القضاء الدستوري وضمان سمو الدستور

26

القضاء الدستوري وضمان سمو الدستور

د. البشير المتاقي أستاذ القانون العام

بجامعة السلطان مولاي سليمان ببني ملال.

 

ارتبط مبدأ سمو الدستور بفكرة إيجاد الوسائل الكفيلة بضمان احترامه، وتكريس مضمونه وروحه في جميع أعمال السلطة العامة. خصوصا في مجال التشريع، ومن هنا جاءت فكرة الرقابة على دستورية القوانين، كآلية عملية وضمانة لتحقيق هذا المبدأ والالتزام بقواعده وعدم مخالفة نص الدستور وروحه.

ويعتبر فقهاء القانون الدستوري أن منشأ هذا النوع من الرقابة على القوانين يعود إلى الولايات المتحدة الأمريكية [1]، ليعرف انتشارا واسعا مع بداية القرن العشرين ويعتبر الدستور الفرنسي أول الدساتير إقرارا لهذا المبدأ.

تتجسد الرقابة الدستورية في التطبيقات العملية في صورتين أساسيين، مختلفتان من حيث الطبيعة القانونية، ومن حيث الجهة الموكل لها ذلك. فيتوجب رقابة ذات الطبيعة القانونية ومن حيث الجهد الموكل لها فتوجد رقابة ذات طبيعة قضائية وتسمى الرقابة القضائية لدستورية القوانين، ورقابة ذات طبيعة سياسية تدعى الرقابة السياسية لدستورية القوانين.

وفي هذه الدراسة سنركز بالضرورة على النوع الأول من الرقابة على دستورية القوانين، وذلك بالنظر إلى الأهمية التي تحتلها داخل الأنظمة الدستورية ومدى تحقيقها للفعالية في ضوء الانتقاذات الموجهة لباقي أصناف الرقابة الأخرى.

وبالعودة إلى النموذج المغربي، فإن دسترة هذه الفكرة وتنفيذها لم يتحقق إلا مع أول دستور وضعه المغرب بعد الاستقلال سنة 1962، وذلك بإحداثه لغرفة دستورية في حظيرة المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا)، أسند إليها صلاحية البت في صحة انتخاب أعضاء البرلمان واختصاصات محدودة جدا في الرقابة على الدستورية، وهو ما تمر تكريسه بعد ذلك نطاقا وحدودا في دستوري 1970 و 1972.

ومع دستور 1992، ستعرف مؤسسة القضاء الدستوري تطورا ملحوظا تمثل في إسنادها إلى هيئة مركزية مستقلة عن التنظيم القضائي العادي، هي: إحداث المجلس الدستوري، و توسيع مجال مراقبة الدستورية، وهو ما تم تكريسه بعد ذلك في دستور 1996.

لكن في دستور 2011 ستشهد هذه المؤسسة تغييرا إلى جانب مؤسسات قضائية أخرى، إذ تم الارتقاء بالقضاء عموما إلى مؤسسة مستقلة، والقضاء الدستوري بصفته مؤسسة قضائية كذلك. بحيث تم تحويل هذه المؤسسة من مجرد مجلس دستوري إلى محكمة دستورية تتمتع باختصاصات جديدة.

بالتالي فإن هناك تحول جوهري على المستوى الشكلي والموضوعي في نظام الرقابة على الدستورية، لكن  في ظل هذا التحول هل سيرقى نموذج الرقابة القضائية على دستورية القوانين إلى مصاف الأنظمة المقارنة،هذا سنحاول تسليط الضوء عليه من خلال الإشكالية المحورية لهذه الدراسة، والممثلة أساسا في: كيف ساهم القضاء الدستوري من خلال الرقابة على دستورية القوانين، في ضمان مبدأ سمو الدستور وحمايته في ظل التحديات الراهنة؟.

هذه الإشكالية تتفرع عنها إشكالات فرعية كالتالي:

  • ما هي اختصاصات الكلاسيكية للقضاء الدستوري الهادفة لضمان سمو الدستور؟
  • ما هي الأدوار الجديدة للقضاء الدستوري في سبيل ضمان سمو الدستور؟
  • ما هي الإشكالات التي يطرحها ضمان سمو الدستور؟
  • ما هي الأساليب الكفيلة لضمان سمو الدستور؟

 

وللبحث أكثر في هذا الموضوع سنحاول تخصيص (المبحث الأول)  للرقابة القضائية كضمانة أساسية لسمو الدستور، على أن نبحث في (المبحث الثاني) الأساليب الحديثة لضمان سمو الدستور.

 

 

 

 

المبحث الأول: الرقابة القضائية كضمانة أساسية لسمو الدستور

 

ظل مبدأ الدولة القانونية المبني على إخضاع الهيئة التنفيذية إلى السلطة التشريعية، عاجزا عن مواجهة احتمالات الانحراف التشريعي، مما جعل احتمال مساس النصوص التشريعية قائما.

لذا ظهر مبدأ الرقابة على دستورية القوانين والتي تمارس بطرق مختلفة، رقابة شعبية ممثلة بالأساس في الاستفتاء الشعبي على عمل من أعمال السلطات العامة، وهل هو دستوري أم لا، وثانيا الرقابة السياسية التي تمارسها الأحزاب السياسية وجماعات الضغط، من خلال وسائل التعبير عن الرأي العام،[2] وأخيرا الرقابة بواسطة جهاز قضائي.

ونظرا لكن لكون النوعين الأولين من الرقابة، أثبتت بالواقع الملموس أنها لا تأتي بنتائج مرضية، إلا في الدول التي وصل شعوبها إلى درجة من الوعي الثقافي القانوني.

فإننا سنحاول الوقوف على النوع الأخير الذي يعطي أمر الرقابة إلى جهاز قضائي، خصوصا وأن هاته الدراسة تعالج بالأساس هذا النوع من الرقابة.

وعلاوة على ذلك فإن هذا النوع من الرقابة شهد تطورا في النموذج المغربي منذ صدور أول دستور 1962 وحتى دستور 2011 الذي ارتقى بهذه المؤسسة إلى مصاف محكمة دستورية الفصول من 129الى 134 من الدستور.

وفي هذا الصدد سنحاول الوقوف على أهم الأدوار التي كانت تمارسها المحكمة الدستورية والتي تعتبر آليات أساسية في ضمان سمو الدستور، سواء قبل دستور 2011 أو بعده، ونستحضر هنا أهم دور لضمان دولة الحق والقانون والممثل في الرقابة على دستورية القوانين التنظيمية (المطلب الأول)، ثم الرقابة على الأنظمة الداخلية لمجلسي البرلمان (المطلب الثاني).

 

 

 

المطلب الأول: الرقابة القوانين التنظيمية كآلية لضمان سمو الدستور

إن إقرار مبدأ القواعد القانونية الذي تمسك به منظرو دولة القانون، والذي يرجع الفضل في ظهوره إلى الفقيه النمساوي هانكس كلسن hans kelsen قد أوجد اتفاقا فقهيا وقضائيا على بناء هرم قانوني، تخضع فيه القاعدة الأدنى للقاعدة الأعلى خصوصا  وأن مثل هذه القواعد القانونية -قوانين تنظيمية – تعتبر مكملة للدستور.

وعليه فإن مكانة القوانين التنظيمية تقع بين الدستور والقوانين العادية، فهي إذن أقل من الدستور منزلة وأعلى من القوانين العادية مكانة، ولها قيمة القاعدة الدستورية نظرا لكونها تخضع لمسطرة خاصة، منصوص عليها دستوريا فيما يخص الوضع والتعديل، لذلك سنبين طبيعة الرقابة على دستورية القوانين التنظيمية (أولا ) على أن نعمل على تبيان آثار إحالة هذه القوانين على القضاء الدستوري في ضمان سمو الدستور (ثانيا).

أولا: طبيعة الرقابة على دستورية القوانين التنظيمية

بالعودة إلى الفصل 132 من الدستور المغربي فإن القوانين التنظيمية المنصوص عليها في الدستور تعرض على المحكمة الدستورية التي تبت في مدى دستورية هاته القوانين.

وتأتي هذه الرقابة انطلاقا من طبيعة النص وخصوصيته، ولعل هذا ما أكده الأستاذ Didier Maus الذي أعتبر  أن القوانين التنظيمية تتميز عن باقي القوانين، من حيث مناقشتها والتصويت عليها داخل البرلمان، وتختلف أيضا عن الإجراءات التي تتبع في وضع القوانين العادية[3]. كما أن القوانين التنظيمية تعد منبثقة عن الدستور ومكملة له وتغدوا أحكامها بعد التصريح بمطابقتها للدستور إمتدادا له[4] .

وعلاوة على ذلك فالمادة 85 من الدستور نصت أيضا في الفقرة الأخيرة على أنه : “لا يمكن إصدار الأمر بتنفيذ القوانين  القوانين التنظيمية إلا بعد أن تصرح المحكمة الدستورية بمطابقتها للدستور”.

وبالتالي فالأمر هنا يتعلق بإحالة وجوبية إلى المحكمة الدستورية، وهي تعد مراقبة إلزامية وقبلية يقوم بها القضاء الدستوري على جميع القوانين التنظيمية التي صادق عليها البرلمان وهذا ما يشكل بطبيعة الحال، تفويتا لجزء من السلطة التأسيسية الفرعية لفائدته ولعل السبب في ذلك هو الخصوصية والمكانة التي تحظى بها هاته القوانين.

واستنادا إلى المادة 26 من القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية[5] ، فإن هاته الأخيرة تبت في مطابقة القوانين التنظيمية، والأنظمة الداخلية للمجالس، والالتزامات الدولية للدستور، داخل أجل 30 يوم تحتسب ابتداء من تاريخ إحالتها إليها، أو في غضون 8 أيام في حالة الاستعجال بطلب من الحكومة.

وفور نشر قرار المحكمة الدستورية القاضي بمطابقة قانون تنظيمي أو قانون للدستور، ينتهي وفق سريان الأجل المحدد لإصدار الأمر بتنفيذ القوانين.

ثانيا: آثار إحالة القوانين التنظيمية على القضاء الدستوري

في معرض مطابقة القوانين التنظيمية للدستور، تعرج المحكمة الدستورية على الجوانب الشكلية الواجب التقيد بها لإقرار هذه القوانين، لتخلص المحكمة إلى مراقبة مضمون القانون التنظيمي ومدى مطابقة الدستور، إذ تحرص المحكمة كل الحرص على أن تتقيد إلى أبعد الحدود بمضمون الوثيقة الدستورية باعتبارها أسمى قانون في البلاد.

ولا نرى فائدة من التذكير بمضمون القوانين التنظيمية المطابقة للدستور. وعليه بقي لنا أن نتعرض في عجالة للصنف الثاني غير مطابق للدستور وكذا النوع الثالث الذي يحتاج إلى تفسير وتوضيح.

  • المقتضيات الغير مطابقة للدستور

وبالرغم من حرص المشرع الشديد على احترام الدستور واستلهام روحه عند إقرار للقوانين التنظيمية، فقد يحدث أن تتسرب إليها بعض الصيغ والعبارات، بل وأحيانا بعض المقاطع أو المواد المنافية لجوهر الدستور. وهنا يتدخل المجلس الدستوري عند فحصه لهذه القوانين ليلفت نظر المشرع إلى المقتضيات المخالفة للدستور، وبالتالي إلى ضرورة مراجعتها لتصبح مطابقة له تماما[6].

  • المقتضيات الغامضة

يلعب القاضي الدستوري دورا أساسيا في تفسير وتأويل النصوص القانونية، خصوصا في الحالات التي قد توصف هاته القوانين بنوع  من الضبابية والغموض، بحيث أنها قد لا تكون بالضرورة غير دستورية، لكن الصياغة التي جاءت به هي التي جعلت منها معقدة وغير بسيطة.

وقد عمل القضاء الدستور المغربي في العديد من القرارات بمناسبة الرقابة على دستورية بعض القوانين، واعتبر العبارات الغير الواضحة أو المبهمة أو تلك التي تحتمل تأويلات متعددة غير دستورية.

” وحيث إن تعريف موضوع الإنصات إلى والي بنك المغرب كما ورد في المادة المشار إليها (يقصد المادة 58 من القانون رقم 76.03 المتعلق بقانون الأساسي لبنك المغرب بإحالته إلى المسائل المتعلقة بالسياسة النقدية، جاء مبهما وقد يفهم منه أنه الموضوع المذكور، يتعلق أيضا بتحديد السياسة النقدية التي لا تدخل في صلاحيات والي بنك المغرب، بل هي من مهام المجلس الوزاري الذي يرأسه الملك وذلك بمقتضى الفصل 66 من الدستور، وحيث إنه تبعا لذلك، يكون ما نصت عليه المادة 58 من الإنصات إلى والي بنك المغرب من طرف اللجان الدائمة للبرلمان المكلفة بالمالية يتم حول المسائل المتعلقة بالسياسة النقدية، غير مطابق للدستور[7] .

إذن فالقضاء الدستوري لا يتردد في اعتبار هاته العبارات غير دستورية، وهذا يرتبط أساسا بسهولة الولوج إلى القواعد القانونية، وصنفها ضمن الآليات الناجعة لحماية الحقوق والحريات.[8]

 

المطلب الثاني: الرقابة على الأنظمة الداخلية للبرلمان

نص المشرع الدستوري المغربي، في الفصل 69 من الدستور على أنه “يضع كل من المجلسين نظامه الداخلي ويقره بالتصويت، إلا أنه لا يجوز العمل به إلا بعد أن تصرح المحكمة الدستورية بمطابقته لأحكام الدستور”، بمعنى أن النظام الداخلي الذي يضعه أحد مجلسي البرلمان على الرغم من إقراره بالتصويت لا يمكن الشروع في تطبيقه والعمل بمقتضياته إلا بعد أن يصرح المجلس الدستوري بمطابقته لأحكام الدستور[9].

ويمكن تعريف الأنظمة الداخلية للبرلمان بكونها “مجموعة من القواعد القانونية المنظمة والمؤطرة لمختلف الأجهزة التي تسير هاته المجالس و لا يوجد أي من المجالس (منتخبة – معينة) أو هيئات استشارية أو تشريعية، إلا  وله نظام داخلي يحدد طريقة ونظام اشتغاله [10].

لذلك سنحاول توضيح هاته القيمة القانونية للأنظمة الداخلية، بالإضافة إلى إبراز أهمية الرقابة على هاته الأخيرة.

أولا: القيمة القانونية للأنظمة الداخلية للبرلمان

بالرغم من أن معظم الدساتير تتضمن وبشكل مفصل مواد متعلقة بالسلطة التشريعية وبوظيفة التشريع، إلا أن هذه الدساتير غالبا ما تلتزم برلماناتها بتسطير أنظمة داخلية مكتوبة خاصة بها تحدد من خلالها تنظيم العمل البرلماني.

ونظرا لأهمية الأنظمة فإنها أصبحت تشكل الجهاز الأساسي لتنظيم الحياة البرلمانية.

من وجهة نظر شكلية يعتبر النظام الداخلي ذلك القرار الذي تتبناه كل غرفة في البرلمان وفق إجراءات عادية (تقديم مفتوح- الدراسة ضمن لجنة التصويت في جلسة علنية…..) [11]، وهو يظهر في صيغة ما يطلق عليه في القانون الإداري” قواعد التنظيم الداخلي”، بمعنى قواعد ذات صلاحية محدودة بحيث تسري فقط داخل المجلس المعني بها، أي أنها تسري فقط على الأشخاص التابعين لها سواء بصفة دائمة كأعضاء المجلس وموظفوه، في هذه الحدود القواعد المشكلة للنظام الداخلي هي قواعد قانونية إجبارية تضمن أجهزة المجلس تطبيقها.

لكن هذه الأنظمة تتصف بكونها ذات طبيعة خاصة بالمقارنة مع القواعد المكتوبة الأخرى للقانون البرلماني وهو ما عبر عنه Paul Bastide التنظيم الداخلي هو القانون الداخلي لكل مجلس والذي يضمن بنفسه فالمجلس يتصرف عندما يسن نظامه الداخلي ليس كجزء من السلطة التشريعية ولكن كهيئة مستقلة بصلاحيات تنظيم نفسها وتمتلك سلطة الانضباط تجاه أعضاءها[12] .

وصلاحية النظام الداخلي لا تمتد خارج المجلس الذي تبناه لأن قواعده ذات طبيعة داخلية، بمعنى نطاق نفاذها يكون محدودا بمكوناتها الداخلية وكل الأشخاص الخاضعين      – ولو مؤقتا- لسلطة هذه الهيئات سواء تعلق الأمر بالنواب أو الموظفين أو الضيوف (زوار، أعضاء الحكومة، موظفوا السلطة التنفيذية …..)، غير أن القوة الإلزامية لتدابير وقرارات ومقتضيات النظام الداخلي للبرلمان تحتاج إلى تحديد أكثر دقة إن على مستوى العلاقة بين غرفتي البرلمان، أو على مستوى من تربطهم صلة بالبرلمان كالزوار والصحفيين وأعضاء الحكومة.

ثانيا: أهمية الرقابة على الأنظمة الداخلية للبرلمان.

لا أحد يجادل في أهمية الأنظمة الداخلية للبرلمان، وذلك باعتبارها تشكل محور العمل البرلماني من حيث تأطيره وضبط أداء المجالس التشريعية (مجلس النواب، مجلس المستشارين)، فبقدر ما قد تساعد أحكام هذه الأنظمة على تسيير عمل البرلمانيين وصيانة حقوقهم بقدر ما قد تعرقل نشاطهم، وتعقد مهامهم كما يمكن أن تقزم من دور المعارضة أو تسهل مهمتها تضعه من تنظيم لحق الاستجواب والسؤال وتحريك المسؤولية الوزارية[13].

لذلك فإن الرقابة على النظام الداخلي والبحث في مضامينه، وطبيعة أحكامه ليست أمرا تقنيا بحثا، بقدر ماهي مسألة سياسية بامتياز وقضية على درجة من الأهمية. وهذا يقتضي النظر إلى النظام الداخلي للغرفة البرلمانية من الزاويتين القانونية الشكلية والسياسية الواقعية معا.

فالنظام الداخلي للمؤسسة التشريعية من حيث أنه ينظم سير مؤسسة دستورية ذات أهمية خاصة في النظام السياسي، تكون له تأثيرات سياسية كبرى، حتى إن بعض الفقهاء الدستوريين الكلاسيكيين اعتبروه بسبب ذلك “دستور بشكل أخر وامتدادا أو تفسيرا له[14] “. إن هذه الأهمية عبر عنها بوضوح الفقيه Eugène Pierre بقوله “لا تشكل من الأنظمة حيث المظهر سوى القانون الداخلي للهيئة البرلمانية، تشكل مجموعة من المتطلبات التي وضعت لأجل التسيير المنهجي لاجتماع، تلتقي وتتواجه فيه طموحات ومطالب متناقضة وهو في واقع الأمر أداة مؤثرة في يد الأحزاب، لأنه غالبا ما يكون له تأثير أعظم فعالية من الدستور نفسه على سير الشؤون العامة[15].

ولعل الهدف من إخضاع النظام الداخلي للبرلمان لرقابة القضاء الدستوري، هو الحيلولة دون أن يتخذ النظام الداخلي من لدن البرلمان ذريعة للتوسع نحو اختصاصات لم يمنحها إياه[16]، أو التعدي على اختصاصات الحكومة، أو عرقلة نشاطها فيكون بذلك مدخلا لمخالفة أحكام الدستور أو لمجاوزة تفسير النصوص الدستورية تفسيرا سليما ومن جهة أخرى يمكن أن يشكل النظام الداخلي وسيلة قوية في يد أحزاب الأغلبية. وخضوعه للرقابة يضمن حق الأقلية البرلمانية (المعارضة).

المبحث الثاني: الأساليب الحديثة لضمان سمو الدستور

تشكل الرقابة على دستورية القوانين محور الرهان في الحفاظ على مبدأ سمو الدستور، وأيضا حماية حقوق وحريات المواطنين بما يكفل عدم الاعتداء عليها، أو المس بها ولعل في صيانة هذه الحقوق والحريات ضمانة أساسية لقيام دولة الحق والقانون.

وإذا كان القضاء الدستوري الجهة المؤهلة قانونا للرقابة على دستورية القوانين، فإن دوره في تحقيق العدالة الدستورية رهين بعدة أمور، من بينها إمكانية وضع يده على القانون للنظر في دستوريته، لذلك كان لزاما من إفساح المجال أمامه للقيام بدوره عن طريق آليات تسهل الولوج إليه وتوسيع دائرة صلاحيته.

لذلك فإن مختلف النظم المقارنة عملت على تسهيل الولوجية إلى القضاء الدستوري، من خلال مثلا منح الأفراد حق اللجوء إلى القضاء الدستوري، ناهيك على توسيع مجال الرقابة الإجبارية على النصوص القانونية.

وبالمناسبة سنحاول دراسة النموذج المغربي وخصوصيتة في هذا الباب، ومدى اقتداءه بالدول الديموقراطية خصوصا مع ما جاء به دستور 2011 من مستجدات حديثة تروم ضمان احترام القواعد القانونية للمبادئ الدستورية.

المطلب الأول: الدفع بعدم الدستورية كآلية حديثة لضمان الدستور

تجد آلية الدفع بعدم الدستورية أساسها في الفصل 133 من الدستور المغربي، الذي أتاح لكل مواطن طرف في نزاع معروض على المحكمة إمكانية الدفع بعدم دستورية القانون الذي سيطبق في النزاع، إذا كان ذلك يمس بالحقوق والحريات التي ضمنها الدستور. وهذا النوع من الرقابة يجد سنده في احترام مبدأ سمو الدستور، حتى بعد صدور النص القانوني أي يمكن أن نصفها بالرقابة اللاحقة.

إن تنصيص المشرع الدستوري على هذا المقتضى يندرج أساسا في باب تسهيل الولوج إلى العدالة الدستورية وضمان دولة الحق والقانون والحريات الفردية والعامة.

وبالمناسبة فإننا سنحاول في هذا المقام تبيان أهمية هاته الآلية في تعزيز دور القضاء الدستوري كجهة ضامنة لسمو الدستور، ثم نعرج على مسطرة وشروط الدفع بعدم الدستورية، وأخيرا آثار الدفع بعدم الدستورية.

أولا: أهمية الدفع بعدم الدستورية

إن إقرار حق الأفراد في الدفع بعدم الدستورية، ينضبط لفروض الحاجة و تجاوز إكراهات وعيوب الرقابة الدستورية السابقة، ثم أيضا التخفيف من انفلات القوانين من الرقابة على الدستورية، وأيضا إمكانية إيجاد توليفة مركبة من تقنيات الرقابة السابقة واللاحقة، والتوفيق بين متطلبات كل من دولنة القانون أو فردنته، ثم السعي إلى وقوف الأفراد بشكل مباشر للدفاع عن حقوقهم مما سيؤول إلى تعزيز ثقة الأفراد في القضاء الدستوري[17].

وفي هذا الصدد قد صرح Robert Badinter سنة 1989، بأن الوقت قد حان للاعتراف للمواطنين بإمكانية ولوجهم إلى المجلس الدستوري عن طريق التصفية القضائية عندما يتم انتهاك حقوقهم الأساسية[18].

وآلية الدفع بعدم الدستورية تأخذ به مجموعة من الأنظمة المقارنة، لكن بتطبيقات مختلفة، كالأردن ولبنان وفرنسا، هذه الأخيرة التي اعتمدته على إثر التعديل الدستوري الذي قامت به سنة 2008، من خلال إدراجها لمسألة الأولوية الدستورية « prioritaire de la constitutionnalité la question » ، والتي تشتهر باختصار QPC  والتي يحدد شروطها وشكليات تطبيقها القانون التنظيمي رقم 1523/2009 الصادر بتاريخ 10 ديسمبر 2009 ، وقد دخل هذا التعديل حيز التنفيذ منذ تاريخ 01 مارس 2010، حيث أجمع أغلب المهتمين بالقضايا الدستورية في فرنسا على أهميتة، ووصفوه بأنه من أهم ما قام به المشرع الدستوري الفرنسي منذ سنة 1958، باعتباره يشكل ثورة حقوقية[19] ، فتحت صفحة جديدة في تاريخ القضاء الدستوري من خلال السماح ولأول مرة للمتقاضيين بالولوج إلى القضاء الدستوري.

بالمقابل وإدراكا من المشرع المغربي بأهمية هاته الرقابة في ضمان سمو الدستور واحترام قواعده، إضافة إلى تمكين المواطنين من الولوجية بشكل مباشر إلى القضاء عن طريق هذا الدفع فإنه قد كرس هذا المقتضى في دستور 2011. وذلك في سبيل تحديد ملامح عدالة دستورية، وكي تكون المحكمة الدستورية فاعلا مباشر في هذا السمو لمختلف القواعد القانونية على مختلف أنواعها.

ثانيا: شروط الدفع بعدم الدستورية في النظام المغربي

إن المقتضى الدستوري الذي يثويه الفصل 133 من الدستور “تختص المحكمة الدستورية بالنظر في كل دفع متعلق بعدم دستورية قانون أثير أثناء النظر في قضية وذلك إذا دفع أحد الأطراف بأن القانون سيطبق في النزاع يمس بالحقوق وبالحريات التي يضمنها الدستور.

يحدد قانون تنظيمي شروط وإجراءات تطبيق هذا الفصل [20]يمكن أن تستشف منه تعريف لهذه الرقابة وأيضا شروطها.

يقصد بالرقابة عن طريق الدفع “المطالبة فقط بعدم تطبيق القانون على حالة محددة بسبب عدم الدستورية، فالقانون يبقى ساري النفاذ ولكل ذي مصلحة إثارة عدم دستورية من جديد”. إذ أن الطعن في عدم دستورية القانون وفق هذه الطريقة، لا يطرح بشكل مستقل بل بمناسبة نزاع يحمل تطبيق القانون المشكوك في دستوريته، وبالتالي فإن نموذج المراقبة عن طريق الدفع مشروط ب:

– وجود نزاع حقيقي بين أطراف يثير أحدهما دستورية القانون الذي سيطبق على النازلة، فمراقبة دستورية القوانين ليست دعوى مستقلة بل هي تابعة لدعوى أصلية.

– إن إثارة عدم دستورية القانون يؤدي بالمحكمة إلى التوقف عن البت في الخصومة الأصلية والتحقق في مدى دستورية القانون.

– إن إثارة عدم دستورية القانون ليست عملية تلقائية ولا يمكن أن تثيرها المحكمة من تلقاء نفسها، بل إن ذلك يعود لكل ذي مصلحة وبسبب نزاع قائم ومستقل عن دعوى فحص الدستورية.

– إن عمل المحكمة في حالة ثبوت وجود تعارض بين القانون المطبق على النازلة والدستور، تمتنع عن تطبيقه وتدفع بعدم دستوريته، لكن عملها لا يمتد إلى إلغائه، فالقانون يتوقف فقط إنتاج أثره بالنسبة للحالة المعروضة على المحكمة دون إلغائه.

وهذا عكس الرقابة عن طريق الدعوى، التي تسمح بميلاد دعوى مراقبة دستورية القوانين بشكل منفصل عن أي نزاع أخر، ويؤدي نظر المحكمة المختصة في حالة ثبوت عدم دستورية القانون إلى إلغاءه في وجه الكافة، ويعتبر القانون بالنتيجة بدون أي أثر، إن هذا النوع من الرقابة يتميز عن الرقابة عن طريق الدفع في أنه يحسم وبشكل نهائي في مدى دستورية القانون ويعطي لأحكامه حجية مطلقة، حيث لا يتصور إثارة دستورية القانون من جديد على أنظارها بعد إصدارها لحكمها[21].

ثالثا: آثار الدفع بعدم الدستورية

إذا كانت الأحكام الصادرة في الدعاوى الدستورية لا تقبل أي طريق من طرق الطعن،  وهي بطبيعتها -دعاوى عينية- توجه الخصومة فيها إلى النص التشريعي المطعون فيه، بسبب عيب دستوري ويكون لها حجة مطابقة وعامة، حيث لا يقتصر أثرها على خصوم الدعوى التي صدرت فيها، وإنما ينصرف هذا الأثر إلى الكافة وتلتزم به جميع السلطات الإدارية والقضائية للدولة[22] ، سواء كانت هذه الأحكام قد انتهت إلى عدم دستورية النص التشريعي المطعون فيه أو إلى دستورية وسلامته من أي عيب دستوري.

وإذا كانت الحالة الأخيرة لا تثير إشكالا عمليا ما دام النص القانوني سليم مما يتعين تطبيقه على النازلة المعروضة على أنظار القضاء، فإن الحالة الأولى تثير إشكالا جوهريا مرتبط بالنطاق الزمني لتنفيذ هذه الأحكام الصادرة بعدم الدستورية، وفي هذا الصدد يمكن الوقوف على مختلف الاجتهادات القضائية والفقهية في الصدد، خصوصا في الأنظمة المقارنة علما أن التجربة المغربية إلى حدود الساعة لا زالت في طريق التأسيس لهذه الدعوى[23]، وفي هذا المنوال يمكن أن نميز بين ثلاث مواقف مختلفة.

  • الاتجاه الأول: الأثر الرجعي للحكم الصادر بعدم الدستورية

يذهب أنصار هذا الاتجاه إلى أن الأصل في الأحكام القضائية أنها كاشفة، وليست منشئة لأنها لا تنشئ الحقوق والالتزامات التي تحكم بها، بل تكشف عن هذه الحقوق والالتزامات الثابتة لأصحابها، أو في مواجهتهم قبل النطق بالحكم. أو أن هاته الأحكام تكشف عن حكم الدستور في المنازعة المعروضة على القضاء، وترده إلى مفهومه الصحيح الذي يلازمه منذ صدوره. وتكشف عن العيب الدستوري الذي يطال النص القانوني منذ تشريعه الأمر الذي يستتبع أن يكون للحكم بعدم الدستورية أثر رجعي، كنتيجة حتمية لطبيعتة الكاشفة.

كما أن أنصار هذا الاتجاه يستندون إلى الطبيعة العينية للدعوى  الدستورية، وبالتالي إذا ما قضت المحكمة الدستورية بعدم دستورية ذلك النص التشريعي، فمعنى ذلك أن هذا النص قد ولد مخالفا للدستور منذ الصدور، وليس من لحظة صدور الحكم بعدم دستوريته مما يستدعي تطبيق الحكم بأثر رجعي، إذ لا يتصور في هذه الحالة أن يكون النص التشريعي دستوريا في الفترة السابقة على صدور الحكم وغير دستوري من لحظة صدوره وهذه نتيجة غير سليمة تجعل من رقابة الدستورية غير ذات فائدة[24].

  • الاتجاه الثاني: الأثر الفوري للحكم الصادر بعدم الدستورية

يذهب أنصار هذا الاتجاه[25]، إلى أن الحكم الصادر بعدم الدستورية يعد منشأ لحالة عدم الدستورية، وليس كاشفا لها، ومن تم يجب تطبيقه بأثر فوري من اليوم التالي لنشره بالجريدة الرسمية، ولا يسري بأثر رجعي، بمعنى أنه لا يطبق على العلاقات السابقة على صدوره إلا إذا كان يتعلق بنص جنائي، وأنه يجب أن يكون للحكم دور إنشائي يتجاوز حدود التطبيق الحرفي لنصوص القانون، خاصة وأن الأمر يتعلق بتطبيق نصوص قانونية لها طبيعة خاصة وهي نصوص الدستور، التي يقع بعضها على الحدود الفاصلة بين عالم السياسة وعالم القانون.

ويرى في هذا الصدد الأستاذ أحمد فتحي سرور[26]إن التشريع إذا ما اعتاد على تطبيقه، فإن الحكم بعدم الدستورية بعد فترة طويلة من تطبيقه، يخلق نوعا من الإخلال بالأمن القانوني، ولا يجوز أن تتحول الرقابة على دستورية القوانين إلى وسيلة للهدم وزعزعة الاستقرار”.

  • الاتجاه الثالث : تأجيل إنتاج آثار الحكم بعدم دستورية إلى أجل محدد

يدعو أنصار هذا الاتجاه، إلى الاستمرار في تطبيق النص الدستوري القاضي بعدم الدستورية، على أن يحدد للمشرع مهلة معينة لتفادي عيب عدم الدستورية، والهدف من ذلك هو تفادي وجود فراغ تشريعي إذا ما قضي بإلغاء النص القانوني.

وإذا كان الأثر المنشئ للحكم بعدم الدستورية، هو أن القاعدة القانونية التي تضمنها النص التشريعي المحكوم بعدم دستوريته تظل حاكمة للوقائع التي حدثت في الماضي، أي قبل نشر الحكم فإنه استثناء من ذلك يجوز للمحكمة الدستورية في بعض الحالات أن تحدد أجالا معينة، ينتج الحكم آثاره وتعتبر في هاته الحالة القاعدة القانونية جزءا من النظام القانوني، وساري العمل بها لغاية تدخل المشرع داخل الأجل المحدد لتفادي عيب عدم دستورية وفق ما نص عليه منطوق الحكم القاضي بعدم الدستورية، والعلة في ذلك هو تجنب كل فراغ تشريعي أو فوضى قانونية، وقد تصل هذه المدة القانونية إلى سنة حتى يتمكن خلالها المشرع من إزالة العيب الدستوري الذي طاله.

وفي هذا الصدد نصت مجموعة من الدساتير الأوروبية والعربية[27]، أن الحكم بعدم الدستورية يعمل به من اليوم الموالي لنشره، ويجوز للمحكمة عند الاقتضاء أن تحدد تاريخا أخر لانقضاء القوة الإلزامية للتشريع ولا يجوز أن تزيد هذه المدة عن ثمانية عشر شهرا.

وقد قيل في هذا الصدد إن القاضي الدستوري مكلف بأن يحمي القيم الدستورية في جميع فروع القانون، وأن يتجنب في ذات الوقت أن يتسبب بالفراغ التشريعي، ولذلك فالمحكمة يجب ألا يقتصر دورها على مجرد حماية الشرعية الدستورية وإنما تهتم أيضا بحماية الأمن القانوني .

المطلب الثاني: توسيع مجال الرقابة على الدستورية كضمانة لسمو الدستور.

انسجاما مع التوجهات الجديدة في سبيل ضمان سمو الدستور، واحترام قواعده خصوصا حينما يتعلق الأمر ببعض القواعد القانونية التي تنظم مجالا من المجالات الأساسية داخل الدولة، فإن المشرع الدستوري قد حاول في ضوء دستور 2011 أن يعمل على توسيع باب الرقابة الإجبارية.

إذا كانت الرقابة على الدستورية التي تتم بإحالة وجوبيته في نطاق الدستور السابق مقتصرة وخاصة بنوعين من التشريعات هما: القوانين التنظيمية والأنظمة الداخلية فإنه في ظل دستور 2011 وإن لم تتسع من حيث النوع إذا ظلت مقتصرة على النوعين  المذكورين – فإنها اتسعت اتساعا كبيرا من حيث مجالها سواء على مستوى القوانين التنظيمية أو على مستوى مجال الأنظمة الداخلية كما يلي:

 

 

أولا: اتساع مجال القوانين التنظيمية

اللافت للانتباه أن الدستور الحالي اشتمل على لائحة طويلة من النصوص التنظيمية تتولى تتميم الوثيقة الدستورية وتدقيق مضامينها[28]، بحيث كان عدد القوانين التنظيمية في نطاق دستور 1996 لا يتجاوز تسعة قوانين تنظيمية ثم تضاعف عددها إلى 22 قانون تنظيمي.

سبعة من هذه القوانين التنظيمية جديدة، تحدث لأول مرة بموجب فصول الدستور الحالي، ويتعلق الأمر بالقانون التنظيمي المحدد لمراحل تفعيل الطابع الرسمي الأمازيغية، وكيفيات إدماجها في مجال التعليم (الفصل 5)، والقانون التنظيمي المحدد لصلاحيات المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية وتركيبته وكيفية سيره (الفصل 5)، والقانون التنظيمي المحدد لشروط وكيفيات ممارسة الحق في تقديم الملتمسات في مجال التشريع (الفصل 14)، والقانون التنظيمي المحدد لكيفيات ممارسه الحق في تقديم العرائض إلى السلطات العمومية (الفصل 15)، والقانون التنظيمي المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها (الفصل 87)، ثم القانون التنظيمي المتعلق بالدفع بعدم الدستورية (الفصل 33).

وسبعة قوانين تنظيمية أخرى كانت موادها في نطاق الدستور السابق منظمة فقط بموجب قوانين عادية وتشريعات لا تخضع للرقابة الدستورية الواجبة، ثم صارت خاضعة بعد أن صدرت في شكل قوانين تنظيمية، ويتعلق الأمر بالقانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية (الفصل 7)، والقانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية (الفصل 112)، والقانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية (الفصل 116)، والقانون التنظيمي المتعلق بالجماعات (الفصل 146)، والذي صدر في مدونة تشمل ثلاث قوانين تنظيمية (جهات جماعات عمالات وأقاليم).

أما ثمانية القوانين التنظيمية الأخرى فقد كانت مقررة في الدستور السابق، وهكذا وبعد أن كان الولوج الإجباري للرقابة الدستورية معنيا فقط بتسعة قوانين تنظيمية، اتسع مجاله ونطاقه فأصبح يهم 22 قانونا تنظيميا، لا يمكن إصدار الأمر بتنفيذها بموجب الفقرة الأخيرة من الفصل 85 من الدستور إلا بعد أن تصرح المحكمة الدستورية بمطابقتها للدستور وهذا بدون شك يشكل ضمانة أساسية لاحترام سمو الدستور.

ثانيا: إتساع مجال الأنظمة الداخلية الخاضعة وجوبا للرقابة الدستورية.

كانت الأنظمة الداخلية التي تحال قبل الشروع في العمل بها وجوبا على الرقابة الدستورية محدودة في ثلاث فقط، ثم اتسع مجالها ليصبح بموجب الفقرة الأخيرة من المادة 22 من القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية، يشمل إضافة إلى ذلك جميع الأنظمة الداخلية للمجالس المنظمة بموجب قوانين تنظيمية.

والحاصل أن الأنظمة الداخلية التي أصبحت معنية عمليا بمراقبة الدستورية القبلية الوجوبية هي:

  • النظام الداخلي لمجلس النواب والنظام الداخلي لمجلس المستشارين طبقا للفقرة الثانية من الفصل 132 من الدستور.
  • النظام الداخلي للمجلس الاقتصادي والبيئي طبقا للفقرة الأولى من المادة 37 من القانون التنظيمي لهذا المجلس.
  • النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية طبقا للفقرة الأولى من المادة 49 من القانون التنظيمي لهذا المجلس.
  • القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة.

 

الخاتمة:

من خلال تحليل ومناقشة هذه الورقة البحثية، تبين لنا أن المشرع المغربي وبمناسبة التعديل الدستوري لسنة 2011 قد تبنى جملة من التعديلات اعتبرت جوهرية في مجال الحقوق والحريات وضمان سيادة القانون وسمو الدستور.

ولعل ما حبلت به الوثيقة الدستورية تلك المقتضيات المرتبطة أساسا بالقضاء الدستوري ووضعية هاته المؤسسة خصوصا في ظل التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها المغرب.

لكن يبقى أمر تفعيل هاته المقتضيات الدستورية رهين بإرادة سياسية لها قناعة قوية في إرساء دولة الحق والقانون خصوصا وأن مقتضيات قانونية مهمة ذات الصلة بالحقوق والحريات لازالت لم ترى النور إلى يومنا هذا (الحق في الإضراب) .

إضافة إلى القانون التنظيمي المرتبط بالحق في الدفع بعدم الدستورية المعترف به للمواطن.

[1]بيرون أبارون وتوماس دينيس “الوجيز في القانون الدستوري” المبادئ الأساسية للدستور الأمريكي ترجمة مصطفى غنيم الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية الطبعة 1 1998 ص 69.

[2]أدمون رباط “الوسيط في القانون الدستوري العامر . ج2 . ط3. دار العلم للملايين سنة 2004.

[3] – زكرياء أقنوس “قانون المجلس الدستوري وضبط سير المؤسسة البرلمانية ” سلسلة البحث الأكاديمي الإصدار العاشر منشورات مجلة العلوم القانونية ط الأولى ص 68.

[4]–  قرار المجلس الدستوري 786 بتاريخ 02 مارس 2010.

[5]ظهير شريف رقم 1.14.139 صادر في 16 من شوال 1435 ( 13 أغسطس 2014 / بتنفيذ القانون التنظيمي 66.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية.

1- حميد اربيعي “قراءة في قرارات المجلس الدستوري الصادر في ظل الدستور الجديد سلسلة مؤلفات وأعمال جامعية عدد 98 سنة 2013. ص31.

[7]– المجلس الدستوري قرار رقم 606.05 بتاريخ 2005 ج ر عدد 5308 بتاريخ 14 أبريل 2005 ص 1211.

[8]– حسن حلوي “مفهومية القواعد القانوينة بين الرقابة القبلية والرقابة البعدية : دراسة تحليلة في اجتهادي القضاء الدستوري المغربي والقضاء الدستوري الفرنسي” مجلة المنارة للدراسات القانونية والإدارية عدد 23/ سنة 2018.

[9] رشيد المدور “مراقبة دستورية الأنظمة الداخلية للبرلمان في المغرب – مقاربة في الخصائص والمنهج” الطبعة الأولى 2008 مطبعة طوب بريس+ الرباط ص3.

[10] يوسف صديقي “أعمال المجالس الجماعية بين سلطة الإدارة ورقابة القضاء الإداري” بحث لنيل شهادة الماستر في القضاء الإداري 2017 كلية الحقوق سلا – جامعة محمد الخامس الرباط.

[11]النظام الداخلي لمجلس النواب بعد صدور قرار المحكمة الدستورية رقم 56/17 بتاريخ 30أكتوبر 2017 منشورات مجلس النواب 2017 الطبعة 2017 دار أبي رقراق للطباعة والنشر الرباط.

 [12]Jean GICQUEL “droit parlementaire Montchrastien Paris 1er édition 1988 / P08.

[13]مصطفى أبو زيد فهمي، النظام الدستوري للجمهورية العربية المتحدة، دار المعارف القاهرة، القاهرة ،سنة 1966،ص530-531.

[14] رشيد المدور “خصائص الرقابة على دستورية الأنظمة الداخلية للبرلمان ومنهجها في التطبيق المغربي دراسة تحليلية مقارنة مجلة الحقوق مجلس النشر العلمي جامعة الكويت العدد 01 مارس 2008 ص 356.

[15]Pierre  Eugène” traité de droit politique électorale et parlementaire constitutionnel ”  Paris   5eme édition P490.

[16] Louis favoreu “la place du conseil constitutionnel dans la constitutionnel de 1958 “disponible sur : WWW.Conseil constituionnel.fr/ Dossier / Quarante/ 918.htm

[17] عثمان الزياني “المواطن والعدالة الدستورية : حق الأفراد في الدفع بعدم الدستورية في ظل الفصل 133 من الدستور”

[18] Fanny jacqelot:  la procédure de la QPC nouveau cahier du conseil constitutionnel « (dossier : le conseil constitutionnel : trois ans de QPC) n° 40 France 2013 P01.

[19] Mathieu disant ,droit de la question prioritaire de la constitutionnalité ,collection Lany France 2011 .P09.

[20] مشروع القانون التنظيمي 86.15 المتعلق بتحديد شروط وإجراءات تطبيق الفصل 133 من الدستور.

 [21]محمد أتراكين “الدستور والدستورانية : من دساتير فصل السلط إلى دساتير صك الحقوق “سلسلة الدراسات الدستورية 1، الطبعة الأولى مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء الصفحة 76.

[22] الفصل 134 من الدستور الفقرة الثانية : لا تقبل قرارات المحكمة الدستورية أي طريق من طرق الطعن وتلزم كل السلطات العامة وجميع الجهات الإدارية والقضائية.

[23]مشروع القانون التنظيمي 86-15 المتعلق بتطبيق الفصل 133 من الدستور لازال لم يرى النور لحدود الساعة.

[24] محمد قصري “أثار الأحكام الصادرة بعدم دستورية قانون مطعون فيه ” المجلة المغربية للادارة المحلية والتنمية ،عدد 128 ماي يونيو 2016. ص148.

[25] مصطفى محمود عفيفي “حول رقابة الدستورية في مصر والدول الأجنبية” م س ص 276.

 [26]أحمد فتحي سرور “مطلوب تغيير قانون المحكمة الدستورية العليا “منشور بجريدة المحور بتاريخ 1995/03/15

[27] الدستور الفرنسي في فصله 62 والقرار الجمهوري بقانون 198 لسنة 1998.

[28]حميد اربيعي “قراءة في قرارات المجلس الدستوري الصادر في ظل الدستور الجديد سلسلة مؤلفات وأعمال جامعية عدد 98 لسنة 2013 ص28.