العنف بالمؤسسات التعليمية مقاربات نظرية

296

العنف بالمؤسسات التعليمية

مقاربات نظرية

ملخص                                                                            وليد اليماحي

لا نسعى من خلال هذا المقال، إلى تقييم أهمية العنف في المدارس بالوطن العربي، ولا تطور هذه الظاهرة مع مرور الزمن أو توزيعها في الفضاء الاجتماعي والجغرافي. مثل هذا النهج، فنحن لا نشكك في الشرعية العلمية، والتي لا يزال يتعين علينا تنفيذها، وسنكون قادرين على الاعتماد على مجموعة مهمة من البحوث، وخاصة تلك التي تعالج العنف ليس باعتباره، ظاهرة حديثة ولكنه اكتسح العديد من المؤسسات التعليمية في الوطن العربي خلال السنوات الأخيرة لأسباب تتعلق بالثورة الرقمية وعجز السياسات الاجتماعية بهذه الدول.

 

La violence dans les établissements scolaires

Approches théoriques

 

L’objectif de cet article n’est pas de faire le point sur l’importance de la violence dans les établissements scolaires arabes, ni sur l’évolution de ce phénomène dans le temps ou sa distribution dans l’espace social et géographique. Une telle démarche, dont nous ne contestons guère la légitimité scientifique, reste à entreprendre et on pourra pour ce faire s’appuyer sur un corpus de recherche important. Celui-ci montre notamment que la violence n’est pas un phénomène récent mais qu’il a acquis une notoriété nouvelle au cours des dernières années pour des raisons liées à la révolution numérique et le un déficit des politiques sociales.

 

Violence in schools

Theoretical approaches

 

The purpose of this article is not to take stock of the importance of violence in Arab schools, nor of the evolution of this phenomenon over time or its distribution in the social and geographical space. Such an approach, the scientific legitimacy of which we do not question, remains to be undertaken and we will be able to rely on an important body of research. n particular, it shows that violence is not a recent phenomenon but has gained new notoriety in recent years for reasons related to the digital revolution and the lack of social policies.

 

 

 

مقدمة

لا نسعى من خلال هذا المقال، إلى تقييم أهمية العنف في المدارس بالوطن العربي، ولا تطور هذه الظاهرة مع مرور الزمن أو توزيعها في الفضاء الاجتماعي والجغرافي. مثل هذا النهج، فنحن لا نشكك في الشرعية العلمية، والتي لا يزال يتعين علينا تنفيذها، وسنكون قادرين على الاعتماد على مجموعة مهمة من البحوث، وخاصة تلك التي تعالج العنف ليس باعتباره، ظاهرة حديثة ولكنه اكتسح العديد من المؤسسات التعليمية في الوطن العربي خلال السنوات الأخيرة لأسباب تتعلق بالثورة الرقمية وعجز السياسات الاجتماعية بهذه الدول.

في المقام الأول، لا من التذكير من التقدم المحرز في العملية والتربوية والتعامل مع الطلاب على المستوى العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثاني[1]، كما يتوجب علينا الإشارة، إلى التقدم المحرز  في تطور السياسات الاجتماعية، لبعض الدول العربية، وخاصة دولة الإمارات العربية المتحدة، وهو ما سمح لهذه الدول بتطوير  العمليات التربوية، سواء من خلال إحداث برامج علمية، تتلاءم والناشئة أو من خلال تطوير الهياكل وتدريب الكوادر المتخصصة لرعاية الطلاب.

أما من جهة ثانية، فإنه يتوجب علينا أن نؤكد على الأهمية البالغة من إنشاء التعليم الثانوي في جميع أنحاء العالم[2]، وقد أدى ذلك إلى مشاكل محددة في العديد من المؤسسات، من أبرزها “فشل المدرسة” و انتشار ظاهرة “العنف”[3].

في ذات السياق ربط العديد من الباحثين آثار وسائل الاتصال الحديثة (مشاهة أفلام العنف و الإباحية) وعلاقتها بارتكاب سلوكيات عنيفة، وذلك في العديد من المجتمعات، وشملت الدراسات المشار إليها شرائح عديدة من أفراد المجتمع، فالبعض قام بدراسة أثرها على فئة الأطفال ومنهم من اختصرها في فئة المراهقين، والبعض الآخر اقتصر على الذكور، والبعض الآخر اقتصر على الإناث. وهناك من الدراسات التي عززت بآراء المتخصصين من رجال ونساء التربية والتعليم والإعلام حول تأثير التلفزيون في ارتكاب سلوك العنف. ومن هذا المنطلق، فإننا نروم إلى تناول هذا الموضوع من خلال أهم الدراسات والمقاربات النظرية.

 

 

برامج العنف وإنتاج السلوكيات العدوانية بمؤسسات التربية

اهتمت العديد من الدراسات والأبحاث بمعالجة مسألة العنف بالمؤسسات التربوية في علاقتها بما كان ولازال تقدمه بعض وسائل الإعلام، حيث اهتمت دراسات[4]، بتأثير برامج العنف والجريمة على الناشئة، وقد أجرى الباحث عدنان الدوري دراسة على عينة من أطفال المدرسة المتوسطة في الكويت، وبلغ عددهم 1005 طفل من كلا الجنسين، بحيث توصل إلى عدد من النتائج نذكر منها: أن تقليد الأطفال لبطل الشاشة كان إيجابيا.

وقد اتضح من خلال هذه الدراسة أن 674 طفلا، منهم 360 ذكرا و314 أنثى، يميلون إلى تقليد بطل الشاشة.  كلما زاد عمر الطفل ازداد ميله إلى التقليد، وقد جاءت أعلى نسبة للتقليد بين الأطفال الذين تزيد أعمارهم على الثالثة عشرة، أي ما يوازي 321 طفلا من هذه الفئة و65  طفلا ممن تقل أعمارهم عن الحادية عشرة و137 طفلا ممن تقل أعمارهم عن الثانية عشرة. الغالبية العظمى من الأطفال 661 طفلا لا يواجهون أية صعوبة في مشاهدة التلفزيون ، حيث لا يمنعهم ذويهم من مشاهددة أي برنامج، مقابل 342 طفلا يواجهون بعض المنع في مشاهدة بعض البرامج من قبل أسرهم.[5]

وفي نفس السياق أجرت الباحثة دراسة بي Bee (1981). قامت الباحثة بمحاولة التعرف على ما للتلفزيون من آثار على الأطفال من حيث العنف والسلوك العدواني، وتوصلت إلى عدد من النتائج في هذا الشأن: أن الأطفال يتعلمون السلوك العدواني وأعمال العنف نتيجة لمشاهدة بعض البرامج التلفزيونية، كما أن الأطفال الذين يكثرون مشاهدة البرامج والمشاهد التليفزيونية التي تحوي مشاهد على درجة عالية من العنف والعدوان هم أكثر عدوانية من أقرانهم أثناء اللعب معهم من أولئك الأطفال الذين يشاهدون هذه البرامج بدرجة أقل.

كما ذهبت إلى تأثير التليفزيون على الطفل يقل (السلوك العدواني بين الأطفال) إذا ما كان الوالدان لا يوافقان على هذا السلوك بشرط أن يعرف الطفل ذلك، حيث أن معرفته بعدم موافقة والديه على السلوك العدواني، وعدم تشجيعهما لهذا السلوك يقلل من تأثيره على الطفل، ويدفعه إلى عدم محاولة التقليد.

بينما سجلت الباحثة آثار مشاهدة أعمال العنف والتليفزيون ذات أثر تراكمي، فكلما شاهد الطفل مزيدا من الأعمال العدوانية كلما زاد سلوكه من حيث العنف والعدوانية، وأن الأطفال الذين يشاهدون أعمال العنف والعدوان في التليفزيون يتأثرون بهذه المشاهدة.  لأنه تبين أن أغلب الأطفال يرون أن العنف والعدوان هما أفضل الأساليب لمعالجة المواقف أو حل المشكلات، ويرون هذا السلوك سلوكا عاديا أو طبيعيا.

أما الأطفال الذين يشاهدون أعمال العنف في التليفزيون يصدر عنهم سلوك عدواني لا يناسب أعمارهم، فطفل التاسعة من العمر ، الذي يشاهد العنف في التليفزيون يصدر عنه سلوك عدواني لشاب في التاسعة عشرة. وقد ختمت الباحثة دراستها بكون أغلب الأطفال الذين يعدون مشاغبين في المدرسة طبقا لآراء وتقديرات زملائهم ومعلميهم هم من الأطفال الذين يتعرضون لمشاهد العنف كثيرا في التليفزيون، وممن يفضلون هذا النوع من المشاهد ويستمتعون بمشاهدتها.[6]

من العنف إلى الجنوح:  حينما تنهار المؤسسات التعليمية

مؤسسات التعليم، هي مؤسسات اجتماعية وظيفتها التربية والتكوين، غير أنه وأمام الزحف اللامحدود للإعلام وممارستة للعنف الثقافي واللغوي على الناشئة، فإننا نكون أمام صناعة جنوح الأحداث، في ذات السياق  أجرت الباحثة حسون، تماضر زهدي[7] دراستها عن جرائم الأحداث الذكور في الوطن العربي، وذلك باختيار عينة من الذكور الذين ارتكبوا جرائم يعاقب عليها القانون الخاص بالأحداث وصدرت بحقهم أحكاما وأودعوا مراكز رعاية الأحداث في كل من مركز تمارة لرعاية الطفولة في الرباط ومركز رعاية الأحداث في دمشق ومركز رعاية الأحداث في الخرطوم وبلغ حجم العينة 301 من الأحداث المنحرفين.

تناولت الدراسة الميدانية تأثير التلفيزيون والسينما في سلوك الأحداث في أحد محاورها، وتوصلت إلى عدد من النتائج منها: أن  %81 من أفراد العينة يفضلون قضاء أوقاتهم في الجلوس أمام أجهزة التليفزيون أو التردد على دور السينما، وأن %75 من الذين يترددون على السينما دون علم الأهل لا تمتلك أسرهم أجهزة تليفزيون، وأنهم يشاهدون التليفزيون في جميع الأوقات ويتابعون جميع البرامج دون تدخل الأهل.

في ما أشارت أنه لا توجد فروق ذات أهمية بين أفراد مجموعة الأسوياء والمنحرفين فيما يتعلق ببرامج العنف والمسلسلات والأفلام البوليسية والحربية، إلا أنها لاحظت فروقا واضحة في مشاهدة البرامج التي تتعلق بالجنس حيث اتضح أن %17 من أفراد العينة الأولى (الأسوياء) مقابل %3 من أفراد العينة الثانية (المنحرفين) يشاهدون ويفضلون متابعة الأفلام و البرامج الخليعة.

وقد استنتجت الباحثة أن الأحداث قد تعلموا بعض الانحرافات السلوكية نتيجة مشاهدة الأفلام، وذلك من خلال معرفتها بالبرامج  التي تفضلها كل مجموعة من الأسوياء والمنحرفين، حيث وجدت أن الأحداث المنحرفين يفضلون البرامج والأفلام التي تعرض طرق السرقات والانحرافات الأخلاقية وتعاطي التدخين والمسكرات بينما تجذب البرامج الوثائقية والعلمية الجيدة انتباه الأفراد الأسوياء ويفضلونها على غيرها من البرامج.[8]

العنف بالمؤسسات التعليمية: بين التلفزيون والفضاء الرقمي

تركزت دراسة جين، توماس.[9]  على معرفة آثار التلفزيون في الأطفال، من حيث العنف والسلوك العدواني وبعض المتغيرات الأخرى، كالحث أو الإثارة والتقليد والقدوة وغيرها، وتوصلت إلى النتائج التالية: وقد قد يتعلم الأطفال سلوك العدوان من التلفزيون ولكنهم لا يحاولون تنفيذ هذا السلوك في الواقع الحياتي إلا إذا كان هناك من يشجعهم عليه كالأصدقاء أو أولياء الأمور.

إن ما يشاهده الأطفال من عدوان في التلفزيون قد يحرك لديهم استعدادا مسبقا للعدوان ومن تمت تعمل المشاهدة؛ على إثارة هذا الاستعداد وتحريكه وعلى ذلك فلن يكون للمشاهدة آثار على الطفل إلا إذا كان لديه الاستعداد المسبق للعدوان أصلا،  ومن تم فالمشاهدة تعد بمثابة العامل المحفز للاستعداد الموجود.  إن الأطفال الذين يشاهدون العنف في التلفزيون مع تقديم مبرراته لهم يعتقدون أن هذا السلوك العدواني هو أنسب الطرق لمعالجة المشكلات مادام التلفزيون يقدم تبريرا لهذا السلوك.

العنف المدرسي: من التفسير البيولوجي إلى التفسير الاجتماعي

أصبح العنف/العدوان يشكل في عصرنا سببا هاما من أسباب أزمات الإنسان ومصائبه، وبالرغم من التقدم العلمي للإنسان وتحرره النسبي من قيود الطبيعة والبيولوجية؛ فإنه ما يزال يستخدم ميكانيزمات تكيفيه مستمدة من تاريخه الطويل منذ وجد على سطح الأرض.

يتضمن السلوك الإنساني نماذج بدائية من العنف والعدوان والميل إلى المشاغبة، وبينما كانت تلك الميكانيزمات هي الاستجابات الأكثر احتمالا في ظهورها نتيجة للضغوط الفيزيائية فإنها تحدث الآن بسبب الضغوط الاقتصادية والثقافية، وبينما استخدم السلوك العدواني العنيف للمحافظة على بقاء النوع الإنساني في أوقات الخطر فإنه الآن يهدد وجوده المستمر، حيث ازدادت قدرة الإنسان على التحطيم والإفساد في الأرض بسبب تقدمه العلمي والتكنولوجي.[10]

وفي هذا الصدد أشار أحمد عكاشة؛ بأن العنف هو جزء أساسي في طبيعة الإنسان، وأنه التعبير الطبيعي لعدة غرائز عدوانية مكبوتة، وأن أي محاولات لكبت عنف الإنسان ستنتهي بالفشل بل إنها تشكل خطر النكوص الاجتماعي، فلا يمكن للمجتمع الإنساني أن يستمر دون التعبير في العدوان[11].

في ما تذهب دراسات أخرى إلى اعتبار العدوان؛ أساس لكل سلوك هادف، إذ يعد الإنسان في حالات كثيرة لأداء عمل معين سواء كان غير مرغوب فيه ولا يتضمن الإيذاء للغير، مثل حب الاستطلاع وسلوك البحث عن الإثارة والاستكشاف واستغلال الآخرين والسيطرة والتزاحم وشغل الأماكن الفارغة[12].

ويعتبر هؤلاء الباحثون أن السلوك العدواني بهذا المعنى أمر حتمي، بل يذهب بعضهم إلى أنه من الصعب فصله عن الطبيعة البشرية أو إزالته منها، لذلك فإنه يلزم أن يتحكم الإنسان في نفسه ويسيطر عليها من أجل أن يعبر عنه تعبيرا يتقبله المجتمع.[13]

العنف بالمؤسسات التعليمية: من المؤثر الخارجي إلى العلائقي

لقد أشرنا في بداية هذا المقال إلى كوننا نهتم بدراسة ظاهرة من خلال بعض المقاربات النظرية، وعليه؛ فإن الاتجاهات النظرية المختلفة، التي تتناول ظاهرة العنف بالدراسة والتحليل، والتي تختلف باختلاف طبيعة القائمين على دراسة هذا السلوك، تسير في اتجاهات عدة،  فعلماء النفس ينظرون إليه نظرة تختلف عن علماء الاجتماع، أو الأطباء النفسيين، ومع اختلاف الاتجاهات، التي اهتمت بهذا الموضوع، بحيث تعددت وتشابكت وجهات النظر،

وقد احتلت الفنومنولوجية مكانة قيمة في دراسة العنف والعدوان؛ لأنها تطرقت للقضية من منظور جديد، هو منظور تفاعلات الإنسان مع الآخرين، فيرى التيار الفنومنولوجي أن العنف كغيره من أشكال السلوك، هو نتاج علاقة، أو إذا أردنا الدقة هو نتاج مأزق علائقي بالآخر، فالعدوانية تبعا لرواد الفنومنولوجية هي طريقة معينة للدخول في علاقة مع الآخر.

فترى النظرية الفنومنولوجية أن العنف هو عبارة عن نتاج تفاعلات الإنسان السيء مع الآخرين، ليست مسؤولة مسؤولية كاملة عن سلوك العنف، بل إن العنف قد ينتج عن عوامل أخرى.

كما أنه ليس كل تفاعلات الإنسان مع الآخرين ينتج عنه القيام بأعمال تتسم بسلوك عنيف. فليس هناك عنف اعتباطي أو فجائي بل العنف الذي نراه هو وليد عملية تغير بطرق داخلية علائقية يقضي على عواطف الحب والمشاركة، ليفجر مكانها العنف والعدوان.

وتعد نظرية الضبط الاجتماعي والتي تسهم في تفسير سلوك العنف، من أهم النظريات السوسيولوجية، التي تنظر إلى العنف على اعتبار أنه استجابة للبناء الاجتماعي، ويرى أصحاب هذه النظرية أن العنف غريزة إنسانية فطرية تعبر عن نفسها عندما يفشل المجتمع في وضع قيود محكمة على أعضائه.

وفي نفس السياق أشار طلعت إبراهيم لطفي [14]، إلى أن أصحاب نظرية الضبط الاجتماعي يرون أن خط الدفاع بالنسبة للمجتمع يتمثل في معايير الجماعة، التي لا تشجع على العنف وتستنكره، وعليه؛ فأعضاء المجتمع الذين يتم ضبط سلوكهم عن طريق الأسرة وغيرها من الجماعات الأولية، يتم ضبط سلوكهم عن طريق وسائل الضبط الاجتماعي الرسمية وعندما تفشل الضوابط الرسمية يظهر سلوك العنف بين أعضاء المجتمع.

كما أشار محمد أحمد خطاب[15]، إلى أن نظرية الضبط الاجتماعي تدور حول افتراض أساسي مؤداه أن الدافع للانحراف شيء طبيعي يوجد لدى جميع الأفراد، كما تذهب إلى أن الطاعة والامتثال هي الشيء الذي يجب أن يتعلمه الفرد. وتبرز أهم النقاط الأساسية لهذه النظرية[16]، في كون المجتمع ينشئ مجموعة من القواعد التنظيمية، التي تحدد للأفراد المجالات المقبولة وغير المقبولة بين أنماط السلوك الاجتماعية. وفي هذا الباب تعتبر التنشئة الاجتماعية؛ من أهم الأدوات، التي يضعها المجتمع لتحقيق أهدافه الضبطية. وحينما تصاب أدوات الضبط الاجتماعي بالضعف يصبح سلوك الأفراد أقرب إلى الانحراف منه إلى التوافق.

هل وصلت المدرسة إلى حالة من العجز أمام وسائل الإعلام؟

سؤال يثير الدهشة والحيرة، لأن مجتمعاتنا صارت تستهلك بدون حدود، وصار الإعلام مادة تستهلك في كل دقيقة وثانية، وللجواب على سؤالنا نعرج على نظرية الغرس الثقافي، والتي طورها جورج جيربنر Grorge Gerbner

تذهب نظرية الغرس الثقافي، إلى كون التليفزيون، قد أصبح بالنسبة للكثير مصدرا رئيسيا لبناء تصوراتهم عن الواقع الاجتماعي، والذي يعرف بأنه صورة لما هو موجود بالفعل ولما نعتبره صحيحا، وللكيفية، التي ترتبط بها الأشياء، وتركز نظرية الغرس على أربعة افتراضات أساسية: تتمثل أولها في الأفراد في المجتمعات الحديثة، صاروا يعتمدون على المصادر البديلة للخبرة الذاتية – وعلى رأسها وسائل الإعلام – في بناء مدركات مشتركة للواقع الفعلي. أما ثاني هذه الافتراضات فإنها تكمن في كون التلفزيون، أصبح يشكل نظرتنا للعالم من خلال تكرار تقديمه للنماذج المصورة.

ويبقى الافتراض الثالث كامنا في كون المشاهد يستوعب المفاهيم المقدمة له على شاشة التليفزيون لأنه يستخدم الوسيلة بشكل مستمر وبصورة غير انتقائية لساعات طويلة أكثر من تحديد برنامج معين. وعليه، فالافتراض الرابع مفاده أن العنف التليفزيوني يقوم بدور أساسي في تكوين نظرة المشاهدين نحو الواقع.

ترى نظرية الغرس الثقافي أن العالم الرمزي للوسيلة الإعلامية، خاصة التليفزيون، يشكل مفاهيم الجماهير عن العالم الواقعي، ويؤكد مدركاتهم عن الواقع، فالتليفزيون بوجوده المستمر في أغلب البيوت؛ يشكل بيئة رمزية مشتركة يولد فيها الأطفال ولذلك تتشابه مصادر التعرض اليومي للنماذج الثقافية لدى الصغار.

ومن تم يصبح العالم الرمزي للتليفزيون عالما رئيسيا يقدم فيه العنف كشيء مألوف واعتيادي، لأن العنف تستخدمه معظم الشخصيات التليفزيونية للفوز في صراع القوة، ويرتبط الاستخدام الناجح للعنف بممارسات الذكور من الشباب والذين يظهرون كشخصيات رئيسية في العالم التليفزيوني، والذي يتسرب إلى وعي المشاهدين فيرون العالم الحقيقي مشابها للعالم التليفزيوني.

ولا تهتم نظرية الغرس الثقافي بكم العنف المقدم في التليفزيون ولكن يتركز اهتمامها الأساسي على المشاعر الناتجة عن مشاهدته مثل الخوف والاستثارة والاغتراب التي تنتشر بين المشاهدين لبرامج العنف فيعتقدون أن العالم الرمزي العنيف المقدم في التليفزيون هو انعكاس للواقع ويصدقون أن العالم الحقيقي عنيف جدا مثل العالم التليفزيوني، وبهذا تصبح لديهم الخبرة بالخوف والإثارة من ممارسة الأنشطة العادية مثل المشي في الشارع وهذا الخوف يخلق حالة من الاغتراب عن الآخرين.

العنف المدرسي: من الإحباط إلى العدوان

لتفسير العنف المدرسي تمت صياغة نظرية تقوم على أن البيئة تسبب في الإحباط للفرد، وتدفعه دفعا نحو العنف، بمعنى أن البيئة المحيطة، والتي لا تساعد الفرد على تحقيق ذاته والنجاح فيها تدفعه نحو العنف، وتؤكد بأن كل عنف يسبقه موقف إحباطي، والسلوك العدواني يحدث عقب إحساس الفرد بعدم قدرته من أن ينال ما يريده، وعندما يؤخر إشباع تلك الرغبات، فإن ذلك يؤدي إلى ظهور الإحباط، وفي هذه الحالة يبدأ يتفاعل مع العنف، وبذلك، فإن النظرية تؤمن بأن العنف ينبع من الطفولة معتمدا على التربية والتوجيه أثناء هذه الفترة.[17]

أما نظرية الثقافة الخاصة والتي تدخل ضمن الاتجاه الوضعي السوسيولوجي[18]، فإنها تذهب ويمكننا[19] إلى كون المجتمع يعتمد على مجموعة من القيم، وأن الأهداف تتحقق بالوسائل المجسدة – بشكل عام – للطبقة الوسطى دون الطبقة الدنيا. وبما أنه يوجد نقص الفرص أمام الطبقة العاملة لتحقيق أهدافها، فإن المدرسة تنظر إليهم بشكل سلبي مما يصيبهم بالإحباط. وعليه، فإن عدم تحقيق أهداف الأفراد يؤدي إلى تمردهم و ثورتهم ضد قيم الطبقة الوسطى. بعد ذلك تؤدي القيم المشكلة لدى الطبقة العاملة؛ إلى برزو قيم خاصة بها تواجه بها قيم الطبقة الوسطى، وسيتم نقل هذه القيم من جيل إلى آخر مما سيشكل ثقافة خاصة جانحة.

العنف المدرسي: الصراع والأنومي

يرى أصحاب نظرية الصراع أن العنف وسيلة للصراع بين النوعين (الجنسين)، إذ يعد العنف وسيلة لتأكيد عدم المساواة بين النوعين وأداة للضغط على المرأة.  وقد أصبح العنف وسيلة لتأكيد عدم المساواة بين النوعين وأداة للضغط على المرأة بهدف العودة إلى الأسرة والمنزل.

أصبح الرجل يستخدم أساليب متنوعة من العنف بهدف الإنقاص من مكانة المرأة وتفوقها.  ومن وجهة نظر أصحاب نظرية الصراع يمكن حل مشكلة العنف من خلال إتاحة فرص المساواة بين أفراد المجتمع وعدم استغلال فئة لأخرى و إتاحة الفرص للمشاركة في العادلة الاجتماعية وفي الثروة والقوة.[20]

غير أنه دوركهايم يستخدم مفهوم الأنومي للإشارة، إلى حالة من الصراع بين الرغبة في إشباع الاحتياجات الأساسية للفرد وبين الوسائل المتاحة لإشباع تلك الاحتياجات. وقد أشار دوركايم إلى حالة من اللامعيارية الأخلاقية باعتبارها أنومية، فعندما يفتقر المجتمع إلى مجموعة من المعايير، والتي تحدد له الأنماط السلوكية الطبيعية والواجب إتباعها، فإنه يعيش حالة من اللامعيارية الأخلاقية؛ أي فقدان المعايير الأخلاقية. ويقول دوركايم يوجد داخل كل جماعة ميل جمعي إلى السلوك التوافقي، وهذا الميل الجمعي من تيارات الأنانية أو الغيرية، أو الأنومي، التي تنتشر في المجتمع. إن مثل هذه الاتجاهات في الكيان الاجتماعي تؤثر في الأفراد، ومن ثم تدفعهم إلى الانتحار.

ويمكن تلخيص أهم أفكار هذه النظرية كما يلي:[21]

  • معظم أفراد المجتمع يشاركون في نسق شائع من القيم.
  • هذا النسق العام من القيم يعلمنا ماهي الأشياء التي يجب أن نكافح من أجلها (الأهداف الثقافية) وكذلك أكثر الطرق ملائمة (الوسائل المجتمعية) لتحقيق هذه الأهداف.
  • إذا لم تكن الأهداف الثقافية والوسائل الاجتماعية متاحة بصورة عادلة فإن ذلك سيؤدي إلى خلق موقف يتسم بالأنومية.
  • في المجتمع المفكك أو المضطرب توجد درجات متباينة من حيث مدى توافر هذه الأهداف والوسائل، وهكذا فإن الوسائل موزعة بصورة غير عادلة في ذلك المجتمع المفكك.
  • بعض المجتمعات مثل الولايات المتحدة الأمريكية تركز بصورة أقوى على أهداف معينة للنجاح، ويترتب عن ذلك في المجتمع سيء التنظيم وجود حالة من الكفاح والنضال من أجل تحقيق هذه الأهداف، دون أن يصاحب ذلك توزيع عادل لسبل تحقيق هذه الأهداف بين فئات المجتمع.

العنف المدرسي: هل هو مجرد تقليد؟

تشير نظرية الصراع في تعريفها للعنف، إلى المعنى الراسخ في ضمير الجماعة، فالعنف هو ممارسة الإنسان للقوى الطبيعية للتغلب على مقاومة الغير، والقوى الطبيعية لا تشير فقط إلى الطاقة الجسدية وإنما أيضا إلى الحيوانات والطاقات الأخرى الميكانيكية التي يمكن استخدامها والسيطرة عليها.[22]

فقد أكد جبرائيل تارد G.Tarde إلى أن اكتساب السلوك المنحرف ناتج عن المحاكاة والتقليد ذلك أن الفرد يتعلم الأنماط السلوكية الإجرامية والمنحرفة من خلال عملية تقليد لا تختلف في طبيعتها عن تعلم أي مهنة أو حرفة أخرى يتعلمها الإنسان من خلال اختلاطه بالآخرين وتقليده لهم، وتتم هذه العملية بشكل غير آلي لأنها عملية نفسية واجتماعية، ويقول تارد أنه لابد من وجود مثال أو قدوة لأي نمط من أنماط السلوك الاجتماعي يسعى الفرد لتقليده فالمجرم يجد مثالا أو نمطا في مجرم آخر.[23]

خلاصة

كثير من الدراسات، التي تمت مراجعتها لم تتوصل إلى نتائج حاسمة أو قاطعة بشأن التلفزيون في سلوك الأطفال وما إذا كان يسبب لديهم السلوك العدواني بسبب الطبيعة المعقدة التي تسود العلاقة بين التلفزيون والطفل في هذا المجال أم أن الأمر يتعلق بطاقة عدوانية يكتسبها الطلاب من بيئاتهم المختلفة وخاصة الاجتماعية، ويعمل التلفزيون على إيقاظها.

هذا ما حاولنا أن نعالجه في مقاربتنا لظاهرة العنف بالمدرسة، محاولين ربط هذا السلوك بما بات يقدمه الإعلام من مادة عنيفة تساهم في هدم مقومات الأفراد، وعليه فإننا نسلك توجها يتعلق بسياسة الإعلام، والتي تعد جزء رئيسا من السياسات الاجتماعية، فعدم إشباع الحاجيات الضرورية للأفراد، يؤدي إلى زرع الإحباط ومن تمت ينتج العنف.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المراجع

الخولي، محمود سعيد. العنف المدرسي الأسباب و سبل المواجهة،القاهرة،2008،

الدروي، عدنان، جناح الأحداث، الكتاب الأول، ذات السلاسل، الكويت 1980.

كمال، عبد العزيز عبد الرحمان، أثر البرامج التلفزيونية على النشئء و الشباب، 1994

حسون، تماضر زهدي. جرائم الأحداث الذكوري بالوطن العربي،1994 ص 5،6.

عز الدين جمال عطية، الأوهام المرضية أو الضلالات في الأمراض النفسية و العنف، القاهرة، 1996

طلعت ابراهيم لطفي، الاسرة و مشكلة العنف عند الشباب، دراسة ميدانية لعينة من الشباب بجامعة الإمارات العربية المتحدة، الإمارات، 2001.

محمد أحمد خطاب، مدى فاعلية برنامج سيكودرامي للتخفيف من حدة سلوك العنف لدى عينة من الأطفال المتخلفين عقليا، رسالة ماجستير، جامعة عين شمس، 2000.

فوزي أحمد دريدي، العنف لدى التلاميذ في المدارس الثانوية الجزائرية، الرياض، 2007.

محمد سيد فهمي،اتجاهات الشباب الجامعي نحو ظاهرة العنف ضد المرأة و الدور المقترح للخدمة الاجتماعية في مواجهتها، مصر،19980

ريلنزشان و فرانك ويلياس، السلوك الإجرامي (النظريات)، ترجمة على السمري، الاسكندرية، 1999.

طلعت إبراهيم لطفي، الأسرة و مشكلة العنف عند الشباب دراسة ميدانية لعينة من الشباب في جامعة الإمارات العربية المتحدة الإمارات،2001 .

مأمون محمد سلامة، إجرام العنف، جامعة القاهرة، كلية الحقوق، مصر، 1993.

أحسن مبارك طالب، الجريمة و العقوبة و المؤسسات الإصلاحية، الرياض، 1998.

 

Emmanuel, Peignard. Elena, Roussier-Fusco. Agnès, van Zante. « La violence dans les établissements scolaires britanniques. approches sociologiques » Revue Française de Pédagogie, n° 123, avril-mai-juin 1998.

 

 

 

 

[1] Emmanuel, Peignard. Elena, Roussier-Fusco. Agnès, van Zante. « La violence dans les établissements scolaires britanniques. approches sociologiques » Revue Française de Pédagogie, n° 123, avril-mai-juin 1998, P. 123.

[2] Ibid; P,123.

[3] Ibid; P,123.

[4]  الدروي، عدنان، جناح الأحداث، الكتاب الأول، ذات السلاسل، الكويت 1980.

[5] نفس المرجع السابق ذكره.

[6]   كمال، عبد العزيز عبد الرحمان، أثر البرامج التلفزيونية على النشئء و الشباب، 1994 ص 59،60.

[7]   حسون، تماضر زهدي. جرائم الأحداث الذكوري بالوطن العربي،1994 ص 5،6.

 

[8]  حسون، تماضر زهدي، جرائم الأحداث الذكوري بالوطن العربي،1994 ص 5،6.

[9] كمال، عبد العزيز عبد الرحمان، أثر البرامج التلفزيونية على النشئ و الشباب، 1994 ص 59،60.

[10] محمود سعيد الخولي، العنف المدرسي الأسباب و سبل المواجهة،القاهرة،2008،ص103

[11] عز الدين جمال عطية، الأوهام المرضية أو الضلالات في الأمراض النفسية و العنف، القاهرة، 1996،ص 173.

[12] نفس المرجع السابق ذكره، ص 173.

[13] نفس المرجع السابق ذكره، ص 173.

[14] طلعت ابراهيم لطفي، الاسرة و مشكلة العنف عند الشباب، دراسة ميدانية لعينة من الشباب بجامعة الإمارات العربية المتحدة، الإمارات، 2001، ص 14.

[15] محمد أحمد خطاب، مدى فاعلية برنامج سيكودرامي للتخفيف من حدة سلوك العنف لدى عينة من الأطفال المتخلفين عقليا، رسالة ماجستير، جامعة عين شمس، 2000، ص 161.

[16] فوزي أحمد دريدي، العنف لدى التلاميذ في المدارس الثانوية الجزائرية، الرياض، 2007، ص 53.

[17] محمد سيد فهمي،اتجاهات الشباب الجامعي نحو ظاهرة العنف ضد المرأة و الدور المقترح للخدمة الاجتماعية في مواجهتها، مصر،1998، ص 170.

[18]  اهتمام النظرية كان يسعى إلى تفسير أشكال معينة من السلوك، وقد تم ذلك من خلال صياغة مفهوم الثقافة الخاصة لفهم الأنماط السلوكية.

[19] ريلنزشان و فرانك ويلياس، السلوك الإجرامي (النظريات)، ترجمة على السمري، الاسكندرية، 1999، ص 176.

[20] طلعت ابراهيم لطفي، الأسرة و مشكلة العنف عند الشباب دراسة ميدانية لعينة من الشباب في جامعة الإمارات العربية المتحدةالإمارات،2001 ، ص 13.

[21] فوزي أحمد بن دريدي، العنف لدى التلاميذ في المدارس الثانوية الجزائرية، الرياض، 2007، ص 55.

[22] مأمون محمد سلامة، إجرام العنف، جامعة القاهرة، كلية الحقوق، مصر، 1993، ص:10.

[23]أحسن مبارك طالب، الجريمة و العقوبة و المؤسسات الإصلاحية، الرياض، 1998، ص:92.