها النجاح دون التدخل الحاسم للمحكمة الدستورية. فبفضل اجتهادها القضائي الموفق- الذي انطلق في فبراير1981-بداية صدور أول أحكامها- استطاعت المحكمة في إبراز دولة المجموعات المستقلة حيث نجحت في تبسيط الجزء الثامن – من الفصل 137 إلى الفصل 158. من الدستور الذي جاء بكثير من التعقيدات و بصعوبات تقنية جامة.

ويبقى حكمها – حكم المحكمة الدستورية الاسبانية  STC76 – لسنة 1983 هو الأبرز معلنا عدم دستورية القانون التنظيمي لتطابق مسار الجهوي LOAPA في كثير من فقراته، حيث توخت الحكومة المركزية من خلال وضع هذا القانون إدخال مجموعة من إجراءات الضبط و آليات الرقابة على المجموعات المستقلة.

فالمحكمة الدستورية في قرارها أقرت بالطابع الدستوري للجهوية السياسية حيث عملت على بناء تصور جديد لدولة المجموعات المستقلة كدولة عادية. إن النتيجة التي جاء بها الحكم التاريخي هو تأكيده لتغيير بنيوي للدولة، والذي سيتم استكمال بناءه منتصف 1983 بالمصادقة على جميع الأنظمة الأساسية لجميع المجموعات المستقلة. راجع:  د. عبد الكبير يحيا: “تقسيم التراب و السياسة الجهوية بالمغرب: نحو اعتماد جهوية سياسية”، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية، سلسلة مؤلفات و أعمال جامعية، الطبعة الأولى، 2010، ص: 383  – 386.

أما النموذج الفرنسي، فكان على مؤسسة القضاء الدستوري انتظار سبعينيات القرن الماضي لكي يرسم المجلس الدستوري الفرنسي قطيعة مع المرحلة الأولى المتسمة بالاحتياط و عدم القدرة على خلق مسافة عن السلطة التنفيذية.

هذا التحول يقرأ، من جهة، من خلال قرار المجلس الدستوري الفرنسي ل “16 يوليوز1971 ” الخاص بالحق في تأسيس الجمعيات، حيث ستلغي المحكمة الإدارية بباريس رفض والي امن المدينة منح مؤسسي جمعية ،“les amies de la cause du peuple  الوصل القانوني طبقا للقانون01 يوليوز 1901 الخاص بالجمعيات و الذي يمنع عن السلطات الإدارية التقدير القبلي لوضع الجمعيات و شرعية أنظمتها، و الحكومة بعد ذلك ستجعل البرلمان يتبنى في 27 يونيو 1971 قانونا معدلا لقانون 1901 و الذي بمقتضاه سيتم إرساء مراقبة قبلية للجمعيات من طرف السلطة القضائية وقد تم تبني هذا القانون بالرغم من معارضة مجلس الشيوخ، مما جعل رئيس المجلس Alain Pohn يلجأ إلى المجلس الدستوري، هذا الأخير اعتبر في قراره ل 16 يوليوز 1971 ” أن المقتضيات التي تنصص على مراقبة قبلية لتأسيس الجمعيات هي مخالفة للدستور الذي بنص على حرية تأسيس الجمعيات وعدم إخضاعها لأي تدخل قبلي سواء من طرف السلطة  الإدارية أو السلطة القضائية.

ومن جهة أخرى، من خلال التعديل الدستوري لسنة 1974 الموسع لحق الإحالة. فابتداء من هذا التاريخ حصلت نقلة نوعية في مسار المجلس الدستوري الفرنسي و تحولا مهما في” موضوع المراقبة” حيث كان المجلس يراقب فقط المشروعية الخارجية للقانون، بمعنى مدى احترام المسطرة التشريعية، توزيع الاختصاص بين البرلمان والحكومة، و لكن ابتداء من سنة 1971 بدأ المجلس يهتم ب” المراقبة الداخلية” أي تلك المراقبة الموجهة لجوهر و لمضمون القانون نفسه. أنظر: محمد أتريكن، “الدستور ة الدستورانية: من دساتير فصل السلط إلى دساتير صك الحقوق” ك سلسلة الدراسات الدستورية(1)، الطبعة الأولى ، مطبعة النجاح الجديدة- الدار البيضاء ، ص: 104، أنظر أيضا: محمد ألرضواني، ” مدخل للقانون الدستوري”، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط،  الطبعة الأولى، 2013،  ، ص: 99.

[6] د. عبد الرحيم المنار السليمي، ” مناهج عمل القاضي الدستوري: مرجع سابق، ص:  433.

[7] ” …يتعلق الأمر هنا بوجود فاعلين دستورين يمارسون الرقابة الدستورية و السياسية فوق جميع المؤسسات ، و هو وضع يحول القاضي الدستوري إلى فاعل ثانوي، يحدد من سقف حمايته للدستور، بشكل يجعل الغاية من وجوده استشارية أو افتاءية  أكثر منها قضائية…”.

أنظر د. عبد الرحيم المنار السليمي، ” مناهج عمل القاضي الدستوري: دراسة سوسيو قضائية”، مرجع سابق، ص: 393.

[8] بجدر الإشارة في البداية على انه باستثناء المحكمة الدستورية الألمانية ، فانه لم يسبق لأي مجلس أو محكمة دستورية أن قام بوضع لائحة للمناهج التأويلية التي يطبقها أو أعلن عن ذلك،. و في النموذج المغربي و بقراءة لقراراته يتبين أن القاضي الدستوري المغربي يشتغل في مجال المراقبة بثلاث مناهج في التأويل: اثنين منهما خاصين بالتجربة القضائية  المغربية :

  • منهج عدم المناقضة و الاستنتاج بمفهوم المخالفة: هو منهج يمكن القاضي الدستوري المغربي من التصريح بعدم دستورية كل ما لم يكن مباحا بصريح الوثيقة الدستورية، و التقاء هاتين التقنيتين يمنح للقاضي الدستوري سلطة التصريح بعدم دستورية غير المكتوب و لو سكت النص الدستوري.
  • منهج عدم المطابقة: منهج يعطي للقاضي الدستوري سلطة تأويل واسعة في إثبات أو نفي العلاقة الدستورية لإجراءات و مقتضيات المنع التي تضعها السلطات الدستورية ( البرلمان و الحكومة).
  • منهج التحفظات التأويلية: يدخل هذا المنهج ضمن التقنيات المعمول بها من طرف المحاكم و المجالس الدستورية المقارنة. و التحفظات التأويلية تقنية شرعية غير منصوص عليها تمكن من فحص المضمون القاعدي لنص معين بطريقة مباشرة، و ذلك لجعله منسجما مع المقتضيات الدستورية ، و تترجم يذلك في شكل عمل قضائي، يستند على القول أن القواعد في معناها و دلالتها الدستورية ليست هي التي تظهر مجردة، و لكن في الكيفية التي تبدو بها مطبقة.

أنظر: جورجي شقيق ساري، اختصاص المحكمة العليا الدستورية بالتفسير( النطاق- الشروط- الأثر)، دراسة تحليلية للنصوص و أحكام القضاء و آراء الفقهاء، دار النهضة العربية، القاهرة، 1995، ص: 44-45. أنظر أيضا : د. عبد الرحيم المنار السليمي، ” مناهج عمل القاضي الدستوري: دراسة سوسيو قضائية”، مرجع سابق، ص: 434. أنظر أيضا :

Modern Frank, «  la déclaration de  conformité sous réserve » ; in le conseil constitutionnel et les parties politiques ; collection droit public positif ; dirigé par louis Favreau ; éd. éconnomica 1988 ; p : 94.

[9] ”إن الملك هو الذي يضع الدستور، و بالتالي فحمايته للدستور لا ينظر إليها بأنها اختصاصا من ضمن مجموعة اختصاصاته، بل هي تكليف وواجب وفق ما يفيده مضمون الفصل التاسع عشر-19- من الدستور، الذي يمنعه إضافة إلى دور التحكيم و المراقبة لباقي المؤسسات، الشيء الطي يعني أنه قاضي دستوري، ”

”و قد حضرت هذه الفكرة، في مداخلات الأغلبية البرلمانية أثناء مناقشة مشروع القانون التنظيمي للمجلس الدستوري، حيث أكدت العديد من التدخلات النيابية على أن الملك هو ” القانوني الأول” و ” المشرع الأول” و ” الحامي الأول” للدستور رغم جود جهاز مكلف بمراقبة دستورية القوانين”. أنظر

: Berramdanne ( Ab), «  Considérations sur le conseil constitutionnel marocain» ; A.I.J.C XII 1996, p : 36.

Nadia Bernoussi, «  la justice constitutionnelle au Maroc » ; R.F.D.C. ….N°19, 1994 ; p : 89.

[10] ” ….أجمعت جميع الدساتير المغربية من 1962 إلى 1996 على أن الأفراد ولا المنظمات ولا الأحزاب الطعن بعدم دستورية، و بالتالي، لا يمكنهم التقاضي أمام الغرفة الدستورية أو المجلس الدستوري و لا أمام المحاكم القضائية, كما أنها لم تخص أي جهة قضائية البث في دستورية قانون بمناسبة نظرها في النزاع المعروض عليها…”. أنظر: د. مصطفى بن شريف، ” الرقابة على دستورية القوانين في المغرب، : الرقابة السياسية و الرقابة القضائية”، المجلة المغربية للسياسات العمومية”، ” دستور 2011 النص و السياق”، العدد 8، صيف 2012، ص: 155.

[11] يرى الأستاذ مصطفى قلوش أن الفصل 19 يجسد المرتكز القانوني للصلاحيات المتعددة التي ” نصت عليها المقتضيات الدستورية بشكل صريح”. و الفصل 19 فوق ذالك يحفظ للملك، باعتباره أميرا للمؤمنين و ممثلا أسمى للأمة، ممارسة ” جميع الاختصاصات التي لم تسند صراحة للبرلمان و الحكومة” بل ” أن هذا الفصل يسمح للملك بالتدخل حتى بالنسبة لبعض المجالات التي ينعقد فيها الاختصاص للبرلمان و الحكومة، ما دامت تلك الأمور لها علاقة بالشؤون الدينية وبالمصلحة العامة لأفراد الرعية”. بموجب استعمال الفصل 19 يمكن ” استحضار المكانة المتميزة التي يتمتع بها الملك” و ذلك ” حينما يمارس اختصاصا ورد بشأنه نص دستوري”.

انظر: د. مصطفى قلوش، ” النظام الدستوري المغربي: الجزء الأول: المؤسسة الملكية. بابل للطباعة و النشر و التوزيع، الرباط، 1996-1997، ص: من 23 إلى 27.

[12] Nadia Bernoussi : les cours constitutionnelles au Maghreb. Revue Maghrébine de Droit N° 4. P : 83.

[13] د. نور الدين أحشاش،” الرقابة على دستورية القوانين في المغرب: دراسة مقارنة ”، بحث لنيل دبلوم الدكتوراه، 2000- 2001، ص: 109.

[14] “….انه نوع جديد من القضاء، ستفتحون به عهد هذا المجلس الدستوري، عهد جديد، لأنكم ستأخذون و تعطون عهدا جديدا، لأنه عليكم أن تخلقوا مدرسة قانونية مغربية في القانون العام و في القانون الدستوري على الخصوص، و عليكم في فتاواكم أن تكونوا بمثابة المدرسين الواضعين للوثائق، تلك الوثائق التي من خلالها سينبثق القانون الدستوري المغربي و التي ستصبح مما لا شك فيه كلبنة أساسية في بناء حضارتنا القانونية المكتوبة و المتعارف عليها…”.

أنظر،، كلمة الملك الراحل الحسن الثاني لدى استقباله أعضاء المجلس الدستوري، الرباط، 21 مارس 1994

[15] د. عبد الرحيم المنار السليمي، ” مناهج عمل القاضي الدستوري: دراسة سوسيو قضائية”، مرجع سابق، ص: 436.

[16] الفصل 133 من الدستور الجديد 2011

[17] د. حسن طارق، ” القضاء الدستوري و رهانات المرحلة التأسيسية ( تأملات سريعة في عينة من القرارات المجلس الدستوري )، المجلة المغربية للسياسات العمومية، طبع هذا العدد بمساهمة من وزارة الثقافة، العدد 12، صيف2014، ص: 8.

[18] Dominique Rousseau : la réforme de 2008, quel enjeux, quelle perspectives ?, In le justiciable et la protection de ses droits fondamentaux : la question prioritaire de constitutionnalité, actes du colloque organisé à Limoges le 26 Mars 2010 Pulim, textes réunis par Hélène palliât, Eric Négron, Laurent  Berthier p : 12.

[19] د. محمد أتريكن، ” دعوى الدفع بعدم الدستوري في التجربة الفرنسية، مرجع سابقا، ص: 118

[20] – عبد العلي حامي الدين، ” سؤال الانتقال الديمقراطية بالمغرب المعوقات الدستورية للانتقال الديمقراطي “، مجلة وجهة نظر، العدد 23، خريف 2004، ص.17.

[21] د. محمد أتريكن، “الدستور ة الدستورانية : مرجع سابق ص. 11

[22] الفصل 14 من دستور 2011

[23] الفصل 13 من دستور 2011

[24] الفصل 15 من دستور 2011

[25] الفصل 18 من دستور 2011

[26] الفصل 133 من دستور 2011

[27] Adil Moussebbih,  « la justice constitutionnelle au Maroc : Evolution et perspective » , in : revue marocaine des sciences politiques et sociales, N° 3, V : 5, Edit : Top press-Rabat, Juin 2012, p : 236.

[28] الفصل 10 من دستور 2011.

[29] مداخلة الأستاذ   Isaac Yankhoba NdiayeK  ، أثناء المؤتمر السادس “لجمعية المحاكم والمجالس الدستورية، بالتعاون مع المنظمة العالمية للفرانكفونية،  حول: ” العدالة في خدمة المواطن ”، مراكش، 4-6/7/2012

[30] أنطوان مسرة، ” المواطن و العدالة الدستورية ”، المجلس الدستوري، الكتاب السنوي، المجلد 6، 2012،  ص: 85.

[31] مداخلة الأستاذ Jean-Louis Debré  ، أثناء المؤتمر السادس “لجمعية المحاكم والمجالس الدستورية، بالتعاون مع المنظمة العالمية للفرانكفونية،  حول: ” العدالة في خدمة المواطن ”، مراكش، 4-6/7/2012.

[32] Dominique Rousseau ; ‘’ la réforme de 2008, quel enjeux, quelles perspectives ?; in le justiciable et la protection de ses droits fondamentaux : la question prioritaire de constitutionnalité, acte de colloque organisé à Limoges le 26 Mars 2010 Pulim ; textes réunis par Hélène Pauliat, Eric Négron ; Laurent Berthier p : 12.

[33] عبدا للطيف المنوفي،” العدالة في خدمة المواطن ” أثناء مداخلته في ، في المؤتمر السادس “لجمعية المحاكم والمجالس الدستورية، بالتعاون مع المنظمة العالمية للفرانكفونية،  مراكش، 4-6/7/2012

[34] مداخلة الأستاذ  Robert Dossou ، أثناء المؤتمر السادس “لجمعية المحاكم والمجالس الدستورية، بالتعاون مع المنظمة العالمية للفرانكفونية،  حول: ” العدالة في خدمة المواطن ”، مراكش، 4-6/7/2012.

[35] مداخلة الأستاذ  Jean du Bois de Godusson ، أثناء المؤتمر السادس “لجمعية المحاكم والمجالس الدستورية، بالتعاون مع المنظمة العالمية للفرانكفونية،  حول: ” العدالة في خدمة المواطن ”، مراكش، 4-6/7/2012.

[36]د. محمد أتريكن، ” دعوى الدفع بعدم الدستوري في التجربة الفرنسية الإطار القانوني و الممارسة القضائية”، مطبعة النجاح-الجديدة، الطبعة الأولى 2013 مرجع سابق، ص: 118.

[37] د.المستشار منير عبدا لمجيد: ” أصول الرقابة القضائية على دستورية القوانين و اللوائح ” مطبعة عصام جابر، الكتب القانونية، 2001، ص: 2-3-4.

[38] د. منصور محمد أحمد: ،” الرقابة اللاحقة على دستورية القوانين في فرنسا ”، دار النهضة العربية ، القاهرة، 2012، ص: 30.

[39] د. محمد أتريكن، ” دعوى الدفع بعدم الدستوري في التجربة الفرنسية، مرجع سابقا، ص: 111.

[40] أعاد المجلس الدستوري  الفرنسي التأكيد على هذا الاجتهاد بشكل مطرد في قراريه عدد 71-2010 بتاريخ 26 نوفمبر 2010 و 227-2012 بتاريخ 30 مارس 2012.

[41] د. منصور محمد أحمد: مرجع سابق، ص: 30.

[42] د. منصور محمد أحمد: مرجع سابق، ص:31

[43]   Dominique Rousseau; “ le procès constitutionnel” ; IN la Question prioritaire de constitutionnalité ; rev. Pouvoirs N 137 seuil 2010 pp 49-50.

[44] هذه القاعدة طبقها المجلس الدستوري الفرنسي، ليس فقط في مواجهة البرلمان الوطني، بل أيضا بخصوص برلمان كاليد ونيا الجديدة، بتصريحه بان ” المجلس الدستوري لا يتوفر على سلطة مماثلة لتلك التي يتوفر عليها برلمان كاليد ونيا الجديدة ”، Décision n 2011-208 QPC du 13 Janvier 2012 Consorts B. (Confiscation de marchandises saisies en douane)

[45] Anna Levade: l’étendu du control du conseil constitutionnel, In, la question prioritaire de constitutionnalité, sous la direction de Jean-Baptiste Perrier, préface Jean-Louis Debré, Puam 2011, p: 118.

[46] Décision n 2010-19/27 QPC du 30 Juillet 2010, Epoux P. et autres (perquisition fiscales).// Décision 2010-3 QPC du 28 mai 2010, Union des familles en Europe ( Association familiales).// Décision n 2010-1 QPC du 28 mai 2010, Consort L.( Cristallisation des pensions).// Décision n 2010-2 QPC du 11 Juin 2010, Mme Viviane L ( Loi dite ‘’ anti-perruche’’).// Décision n 2010-15/23 QPC du 23 Juillet 2010, Région Languedoc-Roussillon et autre ( Article 575 du code du procédure pénale ).// décision n 2010-290/291 QPC du 25 Janvier 2013, société Distrivit et autre ( Droit de consommation du Tabac dans les DOM)

[47] د. محمد أتريكن، ” دعوى الدفع بعدم الدستوري في التجربة الفرنسية، مرجع سابقا، ص: 112.

[48] Décision n2010-3 QPC du 28 mai 2010, union des familles en Europe (association des familles)

[49] Décision n 2010-8 du Juin 2010 Epoux L, (Faute inexcusable de l’employeur)