القاضي ودعوى الفسخ في البيوع

549

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الدكتور بنطالبة احمد

أستاذ التعليم العالي مساعد

جامعة ابن زهر

كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية

اكادير

 

 

 

 

 

 

 

مقدمة:

إن مبدأ احترام المجتمع واحترام المصلحة العامة، يفرض بالأساس احترام مؤسسة العقد وتنفيذ الالتزامات المضمنة بها على وجه صحيح لمسايرة مصلحة الفرد والمجتمع معا، وبذلك تستقر المعاملات ويسود الأمن والاطمئنان في نظام الفرد والمجتمع معا، وهذا هو الهدف والمبتغى الأساسي في المعاملات التي تجرى في الحياة اليومية.

وإذا كانت الغاية الأساسية للمشرع، تنظيم الفرد والمجتمع تنظيما محكما، بعدة وسائل قانونية عديدة ومتعددة، من بينها على الأساس مؤسسة العقد، فإنه قد عمل على ضبط أحكام العقد بكل دقة، حيث يعتبر هذا الأخير قطب رحى المعاملات، سواء بين الأفراد –عقود فردية- أو بين الجماعات –النقابات، الجمعيات، الأحزاب…- أو بين الدول كما هو الأمر في المبادلات التجارية التي أصبحت الآن لا تعرف أي حواجز أو حدود –نظام العولمة، القانون الدولي الخاص-.

وأمام أهمية مؤسسة العقد، التي يلعب فيها مبدأ سلطان الإرادة دورا أساسيا في تكوينه، فإن هذه الإرادة ليست في الغالب حرة وسليمة، من هذا المنطلق قد نصادف  بعض المتعاملين في إطار مؤسسة العقد، بطريقة أو أخرى يستهترون بهذه المؤسسة ويعصفون بأهدافها النبيلة ومراميها الغالية، حيث نجد نقض العقود والتبرم عن تنفيذ الالتزامات الملقاة على عاتق صاحبها، فأمام هذا الاضطراب في المعاملات الاجتماعية الذي ينتج عنه اختلال في توازن مؤسسة العقد يتدخل المشرع من أجل رد الأمور إلى نصابها، وإعانة الطرف الضعيف على استرجاع حقوقه. من هنا، تدخل المشرع ثانية بناءا على نص قانوني حيث أوجد إلى جانب الفصل 230 من ق.ل.ع الذي يعتبر العقد شريعة المتعاقدين. الفصل 259 ق.ل.ع الذي يخول للمتضرر حق المطالبة بالفسخ والتعويض معا أمام جهاز العدالة بالطبع كذلك، نتيجة عدم تنفيذ أحد الطرفين لالتزاماته التي إلتزم بها في العقد المبرم بينهما.

ونظام الفسخ أو زوال العقد موضوع أساسي ولا يقل أهمية عن نظام تكوين العقد وبنائه. من هذا المنطلق سنقوم بدراسة موضوع تحت عنوان “القاضي ودعوى الفسخ في البيوع” على الشكل التالي:

الفصل الأول: العقد الصحيح أساس المعاملات المدنية والاستقرار الاقتصادي.

الفصل الثاني: أساس الفسخ في دعاوى البيوع

الفصل الثالث: نظر القاضي في دعوى الفسخ في البيوع.

الفصل الأول: العقد الصحيح أساس المعاملات المدنية والاستقرار الاقتصادي.

إن العقد الصحيح لا تقوم له قائمة إلا إذا توافرت له الأركان العامة، وهي الأهلية، والرضا، والمحل، والسبب، والشكل في العقود الشكلية، والتسليم في العقود العينية، كما أنه يتعين في هذه الأركان أن تكون مستجمعة لكافة شروط صحتها. كأن يكون الشخص أهلا للتصرف، وان تكون إرادته سليمة غير مشوبة بعيب من عيوب الرضا: وهي الغلط، والتدليس، والإكراه، والغبن، وحالات المرض والحالات الأخرى المشابهة لها ([1]).

فإذا كان العقد مستجمعا لكافة عناصره التكوينية بالكيفية التي ينص عليها القانون، فإننا نكون أمام عقد صحيح منتج لكافة آثاره التي يحددها القانون.

أما إذا اختل عنصر من عناصر تكوين هذا العقد، أو تغيبت إرادة أحد أطراف هذا التصرف، فإننا نكون أمام جزاء مدني يهدف إلى حماية الطرف المضرور، ويتعلق الأمر هنا بنظرية البطلان التي تجد مجالها واسعا في هذا الميدان.

والأصل في العقود الصحيحة، أنها ملزمة لأطرافها، ولا يحق لأحد طرفيها التحلل منها أو الانفراد بفسخها، حيث نجد الحق سبحانه يقول بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: “وأوفوا بالعهد، إن العهد كان مسؤولا”.صدق الله العظيم.

من هنا يتبين أن الوفاء بالعقود مسؤولية ملزمة بنص القران الكريم، إذ يقول الله تعالى كذلك: “يا أيها الذين امنوا، أوفوا بالعقود” ([2]).

وكما سبق القول، فإن الأصل في العقود أنها ملزمة لأصحابها، لأنها بنيت على إرادة حرة وسليمة، وبذلك فالعقد يعتبر شريعة المتعاقدين بناءا على المادة 230 ق.ل.ع حيث تنص على ما يلي: “الالتزامات التعاقدية المنشاة على وجه صحيح تقوم مقام القانون بالنسبة إلى منشئيها، ولا يجوز إلغاؤها إلا برضاهما معا أو في الحالات المنصوص عليها في القانون”.

فإذا كان العقد شريعة المتعاقدين، فإنه يلزم عاقديه بكل ما تضمنه، فلا يستطيع أحدهما أن يستقل بنقضه ولا بتعديله، ما لم يصرح له القانون أو الاتفاق بذلك، وهذا ما يطلق على تسمية هذا الأمر بالقوة الملزمة للعقد. والأطراف المتعاقدة لا يكفي التزامها بتنفيذ العقد، بل يجب ويلزم تنفيذ هذا العقد بطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية ([3]) وشرف التعامل ونزاهة العقد، أما إن حصل العكس، فإنه يحق للمتضرر أن يطلب فسخ هذا العقد.

وكما سبق في البداية، فإن العقد الصحيح هو أساس المعاملات المدنية والاستقرار الاقتصادي لكل تعامل، بعيدا عن كل جزاء مدني يلحق التصرفات القانونية نتيجة لتخلف أحد أركانها أو اختلال شرط من شروط صحتها. فصحة العقد أساس استقرار المعاملات. واختلال صحته تؤدي إلى اضطراب المعاملات بين أفراد المجتمع، فدقة الأمور تفرض على المشرع أن يقيم فيصلا بين هذه الجزاءات المدنية التي تلحق مؤسسة العقد.

لدراسة هذا الأمر، هناك أنظمة قانونية تتلبس معانيها مع نظام البطلان وفسخ العقد، والعقد الموقوف، وعدم نفاذ العقد. فإذا كان بطلان العقد هو بمثابة جزاء مدني يلحق التصرفات القانونية، لعدم استكمال عناصرها أثناء تكوين العقد، فإن نظام الفسخ يرتبط بالمرحلة الموالية لتكوين العقد، وبالتالي فهو يترتب على إخلال أحد المتعاقدين بالتزاماته المقررة بمقتضى العقد الرابط بينهما. وبالرغم من اختلاف البطلان والفسخ من حيث التاريخ الذي ينشآن فيه، إلا أن ذلك لا يمنع من اشتراكهما في بعض الآثار القانونية كزوال العقد الباطل، والعقد القابل للفسخ بأثر رجعي متى كان ذلك ممكنا.

والبطلان ما هو إلا تكريس لفكرة العدم، باعتبار أن العقد لم يتم أصلا. أما الفسخ فهو حل للرابطة العقدية نتيجة لتعذر الوفاء بالالتزامات العقدية، لا فرق في ذلك بين أن يكون هذا التعذر راجعا لإرادة أحد المتعاقدين أو لسبب أجنبي لا يد فيه لأحدهما.

ولقد ميز الدكتور مأمون الكزبري بين البطلان والإبطال والفسخ. واعتبر أن: “البطلان  nullité هو الجزاء الذي يقرره المشرع إما على عدم توافر ركن من أركان العقد (كما لو كان أحد المتعاقدين صغيرا غير مميز، أو كان محل الالتزام التعاقدي عملا مستحيلا، أو كان الالتزام يفتقر إلى سبب يحمل عليه)، وإما بموجب نص قانوني يقضي في حالة خاصة ولاعتبارات تتعلق بالنظام العام، ببطلان تصرف ما، رغم توفر سائر أركان انعقاده. أما الإبطال (annulation) فهو الجزاء الذي يرتبه المشرع، إما على الإخلال بشرط من شروط صحة العقد (كما لو كانت إرادة أحد المتعاقدين غير سليمة لتعيبها بعيب من عيوب الرضا أو لو كان أحد المتعاقدين ناقص الأهلية)ـ وإما بموجب نص قانوني يمنح حق الإبطال لأحد المتعاقدين في بعض الحالات.

ويتميز البطلان والإبطال عن الفسخ (resolution) في كون البطلان أو الإبطال يرجع إلى خلل في تكوين العقد، بينما الفسخ يفترض فيه أن العقد نشأ سليما مستوفيا أركان انعقاده وشروط صحته، ثم حصل أن أخل أحد المتعاقدين بتنفيذ التزامه، فلجأ الطرف الآخر إلى طلب فسخ العقد ليتحلل هو أيضا من الالتزام المترتب عليه.

لذلك لا يتصور الفسخ إلا في العقود التبادلية، في حين أن البطلان أو الإبطال يمكن أن يصيب العقود التبادلية والغير التبادلية على حد سواء” ([4]).

وقد تزول الرابطة التعاقدية بالانحلال قبل تنفيذ العقد أو بعد البدء في تنفيذه، وانحلال العقد قد يتم بإرادة الطرفين معا، وهذا هو التقايل أو بسبب من الأسباب التي يقررها القانون.

والتقايل هو اتفاق المتعاقدين على إلغاء العقد، فهو عقد جديد يتم بإيجاب وقبول يقصد به إلغاء العقد الذي تم، وهذا ما يشير إليه المشرع في المادة 393 ق.ل.ع بقوله: “تنقضي الالتزامات التعاقدية،إذا ارتضى المتعاقدان عقب إبرام العقد التحلل منها وذلك في الحالات التي يجوز فيها الفسخ بمقتضى القانون”.

من خلال هذا الفصل نلاحظ، أنه يترتب على الإقالة عودة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها وقت إبرام العقد، على ألا يؤثر ذلك على حقوق الغير الذي اكتسب بوجه صحيح حقوقا على الأشياء التي هي محل الإقالة ([5]).

أما الإلغاء فهو حل الرابطة العقدية بإرادة أحد المتعاقدين بالنسبة للمستقبل دون أن ينسحب أثر الإلغاء إلى الماضي.

والإلغاء لا يكون إلا في العقود التي يحددها القانون ويجيز فيها حل الرابطة العقدية بالإرادة المنفردة، ومثالها الوكالة المادة 931 ق.ل.ع والوديعة 794 ق.ل.ع والقرض 866 ق.ل.ع.

وبالرجوع إلى المادة 259 ق.ل.ع التي تشير إلى الفسخ، هذا الأخير الذي يعني انحلال الرابطة العقدية بأثر رجعي، وهو كذلك جزاء مدني لعدم قيام المدين بتنفيذ التزامه. وبطبيعة الحال، فإن الفسخ يفترض وجود عقد ملزم لجانبين يتخلف فيه احد المتعاقدين عن الوفاء بالتزامه، فيطلب الآخر فسخه ليتحلل بذلك من تنفيذ ما التزم به.

والى جانب مصطلح الفسخ، هناك مصطلحات أخرى مشابهة له منها الانفساخ والتفاسخ، فإذا انقضى التزام بسبب استحالة تنفيذه، انقضت معه الالتزامات المقابلة له وبذلك ينفسخ العقد من تلقاء نفسه، أي أن الانفساخ لا يكون إلا حيث يستحيل التنفيذ العيني لسبب أجنبي. أما إذا كان استحالة التنفيذ ترجع إلى خطا المدين فلا ينفسخ العقد([6]).

أما التفاسخ فهو اتفاق طرفي العقد من بعد إبرامه على إزالته. ويتميز التفاسخ بأنه يتم بالتراضي بين الطرفين، بعد إبرام العقد، ولا يلزم لوقوعه أن يكون قد حصل من أحد طرفيه إخلال بالتزاماته، ويلزم أن تتجه الإرادة المشتركة لطرفي العقد نحو إزالته من أصله.

والتفاسخ يزيل العقد من قبل ومن بعد كأن لم يبرم أصلا، وذلك فيما بين المتعاقدين والخلف العام لكل منهما، أما بالنسبة للغير فلا يكون له أثر بالنسبة إلى المستقبل فحسب منعا للإضرار بهم ([7]).

 

الفصل الثاني: أساس الفسخ في دعاوى البيوع

عمل المشرع على تنظيم فسخ العقد حسب المادة 259 ق.ل.ع بقوله: “إذا كان المدين في حالة مطل كان للدائن الحق في إجباره على تنفيذ الالتزام ما دام تنفيذه ممكنا فإن لم يكن ممكنا جاز للدائن أن يطلب فسخ العقد، وله الحق في التعويض في الحالتين.

ويجب أن يحصل هذا الإنذار كتابة. ويسوغ أن يحصل ولو ببرقية أو برسالة مضمونة أو بالمطالبة القضائية، ولو رفعت إلى قاضي غير مختص.

إذا أصبح تنفيذ الالتزام غير ممكن إلا في جزء منه جاز للدائن أن يطلب إما تنفيذ العقد بالنسبة إلى الجزء الذي ما زال ممكنا وإما فسخه وذلك مع التعويض في الحالتين.

وعلاوة على ذلك تطبق القواعد المقررة في الأبواب المتعلقة بالعقود الخاصة.

لا يقع فسخ العقد بقوة القانون، وإنما يجب أن تحكم به المحكمة”.

من خلال هذا النص يتضح أن شروطا معينة ينبغي توافرها لجواز فسخ العقد، وهي على الشكل الاتي:

  • أن يكون هناك عقد ملزم الجانبين.
  • ألا يقوم احد المتعاقدين بتنفيذ التزامه.
  • أن يكون المتعاقد الذي يطلب الفسخ مستعدا لتنفيذ التزامه من جهة، وقادرا على إعادة الحال إلى ما كانت عليه إذا حكم بالفسخ من جهة أخرى.
  • أن نكون بصدد عقد ملزم للجانبين:

إن عملية الفسخ تقوم على أساس فكرة الارتباط بين الالتزامات المتقابلة، ومن هنا فلا محل للكلام عن الفسخ في العقود الملزمة لجانب واحد، ففي هذه الأخيرة، إذا لم ينفذ المدين التزاماته فإن الدائن لا يستفيد شيئا من فسخ العقد إذ لا التزامات عليه حتى يقصد التحلل منها بفسخ العقد، لذلك فليس أمامه إلا أن يطلب تنفيذ الالتزام الثابت في ذمة المدين، ذلك فمن المقرر أن الفسخ لا يرد إلا على العقود الملزمة للجانبين.

  • ألا يقوم أحد المتعاقدين بتنفيذ التزامه:

إذا لم يقم أحد المتعاقدين بتنفيذ التزامه في عقد ملزم للجانبين، فللمتعاقد الآخر الحق في أن يطلب الفسخ، فيجب إذن أن يكون عدم التنفيذ راجعا إلى فعل المدين.

  • يجب أن يكون المتعاقد الذي يطلب الفسخ قد نفذ التزامه أو على الأقل أن يكون مستعدا لتنفيذه:

وهذا ما أشارت إليه المادة 234 ق.ل.ع بقولها: “لا يجوز لأحد أن يباشر الدعوى الناتجة عن الالتزام، إلا إذا اثبت أنه أدى أو عرض أن يؤدي كل ما كان ملتزما به من جانبه حسب الاتفاق أو القانون أو العرف”.

كما يجب على طالب الفسخ أن يكون قادرا على أن يعيد الحال إلى ما كان عليه قبل التعاقد، فإذا كان قد تسلم شيئا بموجب العقد واستهلكه أو تصرف فيه فليس له أن يطلب الفسخ ([8]).

وإلى جانب هذه الشروط يجب أن يعذر الدائن المدين قبل رفع دعوى الفسخ، ولكن هذا لا يعني أن دعوى الفسخ تكون غير مقبولة إذا لم يسبقها إعذار المدين، لأن رفع الدعوى يعتبر في ذاته إعذارا، فإذا رفع الدائن دعوى الفسخ دون إعذار فإنه يتحمل مصاريفها إذا بادر المدين إلى التنفيذ بمجرد إعلانه بصحيفتها ([9]).

ومجال فسخ العقود يعرف في أحكام ضمان البيوع ([10])، ذلك أن عقد البيع يعتبر أكثر العقود تداولا وأحكام الضمان فيه تعتبر بمثابة الأحكام العامة التي يرجع إليها في العقود الأخرى مثل عقد المقايضة، والهبة، والإجارة، والعارية… بطبيعة الحال مع تفاوت في مدى الضمان وشروطه.

ويرى الدكتور السنهوري أن دعوى الضمان مستقلة عن كل من دعوى الأبطال ودعوى الفسخ. فدعوى الضمان غير دعوى الإبطال، إذ الضمان فيها لا يقوم إلا إذا وقع فعلا تعرض من المالك الحقيقي للمشتري. أما دعوى الإبطال فيستطيع المشتري رفعها بلا وقوع هذا التعرض.

ودعوى الضمان غير دعوى الفسخ، إذ دعوى الضمان سببها قيام عقد البيع والتعويض فيها غير متروك لتقدير القاضي، أما دعوى الفسخ فتفترض فسخ عقد البيع لقيام هذا العقد، والتعويض فيها متروك لتقدير القاضي ولم تتعرض لتقديره نصوص ([11]).

وينص الفصل 537 ق.ل.ع: “إذا وجهت على المشتري دعوى  بسبب الشيء المبيع، وجب عليه أن يعلم البائع بدعوى الاستحقاق، عند تقديم المدعى البينة على دعواه. وإذ ذاك تنبهه المحكمة بأنه إذا استمر في الدعوى باسمه الشخصي، يعرض نفسه لضياع حقه في الرجوع على البائع، فإذا فضل برغم هذا التنبيه، أن يدافع مباشرة في الدعوى فقد كل حق في الرجوع على البائع”.

انطلاقا من هذا النص، يتبين لنا أن للمشتري في حالة تعرض الغير واستحقاق المبيع الرجوع على البائع، إما بدعوى ضمان الاستحقاق، وإما بدعوى الفسخ، وإما بدعوى البطلان.

ذلك أن ضمان الاستحقاق إلتزام في ذمة البائع ناشئ من عقد البيع. إذن، دعوى ضمان الاستحقاق تخول للمشتري حق الرجوع على البائع بالضمان إثر رفع الدعوى وقبل ثبوت الاستحقاق ([12]).

والظاهر أن المشتري يملك دعوى الفسخ بسبب عدم تنفيذ البائع لالتزامه بنقل الملكية، ذلك أن دعوى الفسخ تفترض أن عقد البيع قد زال.

أما فيما يتعلق بالضمان القانوني في حالة الاستحقاق الجزائي ([13])، فإنه في حالة الضرر بسبب الاستحقاق الجزئي طبقا للقواعد العامة فإنه يحق للمشتري طلب الفسخ بناءا على الضرر الجسيم الذي كان نتيجة الاستحقاق الجزئي، حيث إن الخسارة التي أصابته قد بلغت قدرا حيث لو علمه، لما أقدم على الشراء وهذه المسألة راجعة للسلطة التقديرية للقاضي.

والأمر نفسه يتعلق بالاستحقاق الجزئي في المبيع بالنسبة للأشياء والمنقولات فللمشتري الخيار بين إنقاص الثمن بقدر قيمة الأشياء التي استحقت للغير، أو طلب فسخ العقد واسترداد ما دفعه من الثمن.

والى جانب ضمان الاستحقاق الذي خول المشرع فيه للمشتري برفع دعوى الفسخ هناك كذلك أمر دعوى الفسخ قائمة بالنسبة لضمان العيوب الخفية([14]).

من خلال هذه النصوص القانونية، يتبين أن المشرع ضمن للمشتري الحق قي رفع دعوى الفسخ نتيجة للعيب في الشيء الأصلي وتوابعه، وإلزام البائع برد الثمن، ذلك أن انحلال الرابطة العقدية تستلزم إرجاع الأوضاع إلى ما كانت عليه سابقا، أما إذا استحال رد المبيع المعيب فلا مجال هناك للفسخ.

أما موقف الفقه الإسلامي من دعوى الفسخ فقد جاء متباينا حيث إنه لم يستقر على حكم موحد حول دعوى الفسخ فالأحناف والشافعية يرون أن الضمان المخول للمشتري ينحصر في طلب الفسخ واسترداد الثمن. أما المالكية فقد اختلفوا حسب نوع العيب المدعى به، فإن كان فاحشا ومؤثرا على المبيع إلى حد ملحوظ، فإن للمشتري الحق في دعوى الفسخ ورد الشيء المعيب واسترداد كل الثمن، وإن كان العيب يسيرا فهو لا يستوجب الضمان.

ولقد ذكر الفقيه ابن جزي مثل هذا التصنيف في كتابه القوانين الفقهية حين قال “أنواع العيوب وهي ثلاثة (عيب ليس فيه شيء) (وعيب فيه قيمة) (وعيب فيه رد).

أما الرأي الراجح لدى الحنابلة فهو منح الخيار للمشتري بين دعوى الرد واسترداد الثمن أو الاحتفاظ بالمبيع مع طلب إنقاص الثمن بقدر الفائت بسبب العيب.

وبالرجوع إلى دعوى الفسخ فالحكم الصادر فيها يكون مقررا للفسخ وليس منشأ له.

والفسخ القضائي جائز في بيع العقار والمنقول على السواء. وفي البيوع الاختيارية والبيوع القضائية- البيع الذي يتم على يد المحكمة-، ويعتني قانون المسطرة المدنية ببيان الإجراءات التي تتبع لهذا الغرض في البيوع القضائية.

ويحق طلب الفسخ القضائي للبائع، والخلف العام كالوارث والموصى له بنسبة من التركة، وترفع دعوى الفسخ على المشتري أو خلفه العام، ولا يستطيع البائع أن يطلب الفسخ إلا إذا كان قد نفذ التزاماته هو أو على الأقل أبدى استعداده لتنفيذها، وإذا كان المبيع عقارا وباعه المشتري إلى مشتر ثاني، وقام هذا الأخير بالتسجيل فإن البائع الأول لا يستطيع أن يسترد العقار، وبالتالي لا تكون هناك جدوى من دعوى الفسخ. أما إذا كان البائع قد سجل صحيفة دعوى الفسخ قبل تسجيل البيع الثاني، فإن الفسخ ينتج أثره في مواجهة المشتري الثاني. وإذا تعدد البائعون أو المشترون أو مات المشتري وآل البيع إلى ورثة عديدين، كان طلب دعوى الفسخ قابلة للانقسام، ويكون طلب الفسخ غير قابل للانقسام إذا كان المبيع ذاته غير قابل للانقسام([15]) ومتى حكم بالفسخ أصبح للبائع حق استرداد المبيع.

ومن أحكام المجلس الأعلى في هذا الصدد ما قضى به في قراراته بما يلي: “حيث إن محكمة الاستئناف التي أيدت الحكم الابتدائي القاضي على الطاعنة بإرجاع مبلغ التسبيق أداء التعويض بعدما ثبت لديها أن الطاعنة في حالة مطل، مع أن العقد الرابط بين الطرفين لم يقع التصرف بفسخه لأن المطلوب في النقض لم يطلب منها ذلك في مقاله وبذلك فقد خرقت مقتضيات الفصل 259 ق.ل.ع وعرضت قرارها للنقض”([16]).

الفصل الثالث: نظر القاضي في دعوى الفسخ في البيوع

أثناء عرض النزاع على المحكمة للمطالبة بالفسخ، حيث إنه يحق للقاضي قبل الحكم بفسخ العقد أن يمنح آجالا معتدلة للوفاء، ويتوقف ذلك على إجراءات المطالبة القضائية مع الإبقاء للأشياء على حالها، وذلك إذا تبين للقاضي أن مركز المدين يستدعي النظرة إليه بميسرة، ما دام أن المدين لا يعتبر دوما ممتنعا عن التنفيذ أو متأخرا عنه إلا بعد إنذاره، فإن الفسخ في هذه الحالات لا يكون له وجود إلا إذا انذر المدين قصد وضعه موضع التقصير في تنفيذ التزامه.

وإذا رفع الدائن الدعوى، فإن حكم القاضي لا يكون وجوبيا كذلك، بل يظل طابع الخيار له موجودا بين الفسخ والتنفيذ، وهذا الخيار يكون لكل من الدائن والمدين والقاضي.

فللدائن بعد رفع دعوى الفسخ، أن يعدل عنه ويطلب التنفيذ، وعندئذ لا يجوز للقاضي أن يحكم بالفسخ. كما للمدين إذا ما رفعت عليه دعوى الفسخ أن يتفادى الحكم به إذا قام بتنفيذ الالتزام، فلا يبقى للقاضي إلا الحكم بالتعويض عن التأخير في التنفيذ. وأخيرا فإن للقاضي سلطة تقديرية كبيرة فقد يحكم بالفسخ إذا تبين له أن المدين قد أخل بالتزاماته إخلالا جسيما، كأن يمتنع عن تنفيذ إحدى التزاماته الجوهرية في العقد، وقد يرفضه إذا رأى أن الظروف تبرر ذلك كما لو كان المدين قد نفذ الجانب الأكبر من التزامه، فهنا القاضي يكتفي بالحكم بتنفيذ الجزء الباقي عينا أو بمقابل. وقد يمنح القاضي المدين آجلا للتنفيذ، إذا رأى أن عدم تنفيذ الدائن راجع إلى عذر مقبول وان الدائن لم يصبه إلا ضرر يسير من عدم التنفيذ، وذلك استنادا للسلطة التقديرية المخولة للقاضي بموجب نص المادة 2/342 التي تقرر ما يلي: “يسوغ للقضاة، مراعاة منهم لمركز المدين، ومع استعمال هذه السلطة في نطاق ضيق، أن يمنحوه آجالا معتدلة للوفاء وان يوقفوا إجراءات المطالبة مع إبقاء الأشياء على حالها”.

وإذا كان الهدف من دعوى الفسخ هو إعادة الحال على ما كانت عليه فإنها لا تتحقق دوما، بل تكون في بعض الأحيان مستحيلة أو صعبة التحقيق، فالقاضي أمام هذا الأمر يحكم للدائن بتعويض عما استحال رده.

كما يستطيع الدائن أن يطلب كذلك تعويضا تكميليا، إذا ما أصابه ضرر من جراء عدم تنفيذ العقد. فإذا كنا بصدد عقد بيع، وفسخ البيع لعدم دفع الثمن من طرف المشتري، فإن البائع يسترد المبيع، وإذا كانت قيمة المبيع في السوق قد انخفضت وقت الفسخ عنها في وقت البيع، فإن البائع يطلب تعويضا يعادل فرق الثمن. والتعويض هنا لا يكون على أساس العقد، لأنه زال بالفسخ، وإنما على أساس المسؤولية التقصيرية. والأصل أن الفسخ له اثر رجعي بالنسبة للمتعاقدين والغير فإذا كسب شخص حقا على العين المبيعة قبل الفسخ، فإن الفسخ يؤدي إلى زوال هذا الحق.

ومسالة التعويض في دعوى الفسخ القضائي تلعب فيها السلطة التقديرية لقاضي الموضوع دورا أساسيا في تحديد التعويض الذي يحكم به طبقا لما يتبين له من خلال الوقائع وظروف الحال، بطبيعة الحال مع الاستعانة بأهل الخبرة إذا اقتضى أمر دعوى الفسخ القضائي ذلك.

خاتمة:

بعد هذه الدراسة الوجيزة، يتبين لنا أن نظام العقد عندما يتعرض للفسخ أو الزوال الذي يكون نتيجة عدم تنفيذ أحد الأطراف لالتزاماته التعاقدية، يتدخل المشرع من أجل إنهاء هذه الرابطة القانونية والوقوف إلى جانب الطرف الضعيف حتى يسترجع ذلك النظام القانوني توازنه المطلوب تحت مظلة جهاز العدالة- الفسخ القضائي-  الذي ولا بد من توفره على شروط وشكليات يجب إتباعها وفق الضوابط القانونية لإعادة الحال إلى ما كانت عليه قبل التعاقد.

والفسخ القضائي، كما لاحظنا خلال دراستنا، يلعب فيه جهاز العدالة دورا أساسيا بفضل السلطة التقديرية التي منحت له قانونا، لفض المنازعات المدنية.

وإذا كان المشرع قد طلب وفرض انطلاقا من النص القانوني 231 ق.ل.ع تنفيذ العقد بحسن نية فإن المطلوب كذلك هو الفصل في منازعات الفسخ القضائي وفق روح هذا الفصل القانوني المشار إليه أعلاه حتى نعود من حيث انطلقنا هو البحث الجاد عن استقرار المعاملات والطمأنينة والأمان.

 

 

 

 

 

لائحة المراجع المعتمدة

 

  • القران الكريم
  • مجموعة نصوص قانون الالتزامات والعقود
  • د.عبد الرحمن بلعكيد، وثيقة البيع بين النظر والعمل
  • د.الشورابي عبد الحميد، فسخ العقد في ضوء القضاء والفقه، منشاة المعارف، 1990
  • د.مأمون الكزبري، نظرية الالتزامات في ضوء ق.ل.ع، الجزء الأول: مصادر الالتزام
  • د.أحمد حسن البرعي، نظرية الالتزام: العقد، دار الثقافة، الطبعة الأولى، 1981.

 

([1])-د.مأمون الكزبري: نظرية الالتزام في ق.ل.ع، الجزء الأول، مصادر الالتزام، دون سنة، ص 74.

([2])-سورة المائدة، الآية 1.

([3])-الفصل 231 ق.ل.ع.

([4])-الدكتور مأمون الكزبري: نظرية الالتزامات في ضوء ق.ل.ع، الجزء الأول، مصادر الالتزام، بدون سنة، ص 196-197.

([5])-الفصل 398 ق.ل.ع.

([6])-الشورابي عبد الحميد: فسخ العقد في ضوء القضاء والفقه، منشاة المعارف، 1990، ص 18.

([7])-الشورابي، نفس المرجع، ص 19.

([8])-أحمد حسن البرعي: نظرية الالتزام في القانون المغربي، الطبعة الأولى، 1981، ص 233/233.

([9])-الفصل 255 ق.ل.ع.

([10])-الفصل 532 ق.ل.ع.

([11])-الدكتور السنهوري، الوسيط، ج الرابع، ص 619.

([12])-الدكتور بلعكيد عبد الرحمن: وثيقة البيع بين النظر والعمل، طبعة الجديدة 1995، الطبعة 2، ص 126-127.

([13])-الفصلين 542/543 ق.ل.ع.

([14])-الفصول من 549 إلى 552 ق.ل.ع.

([15])-السنهوري، الوسيط، ج 4، فقرة 408، صفحة 819.

([16])-المجلس الأعلى، القرار رقم 554 بتاريخ 23 يوليوز 1924، المجلة المغربية لقانون السلسلة الجديدة، العدد 1، 1985، ص 65.