اللاتمـــركز، مدخل اساسي لتقوية الجهوية المتقدمة.

1,058

           اللاتمـــركز، مدخل اساسي لتقوية الجهوية المتقدمة.

 

                                                                      أجــلاب رشـــيد.[1]

                          مقدمــــــــة:

إن سلبية النظام المركزي في إدارة التنمية[2] على الصعيد المحلي، يتمثل في تمركز مصادر القرار بكل أشكاله بالعاصمة، مركز السلطة الحكومية، إلا أن المفهوم الحديث للتنمية،[3] يقوم على أساس توزيع عمودي للسلطات والاختصاصات التقريرية حتى تصبح الإدارة قريبة وواعية ومؤهلة لاتخاذ جميع الإجراءات والقرارات الآنية والمستقبلية في سبيل مسايرة عجلة التنمية. وإذا كانت السلطة العامة قد راهنت منذ الستينات على اللامركزية[4] كقاعدة لتنظيم وتدبير المستويين الحضري والقروي، فإنها ركزت على تدعيم اللاتمركز[5]على المستويين الإقليمي والجهوي.

في هذا الإطار، ستعمل السلطات العمومية على إصدار مجموعة من النصوص التشريعية والتنظيمية حول عدم التمركز الإداري؛ يمكن القول أن سنة 1993 ستشهد بداية ميلاد إطار قانوني عام لعدم التمركز بالمغرب، مرسوم 20 أكتوبر 1993 حول اللاتركيز[6]، باعتباره أداة قانونية فعالة تمكن من تسريع النشاط الإداري والرفع من مردوديته، كما يسمح للسلطة المحلية الممثلة للأجهزة المركزية باتخاذ القرارات المستعجلة التي تتطلبها الضرورات المحلية دون الرجوع إلى السلطة المركزية. إلى جانب ظهيري أكتوبر 1993 المعدلين بقانونين المتعلقين باختصاص العمال[7] وبتفويض توقيع الآمرين بالصرف العموميين[8]، كما تجسد هــذا التوجه من خلال تكريس البعد الاقتصادي للاتمركز، في الرسالة الملكية الموجهة إلى الوزير الأول بتاريخ 9 يناير 2002 حول التدبير اللامتمركز للاستثمار،[9] وبخصوص إعادة تنظيم البنيات الإدارية، تم إصدار المرسوم 05.1369.2 بتاريخ 2 دجنبر 2005،[10] بشأن تحديد قواعد تنظيم القطاعات الوزارية واعتماد مبدأ اللاتمركز الإداري كقاعدة في التنظيم الإداري، مع ما يفترضه ذلك من التصدي لمختلف العوائق التي تعترض اللاتمركز من أجل وضع تصور جديد لإدارة غير ممركزة، كـفــأة وفعالة، تستجيب لتطلعات السكان من جهة، ولـــرهانات التنـــمية من جهة ثانية.

إلا أن واقع اللاتمركز بالمغرب، يظهر وبجلاء مدى الاختلال الذي تعانيه الإدارة المغربية، حيث يسير هذا النمط من التدبير الإداري والاقتصادي ببطء شديد، لا يساير التحديات المطروحة على الجهاز الإداري ولا يستجيب لتطلعات المواطنين والفاعلين الاقتصاديين.

من هنا، كان اللاتمركز الواسع في سياق الجهوية المتقدمة، التي يمكن اعتبارها إطارا لامركزيا، يعكس في أحد جوانبه الرغبة في تطوير الممارسة الديموقراطية بالمغرب، إلا أن هذا الطموح سيظل قاصرا بدون مواكبته أيضا بسياسة لا ممركزة حقيقية، من اجل تجاوز سلبيات التدخل المركزي الصلب والضعيف في نتائجه[11]، ضمن إعادة الترتيب الترابي داخل الدولة، لإيجاد قنوات وأدوات جديدة للتنمية الترابية، لأن الجهة –في هذا المستوى- تقوم على عنصري الاستقلالية والفعالية، وهو معطى يجعلها بحاجة لإدارة تمثيلية، تكون معها الجهة مجالا أساسيا للسياسات العمومية الفعالة، ومدخلا محوريا من مداخل التنمية الترابية، محليا ووطنيا.

وعلى هذا الأساس، يمكن أن نشير إلى  الخطاب الملكي حول تعيين اللجنة الاستشارية للجهوية المتقدمة ليوم الأحد 03 يناير 2010،[12]الذي حدد الإطار العام للجهوية المقبلة في أربعة مبادئ مرجعية؛ الوحدة، والتضامن، والتوازن،[13]واللاتمركز الواسع على اعتبار أن المبدأ الرابع هو المحدد الأساسي لطبيعة الجهوية المقبلة، حيث ورد في الخطاب بأن الجهوية لن تستقيم بدون تفعيل اللاتمركز الواسع، في نطاق حكامة ترابية ناجعة، قائمة على التناسق والتفاعل، ولن يتأتى ذلك الا من خلال ضرورة تجاوز المنظور الكلاسيكي الذي يحكم دور اللاتمركز، والذي يجعله منغمسا في تلك الوظائف الإدارية الروتينية، والاعتماد على تصور أكثر ديناميكية يصبح بمقتضاه اللاتمركز فاعلا، ومحركا أساسيا لتنمية ترابية متوازنة؛ فالخطاب الملكي كان موجها هنا إلى مسؤولي الدولة المركزيين أي إلى الحكومة والمؤسسات التابعة لها، فهي التي عليها سن سياسات تتجاوز روتينيات العمل اللاممركز القديم وليس ممثلي الجهة.

وهذا ما يستدعي منا من خلال هذا المقال، البحث عن كل الظروف والإكراهات التي يواجهها هذا الأسلوب في تصوره الكلاسيكي، مع الأخذ بعين الاعتبار استشراف آفاقه كمبدأ اساسي لتقوية الجهوية المتقدمة، من خلال تبني تصور متقدم لنظام اللاتمركز-اللاتمركز الواسع- المبني على عدم  التضخم الإداري السلطوي غير المنتج، خاصة وأن الإدارة المغربية -بكل مكوناتها ومستوياتها- تترجم من خلال أدائها كل المظاهر السلبية للنمط البيروقراطي، من مركزية وبطء في الأداء وروتينية، وتواصل محدود القيمة، بالإضافة إلى منح أهمية قليلة لعاملي الوقت والتنافسية. الى جانب أن هذا النظام جاء ليجيب عن التداخل الحاصل في الاختصاصات بين المستويات المركزية والترابية، والتعقيد المترتب عن غياب الشفافية التي تطبع التسيير العمومي الترابي.

بناء على ذلك، يحاول هذا المقال كذلك، مقاربة السؤال التالي: كــــيف يمكن ترسيخ نظام اللاتمركز الواسع، كمدخل لتقوية الجهوية المتقدمة، باعتباره مبدئا أساسيا في تفعيل وتحقيق الحكامة والتنمية الترابيتين؟.

انطلاقا من هذا السؤال سيتم اعتماد محــورين أساسيين:

– المحور الأول: تجاوز المنظور الكلاسيكي لنظام اللاتمركز.

– المحور الثاني: تطوير اللاتمـــركز لتقوية الجــهوية المــتقدمة.

المحـــور الأول: تجاوز المنظور الكلاسيكي لنـــظــام اللاتـــمــركـــز.

رغم الجهود التي بذلت في مجال اللاتمركز الإداري، يمكن القول بأن منظومة اللاتمركز في تصورها الكلاسيكي، لم تستطيع تجاوز أنماط التدبير التقليدية ونزوعاتها الكلاسيكية المفرطة من مركزية القرارات وفي الانقياد لممارسات البيروقراطية، من خلال جملة من الأسباب المتداخلة، منها ما هو ذو طبيعة سياسية يتجلى في هيمنة مواضيع اللامركزية على مشاريع الإصلاح الإداري[14]، وكذا تحفظ المسؤولين عن الإدارات المركزية وما يتولد لديهم من شعور بالحرمان نتيجة الانتقاص من سلطاتهم بفعل إجراءات اللاتمركز، ومن جانبها تبدي المصالح غير الممركزة ترددا أمام إجراءات اللاتمركز التي يزيد من مسؤوليتها. ويمكن اختـــزال مظاهر ضعف نظام اللاتمركز في تصوره الكلاسيكي، في ضعف بنيته العامة، وكذلك في ضعف مكوناته.

أولا: ضعف البنـــية العامة للاتمــركز الإداري.

يكمن العائق الأكبر الذي يقف في وجه اللاتمركز الإداري في المركزية الشديدة التي تعاني منها الإدارة المغربية من حيث آليات اتخاذ القرار، حيث يلاحظ أن المصالح الإقليمية للوزارات لا تتوفر على الصلاحيات والوسائل اللازمة، إذ تحتاج الجماعات المحلية لممارسة اختصاصاتها بصفة ملاءمة، أن تجد في عين المكان مخاطبين في مصالح الدولة قادرين على اتخاذ القرار في ذلك المستوى.

لذلك فإن تــــــوسيع وتطـــــــوير نظام اللاتمركز ليس فقط وسيلة لتحــــسين فعالية إدارة الــــــدولة، بل هو شــــرط مسبق لإنجاح اللامــركزية. ومن هذه الـــزاوية نــــــؤكد أنه بالـــــرغم من المجــــهود المبــــذول على مستوى إحـــــداث شبكة واسعة من الإدارات التــــرابية ( اللاممركزة)، فلا زالت الإدارة المــــــركزية تركـــــز وتحتكر السلــــطات والاختصاصات والـــوسائل المادية والبشرية بشكـــل تتحول معه المنـــدوبيات والمصالح الخارجـــية إلى مجرد أدوات للتنـــفيذ الآلــي، وجمع المعطيات وضعف الهامــــش المتاح لها في اتخاذ القـــــرارات، لذلك فنــــظام اللاتمركز الإداري لم يستطيع أن يواكب نظام اللامركزية لأسباب قانونية، سياسية، تقنية ونفسية….[15]

  1. الــــعوائق القانونية.

تتمثل العوائق القانونية في كون مختلف الإصلاحات التي شهدتها اللامركزية الإدارية بالمغرب لم تواكــبها إصلاحات على مستوى اللاتمركز الإداري، وهكذا إذا كانت الجماعات المحلية –ومنذ الاستقلال- قد شهدت محطات هامة في تطورها السياسي والتمثيلي، فإن ذلك لم يوازيه نفس الاهتمام باللاتمركز الإداري.

ان عدم النهوض باللاتمركز الاداري بالموازاة مع التطور الذي عرفته اللامركزية، يعود بالأساس الى فشل مرسوم 20 اكتوبر 1993 ومرسوم 2 دجنبر 2005 في اقرار لاتركيز حقيقي والذي يعود في جانب كبير منه الى انهما اغفلا العنصر المتعلق بالعامل، وذلك على الرغم من النص القانوني المحوري الذي يتحدث عن العامل هو ظهير 15 فبراير1977، غير ان هذا النص ينبغي اعادة النظر فيه في خضم الحديث عن ميثاق اللاتمركز الاداري، بالغاء هذا الظهير، وتضمين المقتضيات المتعلقة بمركز العامل واختصاصاته ضمن ميثاق اللاتركيز الاداري، من اجل ايجاد مدونة قانونية واحدة تؤطره، عكس ما نجده على هذا المستوى-اللاتمركز- من نصوص قانونية مشتتة ومتناثرة ويغلب عليها طابع الارتجال.

امام هذه الهوة بين اللامركزية واللاتمركز، وانعكاساتها السلبية على تدبير الشأن العام، جاء خطاب جلالة الملك بالدار البيضاء يوم الثلاثاء 12 أكتوبر 1999 ليؤكد على هذا الخيار بقوله «إن اللامركزية لا يمكن أن تحقق الأهداف المتوخاة منها إلا إذا واكبها مسلسل عدم التركيز الذي يقضي بنقل الاختصاصات من الإدارة إلى مندوبيها المحليين»، [16] وبذلك يتم التأكيد على أن نجاح اللامركزية رهين بجودة اللاتمركز الإداري، فمن أجل لامركزية جيدة لابد من لاتمـــركز جيد.

  1. الـــعوائق السياسية.

تعتبر العمالات والأقاليم الإطار الذي يقوم عليه توزيع المصالح الخارجية للوزارات والإدارات المركزية والمؤسسات العمومية، وإذا علمنا أن العمالات والأقاليم كثيرا ما يغلب على وجودها الطابع السياسي والأمني، فإن ذلك ينعكس حتى على تسيير المصالح العمومية اللاممركزة الموجودة بالإقليم أو العمالة، وذلك باعتبار الوالي أو العامل هو الرئيس الأول في دائرة نفوذه الترابي، وكذلك رئيسا على رؤساء المصالح الخارجية للوزارات، فهذه الوضعية سوف تخلق نوعا من التضارب في اتخاذ القرار عند ممثلي المصالح الخارجية للوزارات، بين هيمنة الوالي أو العامل وبين تطبيق السياسة المسطرة من طرف الوزارة التابعة لها، وإلى جانب ذلك، فإن هيمنة البعد السياسي والأمني في التقسيم الترابي، بدوره سوف يؤثر على توزيع المصالح الغير الممركزة.[17]

وفي هذا السياق، برزت إلى الوجود إشكالية التوفيق بين انتشار المصالح غير الممركزة والتقسيمات الإدارية والترابية الجديدة، بحيث أصبحت بعض العمالات والأقاليم تفتقر إلى وجود جميع المصالح الخارجية للوزارات، وبالتالي غياب إشباع تام لحاجيات المواطنين،[18] مما يخلق لنا خريطة ترابية غير متناسقة التدخلات.

في هذا الصدد يمكن الاشارة كذلك، الى ان مسألة إحداث عمالة أو إقليم يبقى شأن حكومي ويناقش في مجلس الحكومة ولا يتم بين عشية وضحاها ، هذا المجلس فيه الوزراء حاضرون لإبداء الرأي بخصوص التغطية المرتقبة لمصالحه بناء على هذا الإحداث ولا يتم الإعلان عن هذا الإحداث إلا بعد  اتخاذ كل التدابير الحكومية المتفق عليه بين جميع الأطراف وفق أجندات معينة، وطبيعي ألا تشمل هذه التمثيلية بعض الوزارات لعدم المردودية مثلا.

إن خضوع العامل أو الوالي إلى السلطة التسلسلية لوزارة الداخلية المقترنة بالمهام السياسية والأمنية، قد يخلق بعض الحزازات بينهم وبين المصالح الخارجية للوزارات فيما يخص وضع التصورات والاستراتيجيات وخطط العمل وذلك إلى حد التعارض والتصادم. ولتفادي هذا الإشكال المحتمل من المستحسن أن يتم التنصيص على تبعية العمال والولاة لرئيس الحكومة صاحب السلطة التنظيمية والرئيس الأول للإدارة هذا من جهة.

اما من جهة اخرى، كل الجماعات الترابية، حضرية كانت أو قروية، أضحت ملزمة بوضع مخططها الاستراتيجي للتنمية، الذي تشارك في وضعه كل الوزارات الممثلة في العمالة والإقليم، وكل طرف يدافع عن وجهة نظره، ويوضح الخصاص الذي لديه بناء على ما يتوفر لديه من إحصاءات قطاعية، ويقترح  برنامجه الاستراتيجي لتتم مواءمته مع الاستراتيجية العامة لهذه الجماعة أو تلك وبعد المصادقة نمر إلى مرحلة التنفيذ مع التزام كل طرف بإنشاء ما التزم به في إطار ميزانية وزارته أو بالشراكة مع الجماعة المعنية وتحت إشراف الوالي أو العامل الذي يلعب دورا مهما في تسريع وتيرة الإنجاز في ظل تراخي المجالس المنتخبة…

 

 

-الــعوائق التنظــيمية.

تطرح العوائق التنظيمية في إطار تعدد المستويات الإدارية، فمن جهة هناك الجهات والعمالات أو الأقاليم والجماعات الحضرية والقروية، ومن جهة ثانية هناك الولايات والدوائر والقيادات والباشوات والمقاطعات الحضرية، ومن جهة ثالثة هناك فاعلين إداريين واقتصاديين آخرين مثل فروع المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية، إضافة إلى شركات عمومية أو شبه عمومية محلية. فهذا التعدد في المستويات سوف يخلق تضارب في اتخاذ القرارات، لأن لكل جهة مصالحها وأهدافها ومراميها.

فإذا كانت وزارة الداخلية مهمتها الأولى السهر على الأمن العام والتنسيق بين مختلف المتدخلين، فإن وزارة المالية تسعى إلى الحصول على أكبر عدد ممكن من الإيرادات والإنفاق كذلك؛ فالخازن الجهوي هو الذي يسمح بصرف النفقة بعد استكمال كل أجراءات وأذونات صرفها من قبل الآمرين بالصرف المختصين ووفق الشكليات المحاسبية المقررة قانونا، في حين تهدف وزارة العدل إلى تحقيق دولة الحق والقانون [19]. وهذا التباين لن يكون فقط على المستوى العمودي (أي على مستوى المتدخلين المحليين)، بل كذلك على المستوى الأفقي بين السلطات المركزية واللاممركزة.[20] هذا التضارب الذي يعاني منه نظام اللاتمركز، سوف يتعمق مع هيمنة السلطة المركزية على جل اختصاصات التي يمكن للمندوبين أن يمارسوها، بحيث سيصبح هؤلاء أداة تنفيذ لا غير.

وباختصار، اذ على الرغم من التطور المستمر لسياسة اللامركزية، ظلت بالموازاة سياسة اللاتركيز محدودة، لاسيما ان واقع الادارة المغربية متمركزة على العموم خاصة على مستوى اتخاذ القرار والتسيير المالي، وهو يفسر عنه ذلك الغموض الذي يلازم مفهوم اللاتركيز ومسلسله، وذلك من خلال استمرار واقعه الممركز وتعثره، دون ان يصبح اللاتركيز امرا عمليا، الشيء الذي اثر سلبا على التطور الحاصل في مجال اللامركزية، وهو الشيء الذي يطرح اكثر من علامة استفهام حول تعامل الجماعات الترابية مع مصالح لاممركزة ضعيفة القرار والتدخلات، وفقيرة الامكانيات المادية والبشرية. وتتطلب هذه السياسة إعادة النظر كباقي المهام المخولة للإدارات المركزية، وإصلاحها جوهريا للوظيفة العمومية وتوزيعا أحسن للوسائل البشرية والمادية بين المستوى المركزي ومستويات عدم التمركز.

 

 

  1. الــعوائق التقـــنية.

تتعلق أساسا بإشكالية التنسيق، بين كل المصالح غير الممركزة في العمالة أو الأقاليم. فرغم وجود اللجنة التقنية برئاسة العامل استنادا للفصل الخامس من ظهير 15 فبراير1977 [21] الذي تم بموجبه إحداث اللجنة التقنية للعمالة أو الإقليم لدى العامل وتحت رئاسته،  فإن هذه الأخيرة أي اللجنة : «تتألف من الكاتب العام للعمالة أو الإقليم من رؤساء الدوائر ورؤساء المصالح الخارجية للإدارات المدنية للدولة، ومن مديري المؤسسات العمومية، ويجوز للعامل أن يستدعي لحضور أشغال اللجنة المذكورة كل شخص من ذوي الأهلية ». في هذا الإطار، أسندت المادة السادسة من المرسوم المذكور إلى اللجنة التقنية مهمة دراسة جميع التدابير المتعلقة باللاتمركز الإداري، لاسيما منها إحداث المصالح غير الممركزة اللازمة لتلبية حاجات المرتفقين لدى العمالة أو الإقليم أو الجماعة واقتراحها على اللجنة الدائمة للاتمركز الإداري.

يمكن القول، أن هذه الاختصاصات المنوطة باللجنة التقنية من شأنها أن تجعل منها شريكا حقيقيا للعامل في مهام التنسيق، لما تلعبه من دور فعال في بحث ومناقشة جميع المشاكل المطروحة على مستوى العمالة أو الإقليم، وتسهيل رواج المعلومة بين مختلف الإدارات المعنية.

إلا أن ذلك لم يحد من تداخل وتضارب بين مختلف الفاعلين الموجودين بالعمالة أو الإقليم من سلطات محلية ومصالح خارجية للـوزارات، ومقتضى ذلك في الحياة العملية أن هناك من الوزراء من يستقبل اقتراحات اللجنة التقنية وهناك من سيرفض، وسيؤدي ذلك إلى تضارب بين المصالح الخارجية، ولا يمكن تجاوز هذه الصعوبة إلا بإحداث جهاز للتنسيق مشترك بين الوزارات على المستوى المحلي، جهاز ملتف حول العامل الذي يجسد وحدة الدولة، ويوحد نشاطها العام في تعاون وتآزر وانسجام مع المجالس الجماعية والإقليمية ومع المؤسسات العامة المحلية، وهذا ما سيفضي إلى التنسيق بين هياكل اللامركزية وهياكل عدم التركيز.

كذلك، يمكن ان نلاحظ عند بعض مندوبيات الوزارات التي تغطي أكثر من إقليم واحد. وهنا نستشهد بوزارة الصناعة والتجارة حيث أن مندوبيتها بإقليم تزنيت تمتد تدخلاتها إضافة إلى إقليم تزنيت إلى كل من كلميم وطانطان وآسا الزاك. ونفس الشيء يقال عن مندوبية بني ملال التي تشمل بالإضافة إلى بني ملال، إقليم أزيلال؛ فتعزيز تواجد المصالح الخارجية على كل مستوى ترابي معين، يحقق نوع من التنسيق الجيد وربح الوقت، وتجاوز الروتين والبطىء الاداري من اجل انجاز برامج و تنفيذ مشاريع تنموية. فهذه الازدواجية أو التعددية بالنسبة لمندوبية واحدة مقابل عدة أقاليم قد تخلق صعوبات كبيرة على مستوى التنسيق، لاسيما في غياب الوسائل المادية والبشرية الكافية لذلك.

لكن الامر ليس دائما هكذا؛ فما معنى أن تضع مندوبية في كل عمالة وأن تسخر لها موظفين وميزانيات في حين تدخلاتها تكون ضئيلة بل ومنعدمة أحيانا، وبالتالي تقرر بعض الوزارات من أجل عقلنة تدبيرها تخصيص مندوبية لإقليمين أو أكثر، وأعتقد أن مسؤوليات المجالس الجماعية أن تدافع عن  مطلب خلق مندوبية لها بخصوص فرع معين كلما تبين لها الخصاص، وأن تدافع عن مطلبها وأن تستعين بممثليها في الغرفة التشريعية لطرح السؤال في قبة البرلمان في إطار اختصاص مراقبة العمل الحكومي.

إن الصعوبات التي تطرح بخصوص التنسيق تساهم في خلق كيانات ترابية ومرفقية ضعيفة، الشيء الذي يؤثر سلبيا على التطور الحاصل في مجال اللامركزية، ويطرح أكثر من علامة استفهام حول تعامل الجماعات المحلية مع مصالح لاممركزة ضعيفة القرار والتدخلات، وفقيرة الإمكانيات المادية والبشرية.

ثانيا: ضـــعف مكــونات اللاتمــركز الإداري.

إن من بين مؤشرات نجاح نظام اللاتمركز، ليس فقط الاقتصار على وضع إطار قانوني، بل يجب كذلك منحه إمكانيات مادية وبشرية كافية من أجل التدخل وتنفيذ سياسة الحكومة، كل في مجال اختصاصه. فالحكامة الجيدة المحلية تقتضي اقتران تحويل الاختصاصات للمصالح اللامركزية بتحويل الاعتمادات والوسائل اللازمة لتنفيذها وإخراجها إلى الوجود.

غير أن نظام اللاتمركز الإداري بالمغرب يفتقد لهذا المنطق، فبعض الهيئات العمومية المركزية تحد من سلطة المصالح الخارجية فيما يتعلق بالموارد البشرية والمالية، إذ قليلة هي الإدارات اللاممركزة التي لها هامش من الحرية في اتخاذ القرارات الإدارية والمتعلقة بالجانب المالي، ومن بين تلك الإدارات الوزارات المكلفة بالمالية والأشغال العمومية والصحة والتربية الوطنية.[22] في حين نجد أن تسيير أغلب المصالح اللاممركزة، يتم إما من قبل الوزارة الوصية أو من جانب العامل. ويقابل هذا التسيير المركزي كذلك إضعاف هامشها في التدبير المالي، حيث أن المصالح غير الممركزة تظل تابعة وبكيفــية مطلقة للإدارات المركزية سواء على مستوى التسيير أو على مستوى التجهيز.[23]

وبناء على ذلك ينبغي تطعيم المصالح الخارجية بموارد بشرية (إدارية وتقنية) كفأة وذات تجربة واسعة لأنها هي التي لها اتصال مباشر بالمشاريع المراد إنجازها ولها احتكاك مباشر أيضا مع الساكنة المحلية.

ولتشجيع الموظفين بالالتحاق بالمصالح الخارجية يجب العمل على تحفيزهم وتحسين وضعيتهم المادية أو على الأقل مساواتها مع نظرائهم العاملين في الإدارات المركزية الذين يتوفرون وحدهم على بعض الامتيازات دون الآخرين العاملين في مختلف المصالح الخارجية،[24]وذلك تطبيقا للتوجهات الملكية السامية الواردة في خطاب 9 يناير 2002 حيث نادى جلالته بـ«…تحفيز أكفأ العناصر على اختيار مزاولة عملهم في جهات المملكة وليس فقط في الإدارة المركزية».[25]

ثالثا: قــراءة في التدبير اللامتمـــركز للاستثمار.

يعتبر مفهوم ”التدبير اللامتمركز للاستثمار”، إحدى الآليات المهمة التي لعبت، ولا زالت، أدوارا طلائعية في مجال السياسات الاقتصادية الهادفة إلى تحفيز الاستثمار وتبسيط آلياته. ويقصد به مجموعة التدابير اللازمة للقضاء على جمود الإدارة الاقتصادية، وتكسير الحواجز المعيقة للاستثمار، وذلك عبر تحويل عملية اتخاذ القرار الاقتصادي من المركز إلى المحيط، مما يسمح بخلق دينامية أفضل وفعالية أمثل.[26]

في هذا الاتجاه، يكمن رهان اللاتمركز في إدخال قيم وأشكال جديدة لاتخاذ القرارات، مع تركيب الوسائل المالية والتقنية للوصول إلى علاقة مباشرة مع المستثمرين، وايضا لبلوغ تنظيم أقل تعقيدا في اتخاذ القرار الإداري تحقيقا للفعالية والمردودية والسرعة.

إن الهدف من هذا الإجراء يكمن في تجريد الدولة من كافة الأعباء ذات الطابع المحلي أو الجهوي حتى تتفرغ لممارسة وظائفها الأساسية للنهوض بالاستثمار،[27] والتي تتجسد في التنظيم والتحفيز وتوفير الرؤية الاستراتيجية وترتيب الأولويات في جميع المجالات وخلق المناخ المناسب لذلك بتفعيل إصلاحات معقلنة ومبسطة للاستثمار؛[28] فالمصالح اللاممركزة  تمارس نشاطها في إطار السياسة التي تحددها الحكومة ومن قبل كل وزير على حدى، فاللاتمركز لا يعني إذن الاستقلالية أو الحرية، فالأمر لا يتعلق بتحديد سياسة استثمارية جهوية لفائدة أوضاع معينة وطلبات الشراكة أو مجال لمقاولات إنتاجية محلية، بل على العكس من ذلك، بالنسبة للدولة بتحديد الأهداف الطموحة بدعم وتحفيز الاستثمار[29] وتكوين الثروة والقيم المضافة الوطنية التي يجب أن تعرف نفس الوثيرة على المستوى الترابي.[30]

إن القضاء على المشاكل التي تعترض الاستثمار بالمغرب، يبقى غير ممكن ما لا تصبح الجماعات المحلية فاعلا رئيسيا في عملية التنمية الاقتصادية للبلد، عبر تمكينها من الوسائل القانونية والمالية والكفيلة بجعلها أكثر فعالية في الاضطلاع بهذه المهمة، وفي هذا الإطار تمت مراجعة النظام المالي المحلي من أجل تبسيط والرفع من مردوديته.[31]

على العموم، فإن الادارة المغربية رغم العديد من محاولات الاصلاح، فإنها لم تستطع الاستجابة لمطالب الفاعلين الاقتصاديين وتوفير الشروط المحفزة للاستثمار عبر تبسيط مساطير التعامل مع هذه الفئة من المرتفقين والقطع مع ثقافة التعقيد الاداري و التشتت الذي لازال يميز المساطر والوثائق الادارية، والتأخير في انجاز المهام والرفع من مستوى ودعم وجودة الخدمات المطلوبة لتكون اكثر قربا من المستثمرين وبالتالي اشباع الحاجيات في الوقت المناسب و داخل اجل معقول دون الحاجة للعودة الى المركز للبث ودراسة الملفات.[32]

في نفس الاتجاه، شكلت التجربة الفرنسية نموذجا في توحيد وثائقها الادارية و تبسيط مساطر تعاملها مع العموم، حيث احدثت لهذه الغاية ”مركز تسجيل و مراجعة الوثائق الادارية” سنة 1966 مهمته الاساسية جرد جميع الوثائق الادارية، كما ساهم مستعملو الادارة انفسهم في احداث لجنة تبسيط الاجراءات التي تخضع لها المقاولات سنة 1983.[33]

لقد أبانت التجربة المغربية لحد الآن على بعض النواقص في هذا النظام[34] مما يتطلب تنظيم ندوة وطنية لتقييم العملية والبحث عن سبل تجاوز النواقص لإعطاء دفعة جديدة لهذه الوحدات اللامتمركزة (المراكز الجهوية للاستثمار).

المحور الثاني: تطوير اللاتمـــركز لتقوية الجــهوية المــتقدمة.

ان المؤسسات الادارية حتى تساهم في التطوير والتحديث المجتمعين، عليها ان تتطور هي نفسها بتطوير وسائل ومناهج عملها، الكفيلة بإقحام اساليب تدبيرية متجددة تواكب مختلف المستجدات وتعمل على دمج الادارة في التنمية.[35]من هذا المنطلق يعد اللاتمركز الإداري أحد الرهانات الأساسية في برامج الإصلاح الإداري بالمغرب، والذي فرضته مجموعة من المعطيات الداخلية والخارجية، الأمر الذي يفترض تبني تصور متقدم للاتمركـــــز يستجيب لتطلعات المواطنين والفرقاء الاقتصاديين والاجتماعيين على الصعيد المحلي.

وانسجاما مع هذا التصور الذي يفرض غلى الجهوية المتقدمة[36] التدخل في جميع الميادين بهدف النهوض بالتنمية الترابية، نرى ان ما قصده الملك في اكثر من خطاب من وراء اللاتمركز الاداري هو نقل السلطة التقريرية للمصالح اللاممركزة لجعلها فعلا سلطة فعلية وفاعلة في المجال المحلي، وان هذا النقل ينبغي ان ينصب على جميع الصلاحيات التي لها طابع جهوي في حين تقتصر المصالح المركزية على الوظائف التي لها طبيعة وطنية عامة او تتجاوز الجهة الواحدة الى جهتين او اكثر بل والى مجموع تراب المملكة.[37]

لكن الإشكال المطروح، يتعلق بمختلف الإصلاحات الواجب تطبيقها حتى يمكن لنظام اللاتمركز أن يستوعب تطبيق جهوية متقدمة في إطار من التعاون والتكامل بين الأجهزة المنتـــخبة والمعينة، الأمر الذي يتطلب تطوير المنظومة القانونية للاتمركز الإداري بالتعجيل بميثاقه الوطني (أولا)، وإعادة النظر في إطاره التنظيمي (ثانيا)، وكذلك إعطاء دفعة وديناميكية لنظام اللاتمركز في إطار الجهوية المتقدمة (ثالثا).

أولا: تطوير النظام القانــوني للاتـمـركز.

في هذا الباب يمكن القول أن عدم التمركز في المغرب يفتقد إلى الآليات القانونية الضرورية لتنفيذه على أرض الواقع، فالقانون الإداري المغربي لم ينشأ ”حقا عاما للتفويض”، [38]«…حيث أثبت المشرع دائما تحفظا حقيقيا في هذا المجال… فهو يريد التحكم في مسألة التفويض، ومراقبتها، لأنه يحذر من توزيع مبعثر لاختصاصات السلطة العمومية، ويخشى الأمر الواقع…»[39]ولهذا فإن تفويض السلط أو الاختصاص يبدو منعدما بالفعل، بينما يمارس تفويض الإمضاء بنوع من التقتير مع الحرص بشكل ممنهج على استثناء القرارات الإدارية الأساسية مثل المقررات والمناشير والتعليمات والصفقات العمومية وتسيير الموارد البشرية…[40]

ومن المعوقات القانونية لعدم التركيز كذلك، يمكن الإشارة إلى تلك التي تعود إلى طبيعة بعض الأعمال الإدارية حيث ظهر أن بعض الأعمال ذات الطابع الوزاري المختلط يمكن أن تعيق تحقيق عدم التمركز، كما أن بعض العراقيل القانونية يمكن أن تأتي من قانون الوظيفة العمومية وبالأخص فيما يتعلق بعدم تركيز تدبير الموظفين على المستوى الوطني حيث إن هذا القانون مثلا، لا يسمح بتنظيم مباريات ذات طابع محلي أو جهوي.[41]

وتجدر الإشارة إلى أن المشرع يجب أن يقوم كذلك بمراجعة جميع المقتضيات والارتباطات القائمة بين مختلف المتدخلين، وذلك بوضع إطار نموذجي بما يجب أن تكون عليه العلاقات بين السلطات المركزية وتمثيليتها في مختلف أنحاء المغرب، كاقتصار الإدارات المركزية على مهام التخطيطية ووضع الاستراتيجيات الكبرى للقطاع والتتبع والتقييم والمراقبة، مع ترك مهمة التنفيذ إلى الهيئات اللاممركزة لأنها هي العارفة بإمكانيات المنطقة ومؤهلاتها وخصوصياتها. وفي هذا الإطار يجب كذلك تفعيل دور المفتشيات العامة داخل الوزارات لكي تقوم بالمهام المنوطة بها على أحسن وجه خاصة على مستوى البحث والمراقبة الخطوة الأولى لتأهيل الإدارات اللاممركزة.

غير أن توضيح هذه العلاقات، لا يجب أن تكون أفقية فقط أي بين السلطات المركزية واللاممركزة بل إلى جانب ذلك يبقى من الضروري ربط علاقات واضحة يطبعها نوع من التعاون والتكامل والاندماج بين جميع المستويات والإدارات المحلية مادام الهدف هو خدمة المواطنين.

وفي الأخير يمكن القول أنه إذا كان مراجعة النظام القانوني والمؤسساتي للاتمركز الإداري يعد إجراء ضروريا وعاجلا. فإنه في مقابل ذلك ليس وحده كافي لتفعيله وتوخ الجودة منه، بل إلى جانب ذلك يجب إعادة النظر في جميع المقتضيات التنظيمية المتحكم في مساره والمؤثرة في مظاهره.

ثانيا: مراجعة النســق التنظــــيمي للاتمركز.

من بين الإجراءات التي تدعم نجاح اللاتمركز تلك المتعلقة بمستوى وحدود التنسيق القائمة بين مختلف المتدخلين، فمن الطبيعي أن يكون الإقليم محطّ تمثيلية لأغلب الوزارات والإدارات المركزية والمؤسسات العمومية وحتى المؤسسات الخاصة والمجتمع المدني، دون أن ننسى دور الجماعات المحلية بكل أصنافها.

لكن تفعيل هذا التنسيق، يرتبط كذلك بإشكالية ”التفويض” الذي يُترجم بالملموس مدى استقلالية المصالح اللاممركزة وحدودها من حيث التحرك والتدخل والمنافسة؛ واعتباره كذلك مؤشرا على مدى التفاعل والتواصل القائم بين المصالح اللاممركزة والجماعات المحلية، إذ كثيرا ما تصطدم هذه الأخيرة حينما تقدم بعض مشاريعها للمصالح اللاممركزة بطول المسطرة الإدارية، وبطئها، وتعدد مستويات القرار، وقد تستغرق هذه العملية سنوات متعددة بين إحالة تلك المراسلات على السلطة الوصية ودراستها وبرمجتها وميزانيتها وإخراجها إلى الوجود.

ومن اجل القيام بتدبير فعلي وفعال للمصالح اللاممركزة تحت قيادة الوالي او العامل، ينبغي التخفيف من حدة السلطة التسلسلية التي يخضع لها رؤساء المصالح اللاممركزة تجاه ادارتهم المركزية، واشعارهم بانهم يخضعون للإدارات المركزية في كل ما يهم نشاطهم كمصالح ترابية منوط بها السهر على تنفيذ سياسة القطاع الحكومي التي ترتبط به، ويخضعون للوالي او العامل في كل ما يهم نشاطهم المحلي والتنموي باعتبارهم يشكلون ادارة لاممركزة ترتبط بجهة معينة، وتسعى الى تحقيق تنميتها على جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية وغيرها، على اعتبار ان الهدف من هذا الاخير ليس التدخل المباشر في شؤون هذه المصالح وانما قيادتها وتوجيهها جميعا من اجل تحقيق التنمية.

 

 

ثالثا: اللاتمـركز الواسع، كمبدأ لتقوية الجهوية المتــقدمة.

يمكن القول بان اللاتمركز الواسع في إطار الجهوية المتقدمة، يعتبر مسلسلا إجرائيا يستهدف تطوير الاختصاصات أو الموارد البشرية، أو/ تخفيف الوصاية الممارسة على المجالس الجهوية.

وبالتالي فإن اللاتمركز الواسع يحتاج لهندسة قانونية ودستورية تقسم الأدوار في تدبير الشأن العام بشكل عمودي، ما بين سلطات مركزية مختصة في تدبير المجالات الكبرى للدولة، وسلطات جهوية تأخذ بزمام تدبير شؤونها المحلية فيما يرجع لحرية المبادرة في تأسيس مخططات تنموية محلية.

لقد عمل الدستور الجديد،[42]من خلال مقتضياته الواردة على الخصوص في البابين المتعلقين بالجهات والجماعات الترابية الأخرى، على وضع المبادئ الناظمة للاتمركز الواسع من خلال تقوية السلطات التقريرية للرئيس، ومن خلال توسيع الاختصاصات المخولة للمجالس الجهوية، والتي نجد أساسها فيما يلي:

1- مبدأ التدبير الحر.

مبدأ حرية التصرف في إطار القانون، أو ما يطلق عليه في القانون الإداري بمبدأ التدبير الحر،[43]فالفصل 136 من الدستور يجسد إرادة الدولة في اعتبار الجماعات الترابية بمثابة وحدات مستقلة عن مصالح الدولة. كما أن الفصل 193 يضمن الممارسة الحرة لاختصاصاتها دون تدخل الدولة، وبدون أن تمارس جماعة ترابية سلطتها على جماعة أخرى.

إذ يعتبر الاستقلال المحلي للجماعات الترابية عنصرا أساسيا للامركزية الترابية، فهي تتمتع بالشخصية المعنوية، بل إنها اليوم تتمتع بمبدأ دستوري جديد يضمن لها التدبير الحر لشؤونها؛ بمعنى أنها تتمتع بقدرة حقيقية على اتخاذ القرارات التي تمكنها من تدبير مصالحها الخاصة. وهو ما سيحررها أكثر من الوصاية الإدارية والمالية بمفهومها الضيق والتقليدي. ذلك أن مبدأ التدبير الحر يختلف عن مبدأ الحكم الحر، إذ لا يمكن تطبيقه إلا في إطار احترام أولويات الدولة، ومبدأ وحدة الدولة، وهو الأمر المعمول به في إطار التجربة الفرنسية.[44]

كما يقتضي مبدأ التدبير الحر تعزيز صلاحيات الهيئات المنتخبة في تدبير شؤونها المحلية، وتعزيز مبدأ المساءلة، الذي يعني أن الذين يتصرفون بتدبير الشأن العام، بحرية وباسم المواطنين، يكونون عرضة للمساءلة. كما يعني أيضا، الارتكاز على الشفافية التي تضمن للجميع الوصول الكامل للمعلومات المتعلقة بتدبير الشأن العام. وهذا المبدأ يستدعي التوفر على مجالس منتخبة بشكل ديمقراطي ومباشر، إلى جانب التوفر على الإمكانات القانونية والمالية الضرورية لممارسة تدبيرها الإداري الحر.[45]

وعليه، تَحوَّلَ ولاة الجهات وعمال الأقاليم والعمالات من وضع منفذي المقررات الجماعية في دستور 1996 إلى هيئات لمساعدة رؤساء المجالس الجهوية في تنفيذ البرامج  إذ لا يمارسون مهمة التنسيق إلا بين أنشطة المصالح اللاممركزة، في حين أصبح رئيس المجلس الجهوي هو الاَمر بالصرف والمسؤول عن ميزانيته والمنفذ لمداولات ومقررات مجلسه.[46] رغم هذا الانتقال من تنفيذ المقررات الى المساعدة، فان ذلك يعتبر وصاية من نوع جديد وبالتالي يعتبر نكوصا عن اللامركزية الحقيقية، وعلى سبيل المثال ما حدث مؤخرا أن الوالي بجهة الدار البيضاء رفض التأشير على ميزانية رئيس المجلس الجماعي؛ فالدولة في شخص الولاة والعمال مازالت حاضرة وتؤثر سلبيا على كل النقاش الدائر  بخصوص اللامركزية وعدم التركيز.

لقد انتقلت وظيفة ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم، من تمثيل الدولة الى تمثيل السلطة المركزية، بعدما منح دستور2011 في فصله 42 صلاحية تمثيل الدولة. وينطوي هذا التحديد الضيق لعلاقة العامل مع المستويات العليا في الدولة، بأنه يندرج في مقاربة للانخراط في توجه ينبني على تمكين كل إدارة من الاضطلاع بمهامها، وفق نسق اداري يحتم الارتباط العضوي مع الهيئة المكلفة بحق التسمية. وهوما يعني ان مؤسسة الوالي/العامل ستنسلخ من التمثيل المزدوج الذي طغى على المرحلة الماضية، من خلال اعتباره من جهة ممثلا للحكومة، مع ارتباطه الوظيفي بوزارة الداخلية.

نفس التغيير الذي طال الدور التمثيلي لوالي الجهة و عامل العمالة او الاقليم، نجده ايضا ارتبط بالوضع الوظيفي له. فإن كان الفصل 102 من الدستور المراجع لسنة 1996 حملهم مسؤولية تطبيق القرارات الحكومية، وبالتالي منحهم اختصاصات واسعة، مقارنة بوحداتها اللاممركزة، فان الفصل145 من الدستور الحالي اقر خلاف ذلك، بتنصيصه في فقرته الثالثة: ”يعمل ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم باسم الحكومة على تأمين تطبيق القانون، و تنفيد النصوص التنظيمية للحكومة و مقرراتها”.

ما يستفاد من مدلول هذه الفقرة أن المشرع يسمح للهيئات المختصة، سواء منها اللامركزية أو اللاممركزة بالاضطلاع بمهامها ومسؤولياتها الوظيفية بشكل مستقل، دون اي تدخل خارجي ومن أي جهة، ما عدا ما يمليه القانون وفي النطاق و الحدود المسموح بها؛ بمعنى منح المصالح اللاممركزة والجماعات الترابية صلاحيات واسعة في القيام بمهامها، مع ابقاء سلطة تدخل ممثل السلطة المركزية حاضرة من اجل تأمين التطبيق السليم للقانون، إن زاغ إعمال تنفيذه عن الغاية المحددة له.

يمكن القول، أن دستور2011 منح صلاحيات مهمة لممثل الادارة الترابية، غيرت من الدور الموكول إليه على الصعيدين التمثيلي والوظيفي. ويعاز هذا التغيير الذي طال مهام( الـولاة/ العمال) الى سعي المشرع للتأسيس الى الانخراط في مرحلة قادمة لتدبير الشؤون المحلية، تتطلب اعادة صياغة الأدوار بين مختلف الفاعلين في علاقاتهم مع المستويات المركزية، حتى تتلاءم وتتوافق مع مقومات توجه اللاتمركز الواسع في إطار الجهوية المتقدمة.

2-اعتماد مبدأ التفريع في توزيع الاختصاصات.

هذا المبدأ الذي تم التنصيص عليه في الفصل 140، يقتضي البحث عن المستوى الملائم لممارسة اختصاصات معينة، بحيث تتخلى الدولة للجهات عن كل الاختصاصات التي لا تستطيع الاضطلاع بها، وله وظيفة ضبطية، في مجال الاختصاص يمكن اقتسامه بين الجهات والجماعات الترابية الأخرى.

– السلطة التنظيمية المحلية:

الجهات والجماعات الترابية تتمتع بسلطة تنظيمية محلية من أجل ممارسة اختصاصاتها، إذ يمكن التساؤل في هذا السياق عن طبيعة هذه الاختصاصات؛ وهذا الأمر يحيل على الفصل 140 من الدستور الذي ينص على أن الجهات والجماعات الترابية تتمتع:

–   الاختصاصات الذاتية: مبدأ التدبير الحر.

–   الاختصاصات المشتركة: مبدأ التفريع.

–   الاختصاصات المنقولة: مبدأ المعادلة بين الموارد والاختصاصات.

هذا المبدأ يعني أن كل اختصاص تنقله الدولة إلى الجهات أو الجماعات الترابية يجب أن يكون مقترنا بتحويل الموارد المطابقة له، وذلك باحترام شرطين أساسيين:[47]كل نقل للاختصاص يجب أن يكون منصوص عليه في قانون، كما أن تقنية العقود العامة من شأنها أن تساعد الجماعات الترابية والجهات في رسم الأهداف وتحرير الوسائل والموارد وإنجاز البرامج وفق مقاربة تعتمد على الحكامة الجيدة دون ان يمارس المستوى الأعلى أي وصاية على المستوى الأدنى بحسب منطوق الفصل 143 من دستور 2011.

ويعتبر مبدأ التفريع من الآليات الحديثة المتبعة في الأنظمة اللامركزية، وهو مبدأ يقوم على توزيع  الاختصاصات والموارد، عملا بالمبدأ الأصيل في الالتزام، بناء على حسم قانوني واضح أو تعاون وتفاهم شريف أي ما يستطيع الأدنى القيام به يترفع عنه الأعلى وما يعجز عنه الأدنى يتولاه الأعلى.[48]

وبهذا المنظور ستركز اختصاصات المجلس الجهوي على مبدأ المداركة أو التفريع، بمعنى أن الدولة لا يمكن لها أن تمارس في المستقبل إلا الاختصاصات التي تتلاءم مع طبيعتها كمستوى وطني؛ بعبارة أخرى، يعني هذا المبدأ في عمقه أن السلطة المركزية لا يمكن لها أن تمارس إلا الاختصاصات التي لا يمكن للجهات أن تمارسه بالنظر إلى خصوصية دورها الرئيسي أو بسبب محدودية الوسائل التي تتوفر عليها.[49] ومن جانب آخر، يسمح مبدأ التفريع أيضا بتنظيم القدرة على اتخاذ القرارات بشكل سريع وفوري دونما الحاجة إلى انتظار توجيهات وأوامر آتية من فوق، الشيء الذي يجعل الجهات قادرة على إغناء نفسها عن طريق اتساع الخيارات مع المكونات المجتمعية الأخرى، الفاعلة على المستوى المحلي، وهو بهذا المعنى يقترح -بشكل طبيعي- تنظيما ترابيا بسيطا، مرنا وملائما، كأحد شروط الرواج الاقتصادي وتحديثه.[50]

وإذا كانت هذه هي مبادئ وحدود الممارسة الجهوية، فإن الفصل 146 قد أحال على السلطة التنظيمية مهمة التفصيل بشأنها حتى نضمن حدودا فاصلة بين كافة الفاعلين المحليين والمركزيين بشكل يحقق المناخ اللازم لتنفيذ المخططات التنموية المحلية والوطنية.

وذلك من خلال إصدار قانون للجهات والجماعات الترابية الأخرى، الذي يحتم عليه أن يوضح ويحدد بناء على مبدأ التفريع للاختصاصات الذاتية لفائدة الجهات والجماعات الترابية الأخرى، والاختصاصات المشتركة بينها وبين الدولة، والاختصاصات المنقولة إليها من هذه الأخيرة، وذلك في إطار احترام تام لمبدأ التدبير الحر في ممارسة الصلاحيات.

يبدو لنا من خلال ما سبق ذكره، أن الدستور الجديد قد وضع المعالم والخطوط العريضة لكيفية توزيع الاختصاصات بين الدولة والجهات كإطار مرجعي للاتمركز الواسع. وتبقى المسؤولية الآن على عاتق الحكومة، التي ينبغي عليها أن تسرع في تنزيل الجهوية المتقدمة كما وعدت بذلك في برنامجها، وتعميق مسلسل اللامركزية الموسعة؛ التي لا يمكن أن تتم إلا في إطار إعطاء الوحدات الجغرافية البشرية شخصية قانونية مستقلة ماليا وإداريا، مع العمل على إضفاء الشرعية الشعبية على دورها التنموي، غير أن هذا الدور نفسه لا يمكن تجسيده بشكل فعال ما لم يتحصن بالقرار النافذ في مجال الإدارة والمال، وتدعم بإرادة سياسية حقيقية. وهذا هو ما سيمنح الوحدات القانونية المحلية بعدها العقلاني والميداني والتنموي، كما سيمكنها من تحفيز الأفراد بشكل دائم وشامل على القيام بمسؤولياتهم في تدبير شؤونهم الحياتية الإنمائية، والنهوض بفكرة اللامركزية وتبنيها وتفعيلها مع أهداف الدولة المركزية بما يمثل معينا لها لبناء ونمو النظام السياسي.

 

                       خـــــــاتمة:

إن نظام اللاتمركز يطرح مسألة توزيع السلطة على المستوى المجالي والترابي في إطار أجهزة الدولة وكُلَّما تمكنت الدولة من إيجاد صيغة فعالة تتيح لها مباشرة الاختصاصات المخولة لها على مقربة من الساكنة والمنتخبين المحليين، كلما كان ذلك أفضل تمهيدا لتأسيس حكامة ترابية محلية مسؤولة. وعلى اساس هذا المنطق، يمكن القول ان تجاوز التصور الكلاسيكي الذي يحكم اللاتمركز الى تصور اكثر ديناميكية، تتحكم فيه مجموعة من الاكراهات القانونية والسياسبة والتقنية بالاضافة الى التنظيمية.

من هذا المنطلق، يمكن القول،ان اللاتمركز المعمق والفعلي رهين بالترسيخ المعياري والعملي لمبادئ تتصل بتصور السياسات العمومية وتفعيلها وبأساليب الحكم والإدارة وبرصد الموارد البشرية والمالية وتدبيرها الأمثل، والتنسيق الناجع للعمل العمومي على كل مستوى ترابي تتدخل فيه الدولة، بما في ذلك بصفة رئيسية ومن الآن فصاعدا، مستوى الجهة.

لكن (نجاح) هذا المشروع يتوقف على السير قدما في مجال الجهوية المتقدمة واللامركزية الموسعة؛ فلا يجب أن ننسى بأن اللاتمركز ليست له فائدة في ذاته إلا بالقدر الذي يدعم -بما فيه الكفاية- قيام منظومة لامركزية متطورة قادرة على مواجهة أعباء التنمية الاقتصادية والاجتماعية (التنمية الترابية)، وترسيخ قيم الديمقراطية المحلية.

[1]– باحــث بمــركز دراسات الدكتـــوراه، كلــية العلــوم القانــونية والاقتــصادية والاجتــماعية- طنجة.

[2]إدارة التنــمية: وتعني تلك الإدارة (أفراد وأنشطة) المنوط بها تخطيط وتنفيذ برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ذلك لأن التنمية باعتبارها عملية مجتمعية موجهة لا تتحقق دون وجود إدارة تقوم عليها وتمزج في مستوياتها من الإدارة السياسية على رأس الدولة إلى الإدارة العامة في الوزارات والدواوين إلى إدارة المشروعات والمؤسسات العامة والخاصة. أنظر بهذا الصدد:

– سعيد جفري: ”الحكامة وأخــواتها، مقاربة في المفهـــوم ورهـــان الطموح المغربي”، الشركة المغربية لتوزيع الكتاب، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2010، ص: 151.

[3]التنمية من الأسفــل: تحيل فكرة التنمية من الأسفل على المشاركة الشعبية بشكل سهل وميسر وهذا يعزز الدور التخطيطي والتنموي للهيئات والمؤسسات في المجتمعات المحلية التي تشكل القاعدة الأساسية التي يجب أن تنطلق منها هذه التنمية والتي تصنف على أنها تنمية من أسفل. أنظر:

– حسام الدين جاد الرب، ”معـــجم مصطـلحات التنـــمية البشـــرية”، روافد للنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الأولى 2011، ص: 82.

[4]اللامـــركزية الإدارية: تقتضي اللامركزية خاصة في جانبها الإداري بالاعتراف بصلاحيات إدارية لوحدات قانونية في مجالات ذات الارتباط بالشؤون المحلية، وذلك تحت إشراف ومراقبة الإدارة المركزية.

– سعيد جفري: مــرجع ســابق، ص: 158.

[5]– ومن زاوية مقاربة سريعة للنظامين اللامركزي واللاتمركزي، يمكن القول أن اللامركزية تعني نقل اختصاصات الدولة إلى جماعات عمومية أخرى تتمتع بشخصية معنوية مستقلة في ظل نظام الوصاية (الجماعات المحلية)، بينما يقترب اللاتمركز من مبدأ تفويض سلطة القرار في ميادين متفاوتة النطاق لأعوان الدولة المحليين، الذين يخضعون للسلطة التسلسلية للأجهزة المركزية، وذلك عبر ميكانيزم إعادة توزيع الصلاحيات داخل إدارات الدولة، انطلاقا من المستوى المركــزي إلى المستوى المحلي. أنظر بهذا الصدد:

عزيزي مفتاح: ”اللامــركزية من التسيير الإداري إلى تـــدبير التنمية”، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، أكدال الرباط ، 2001، ص ص:373-374.

[6]– مرسوم رقم:2.93.625 المتعلق باللاتمركز الاداري، (ج ر عدد 4227، بتاريخ 3 نونبر 1993، ص: 2209).

[7]-ظهير شريف رقم: 1.93.293، المتعلق باختصاص العمال (ج ر عدد 4223، بتاريخ 6 أكتوبر 1993، ص: 1911).

[8]– ظهير شريف رقم: 1.93.294 بتعديل ظهير رقم 1.57.068 بتاريخ 10 أبريل 1957، المتعلق بتفويض توقيع الآمرين بالصرف العموميين (ج ر عدد 4223، بتاريخ 6 أكتوبر 1993، ص: 1912).

[9]– الرسالة الملكية الموجهة إلى الوزير الأول في موضوع ”التدبير اللامتمركز للاستثمار”، بتاريخ 9 يناير 2002.

[10]-الجريدة الرسمية، رقم: 5386، الصادرة بتاريخ 12 يناير 2006، حول موضوع  تحديد قواعد تنظيم القطاعات الوزارية.

[11]– في الحقيقة ينتظر منها-الجهوية المتقدمة- أن تتجاوز سلبيات النظام الجهوي السابق والقصور الذي يعتري المجالس الترابية المنتخبة، أما سلبيات اللاتمركز فليس رهين بالمجالس الجهوية ولكنه شغل الدولة وإرادتها الحقيقية في مدى عزمها عن مواكبة هذا التطور الجهوي بسياسة لا ممركزة فعلية.

[12]– الخطاب الملكي بمناسبة تنصيب اللجنة الاستشارية للجهوية المتقدمة،03 يناير 2010.

[13]مبدأ الوحدة: ينبني هذا المبدأ على وحدة الدولة والوطن والتراب، والتي تأسس الى التشبث بمقدسات الأمة وثوابتها، بالإمكان اعتبارها المرجعية الصلبة في كل توجه مستقبلي للجهوية المتقدمة، بل إن التجارب الدولية في هذا الإطار تؤكد على الأولوية التي يجب إعطاؤها لهذا المبدأ المحوري الذي يجعل وحدة الدولة القاعدة المؤطرة لاعتبارات التنوع المجالي والاثني والثقافي.

مبدأ التضامن: يعتبر جلالة الملك التضامن حجر الزاوية في الجهوية المتقدمة، ذلك أن تخويل الاختصاصات للجهة يجب غن يقترن بتوفير موارد مالية عامة وذاتية، من خلال تمكين كل جهة من استثمار مؤهلاتها وإمكاناتها على الوجه الأمثل في إطار من التعاون والتكامل مع الجهات الأخرى، مع إيجاد آليات ناجعة للتضامن المجسد للتكامل والتلاحم بين المناطق في مغرب موحد.

مبدأ التوازن: يحيل هذا المبدأ الى إحقاق التوازن ما بين السلطات المركزية والسلطات الجهوية، مع التأكيد على تحديد اختصاصات السلطات المركزية، وفسح المجال أمام السلطات الجهوية على نحو تكاملي بين الاختصاصين وليس على نحو التعارض بينهما، كما أن التوازن مطلوب أيضا على مستوى الجهة في حد ذاتها، والمقصود بذلك تحقيق توزيع الاختصاص ما بين السلطة المنتخبة والسلطة المعينة من طرف الدولة، نفس الشيء يقال على توزيع الاختصاص ما بين المجالس الجهوية والسلطة المركزية. للمزيد من التفصيل أنظر:

– كريم لحرش: ”الجهوية المتقدمة بالمغرب، في ضوء المرجعية الملكية وخلاصات تقرير اللجنة الاستشارية”، سلسلة اللامركزية والإدارة المحلية، عدد مزدوج 11-12، طوب بريس-الرباط، الطبعة الثانية2011، ص: 14 وما بعدها.

[14]الإصلاح الإداري: يهتم أكثر في مفهوم أولي بمقاربات وتوجهات ترتبط بدور وأداء الإدارة بصورة عامة، كتحسين             وتبسيط المساطر المعتمدة. أنظر:

– سعيد جفري، مرجع سابق، ص: 51.

[15]-رشيد السعيد: ”الجهوية الموسعة وتطوير مسلسل اللاتمركز الإداري بالمغرب”، سلسلة اللامركزية والإدارة المحلية، عدد مزدوج 11-12، الطبعة الثانية، 2011، ص: 69.

[16]– عبد الله المتوكل: ”الإدارة اللامـــــركزية بالمغــــرب”، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مؤلفات وأعمال جامعية، عدد 12، 1999، ص: 112.

[17]-رشيد السعيد: مرجع سابق، ص: 70.

[18]– عبد الكريم بخنوش: ”عدم التركــيز الإداري بين العـــمالة والإقلـــيم والجهة”، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 56، 2004، ص: 78.

[19]– دولة الحق والقانون شأن الدولة برمتها وفي كل المستويات، والعدل جزء من هذا التصور فقط، فالحق في التعليم أو الصحة أو في السكن وقس عليه هو حق عام من مسؤوليات كل القطاعات وليس مرفق العدل بمفرده.

[20]-عبد الكريم بخنوش: مرجع سابق، ص: 78.

[21]-الظهير الشريف الصادر يوم 15 فبراير 1977، المعدل والمتمم بظهير بمثابة قانون رقم 1.93.293 بتاريخ 6 أكتوبر 1993 بشأن اختصاصات العمال.

[22]-Rapport de synthèse présenté la commission Déconcentration administrative et redéfinition des missions de l’administration, in colloque national la réforme administrative, ministère de la fonction publique et la réforme administrative, Rabat les 7 et 8 Mai 2002, p: 8.

[23]-وثائق المناظرة الوطنية السابعة للجماعات المحلية: أكتوبر 1998 بالدار البيضاء تحت شعار اللامركزية وعدم التـــــركيز.

[24]– أحيانا نجد الممثلين المحليين يتمتعون بامتيازات أكبر جدا، لذلك يؤدب المسؤول بإحالته على الإدارة المركزية، فهل نتصور مثلا أن مديرا مركزيا ستكون له نفس امتيازات مندوب جهوي يتحكم في منطقة شاسعة تقاس بالكيلوميترات.

[25]-خالد الغازي: ”التدبير اللامتمركز للاستثمار والمفهوم الجديد للسلطة”، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 66، 2002، ص: 27.

[26]– ولعل أهم الوظائف التي تضطلع بها هذه المراكز يمكن إجمالها في وظيفتين رئيسيتين:

1- المساعدة على إنشاء المقاولات؛ فالشباك الوحيد (الذي يمثل التجسيد المادي للمراكز الجهوية للاستثمار) يعد المخاطب الوحيد بالنسبة للأشخاص الذين يرغبون في إحداث مقاولة مهما يكون شكلها ويودون الاستفادة من خدماته.

2- مساعدة المستثمــرين من خلال:

– تزويدهم بكل ما يفـــيد من معلومات بشأن الاستثمار الجهوي.

– دراسة كافة طلبات الترخيص الإداري، وتحضير جميع الوثائق الإدارية الضرورية لإنجاز مشاريع الاستثمار بالنسبة للمشاريع المقدرة ما دون 200 مليون درهم.

– دراسة مشاريع العقود والاتفاقيات التي ستبرم مع الدولة من أجل امتيازات خاصة بالنسبة للاستثمارات التي تساوي أو تفوق 200 مليون درهم.

– اقتراح الحلول التوافقية لما قد ينشأ من منازعات بين المستثمرين والإدارة.

للمزيد من التفصيل أنظر:

– جمال خلوق: ”التدبير الترابي بالمغرب، واقع الحال ومطلب التنمية”، طوب بريس، الرباط، 2009، ص ص: 151- 152.

[27]”اللاتــركيز لازم للامــركـــزية”، وثائق المناظرة الوطنية السابعة للجماعات المحلية، الدار البيضاء، 19-20-21 أكتوبر 1998، وزارة الداخلية، ص: 32.

[28]– الرسالة الملكية الموجهة للوزير الأول في موضوع: ”التدبير اللامتمركز للاستثمار”، مرجع سابق.

[29]– (J.F) Lorit: ”Décentralisation Déconcentration; antagonisme ou complémentarité : vers un renforcement de l’échelon régionale l’administration de l’état ”, in la revue administrative N° 229, 1986, pp : 27-32.

[30]– Ibid., p : 32.

[31]– القانون رقم 47.60 المتعلق بالجبايات المحلية ج ر عدد 5583.

[32]– عبد العالي حوض: ”التدبير اللامتمـــركز للاستثمار بالمغرب”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، جامعة الحسن الثاني، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية، الدار البيضاء، السنة الجامعية 2002-2003، ص:22

[33]– نفــسه، ص:22

[34]– إن كانت الإجراءات التي منحت للوالي صلاحيات قانونية ومالية مهمة تعزز موقعه في مواجهة موظفي الإدارة الترابية (من عمال وقياد)، وفي مواجهة مجلس الجهة ومذلك مختلف الوحدات الدنيا فيما يتعلق بتدابير وإنعاش الاستثمارات، فإنها في المقابل تزيد من الغموض المؤسساتي في المغرب، خاصة إذ علمنا أن مهام الولاة غير تابعة للحكومة وغير مؤطرة دستوريا.

[35]– عبد الكريم بخنوش: ”اللاتركيز الاداري ودوره في الرفع من مستوى التدبير الاداري”، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد مزدوج 66-67، 2006، ص:82.

[36]– ان الامر يتعلق تحديدا بجهوية متقدمة وليست موسعة، لان الجهوية الموسعة تقوم على اساس الجهوية السياسية في اطار اللامركزية السياسية، والذي يتطلب وجود برلمان جهوي حقيقي وحكومة جهوية، ويقتصر دور ممثل السلطة المركزية على ضمان التنسيق بين المركز والجهات.

اما الجهوية المتقدمة فيمكن تلخيصها في نظام اكثر تقدما للجهوية من النظام المطبق حاليا، بمعنى ان عملية الاصلاح يجب ان تنطلق مما هو موجود مع توسيع اختصاصات الجهات واعادة تركيب البنيات الجهوية، وتخويل المنتخبين الاختصاصات التقريرية والتنفيذية، وايجاد نظام يعزز الاستقلالية المالية والتدبيرية للجهات واعادة النظر في علاقتها بالسلطات المركزية.

-نادية النحلي: ”الجهوية المتقدمة في الدستور المغربي الجديد لسنة 2011 ”، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 107، نونبر-دجنبر 2012، ص: 17.

 

[37]– المكي السراجي: ”اللاتمركز الاداري في اطار الجهوية الموسعة”، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد مزدوج 97-98،2011، ص: 124.

[38]-(L). Brouksy: “La Déconcentration; ses Mécanismes et ses Limites”, RMFOE, N°8, 1992, p: 64.

[39]-”اللاتــــركيز لازم للامـــركزية”، وزارة الداخلية، مرجع سابق، ص: 65.

[40]-نفــسه، ص: 67.

[41]-(H). Ouazzani Chahdi : Le Régionalisation et Décentralisation, REMALD N° 6, 1996, p : 58.

 

 

[42]-دستور المملكة المغربية الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 29 يوليوز 2011، الجريدة الرسمية عدد 5969 مكرر الصادر بتاريخ 28 شعبان 1932 الموافق 30 يوليوز 2011.

[43]-أحمد بوعشيق: ”الجهوية المتقدمة وإشكالية الحكامة الترابية”، جريدة أخبار اليوم، العدد 827، الأربعاء 08 غشت 2012، ص: 17.

[44]-(F) LABIE: ”Finance locale”, édition Dalloz, 1995, p: 9.

[45]-هشام مليح: ”إصلاح التنظيم الجهوي والترابي بالمغرب، على ضوء مستجدات الدستور الجديد”، سلسلة اللامركزية والإدارة الترابية، عدد 20، مطبعة طوب بريس الرباط، الطبعة الأولى، 2013، ص:60.

[46]-علي قاسمي التمسماني: ”الدولة والجهات على ضوء الدستور الجديد”، مجلة مسالك، عدد مزدوج 21-22، 2012، ص: 80.

[47]-أحمد بوعشيق: مرجع سابق، ص: 17.

[48]–  في هذا الاطار يمكن القول، بان مصطلح التفريع مازال يطرح مشكلا والمشرع مطالب بإصدار قانون تفسيري يوضح بشكل جلي ما المقصود بهذا المبدأ الذي ما زال تتقاذفه التأويلات. إجمالا تفيد بعض الخلاصات أن:

– اصطلاح التــفريع ليس له تعريف محدد.

– اصطلاح التفريع مفهوم جديد يهدف إلى تدبير عمومي أكثر فعالية، للعمل بإجراءات وطرق عمل جديدة.

– اصطلاح التفريع يتخلى بموجبه المستوى الأعلى للمستوى الأقل عن المجالات التي يمكن القيام بها.

– اصطلاح التفريع يسهم بالنسبة للامركزية في قاعدة الإنابة والحد مـن تدخل المستوى الأعلى.

للمزيد من التفصيل  حول هدا الموضوع يمكن الرجوع:

-Le principe de subsidiarité. Acte de colloque international et maghrébines, Marrakech 29-30 Octobre 2007, ministère de l’intérieure, Rabat.

-إدريس جردان: ”الضوابط القانونية لنموذج الحكم الذاتي والجهويات الموسعة”، مجلة طنجيس للقانون والاقتصاد، عدد خاص حول الجهوية المتقدمة بالمغرب، ص: 143.

[49]-(M). EL YAAGOUBIE: “la notion de régionalisation avancée dans des discours royaux”, REMALD, série “Thèmes Actuels” ,”numéro spécial”, 71, 2011, p: 19.

[50]– المصطفى بلقـــزبور: ”توزيع الاختصاص بين الدولة والجهات – أي نموذج ممكن في أفق مغرب الجهات؟-”، السلسلة المغربية لبحوث الإدارة والاقتصاد والمال، عدد الثامن، الطبعة الأولى، 2011، ص: 148.