العنف الرقمي: مقاربة لتفكيك آليات العنف الرقمي عبر مواقع التواصل الاجتماعي

649

العنف الرقمي:
مقاربة لتفكيك آليات العنف الرقمي عبر مواقع التواصل الاجتماعي
سعاد أغانيم
باحثة بسلك الدكتوراه
جامعة محمد الخامس
كلية العلوم القانونية والاجتماعية والاقتصادية بسلا

يشهد العالم ثورة غيرت وتغير مجرى التاريخ، إنها ثورة رقمية تعتمد على المعلومات والمعرفة، وعلى التطور التقني المتسارع وميلاد اقتصاد التطبيقات والمنصات الرقمية، والاستثمارات الواسعة في مجال الحوسبة السحابية، وتعميم تكنولوجيا الهاتف النقال على نطاق واسع، وثورة الذكاء الاصطناعي وأنترنت الأشياء وغزوها لمختلف مجالات الحياة.
ومن بين المجالات التي تأثرت بالثورة الصناعية وسائل الإعلام والاتصال خاصة المنصات الرقمية للتواصل الاجتماعي التي ساهمت في تعدد الثقافات وانتشار التنوع الإعلامي سواء المقروء او المسموع او المرئي.
فمنذ العشرية الأولى للقرن الواحد والعشرون ، أضحى العالم الرقمي الافتراضي بفضل الثورة التكنولوجية يشكل عالما موازيا للعالم الواقعي، فأصبحت الأجهزة الرقمية المتطورة تهيمن على نمط التواصل والتفاعل مع الغير، ومن وسائل تدبير المعيش اليومي لفئات معينة، ووسيلة للتسلية والتواصل مع الأخر لفئات أخرى.
فامتلاك هاتف” ذكي “، اي متصل بالشبكة العنكبوتية، وتوفر تغطية الأنترنيت لم تعد من الكماليات، بل أضحت من الضروريات وتعبير عن الانتماء للعالم الافتراضي، فأصبحت تقنيات التكنولوجيات الحديثة تهيمن على حياة الإنسان وعقله وحريته وخصوصياته، وذلك عن طريق خوارزميات قادرة على استمالة الجانب الرغباتي والغريزي للنفس البشرية وجعلها مرتبطة بالعالم الرقمي ارتباطا كبيرا إلى حد يمكن القول عنه أنه ارتباط عبودي ” العبودية الرقمية”.
لقد وقع الإنسان المعاصر ضحية نوع جديد من السيطرة والنفوذ، وانتقل إلى نوع جديد من الاقتصاد والسلوك ولما لا الحروب ، فبعد أن كانت الحروب حروب عسكرية وحروب بيولوجية، أصبحنا اليوم أمام حرب جديدة ركيزتها وسلاحها البيانات الضخمة ، إنها الحرب الإلكترونية ذات سلاح لامادي قائم على البيانات والأفكار.
وبرغم ما تتيحه شبكة الأنترنيت من خلال مختلف منصات التواصل الاجتماعي من تدفق إعلامي ومعلوماتي، وما توفره من فرص التعارف والتواصل مع العالم الخارجي، وما تفسحه من مجالات التعلم واكتسبات الخبرات والمهارات، إلا أن هناك عددا من المخاطر والتحديات، ترتبط أساسا بما تنطوي عليه مضامينها المكتوبة والمرئية أو المسموعة من قيم ثقافية دخيلة ينبغي الاحتياط لها، وبما تحفل به من سلوكيات العنف والإثارة والجريمة، وبابا للفساد وللتلوث الفكري، ونشر الأكاذيب والإشاعات ، وإساءة البعض للبعض والمساس بالأعراض، ولا يكاد يمضي يوم إلا ونسمع عن مثل هذه التجاوزات، خاصة وأنها تعمل على توجيه الفكر المجتمعي ، وصناعة الرأي العام، والتأثير في القيم، وما إلى ذلك.
وسنحاول من خلال هذه الدراسة تحديد المفاهيم المرتبطة بمواقع التواصل الاجتماعي ” الفقرة الأولى”، في حين سنخصص “الفقرة الثانية” لرصد ظاهرة العنف عبر استعمال مواقع التواصل الاجتماعي، وفي الأخير سنسلط الضوء على العنف الرمزي بواسطة مواقع التواصل الاجتماعي باستعمال سلاح التشهير والإشاعة ونشر الأخبار الزائفة FAKE NEWS أو INFOX.
الفقرة الأولى: ماهية مواقع التواصل الاجتماعي:
مفهوم مواقع التواصل الاجتماعي، مفهوم حديث، جاءت به الثورة المعلوماتية ، إلى جانب مجموعة من المفاهيم الأخرى، التي خرجت من جب العالم التقني ، لكي تنتشر بشكل موسع من قبيل مصطلحات(مفاهيم( “الهاشتاغ”، الفسبكة” فعل” قوقل” أي بالغة الفرنسية “googler ” غير ذلك من المصطلحات التي أخذت مكانها في القواميس العريقة من قبيل LAROUSSE أو ROBERT.
وتعرف مواقع التواصل الاجتماعي بأنها مواقع تتشكل من خلال الأنترنيت، تسمح للأفراد بتقديم لمحة عن حياتهم العامة، وإتاحة الفرصة للاتصال بقائمة المسجلين والتعبير عن وجهة نظر الأفراد أو المجموعات من خلال عملية الاتصال وتختلف طبيعة التواصل من موقع للأخر.
وفي تعريف أخر، فإنها منظومة من الشبكات الإلكترونية التي تسمح للمشترك فيها بإنشاء موقع خاص به، ومن ثم ربطه من خلال نظام اجتماعي إلكتروني مع أعضاء أخرين بالموقع ويشترك هؤلاء الأفراد في الاهتمامات والهويات.
وقد انطلقت تجربة مواقع التواصل الاجتماعي منذ سنة 1995 مع موقع Classmates. Com، وتم بعد ذلك إحداث موقع Six degress.com الذي مكن مستخدميه من نشر الملفات والتعليق وتبادل الرسائل مع المشتركين بالموقع.
لينشأ فيما بعد، وبالضبط سنة 2003 موقع My space الذي تبع نفس النهج وكانت له تقريبا نفس الأهداف خاصة منها تسهيل عملية التواصل بين الأفراد من مختلف بقاع العالم.
ليظهر بعد ذلك موقع Facebook سنة 2004 جعل اغلب المستخدمين يلتحقون بهذه المنصة الجديدة، بعد أن احدث ضجة كبرى في عالم التواصل الاجتماعي الافتراضي ،وبعده تويتر ، ثم الواتساب .
وقد عززت مواقع التواصل الاجتماعي عملية الانفتاح وتجاوز التنميط الفكري، حيث أتاحت منصات تكنولوجية أفرزت فضاءات جديدة تشكلت فيها حالات تواصلية يتفاعل فيها المستخدمون عبر أنواع مستحدثة من الكتابة عبر تدوينات أو بواسطة الصورة واللغة، وأضحت هذه الفضاءات تمثل فضاءات لبناء الهوية الفردية وتقمس شخصيات تختلف عن الشخصيات الواقعية .
وتستعمل مواقع التواصل الاجتماعي من طرف الأشخاص والهيئات لأسباب شخصية أو مهنية، فكثير من الشركات التجارية أصبحت تعتمد هذا النوع من الوسائل للتواصل ولتعريف منتوجاتها.
وتختلف مهام مواقع التواصل الاجتماعي، فمنها ما يرتكز على نشر مقاطع الفيديوهات كاليوتيوب، ومواقع ذات صبغة مهنية Linked باعتبار أنا تستعمل للتعريف بالتجربة المهنية للمستخدم، أو انستغرام الذي يعتد على نشر الصور أكثر من عرض مقاطع فيديو، أو التويتر الذي يرتكز على نشر التدوينات، أو الفايسبوك الذي يجمع مجموعة من المهام في إطار تفاعلي.
وانطلاقا من إحصائيات تقرير Data reportal لسنة 2019 ، فإن عدد مستخدمي الهاتف الذكي في العالم قد بلغ 5.11 مليار مستخدم بزيادة 100 مليون عن سنة 2018، في حين بلغ عدد مستعملي الانترنيت 4.39 مليار مستعمل ،في حين بلغ عدد مستعملي مواقع التواصل الاجتماعي 3.48 مليار مستخدم في عام 2019 ، مع نمو إجمالي في عدد المستخدمين في جميع أنحاء العالم بمقدار 288 مليون (9 أي بنسبة في المائة) مقارنة مع إحصائيات يناير 2018.
وقد تصدر الفايس بوك منصات التواصل الاجتماعي ، تلاه موقع اليوتيب بعدد 2 ملايير مستعمل، ثم الانسجرام ولانكد. ، مما يوضح التأثير الكبير لمواقع التواصل على حياة الأشخاص وعلى طريقة تواصلهم.
وقد شهد المغرب أيضا في السنوات الأخيرة انتشارا ملحوظا للتطبيقات الخاصة بمواقع التواصل الاجتماعي مجاراة مع الدول الأخرى، سواء في صورة مواقع التواصل الاجتماعي، أو في شكل تطبيقات الهواتف الذكية، والتي ازدهرت مع انتشار خدمات الأنترنيت بالمغرب، حيث بلغ عدد المستعملين 18,00 مليون مستعمل.
ومنه يمكن القول على أن التكنولوجيا الحديثة في عالم الاتصالات والإنترنت استطاعت أن تحدث طفرة على كل المستويات في الحياة اليومية للمواطن تقريبا، حيث مكنت مستخدميها من التواصل والترابط مهما بعدت المسافات بينهم. من مزايا هذا التواصل أن أصحبت المجتمعات أكثر انفتاحا على بعضها وبات من السهل التعارف وتبادل الآراء والأفكار. وتعد مواقع التواصل الاجتماعي من الوسائل المفضلة في عملية التواصل الاجتماعي بين أفراد العالم.
وإذ كان الهدف من هذه المواقع التواصلية الاجتماعية إيجاد وسيلة للتواصل بين الأفراد، فإن استخدامها امتد ليشمل مختلف المجالات حتى أنها باتت تهدد الاستقرار الاجتماعي بعد أن أضحت سلاحا في يد مجموعة من الأشخاص أو المنظمات أو الحركات لنشر العنف والتطرف عبر نشر الشائعات والمعلومات المغلوطة بطريقة سريعة، مما يساهم في خلق التوتر وممارسة العنف وفي بعض الأحيان تهديد الأمن وهو ما سنحاول تحليله في الفقرة الثانية .
الفقرة الثانية: العنف الرقمي عبر مواقع التواصل الاجتماعي
شكلت ظاهرة العنف على مر التاريخ أشد الظواهر الاجتماعية الملتصقة بالإنسان، بل أكثرها غموضا وإثارة للقلق لما لها من آثار سلبية وخطيرة على الفرد والجماعة، فهي ظاهرة لازمت المجتمعات على اختلاف درجة رقيها وإن كانت بدرجات مختلفة، فمنذ الأزل والإنسان يتعايش مع كل مظاهر وأشكال العنف سواء منها المباشرة أو غير المباشرة، الخفية أو العلنية، بدء من العنف الجسدي إلى العنف الرمزي.
فقد مارس الإنسان العنف الجسدي من خلال استعمال القوة العضلية في الدفاع والتظلم وإشباع غريزة الانتصار البشرية، و كذلك العنف الرمزي الذي يتخذ طرق و مسارات و مظاهرة عديدة لا تقل خطورة عن العنف الجسدي ليشمل كل أشكال العنف غير المادي سواء عن طريق الكلام أو اللغة أو الأشكال التعبيرية المختلفة. لينتقل مع القرن الواحد العشرين إلى عنف افتراضي يستغل من خلاله تكنولوجيات الحديثة والعالم الافتراضي لترويج مضامين العنف، والتمييز العنصري، والتطرف الديني، والشجيع على ممارسة السلوك العدواني.
فلم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد أداة للترفيه والتواصل بين الأفراد بل ظهر وجهها البشع والحقيقي بعد سنوات من الاستخدام، وتحولت إلى ساحة خلفية لممارسة نوع جديد من الحروب تعتمد بشكلِ أساسي على الأفكار.

فقد أصبحت جدران/ صفحات/ مدونات مواقع التواصل الاجتماعي فضاء تعبيريا افتراضيا منفتحا تتجسد فيه ومن خلاله العديد من الرموز والإشارات تندرج ضمن العنف الافتراضي، حيث تشكل مجالا خصبا يسمح لمستعمليه في اعتناق كل أشكال التفكير والتعبير.
ولقد ساهم تطور مواقع التواصل الاجتماعي بأنواعها في خلق فضاء ومجال افتراضي عمومي محكوم بالصراعات ذاتها التي تحكم المجال العمومي الواقعي. فتتحول المواقع من مجال الاتصال ووسيلة لتحقيق التفاهم والاتفاق والبحث إلى مجال لتكريس الهيمنة والصراعات وممارسة العنف بكل أشكاله وفي كل المجالات سواء تعلق الأمر بالعنف المرتبط بالنوع الاجتماعي أو العنف السياسي وأحيانا عنف من أجل تحقيق أرباح اقتصادية.
ويتخذ «العنف الرقمي»، من الإنترنت والشبكات الإلكترونية ساحة قتال، ليس فقط لبث روح التفرقة والتطرف ورفض الآخر، وإنما أيضا لشن هجمات من شأنها إضعاف قدرات هذا الآخر نفسيا أو ماديا أو كلاهما معا.
ومن بين أشكال العنف الممارسة من خلال مواقع التواصل الاجتماعي نجد التدوينات و والفيديوهات التي تحمل في ثناياها أفكارا متطرفة ومشاهد عنيفة ، وهو وضع يزداد خطورة إذا علمنا أن معظم مستعملي هذه الفضاءات الافتراضية هم من الأطفال والمراهقين والشباب من كلا الجنسين وأن عدد ساعات ولوجهم إليها مرتفع وبشكل يومي ، وهذا ما جعلها تحتل دورا مركزيا داخل المنظومة الاجتماعية، لا من حيث كونها تعمل على نقل الواقع أو إعادة إنتاجه، بل لكونها تقوم بتشكيله وبنائه .
ومن أبرز السلوكيات السلبية استهداف البعض في معتقداتهم وقناعاتهم، ونشر الأفكار والقيم المخالفة للقيم للقانون، والتشهير بالناس من خلال الشائعات، والابتزاز والتزوير، وقلب الحقائق والتفكك الأسري، وغيرها من الأفعال والأنماط السلوكية والثقافية التي تؤثر بشكل كبير في إرساء العنف الرقمي.
تحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى مراكز لنشر ثقافة الكراهية والعنف بين الناس، وأصبحت مرتعا لأشخاص يصطادون الضحايا من خلال منصات مثل “فيسبوك” و”تويتر” .
كما يشمل العنف الافتراضي، العنف المتعلق بالجنس الإلكتروني داخل مواقع التواصل وخارجها، واستعمال التقنيات الحديثة في استغلال النساء والأطفال في التجارة الجنسية وتعد من أقبح صور العنف الممارسة عبر الوسائط الإلكترونية.
ومن مظاهر حماية القانون للمرأة والأطفال القاصرين ضد العنف الذي قد يمارس عليهم عبر استعمال الوسائط الإلكترونية، فإن القضاء الفرنسي والبلجيكي قد أقرا بجريمة الاغتصاب عن بعد.
وهو نفس النهج الذي صار عليه المغرب من خلال مضامين القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء الذي نص بدوره على التحرش الجنسي بواسطة رسائل مكتوبة أو هاتفية أو إلكترونية أو تسجيلات أو صور ذات طبيعة جنسية أو لأغراض جنسية.
والعنف الرقمي حاليا، تجاوز مرحلة العنف المقرون بالنوع الاجتماعي ، أو العنف الممارس على الأطفال، أو عنف رقمي من أجل الابتزاز للحصول على بعض المال، بل وصل إلى مرحلة متطورة، مرحلة عنف تعددت مستوياته بدأ بالأفرادـ، وانتهى بعنف رقمي يمارس على الدول والمنظمات.
ولقد استعمل الشباب العربي مواقع التواصل الاجتماعي في أحداث الربيع العربي من أجل التعبئة للخروج في المظاهرات ونشر الممارسات عن النخب الحاكمة سواء كانت حقيقية أم إشاعات.
كما يمثل الإرهاب الحالة القصوى للعنف السياسي الذي يسعى إلى غرس الخوف عبر وسائط الاتصال الرقمي، حيث استعملت الحركات والمنظمات الإرهابية مواقع التواصل الاجتماعي لضم الإرهابين كما فعلت حركة “داعش” من خلال توظيف مضامين جهادية والترويج للأعمال الإرهابية وتعزيز عملية التطرف ، أو من خلال الإرهاب الفردي مثال هجوم “كرايستشيرش” بعدما بث المهاجم عبر الإنترنت هجومه على المسجد في نيوزلندا.
ونظرا لذلك أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي سلاح العصر الحالي، فعلى الرغم من القوانين المسنة والبروتوكلات التي تطالب شركات التكنولوجيا بالسيطرة على المحتوى الرقمي على منصاتها ، فإن هذا لا ينفي أن قواعد اللعبة تغيرت بالفعل، ومبادئ الحرب الجديدة في القرن ـ21 تهدد الحقيقة وتضخم النتائج والعواقب المادية، كما أنها بلا شك تزعزع القيم والأخلاقيات المجتمعية الأساسية على أرض الواقع من خلال نقرة واحدة على الهاتف الذكي.

مجلة المنارة للدراسات القانونية والإدارية عدد خاص حول الثورة الرقمية وإشكالاتها ـــــــــــــــــــ أبريل 2020