العلاقة بين المؤسسية والحكم الصالح : دراسة نظرية

254

العلاقة بين المؤسسية والحكم الصالح : دراسة نظرية

د. بهاءالدين مكاوي

أستاذ مشارك – قسم العلوم السياسية – جامعة العلوم التطبيقية – مملكة البحرين

تمهيد :

كثر في السنوات الاخيرة ، وبصورة لافتة للنظر ، الحديث عن المؤسسية ، وأهميتها، وسماتها ، ومؤشرات قياسها ، والدور الذي تلعبه في الجوانب الاقتصادية والادارية والاجتماعية والسياسية ، كما تناول الكتاب والباحثون والعلماء مفهوم الحكم الصالح وسماته ومؤشرات قياسه .

يهدف هذا البحث الى إلقاء الضوء على العلاقة الجدلية بين المؤسسية والحكم الصالح أو الراشد ، إذ يقوم البحث على فرضية أساسية تقول بوجود علاقة متبادلة بين المؤسسات السياسية الراسخة من جانب ، و الحكم الصالح من جانب اخر ، فالمؤسسات الفاعلة تدعم وتقوي النظام السياسي، والنظام السياسي القوي ، كذلك ، يشجع ويدعم المؤسسات المختلفة في الدولة ، ويقوم البحث على المحاور التالية :

المحور الاول : مفهوم المؤسسية وأنواع المؤسسات .

المحور الثاني :  مفهوم الحكم الصالح ومؤشرات قياسه .

المحور الثالث : العلاقة بين المؤسسية والحكم الصالح .

أولاً : مفهوم المؤسسية وانواع المؤسسات :-

يقصد بالمؤسسية فى أدبيات التنمية السياسية إضفاء الطابع المؤسسي  (Institutionalization)  على عمليات صنع القرار ، بمعنى الاعتماد على الأبنية والأطر الرسمية والنظامية مثل البرلمان والأحزاب وجماعات المصالح في صنع القرار السياسي، وذلك بهدف التخلص من عملية شخصنة السلطة ([1]).

والمؤسسية السياسية ، بالتالي ، تشير إلى الدور الكبير الذى تضطلع به المؤسسات السياسية المختلفة فى صنع القرار ،حيث تقوم الأبنية الرسمية – وفقاً لصلاحياتها المنصوص عليها مسبقاً – باتخاذ القرارات اللازمة لتسيير شؤون الحكم والسياسة ،على أسس موضوعية بعيداً عن الرغبات الذاتية والمصالح الشخصية لصناع القرار ، وذلك خلافاً للانظمة التي تفتقر الى المؤسسية و التى تعانى من شخصنة السلطة وتمحورها حول الأشخاص ،وتتضاءل  فيها دور المؤسسات التى تصبح – إن وجدت- مجرد لافتات وأدوات لتبرير ممارسات السلطة القائمة ، وهو ما يشير الى ضعف أو غياب الفاعلية المؤسسية.لذلك فقد اهتم الكتاب والعلماء بتحديد شروط الفاعلية المؤسسية، ومن أبرز هذه الشروط:ـ

  • التكيف مع متغيرات الواقع المجتمعى.
  • ذاتية الحركة واستقلالية القرار السياسى.
  • الهيراركية التنظيمة والترابط والتنسيق الوظيفى داخل الوحدة ، وفيما بين المؤسسات وبعضها البعض ([2]).

 إن التكيف مع متغيرات الواقع المجتمعى يقتضى مرونة كاملة لهذه المؤسسات بحيث تستجيب ، وبالسرعة المطلوبة ، لهذه المتغيرات ،وهذا يتسق وفكرة النسق System )  (القائمة على أساس الفعل ورد الفعل بهدف تحقيق

التوازن المطلوب، أما اذا فقدت المؤسسة المروتة فى الحركة ، فانها تفشل فى الاستجابة السريعة للمتغيرات

الحادثة فى الواقع الاجتماعى ،وقد اعتبر بعض العلماء من أمثال جابريل آلموند أن القــدرة الاستجابية  (Responsive Capability ) من أهم مؤشـرات قياس فاعـــلية النظـام السياسى ([3]).

كذلك تشير ذاتية الحركة واستقلالية القرار السياسى إلى الحرية المطلوبة للتحرك السريع ، وهو يشير الى استقلالية المؤسسة وقدرتها على اتخاذ القرارات المناسبة لمواجهة المستجدات ، أما  فى حالة السلطة المشخصنة (اى المرتبطة بالأشخاص) ،فان المؤسسات – ان وجدت- فإنها تكون محدودة الحركة ، وضعيفة الاستجابة ، لانها تنتظر الإشارة او الموافقة من صاحب السلطة ،وهكذا تصبح المؤسسات – حتى في حالة وجودها – بلا دور.

كذلك فان التنظيم الهرمى يشير الى المؤسسية ، حيث تزداد الصلاحيات كلما ارتقينا الى أعلى الهرم ، و يمثل صاحب السلطة  الأعلى قمة الهرم ،وتكون العلاقة بين قمة الهرم وقاعدته علاقة مزدوجة ،حيث تتلقى القيادة المعلومات والمقترحات التى على أساسها يتم إتخاذ القرار الذى يتنزل بذات القنوات التى صعدت بها المعلومات والمقترحات، فى تسلسل هرمى تحدد فيه الوظائف والصلاحيات بصورة واضحة ، ويعرف كل مستوى من المستويات واجباته وصلاحياته . ويصر على عدم تجاوزه، وتكون له القدرة على الاحتفاظ بصلاحياته والدفاع عنها وفقاً للدستور والقانون، بل يحق لكل مستوى من المستويات أن يلجأ للمؤسسات القانونية إذا تم تجاوزه، أو تم التغول على صلاحياته.

وطبقاً لصمويل هنتغتون فان المؤسسية هي ” العملية التي بها تكتسب التنظيمات والاجراءات حتمية وثباتاً” ([4]) ، ويمكن قياس درجة المؤسسية في أي تنظيم سياسي من خلال المؤشرات التالية([5]) :

  • القدرة على التكيف : فكلما كان التنظيم قادراً على التكيف ، كلما كان أكثر مؤسسية ، ويقاس تكيف التنظيم من خلال عمره ، ويقاس العمر نفسه بثلاث طرق :
  • طريقة تتعلق بالزمن : بمعنى انه كلما طال أمد بقاء التنظيم ، كلما صار أكثر مؤسسية بسبب ترسخ القيم المؤسسية عبر الزمن .
  • طريقة تتعلق بانتقال السلطة داخل التنظيم : فكلما كان التنظيم قادراً على تجاوز مشكلة انتقال السلطة سلمياً ،كلما أشار ذلك إلى رقيه من الناحية المؤسسية .
  • طريقة تتعلق بالوظيفة التي يؤديها التنظيم: بمعنى قدرة التنظيم على التقدم في نوعية الوظيفة التي يؤديها ، وعلى سبيل المثال فان الهدف الاساسي للحزب السياسي ووظيفته التي يسعى لادائها هي الحكم ، ولكنه قد يمارس وظيفة المعارضة قبل تمكنه من الوصول إلى السلطة ، فاذا وصل الى السلطة ومارس وظيفة الحكم فهذا يعني أنه قد تقدم في وظيفته ( من المعارضة الى الحكم ).
  • التعقيد : فكلما كان التنظيم أكثر تعقيداً ، كلما أشار ذلك الى ارتفاع مستواه المؤسسي ،اذ يشتمل التنظيم المؤسسي على عدد هائل من الوحدات التنظيمية الفرعية المتمايزة وظيفياً ، وعلى العكس من ذلك فان الانظمة البدائية التقليدية تتسم – عادة – بالبساطة ،إلى درجة أنها تعتمد أحياناً وبصورة شبه كاملة على فرد واحد ، وتكون – غالباً- أقل كفاءة واستقراراً .

3- الحكم الذاتي: ويقصد به مقدار الوجود المستقل للتنظيمات والاجراءات السياسية عن تجمعات وطرق سلوك اجتماعية أخرى ، أي مقدار اختلاف المجال السياسي عن المجالات الاخرى ، ففي التنظيمات السياسية المتطورة تتمتع التنظيمات السياسية بقدر كبير من التكامل ، وتكون بمعزل عن التأثر بالجماعات والاجراءات السياسية ، بينما تكون التنظيمات الأقل تطوراً عرضة للتأثيرات الخارجية .

4- الوحدة والترابط : فكلما ازداد التنظيم تماسكاً وترابطاً ، كلما ارتفع مستواه المؤسساتي ، لكن التماسك داخل التنظيم يعتمد على وجود قدر من الاجماع الفعلي حول الوظائف واجراءات حل الخلافات داخل التنظيم ، لأن الوحدة الروحية والاخلاقية والوظيفية يحتاجها النظام السياسي كما يحتاجها الجنود في أوقات الحرب .

وقد أدى رسوخ المؤسسات السياسية فى الغرب الى ظهور التحليل المؤسسى للظواهر السياسية Institutional analysis) ( والذى يعنى بدراسة العمليات والهياكل السياسية استناداً إلى الوثائق الحكومية والسجلات الرسمية للدولة.

أهمية المؤسسات :-

تلعب المؤسسات ، حيثما وجدت ، دوراً أساسياً وحيوياً في الواقع السياسي فهي ضرورية ومهمة لحماية المجتمع لانها تجنب المجتمع العودة الى حالة التجزئة والانقسام ، كما أنها تضمن تنمية تنمية سياسية مترابطة تتعلق بالمصلحة العامة ، كذلك فان دعم المؤسسات القوية والمعقدة والفاعلة  من شأنه ان ينضج القرارات الحكومية ويعمل على انفاذها ، وتوصف الدول التي تفتقر الى المؤسسات بأنها ” ضعيفة وسيئة” لانها عاجزة عن تحقيق المصالح سواء كانت مصالح خاصة او عامة ([6]) .

تقول لوسا فيريني ان “المؤسسات هي قواعد اللعبة في المجتمع  ( [7]) فهي التي تحدد الأهداف العامة للمجتمع ، وهي التي تحدد سبل تحقيق هذه الأهداف، وهي تمثل رأس الرمح في سعي المجتمع لتحقيق أهدافه وتطلعاته.

ويقول صامويل هنتغتون ” إن وجود مؤسسات سياسية قادرة على بلورة المصالح العامة هو ما يميز ، سياسياً، المجتمعات المتطورة عن المجتمعات المتخلفة ، كما انه يميز بين المجتمعات الأخلاقية واللا أخلاقية . فالحكم الذي يتدنى مستواه المؤسساتي لا يكون مجرد حكم ضعيف ، بل هو حكم ردئ …ان وظيفة الحكم هي ان يحكم .والحكم الضعيف ، أي الذي يفتقر الى السلطة ، يخفق في أداء وظيفته ، ويكون لا أخلاقياً بالمعنى نفسه الذي يعتبر فيه لا أخلاقياً القاضي المفسد ، أو الجندي الجبان ، أو المعلم الجاهل . القاعدة الاخلاقية للمؤسسات السياسية متجذرة في احتياجات الناس في المجتمعات المعقدة “([8])  .

إن ما جاء أعلاه يوضح أهمية المؤسسات ودورها الفاعل في المجتمعات السياسية في كل الازمان والأمكنة ، لكن المأسسة تكون أكثر اهمية في حالة التعبئة الاجتماعية ، لان النظام السياسي لا يستطيع احتواء واستيعاب التغير السياسي للفئات الجديدة من السكان اذا لم يمتلك القدرة على بناء المؤسسات التي تستطيع تنظيم المد الشعبي الجديد ودمجه بصورة دائمة ومستقرة في اطار الدوائر الوظيفية المختلفة في المجتمع ، بل يذهب البعض إلى القول بان كل اشكال التحديث الاقتصادي والاجتماعي تتطلب العمل في اطار من المؤسسية تعكس حقيقة انتقال المجتمع نحو التحديث.وبالتالي فان المؤسسية غاية تسعى لها كل نظم الحكم الصالحة ، وهي – في ذات الوقت- وسيلة هذه الانظمة للتحديث والتقدم والتطوير.

أنواع المؤسسات السياسية:-

لعل المدخل للحديث عن أنواع المؤسسات السياسية وتصنيفاتها ومعايير هذه التصنيفات هو تعريف النظام السياسي ، فوفقاً للاتجاهات الحديثة في الدراسات السياسية ، يشير مصطلح النظام السياسي إلى الابنية الرسمية والمتمثلة في السلطات الثلاث ، بالاضافة الى المؤسسات غير الحكومية كالاحزاب السياسية ، وجماعات المصالح وكافة تنظيمات المجتمع المدني ، وبالتالي يكون نظام الحكم جزء من النظام السياسي .

إن النظام السياسي – حسب ديفيد ايستون– هو “مجموعة التفاعلات والادوار المتداخلة والمتشابكة التي تتعلق بالتخصيص السلطوي للقيم ” ، وهو لدى جبرائيل الموند يمثل ” التفاعلات التي تتضمن الاستخدام الفعلي أو التهديد باستخدام الارغام المادي المشروع في سبيل تحقيق تكامل وتكيف المجتمع على الصعيدين الداخلي والخارجي ” ([9]) .

ويرى أغلب العلماء الذين استخدموا مفهوم النظام السياسي بهذا المعنى ان هذا المفهوم ليس سوى تصور ذهني لفهم وتحليل التفاعلات السياسية داخل المجتمع ، وان هذا  النظام السياسي يتميز بالاتي([10]) :-

  • التفاعل المستمر بين وحدات النظام السياسي من جانب ، وبين هذه الوحدات وبيئة النظام السياسي من جانب اخر .
  • إن العلاقة بين أطراف النظام السياسي تقوم على أساس الاعتماد المتبادل (Interdependence) بمعنى أن أفعال كل طرف من هذه الأطراف تؤثر في أفعال الأطراف الأخرى .
  • يسعى النظام السياسي – بوسائل مختلفة – للحفاظ على ذاته.

وهكذا فان المؤسسات السياسية وفقاً لها المنظور لا تشمل فقط الابنية الحكومية الرسمية ، وإنما تشتمل على كل المؤسسات السياسية والمجتمعية سواء كانت رسمية أو غير رسمية .

بناءً على ما سبق ، فهناك عدة أنواع من المؤسسات ، ولكن يمكن بشكل عام تقسيم المؤسسات السياسية إلى نوعين : حكومية وأهلية .

 

1/ المؤسسات الحكومية :

وتشمل السلطة التشريعية والتي تقوم بسن واصدار التشريعات والقوانين للدولة ، كما تقوم بوظائف اخرى ، مثل : تمثيل المصالح والتعبير عن الاراء ، والمساهمة في وضع السياسات العامة ، والرقابة المالية ، و السلطة التنفيذية التي تعمل على تطبيق وتنفيذ التشريعات والقوانين الصادرة عن السلطة التشريعية ، بالاضافة الى وظائف اخرى مثل : (ابتدار) مشروعات القوانين ، تعيين واقالة كبار الموظفين والاشراف على اعمالهم ، تعيين القيادات العسكرية وتمثيل الدولة في الخارج ، وادارة المفاوضات ، وعقد الاتفاقيات والمعاهدات ،ومعالجة بعض النزاعات التي تقع بين والمواطنين والموظفين الحكوميين اثناء تأدية الاخيرين لواجباتهم كمسؤولية حكوميين، والسلطة القضائية التي تمارس الحكم بموجب القوانين التي تصدرها السلطات التشريعية ، حيث تفسر القوانين وتقوم بتطبيقها على الحالات الفردية .

2/المؤسسات الاجتماعية :

ويقصد بها النظم المعيارية التي تحدد السلوك الاجتماعي في خمسة مجالات حياتية اساسية هي: نظام القرابة او الاسرة ، مجال السياسة وهو مجال السلطة والقوة الشرعية والنفوذ ، والمجال الاقتصادي وهو مجال الانتاج وتوزيع السلع و الخدمات ، و مجال التعليم وهو مجال نقل المعرفة من جيل الى اخر ،والمجال الديني وهو مجال عالم ما وراء الطبيعة  ،وبصورة مختصرة فان المؤسسات الاجتماعية هي : الاسرة والحكومة والاقتصاد والتعليم والدين . ويلاحظ أن البعض يعتبر الحكومة جزءً من المؤسسات الاجتماعية ، كما جاء هنا ، لكن الاتجاه الغالب هو التمييز بين الحكومة والمؤسسات المجتمعية الأخرى ( غير الرسمية ) .

وتــرتبط المؤسسية بعدد من المبادئ السياسية الأخرى التى لا يمكن تطبيق المؤسسية بمعزل عنها. من هذه المبادئ : الشـفافية، وحكم القانون، والمحاسبية. وتعد هذه المبادئ – بالإضافة الى المشاركة، والفاعلية، والانصاف ، واحترام حقوق الإنسان- هى أسس الحكم الصالح.

ثانياً مفهوم الحكم الصالح ومؤشرات قياسه ::

رغم الاستخدام الواسع لمصطلحات الحكم الصالح، والحكم الجيد، والحكم الراشد، والتى تشير كلها الى نفس المضامين تقريباً، إلاً أن مصطلح الحكم  الصالح لا يزال من المفاهيم المختلف حولها.

ولئن اختلف العلماء والمفكرون حول إيجاد تعريف مانع جامع للحكم الصالح، لكن هناك اتفاقا على أسس هذا الحكم مثل الشفافية والمحاسبية والانصاف، وحكم القانون، والعدالة “لأن أنساق الحكم الفاسدة… لا تسهر على مصالح الشعب…. ولا تحقق،من ثم، طموحاته فى العزة والكرامة.([11]).

على أن من التعريفات التى وردت بشأن الحكم الصالح ما يشير الى أنه  هو “الحكم الذى تقوم به قيادات سياسية منتخبة ،وكوادر ادارية ملتزمة بتطوير موارد المجتمع،وبتقدم المواطنين ،وبتحسين نوعية حياتهم ورفاهيتهم ،وذلك برضاهم وعبر مشاركتهم،ودعمهم ([12]).

وطبقاً للبرنامج الانمائى للامم المتحدة) (UNDP فى عام 1997م، فان الحكم الصالح يقوم على الآتى:ـ

  • المشاركة الفاعلة من قبل المواطنين فى إدارة شؤون مجتمعهم.
  • الشفافية : والتى تعنى توافر المعلومات الصحيحة والدقيقة والكاملة حول الموضوعات المختلفة ،وإمكانية الحصول عليها بسهولة من قبل المواطنين.
  • المحاسبية: أى خضوع الموظفين الحكوميين للرقابة والمساءلة.
  • حكم القانون : بمعنى توافر ترتيبات قانونية وقضائية واضحة ، مع كفالة المساواة أمام القانون للجميع.
  • الفاعلية: وتعنى الإستخدام الأمثل للموارد ،أى تخصيص وإدارة الموارد استجابة للحاجات الجماعية.
  • الإنصاف : أى كفالة معاملة عادلة للجميع ،فضلاً عن التوزيع العادل لثمار التنمية وأعبائها ([13]).

لكن الدراسات التى صدرت لاحقاً عن برنامج الأمم المتحدة الانمائى ،وضعت تسعة معايير للحكم .هذه المعايير يمكن تلخيصها فى الآتى:ـ

  • المشاركة الفعالة للمواطنين (رجالاً ونساءً)، مع توفر القوانين التى تضمن حرية تشكيل الجمعيات والأحزاب،وكفالة حرية التعبير والانتخاب، وبسط الحريات العامة بشكل اجمالى .
  • حكم القانون : أى مرجعية القانون وسيادته على الجميع دون إستثناء.
  • الشفافية : بمعنى توفر المعلومات الدقيقة فى مواقيتها ،وافساح المجال أمام الجميع للأطلاع على المعلومات الضرورية والموثقة بما يساعد على اتخاذ القرارات الصحيحة ،ويجب نشر المعلومات بصورة علنية بما يوسع دائرة المشاركة والرقابة والمحاسبة، ويخفف من الهدر ويحاصر الفساد .
  • حسن الاستجابة: أى قدرة المؤسسات على خدمة المجتمع بالاستجابة السريعة لمطالبه واحتياجاته.
  • التوفيق : أى القدرة على التوسط والتحكم بين المصالح المتضاربة (Distributive Capability) وهو ما أشار له آلموند بمصطلح القدرة التوزيعية .
  • المساواة بين الرجال والنساء فى الحصول على الفرص لتحسين الأوضاع والارتقاء الإجتماعى.
  • الفعالية : بمعنى القدرة على تنفيذ المشروعات التى تحقق احتياجات المواطنين وتطلعاتهم على أساس إدارة عقلانية وراشدة للموارد.
  • وجود نظام متكامل من المحاسبة والمساءلة السياسية والإدارية للمسؤولين ولمنظمات المجتمع المدنى والقطاع الخاص.
  • الرقابة الاستراتيجية المنطلقة من المعطيات الثقافية والاجتماعية والهادفة إلى تحسين أوضاع الناس وتنمية المجتمع ([14]).

 

 

أسس الحكم الصالح

التوافق
المساواة
المحاسبية
المشاركة
حكم القانون
حسن الاستجابة
الشفافية
الفعالية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر : حسن كريم، مفهوم الحكم الصالح، مجلة المستقبل العربى، العدد 309، نوفمبر 2004م، ص 48.

الحكم غير الصالح : Poor Governance

فى مقابلة الحكم الصالح، تحدث البعض – لمقاربة الموضوع بهدف الانتقال للحكم الصالح- عن مفهوم الحكم غير الصالح، وأشاروا إلى سماته، والتى تتلخص فى الآتى :

  • الحكم الذى لا يفصل بين المصالح الخاصة والمصالح العامة، ولا بين المال العام والخاص.
  • نقص الإطار القانونى، وتطبيق القوانين بصورة تعسفية، مع إعفاء المسؤولين لأنفسهم من تطبيق القوانين.
  • وجود عدد من المعوقات القانونية والإجرائية أمام الاستثمار الانتاجى بما يدفع نحو أنشطة الربح الريعى والمضاربات.
  • وجود آليات تتعارض مع التنمية، وتدفع نحو الهدر فى الموارد .
  • وجود قاعدة ضعيفة أو مغلقة وغير شفافة للمعلومات .
  • انتشار الفساد وآلياته وثقافته وانتشار القيم المتسامحة مع الفساد .
  • اهتزاز شرعية الحكم، وضعف كفة المواطنين فيه، بما يدفع الى انتشار القمع ومصادرة الحريات والتسلط وانتهاك حقوق الإنسان .

هذه هى سمات نظم الحكم غير الصالحة، وهى تنطبق على أغلب نظم الحكم فى العالم الثالث، مما يشير الى خلاصة مفادها ان هذه الأنظمة السياسية غير صالحة.

مؤشرات الحكم الصالح لدى المؤسسات الدولية :-

تهتم المؤسسات الدولية اهتماما كبيراً بموضوع الحكم الصالح ، وتضع مؤشرات مختلفة لقياس درجة صلاحية الحكم في كل انحاء العالم ، و يتم الإعلان سنوياً عن صدور تقاريرعن مؤسسات دولية للمقارنة بين الدول أو لترتيبها وفقاً للمؤشرات التي تعتمدها في هذا الصدد. من هذه التقارير و ( المؤشرات) :

1- مؤشر الحوكمة العالمي (Worldwide Governance Indicator)

يصدر عن البنك الدولي ، ويعد هذا المؤشر من أكثر المؤشرات شمولاً ومصداقية ودقة في جودة الحكم حسب راي أغلب الخبراء ، وتتكون المؤشرات العالمية للحوكمة من ست مؤشرات هي : السيطرة على الفساد ، وفعالية الحكومة ، والاستقرار السياسي، وجودة التشريعات وتطبيقها ، وسيادة القانون ، والمشاركة والمساءلة .

 

 

2- مؤشر الحرية السياسية :.

ويصدر عن بيت الحرية ( Freedom House)  وهي منظمة غير حكومية مقرها الولايات المتحدة الأمريكية تدعم وتجري البحوث حول الديمقراطية والحرية السياسية وحقوق الإنسان.، وقد تأسست هذه المنظمة في العام ١٩٤١ ، وتقدم نفسها على انها “صوت خالص للديمقراطية والحرية في جميع أنحاء العالم”.

واعتباراً من عام ٢٠١٠، شكلت المنح المقدمة من حكومة الولايات المتحدة معظم الاعتمادات المالية التى حصلت عليها المنظمة.تعتبر منظمة بيت الحرية على نطاق واسع مصدر موثوق به، ومع ذلك، كثيراً ما تتهم بالتحيز، والعمل على خدمة المصالح الأميركية في الخارج.

تعتمد “فريدوم هاوس” أربعة معايير لتقييم الدول ، هذه المعايير هي :  المساءلة وصوت الشعب،  والحريات المدنية ، وسيادة القانون،  ومحاربة الفساد والشفافية.

3- مؤشر مدركات الفساد (Corruption Perception Index) :

ويصدر عن مؤسسة الشفافية الدولية (Transparency International)، وتعرف منظمة الشفافية الدولية الفساد على انه “كل عمل يتضمن سوء استخدام المنصب العام لتحقيق مصلحة خاصة ذاتية لنفسه أو لجماعته” وياخذ الفساد اشكالاً مختلفة، حيث تعتبر الواسطة، المحسوبية، المحاباة، نهب المال العام، الابتزاز، الرشوة، واشكال اخرى جميعها تأتي تحت سوء استغلال المنصب العام وتعتبر أفعال فساد.

أما مؤشرات قياس الفساد حسب مؤسسة الشفافية الدولية فتتمثل في الاتي :-

أ/ قياس الفساد عن طريق ادراك الناس له (مؤشر مدركات الفساد) .

ب/ قياس الفساد عن (طريق خبرة الناس في التعامل مع ظاهرة الفساد المطلوب قياسها).

ج/ ارقام عدد المحكومين والمحالين والمطلوبين بتهم فساد .

 

4- مؤشر حرية الصحافة (Press Freedom Index) :

تقرير تصدره منظمة( مراسلون بلا حدود ) ومقرها  باريس . يقوم  التقرير بتصنيف الدول بناءً على تقييم المنظمة للحريات الصحفية فيها .يستند التقرير الى استبيان يرسل الى منظمات شريكة لمنظمة مراسلون بلا حدود ، بالإضافة الى مراسلين معتمدين لدى المنظمة والصحافيين والباحثين والمحامين ونشطاء حقوق الإنسان حول العالم .

يطرح الاستبيان  اسئلة عن الهجمات التي يتعرض لها الصحفيين والإعلام ، بالإضافة للضغوط غير المباشرة على حرية الصحافة ، ويتعرض التقرير للنقد على اساس أسلوب جمع البيانات حيث يعتمد على الملاحظات الفردية .

وهناك ايضاً تقرير الحوكمة الديمقراطية العالمي  (Global Democratic Governance Report) ويصدر عن برنامج الامم المتحدة الانمائي  (UNDP) ومؤشر النزاهة العالمي (Global Integrity Index)  ويصدر عن مؤسسة النزاهة العالمية .

لكن ما تجدر الاشارة اليه هو ان المؤسسات التي تصدر هذه المؤشرات تتفاوت فيما بينها من حيث المصداقية ، فبينما تلتزم بعضها معايير موضوعية ، تفتقر بعضها الى هذه المصداقية ، ومع ذلك فان لها تاثير كبير على الدوائر السياسية والاقتصادية ودوائر الأعمال الدولية ، وعلى أساس المعلومات الواردة في هذه التقارير تتخذ قرارات مصيرية وحاسمة .

في ذات الوقت هناك من يجادل بأنه لا يمكن تعميم أسس الحكم الصالح بسبب اختلاف الظروف الاجتماعية والاقتصادية فى العالم الثالث عن تلك الظروف السائدة فى دول أوربا الغربية، فضلاً عن أن التعميم يعنى عدم احترام الخصوصيات الثقافية للشعوب والمجتمعات .

هذا الاتجاه يؤكد بأنه لا يمكن اعتماد معايير ثابتة للحكم الصالح وتعميمها، بل يمكن أن يحدد كل مجتمع أسس الحكم الصالح له، استناداً إلى أطره الاجتماعية والثقافية وتجربته التاريخية.

لكن يعتقد الباحث أن الأسس المشار إليها هى أسس واسعة وفضفاضة مثل : الشفافية، المحاسبية، الإنصاف ، وهذه أسس يمكن اعتمادها فى أى مجتمع، و يبقى من بعد ذلك إيجاد الآليات المناسبة لتفعيلها، وهنا تأتى الخصوصية الثقافية والتجربة التاريخية، ويمكن لكل مجتمع ان يوجد آلياته، اما المبادئ العامة فليس فيها تجاوز للخصوصيات والتجارب الخاصة بالشعوب ، لأن هذه قيم إنسانية عامة وهى ليست خاصة بالغرب أو الشرق وإنما أسهم فى صياغتها كل البشر من خلال تجاربهم الطويلة حتى غدت من المسلمات .

ثالثاً :العلاقة بين المؤسسية والحكم الصالح :

هناك ما يشبه الاجماع بين العلماء والمفكرين على انه يتعذر وجود حكم صالح في غياب المؤسسية التي تعد العمود الفقري للحكم الصالح ، وذلك لأن جميع مؤشرات الحكم الصالح لا يمكن أن تتحقق في ظل نظام يفتقر الى المؤسسية ، فالمشاركة الفعالة للمواطنين لا تتحقق ما لم تكن هناك مؤسسات تنظم عملية المشاركة وتدعو لها وتشجع عليها وتضمن حرية المواطنين في إبداء الآراء التي يرونها وهو ما يتطلب سلطة قضائية مستقلة وقوانين تضمن عدم مساءلة المواطنين حيال اراء يعتقدونها .

كذلك فان حكم القانون والذي يشير إلى مرجعية القانون وسيادته على الجميع دون إستثناء، يتطلب مؤسسات دستورية تحمي هذا الحق ، وتحتاج الشفافية الى مؤسسات توفر المعلومات المتعلقة بالقرارات الحكومية بحيث تكون شاملة وصحيحة وتقدم عند الطلب ، وما لم توجد هذه المؤسسات وتعطى صلاحيات تزويد المواطنين بالمعلومات التي يطلبونها ، فلن تكون هناك شفافية ، وهي عنصر اساسي في الحكم الصالح ، كذلك فان من سمات الحكم الصالح حسن الاستجابة ، ولن يكون النظام السياسي قادراً على الاستجابة لمطالب بيئته السياسية ما لم تكن هناك مؤسسات سياسية فاعلة تتلقى المطالب وتتعامل معها بموضوعية ووفقاً لمعايير محددة وترد على المطالب بالسرعة المطلوبة .

من شروط الحكم الصالح كذلك التوفيق بين المصالح المتضاربة ، ويحتاج التوفيق بين هذه المصالح إلى مؤسسات حيادية ، وتعمل وفق معايير واضحة ومعلومة للجميع ، حتى تكون قادرة على توزيع الموارد بين الجماعات المختلفة بصورة مقنعة وموضوعية وعادلة .

كذلك يتميز الحكم الصالح بالفعالية في تنفيذ المشروعات على اساس ادارة عقلانية ، ولا يمكن تصور تحقيق هذا الهدف دون وجود مؤسسات راسخة وذات كفاءة عالية بحيث تكون قادرة على ترشيد الموارد على أسس عقلانية بما يمكن النظام السياسي من تعظيم المكاسب وتقليل الخسائر إلى الحد الأدنى .

كما أن المحاسبة والمساءلة السياسية والإدارية للمسؤولين ، والرقابة الاستراتيجية تحتاج الى مؤسسات فاعلة لممارسة الرقابة والمساءلة والمحاسبة .

وهكذا تتضح العلاقة الوطيدة والصلة القوية بين المؤسسية من جانب والحكم الراشد من جانب اخر ، بما يجعل من الصعب الحديث عن حكم صالح دون وجود للمؤسسية الراسخة في كل مفاصل النظام السياسي.

تحديات المؤسسية والحكم الصالح :

بعد أن اتضحت العلاقة الوطيدة بين المؤسسية والحكم الصالح ، يناقش الباحث في هذا الجزء التحديات التي تواجه المؤسسية والحكم الصالح ، ويمكن تلخيص اهم هذه التحديات في التالي :

1/توفير الثقة في المؤسسات :-

ولعل هذه تعد أهم تحديات المؤسسية وكذلك الحكم الصالح ، لأنه ما لم تتوفر الثقة التامة في المؤسسات السياسية وما لم تحصل القناعة باهميتها ، فانها لن تؤدي دورها بفاعلية لانها ستفقد حينئذ الدعم الشعبي المطلوب لبقائها واستمرارها ، كما ستفقد الاحترام اللازم للقرارات الصادرة عنها او السياسات التي تتبعها.

ففي المجتمعات التقليدية يكون التعويل على الاشخاص اكثر من المؤسسات ، ففي الأحزاب السياسية يختصر الحزب في رئيس الحزب وهو ما قاد الى انتشار الاحزاب الشخصية ، وتعاني منظمات المجتمع المدني هي الأخرى من نفس المشكلة ، وتسود الظاهرة في كل البيئة السياسية من السلطة التنفيذية الى البيروقراطية الى القطاع الخاص .

ويعود السبب في ذلك الى ضعف الوعي السياسي والاجتماعي والثقافي لدى الافراد في هذه البلدان بسبب انتشار الامية وسيادة القيم التقليدية التي تعلى من قيمة الافراد حتى تصل بهم الى مرحلة التقديس ، وبالطبع فان هناك علاقة طردية بين المؤسسية والوعي ، فكلما زاد الوعي العام ، كلما ازدادت الفرص في ايجاد نظام مؤسسي ، وكلما تدني الوعي العام في المجتمع ، كلما زادت فرص الانظمة غير المؤسسية .

وبالتالي فان توفير الثقة في المؤسسات السياسية يتطلب تنشئة سياسية للجماهير من خلال غرس ثقافة سياسية تدعو إلى المؤسسية ، وتعلي من قيمة المؤسسات ، وتشرح دورها الايجابي في العملية السياسية .

2/محاصرة الفساد:-

هناك علاقة جدلية بين الفساد والمؤسسية ، فغياب المؤسسية يقود الى انتشار الفساد ، لأن المؤسسية تعمل على تحقيق المصلحة العامة وليس المصالح الخاصة التي هي مظنة الفساد والافساد، لان تقديم المصالح الخاصة على حساب المصلحة العامة يعد بحد ذاته فساداً.

لكن الذي يعنينا في هذا المقام هوتأثير الفساد على المؤسسية ، ويمكن القول بشكل عام ان الفساد يمثل عقبة رئيسية في سبيل انشاء مؤسسات فاعلة ، لان قيام مؤسسات فاعلة من شأنه محاصرة الفساد والقضاء عليه ، لذلك فان الطغمة الفاسدة تعمل جاهدة للحيلولة دون قيام مثل هذه المؤسسات حفاظاً على مصالحها ، واذا وجدت المؤسسات فان هذه الجماعات تسعى الى تجريدها من صلاحياتها ، ومن ثم افراغها من محتواها ، والسعي لتحويل هذه الصلاحيات الى طغمة فاسدة متنفذة مستخدمة في ذلك شتى الأساليب والحيل ، والالتفاف على القواني ،ن وذلك حتى تضمن انسياب مصالحها بصورة سلسة ومستمرة من خلال التحالف بين البيروقراطية الفاسدة وأصحاب المصالح

وهذا يقودنا إلى الحديث عن نقطة أخرى وهي أنه قد توجد في بعض الحالات مؤسسات مزودة بالصلاحيات اللازمة لتحقيق المصلحة العامة ، لكن البيروقراطيين الذين يحتلون المواقع القيادية في هذه المؤسسات يتميزون بالفساد المالي والاداري، فيوجهون هذه المؤسسات لخدمة مصالحهم الخاصة وليس لخدمة الصالح العام، ويتحالفون مع جهات اخرى خارج الدائرة البيروقراطية لتحقيق مصلحة الطرفين ضاربين بالمصلحة العامة عرض الحائط.

هكذا يلعب الفساد دوراً مقدراً في الحيلولة دون قيام مؤسسات فاعلة ، وفي حالة وجود هذه المؤسسات فانه يتم توجيهها لخدمة فئات اخرى من البيروقراطيين والجماعات المتحالفة معهم لخدمة مصالح هذه الفئات على حساب المصلحة العامة للمجتمع .

3/ تحقيق التمثيل المتوازن للفئات المجتمعية المختلفة في المؤسسات السياسية :

ان عدم وجود تمثيل متوازن للفئات المختلفة داخل المؤسسات السياسية من شأنه ان يجعل القرارات الصادرة عن هذه المؤسسات منحازة الى الفئات الممثلة في هذه المؤسسات على حساب الفئات غير الممثلة فيها  ، وهذا يقدح في حيادية هذه المؤسسات التي تغدو – حينئذ-أوليغارشية تعمل على تحقيق مصالحها دون اهتمام بمصالح الفئات الاخرى في المجتمع .

لكن مكمن الخطورة في مثل هذا السلوك هو انه يثير حفيظة الجماعات غير الممثلة ، ويؤدي – تدريجياً- الى التأثير على شرعية النظام السياسي وذلك حين تشعر هذه الجماعات انها مطالبة بتنفيذ القرارات الصادرة عن هذه المؤسسات دون ان تجني ثمار هذه الالتزام السياسي ، فتتولد لديها الرغبة في عدم التفاعل مع هذه القرارات ، بل يتحول هذا الشعور في بعض الاحيان الى نوع من التمرد الذي قد يهدد أو يعصف – في بعض الحالات – بالاستقرار السياسي  .

4/إعمال  الشفافية :

تمثل الشفافية العاصم الرئيسي للمؤسسات السياسية من التمييز بين الجماعات المختلفة التي يتشكل منها النظام السياسي ، كما انها تدعم الثقة بين الاطراف المختلفة في داخله ، فحينما تسود الشفافية وتكون المعلومات حول القرارات التي تتخذها السلطة متوفرة وفي متناول الجميع ، تتوخى السلطة ان تكون هذه القرارات متوازنة ومعبرة عن مصالح الجماعات المختلفة ، لأنه يتاح ، حينئذ ، للجماعات التي تستشعر التهميش او عدم الاهتمام الكافي ان تحتج وتعترض وتشتكي ، اما في حالة غياب الشفافية أي حينما تتمكن الجهات المسؤولة من اخفاء المعلومات ، يمكنها حينئذ ان تتخذ قرارات غير محايدة ، وتضر بمصالح بعض الفئات ، لذلك فن الشفافية هي الترياق المضاد للفساد بكل انواعه واشكاله.

إن توافر وانسياب المعلومات الصحيحة والكاملة حول الموضوعات المتعلقة بسياسات السلطة والقرارات التي اتخذتها أو ستتخذها وفي الوقت المحدد ، من شأنه ان يدعم الثقة بين مكونات النظام السياسي ، ويقرب بين السلطة الحاكمة والجماعات المحكومة ، ويزيد من شرعية الحكومة في نظر المواطنين .

وهكذا فان غياب الشفافية يعد من العقبات الاساسية التي تعوق المؤسسية وتضر بنظام الحكم ، كما أن توفر هذه الشفافية من شأنه تقوية العلاقة بين مكونات النظام السياسي ، ودعم المؤسسات السياسية وتقويتها ، وتعزيز صورتها وشرعيتها في نظر الجماهير .

نحو نظام سياسى مؤسسى وصالح  :

ان إقامة نظام سياسي وصالح يقتضي إعمال المؤسسية فى الجهاز السياسى (مؤسسة الحكم) والتى تتمثل فى إيجاد المؤسسات السياسية المنتخبة، والفصل بين السلطات، والمشاركة الفاعلة للمواطنين فى تصريف أمورهم، والشفافية، والمحاسبية، واحترام حقوق الإنسان، والمساواة أمام القانون، واحترام الدستور، واصلاح الجهاز الإدارى الى غير ذلك من الأمور المهمة ، فضلاً عن السعي الى إعمال قيم المؤسسية في مجالات أخرى فى البيئة السياسية تتكامل مع الدولة من أجل خلق نظام سياسى مؤسسى يقود الى الحكم الصالح أو الراشد ، و من هذه المجالات الأحزاب السياسية، والمجتمع المدنى، ، والقطاع الخاص.

أولاً: : الجهاز الإداري:

وهذا يدخل ضمن الاصلاحات المطلوبة في مؤسسة الحكم لان الجهاز الإداري هو ذراع السلطة فى المجتمع ،وهو الذى يشرف على تفيذ سياسة الحكومة فى المجالات المختلفة. ولابد للجهاز الإداري أن يقوم على أسس سليمة وموضوعية ،وأن يوجد المعايير اللازمة حتى ينسجم أداءه فى الحالات المتشابهة . ويمكن أن يكون الجهاز الإداري سبباً فى كفاءة الأداء الحكومى عامة أو سبباً فى ضعف هذا الأداء فى حال ضعف هذا الجهاز ،وتعد المؤسسية فى هذا الجهاز الحساس مدخلاً لمؤسسية النظام السياسى برمته.

إن المؤسسية فى الجهاز الإدارى تقتضى الاّتى:([15])

  1. إصلاح الخدمة المدنية من خلال إصلاح نسق الكسب وشفافية هيكله وتقليل الفوارق فى سلم الأجور، وإزالة التفاوتات فى قطاعات الخدمة المدنية المختلفة.
  2. الاهتمام بالحكم المحلى بما يضمن مشاركة أكبر عدد من المواطنين .
  3. وضع هياكل إدارية واضحة تحدد الصلاحيات والواجبات بصورة قاطعة.

 

 

ثانياً: المجتمع المدنى :

إن وجود منظمات مجتمع مدنى قوية وفاعلة هو المدخل لوجود نظام حكم صالح وديمقراطى، لأن منظمات المجتمع المدنى هى تلك الجمعيات والهيئات التى تملأ الفضاء الموجود بين السلطة والمجتمع، وهى بالتالى الجزء المنظم من المجتمع .

تلعب منظمات المجتمع المدنى دوراً كبيراً فى معالجة قضايا المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وعليها يعول فى النهوض بالمجتمعات من ناحية، وفى توجيه سلوك الحكومات من ناحية أخرى لوسائل متعددة ومتنوعة.

وقد بلغت أهمية المجتمع المدنى مبلغاً- بعد نهاية الحرب الباردة- جعلت البعض يعده بديلاً لمؤسسية الدولة فى المستقبل. وبالتالى فإن وضع مؤسسات المجتمع المدنى فى أى مجتمع يحدد مستقبل ذلك المجتمع.

لكن هذه التنظيمات المجتمعة تعتريها العديد من عوامل الضعف الناجمة عن غياب المؤسسية فى داخلها، وبالطبع إذا غابت هذه المؤسسية بين صفوفها، فإنها لن تستطيع تحقيقها خارج أطرها أى فى البيئة السياسية المحيطة بها. ولعل أكثر ما تعانيه هذه المنظمات هو الآتى :

  • ارتباط الكثير منها بأشخاص ويكون هؤلاء الأشخاص هم المؤسسون ويعتقدون ، بالتالى ، أن هذه المؤسسات هى ضمن (ممتلكاتهم) الذاتية، فيصرون على البقاء على قيادتها و رفض إفساح المجال لآخرين لإدارتها،ويقود ذلك إلى صراع بين الأعضاء الذى يقود إما الى تشرذم المؤسسة وتوقفها عن العمل، أو استمرارها فى حالة من الصراع والانقسام التى تؤدى الى إضعاف دورها وتراجعه يوماً بعد يوم.
  • غياب الثقافة الديمقراطية فى داخلها، فعلى الرغم من الاتفاق على أن تنظيمات المجتمع المدنى تقوم على أساس الحوار والتسامح وتغليب المصلحة العامة، إلا أن الواقع يقول بأن بعض هذه التنظيمات غدت ساحة للصراعات الشخصية والمصلحية .
  • مشاكل التمويل:حيث تفتقر اغلب تنظيمات المجتمع المدنى – خاصة فى الدول النامية – الى التمويل اللازم لتسيير أمورها وأنشطها ،فتلجأ الى جهات داخلية أو خارجية لجلب التمويل ، لكن الجهات الممولة هى – غالباً – لها مصالح تريد تحقيها من وراء تمويلها لهذه المنظمات ،وهو ما يجعل هذه المنظمات – فى حال استجابتها لضغوط الجهات الممولة – فاقدة للاستقلالية وتغدو أداة طبقة فى يد هذه الجهات .

ولا شك أن استجابة المجتمع المدنى لضغوط الممولين يقدح فى مؤسسيته ويشكك فى مواقفه ،لأن المؤسسية تفترض الاستقلال التام فى اختيار البدائل وتحديد السياسات ، وتنفيذ ها بما يخدم مصلحة المؤسسة وأهدافها وليس مصلحة الجهات المانحة.

إن وجود المؤسسية فى تنظيمات المجتمع المدنى تقتضى الآتى:ـ

  1. استقلالها التام عن الأحزاب السياسية.
  2. إيجاد مصادر تمويل كافية لتمويل أنشطتها بما يمكنها من الاستقلال فى صنع السياسات وتنفيذها.
  3. انتخاب قيادات المنظمة بصورة دورية.
  4. الاحتكام الى أسس دستورية واضحة تحدد الحقوق والواجبات بصورة قاطعة.
  5. الابتعاد عن القبلية والجهوية والطائفية فى تأسيس هذه المنظمات ابتداءاً ، وفى ممارساتها لاحقاً.
  6. إيجاد معايير واضحة فى الحكم على الأشياء والمواقف، والابتعاد عن الذاتية.

ثالثًا : الأحزاب السياسية :

تبرز أهمية المؤسسية فى الأحزاب السياسية من حقيقة أن الأحزاب هى المؤسسات الرئيسية التى تسعى للوصول إلى كراسي الحكم، ويعتبر ذلك أهم أهدافها على الإطلاق ، وبالتالى فإن وجود أو غياب المؤسسية فى الأحزاب السياسية ينعكس مباشرة – عند وصولها للسلطة- على النظام السياسى بأكمله.

ولكى تسود المؤسسية داخل الأحزاب السياسية لابد من الآتى ([16]) :

  • أن تكون العضوية- بضوابطها الديمقراطية- هى وحدها مناط الواجبات ومصادر الحقوق.
  • أن تكون العضوية – مبدئياً- مفتوحة أمام الجميع دون اقصاء على أساس دينى أو عرقى أو مذهبى .
  • أن يحتكم أعضاء الحزب فى علاقاتهم الداخلية الى شرعية دستورية يتوافقون عليها.

أن هذا يعنى وجود آليات للخلافة السياسية متفق عليها بما يمكن من التناوب على مواقع القيادة فى الحزب، مع اعتماد المبادئ الديمقراطية فى تحديد الحقوق والواجبات، فضلاً عن انفتاح الحزب ووجود شرعية دستورية يتوافق عليها الأعضاء .

رابعاً : القطاع الخاص :

هنا تتجلى المشكلة بصورة واضحة حيث تسود عدم المؤسسية بصورة أكبر حيث يتعمد المسؤولون عن قيادة هذه المؤسسات اخفاء المعلومات عن العاملين خاصة المسائل المتعلقة بالارباح والخسائر والوضع القانوني للمنشأة ووتتضاءل الشفافية او تتلاشى فلا تكاد تبين ، ويزداد الأمر سوءً حين يكون مدير المؤسسة هو صاحبها حينئذ تدار المؤسسة بعقلية صاحب المال ، ويتم تجاهل الانظمة واللوائح والسياسات إلى حد كبير .

ولا شك أن غياب المؤسسية في القطاع الخاص ، خاصة حين يكون هذا القطاع كبيراً ويستوعب نسبة كبيرة من العمالة ، فإن أضراراً كبيرة ستقع على العاملين في هذا القطاع وهم شريحة كبيرة وينعكس ذلك على مجمل الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الدولة مما يتطلب تدخلاً مباشراً وسريعاً.

ولكي تسود المؤسسية في القطاع الخاص لا بد لمؤسسات القطاع الخاص من وضع معايير علمية دقيقة من شأنها قياس الأداء المؤسسي ومدى تطوره ، بالاضافة الى تطوير أدائها المؤسسي وفق أعلى معايير الجودة العالمية، بما يضمن تقديمها لمنتجات وخدمات تنافسية ويقلل التكلفة والهدر .

خلاصة :

يشير مفهوم المؤسسية إلى إضفاء الطابع المؤسسي على عملية صنع القرار، واضطلاع المؤسسات السياسية باتخاذ القرارات السياسية اللازمة لتسيير شؤون الدولة مع الابتعاد عن شخصنة السلطة.

وتعتبر المؤسسية شديدة الارتباط بالحكم الصالح الذى يشترط فيه بالإضافة إلى المؤسسية :الشفافية وحكم القانون والمحاسبية واحترام حقوق الإنسان والإنصاف.

ويمكن قياس درجة المؤسسية في أي تنظيم سياسي من خلال مؤشرات تتمثل في : القدرة على التكيف ، التعقيد ، الحكم الذاتي ، والوحدة والترابط.

أما الحكم غير الصالح فهو الحكم الذى لا يفصل بين المصالح العامة والذى يفتقر الى آليات التنمية ،ويسود فيه الفساد وتنعدم فيه الشفافية وتهتز فيه شرعية الأنظمة الحاكمة.

ولكى يسود الحكم الصالح لابد من توافر المؤسسية فى الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدنى والجهاز الإدارى باعتبارها مكونات البيئة السياسية التى لا يمكن الفصل بينها فى إطار تقييم المؤسسية فى هذه البيئة السياسية.

 

 

(1)حمدى عبدالرحمن حسن، ريتشارد هيجوت، نظرية التنمية السياسية، ترجمة حمدى عبدالرحمن ومحمد عبدالحميد، المركز العلمى للدراسات السياسية، عمان، 2001م، ص 236

) المرجع السابق، ص 237[2](

) [3]( Gabriel. Almond and Powell, Comparative Politics: Adevelopmental Approach, little Brown Company,(INC.) Boston, 1966, pp 16-40.

([4])Samuel P Huntington .Political System in Changing Socities , New Haven and London, Yale University Press , 7 th. Edition ,1973, pp.12.

([5])Ibid. pp.13-24.

غازي فيصل حسين ، التنمية السياسية في بلدان العالم الثالث دار الراية للنشر والتوزيع ، عمان ، الطبعة الاولى 2014، ص121 ([6])

 ( [7]) LUCA FERRINI, THE IMPORTANCE OF INSTITUTIONS TO ECONOMIC DEVELOPMENT , E-INTERNATIONAL RELATION STUDIES. SEP 19 2012.

([8] ) Samuel P Huntington, Op.cit ,p28.

  محمد محمود ربيع وإسماعيل صبري مقلد (محرران)، موسوعة العلوم السياسية، جامعة الكويت، الكويت، 2003م، ص515.  ([9])

([10])نفس المرجع السابق .

(11)  نادر فرجانى، الحكم الصالح:  رفض العرب فى صلاح الحكم فى البلدان العربية ، ملة المستقبل العربى، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت، العدد 256، يونيو 2000م، ص 4.

)  حسن كريم ، مفهوم الحكم الصالح ، مجلة المستقبل العربى، العدد 309، نوفمبر 2004م، ص 41. [12](

)  منير الحمش ، تصحيح مسار التنمية فى عالم متغير، الأهالي للطباعة والنشر، دمشق 2004م، ص 24-25.[13](

([14] )(14)  حسن كريم، مرجع سابق، ص 47-48.

) نادر فرجانى ،مرجع سابق ، ص 20. [15](

) على خليفة كوارى ، مفهوم الحزب الديمقراطى: ملاحظات أولية ، مجلة المستقبل العربى ، العدد 296، أكتوبر 2003م، ص 49-50 [16](