العقوبة الإدارية

365

العقوبة الإدارية

الدكتور يونس نفيد باحث في القانون الجنائي

 رئيس المصالح المالية و المادية الجديدة

مقدمة :

لم يعرف المشروع المغربي العقوبة الإدارية ،لأن التعاريف تبقى من صلاحية الفقه و القضاء . بالمقابل جاء الفقه الإداري بمجموعة من التعاريف للعقوبة الإدارية .حيث عرف الفقيه الفرنسي جاك موري الجزاء الإداري  )أي العقوبة الإدارية ( على أنه : « قرار  (نحبذ  مصطلح تصرف بدل قرار ( انفرادي ذو مضمون ردعي »[1].

وعرف الأستاذ بيكارPicard،  أيضا الجزاء الإداري )أي العقوبة الإدارية (على أنه:« قرار نحبذ مصطلح تصرف بدل قرار ( إداري  انفرادي ,ذو مضمون فردي ,مستعمل من أجل هدف زجري »[2]

وذهب الأستاذ محمد أمين بنعبد الله , في تعريفه للجزاء الإداري ) أي العقوبة الإدارية  أنه : « قرار ) نحبذ مصطلح تصرف بدل قرار(إداري انفرادي ، صادر عن سلطة إدارية لزجر الإخلال بالتزامات معينة »[3]

أما مجلس الدولة الفرنسي  فعرف الجزاء الإداري )أي العقوبة الإدارية (بأنه : «قرار )نحبذ مصطلح تصرف بدل قرار (انفرادي تتخذه سلطة إدارية ، تتصرف في إطار امتيازات السلطة العامة ، من أجل المعاقبة على مخالفة القوانين و التنظيمات  »[4]

نستنتج من  خلال هذه التعاريف أن عناصر العقوبة الإدارية تتمثل في أنها : تصدر عن سلطة إدارية )المبحث الأول  (،ثم أنها تصرف إداري ذو صبغة انفرادية وذو مضمون قاعدي )المبحث الثاني(.

المبحث الأول : وجوب صدور العقوبة الإدارية عن سلطة إدارية

يعرف الأستاذ جمال الدين زهير، السلطة الإدارية بأنها :” مجموعة أعضاء، أو أعوان ينتمون إلى الجهاز الإداري، من خلال روابط رئاسية، بهدف القيام بأنشطة ذات منفعة عامة، بفضل توفرهم على امتيازات غير مألوفة في القانون الخاص”[5].

وباعتبار العقوبة الإدارية ( أو الجزاء الإداري)، هي نوع من أنواع القرار الإداري التنفيذي، أي القرار الذي يتضمن في حد ذاته آثار قانونية خاصة به[6]، فإن  القاعدة العامة هي وجوب صدورها عن سلطة إدارية ( المطلب الأول)، واستثناءا يمكن أن تصدر عن هيئات خاضعة مبدئيا للقانون الخاص (المطلب الثاني).

المطلب الأول: القاعدة العامة.

نص الفصل الأول من ظهير 27 شتنبر 1957 المتعلق بإحداث المجلس الأعلى والقواعد العامة للمرافعة لديه، على أنه :” يحدث مجلس أعلى مقره بالرباط يعهد إليه البث في القضايا الآتية ما لم يصدر نص  صريح بخلاف ذلك ” 1… 2- طلبات إلغاء المقررات الصادرة  عن السلطات الإدارية بدعوى الشطط في استعمال السلطة”[7].

وقد عبرت عن ذلك المادتين 353 و 362 من قانون المسطرة المدنية، الصادر في 28 شتنبر 1974 [8]، وكذا قانون رقم 90-41 المحدث بموجبه محاكم إدارية في مادته الثامنة التي نصت على أنه :” تختص المحاكم الإدارية … بالبث ابتدائيا في طلبات إلغاء قرارات السلطات الإدارية بسبب تجاوز السلطة…”[9].

و بناء على مقتضيات هذه النصوص القانونية فإن السلطات الإدارية هي وحدها التي لها صلاحية اتخاذ تصرفات انفرادية تستحق نعتها ” بالعقوبات الإدارية ” ( أو القرارات الإدارية).

و أكدت هذا، محكمة النقض (المجلس الأعلى سابقا ) في أكثر من قرار، بعد عدم قبولها طلبات إلغاء العقوبات ( أو القرارات المضمنة لها) الصادرة عن غير السلطات الإدارية.[10]

وسارت مجموعة من أحكام المحاكم الإدارية على نفس النهج، حيث أكدت المحكمة الإدارية بالدار البيضاء[11]،  على أنه يشترط في القرار الإداري المضمن للعقوبة :” أن يصدر عن سلطة إدارية وطنية ” .

كما أكد بعض فقهاء القانون الإداري[12] ،   على أن القضاء بالمغرب، دأب منذ بداية الستينات وحتى نهاية الثمانينات ( من القرن 20) على اعتبار القرار إداريا بمجرد صدوره من سلطة إدارية دون الأخذ بعين الاعتبار إن كانت هناك روابط تخضع للقانون العام أو القانون الخاص.

لكن بالرجوع إلى اجتهادات القضاء الإداري واجتهادات المجلس الأعلى ( الغرفة الإدارية)، نجد أن السلطة الإدارية ليست هي المحدد الوحيد لاعتبار العقوبة الإدارية ، بدليل أنه قد تصدر عقوبات عن سلطة إدارية، ومع ذلك لا يمكن اعتبارها إدارية.

وفي مقابل ذلك قد  تصدر عقوبات عن سلطة غير إدارية، ومع ذلك تعد في نظر القاضي أنها إدارية، وهذا ما سنوضحه من خلال الاستثناءات الموالية.

المطلب الثاني: الاستثناءات .

إن التركيز على المعيار العضوي، لتحديد ما إذا كانت العقوبة إدارية أم لا، قد يجعل من القرار الإداري محدود النطاق، لذلك وجد القضاء في تصرفات انفرادية لأشخاص غير إدارية صبغة قرارات إدارية، وأدخلها في اختصاص القضاء الإداري.

لدى يبقى التساؤل مطروحا، حول مدى اعتبار العقوبات الصادرة عن الجمعيات والمؤسسات العمومية التجارية الصناعية عقوبات إدارية أم لا ( الفرع الأول)، كما يثور التساؤل ذاته بالنسبة لطبيعة بعض العقوبات الصادرة عن السلطة الإدارية المستقلة ( الفرع الثاني) وكذا بالنسبة لطبيعة بعض العقوبات الصادرة عن المؤسسات الدستورية ( الفرع الثالث).

الفرع الأول: التصرفات الانفرادية الصادرة عن الجمعيات والمؤسسات العمومية التجارية الصناعية

جاء  في القرار رقم 340[13] لمحكمة النقض (المجلس الأعلى سابقا ) ،  ما يلي :” أن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم هي جمعية خاصة وقع تأسيسها في إطار الظهير الشريف بتاريخ 15 نونبر 1958 ، وأن القرارات التي تصدرها في المادة التأديبية تكون قابلة للطعن عن طريق دعوى الإلغاء بسبب الشطط في استعمال السلطة نظرا لكونها تدخل في نطاق  المقررات المتخذة في إطار ممارسة امتياز من امتيازات السلطة العامة”.

يستنتج من هذا القرار، قاعدة هامة تتجلى في أن  في أن العقوبات ( أو القرارات المضمنة لها ) الصادرة عن الجامعة الملكية بصفة خاصة، والجمعيات بصفة عامة، تعتبر عقوبات صادرة عن سلطة إدارية، إذا كانت تدخل في نطاق العقوبات المتخذة في إطار ممارسة امتياز من امتيازات السلطة العامة، وبالتالي فإن هذه العقوبات تكون قابلة للطعن عن طريق دعوى الإلغاء بسبب الشطط في استعمال السلطة.

وبخصوص العقوبات الصادرة عن المؤسسات العمومية التجارية الصناعية، فنجد أن اجتهادات القضاء متذبذبة، حيث ترفض محكمة النقض (المجلس الأعلى سابقا ) تارة النظر في العقوبات الصادرة عن هذه المؤسسات، كما هو الشأن برفض قبول دعوى الإلغاء المقامة ضد العقوبات الصادرة عن المكتب المستقل لتوزيع الماء والكهرباء باعتباره لا يمثل السلطة الإدارية، وهذا ما أكده قرار محكمة النقض (المجلس الأعلى سابقا ) عدد 11[14]، وتارة أخرى يقبل القضاء الإداري الطعن بإلغاء العقوبات الصادرة عن المؤسسات العمومية التجارية الصناعية، كما هو الأمر واضح من خلال قرار استئناف عدد 369[15] وفي قرار آخر عدد 19[16]، اقتصرت محكمة النقض (المجلس الأعلى سابقا ) على اعتبار فقط العقوبات الصادرة عن مدراء المؤسسات العمومية التجارية الصناعية، عقوبات صادرة عن سلطة إدارية، يمكن الطعن بالإلغاء فيها.

يتضح مما سبق، أن القضاء الإداري المغربي غير مستقر فيما يخص تحديد طبيعة المؤسسات العمومية التجارية الصناعية على موقف واحد.

الفرع الثاني: التصرفات الانفرادية الصادرة عن السلطة الإدارية المستقلة.

يصعب إعطاء تعريف للسلطة الإدارية المستقلة، لذلك التجأ بعض فقهاء القانون الإداري[17]، إلى الاكتفاء على الأقل بتمييزها عن باقي الأجهزة الأخرى، فاعتبروا أن مصطلح ” إدارية” معناه إقصاء الأجهزة القضائية من مدارها، باعتبار أن التصرفات الانفرادية التي يمكن أن تتخذها لا تتمتع بحجية الشيء المقضي به، ولا تخضع لرقابة النقض من جهاز قضائي أعلى.

كما اعتبروا أن نعتها بأنها “إدارية” غير كاف في تمييزها عن الأجهزة الإدارية التابعة وحتى عن المؤسسات العامة، لذا كان من اللازم إضافة نعت آخر لها ووصفها بأنها “مستقلة” وهي بذلك تختلف عن الأجهزة الإدارية التابعة لكونها لا تدخل في تقسيم السلطة التنفيذية، فهي مستقلة عن كل وزارة، كما تختلف عن المؤسسات العامة لكونها لا تتوفر على ذمة مالية وتفتقد إلى الشخصية المعنوية، وأن الأخطاء المحتمل أن تقع فيها لا ترتب إلا مسؤولية الدولة[18].

ومن قبيل السطات الإدارية المستقلة بالمغرب، نجد الهيئة العليا للاتصال السمعي – البصري، إذ تعد العقوبات الانفرادية التي تصدرها من قبيل العقوبات الإدارية.

ومثال هذه العقوبات الإدارية ما تنص عليه المادة الثالثة من الظهير الذي يقضي بإحداث الهيئة العليا للاتصال السمعي – البصري [19]،   التي جاء فيها بأنه :” تناط بالمجلس الأعلى للاتصال السمعي – البصري المهام التالية : 1-… 2-…16- المعاقبة على المخالفات المرتكبة من لدن هيئات الاتصال السمعي – البصري، أو تقديم اقتراح بشأن العقوبات المترتبة عنها إلى السلطات المختصة، وفقا للتشريع الجاري به العمل ولدفاتر التحملات ذات الصلة …”.

كما تنص المادة الخامسة عشر من نفس الظهير بأن رئيس المجلس الأعلى للاتصال السمعي – البصري مؤهل ليوقف ، على الفور ، رخصة الاستغلال الممنوحة للمنشأة التي تقدم الخدمات وذلك بقرار معلل يتخذه بعد أن يخبر بذلك مدير الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات والسلطة الحكومية المختصة.

ومن ضمن التصرفات الانفرادية التي أصدرها المجلس الأعلى للاتصال السمعي – البصري، والتي يمكن اعتبارها عقوبات إدارية، ما جاء به القرار رقم 04-06[20] ، والذي جاء فيه:

” المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري

لهذه الأسباب :

  • يصرح بأن الوصلة الإشهارية لمنتوجات وخدمات شركة…، المشار عليها أعلاه، تشكل إشهارا ممنوعا ما لم يحذف منها مصطلح ” الوحيدة ” في صيغتها العربية ، ومصطلحات ” la seul ” و ” les seuls ” في صيغتها الفرنسية.
  • يأمر  شركة… بأن توقف فورا بث هذه الوصلة الإشهارية، في صيغتها العربية  والفرنسية، على حالتها عبر إذاعة …
  • يأمر بتبليغ هذا القرار إلى شركة إذاعة … وبنشره في الجريدة الرسمية”.

الفرع الثالث: التصرفات الانفرادية الصادرة عن بعض المؤسسات الدستورية.

القاعدة العامة أن التصرفات الانفرادية، التي تصدر عن بعض المؤسسات الدستورية، لا تعد عقوبات إدارية، كالقوانين التي تصدرها السلطة التشريعية، والأحكام القضائية التي تصدرها السلطة القضائية.

لكن نستثني من هذه التصرفات الانفرادية، مجموعة من التصرفات التي تعد عقوبات إدارية، كالتي تصدر عن إدارة مجلس النواب أو عن رئيسه ( الفقرة الأولى)، وتلك التي تتعلق بتصرفات الضبط القضائي ( الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: التصرفات الانفرادية الصادرة عن السلطة التشريعية

يتعلق  الأمر بالتصرفات الانفرادية التي تصدر عن السلطة التشريعية، فهي وإن كانت  لا تعتبر قرارات إدارية ولا يمكن للقاضي تكييفها بأنها إدارية، فرغم ذلك فهاته المؤسسة تتوفر على أجهزة يعهد إليها مهمة السير الحسن عن طريق إصدار تصرفات انفرادية خارجة عن نطاق القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية[21].

ونص القانون رقم 54-99 القاضي بتتميم القانون رقم 90-41 المحدث بموجبه محاكم إدارية، في مادته الثامنة على أنه :” تختص المحاكم الإدارية كذلك بالنظر في النزاعات الناشئة عن تطبيق النصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بــ … موظفي إدارة مجلس النواب وإدارة مجلس المستشارين”[22].

ومفاد هذا النص، أن التصرفات الانفرادية ذات المضمون القاعدي، والتي لها صبغة إدارية، كالتي تصدر عن إدارة مجلس النواب أو رئيسه المتعلقة بالتعيين أو الترقية أو التأديب، تعتبر من قبيل العقوبات الإدارية، ونفس الحكم ينطبق على التصرفات الانفرادية الصادرة عن إدارة مجلس المستشارين أو رئيسه المتعلقة بالتأديب.

ومن ضمن التصرفات الانفرادية التي يمكن أن يصدرها مجلس النواب، وتعتبر عقوبات ما نصت عليه المادة 52 من النظام الأساسي الخاص بموظفي إدارة مجلس النواب[23]،  التي جاء فيها :

” تشمل العقوبات التأديبية المطبقة على موظفي مجلس النواب على ما يأتي، وهي مرتبة حسب تزايد الخطورة :

  • العقوبات التأديبية من الدرجة الأولى :
  • الإنذار – التوبيخ …
  • العقوبات التأديبية من الدرجة الثانية :
  • الإيقاف عن العمل … – التأخير عن الأجرة … – القهقرة من الرتبة …
  • العقوبات من الدرجة الثالثة:
  • الإحالة الفورية على التقاعد ….- العزل….”.
  • وهذه العقوبات، هي نفسها التي نصت عليها المادة 54 من النظام الأساسي الخاص بموظفي إدارة مجلس المستشارين[24].

 

الفقرة الثانية: التصرفات الانفرادية الصادرة عن السلطة القضائية.

إن استبعاد التصرفات الانفرادية ( أو القرارات) القضائية ، أمر بديهي من زمرة العقوبات الإدارية  ( أو القرارات الإدارية المضمنة لها) الصادرة عن سلطة إدارية، وخصوصا التصرفات ( أو القرارات) التي تتركب منها الأحكام القضائية[25]، وهذا ما أكده المجلس الأعلى في قراره عدد 62[26].

لكن نستثني من هذه التصرفات الانفرادية ( أو القرارات) القضائية ذات المضمون القاعدي، تلك التي لها صبغة إدارية،التي يجب اعتبارها ” عقوبات إدارية” ( أو قرارات إدارية) حيث تخضع هذه التصرفات ( أو القرارات) لرقابة المشروعية التي يباشرها القضاء الإداري على العقوبات الإدارية ( أو القرارات المضمنة لها)، وهذا ما أكده المجلس  الأعلى في إحدى قراراته،  الذي جاء فيها أن :” قرارات وزير العدل المتعلقة بتنظيم المرفق العمومي للقضاء، سواء المتعلقة  بأعضاء المحاكم أو بملحقيها، تعتبر قرارات صادرة عن سلطات إدارية يمكن للمعنيين بالأمر الطعن فيها بتجاوز السلطة وهذا ما يستفاد ضمنيا من الحكم”[27].

ويبدوا أن القضاء المغربي سار على منهاج نظيره، الفرنسي، حيث أكد مجلس الدولة الفرنسي في إحدى قراراته سنة 1952، على أن التصرفات الانفرادية ( أو القرارات المضمنة لها)، المتعلقة  بتنظيم المرفق العمومي للقضاء، قابلة للطعن بالإلغاء أمام القضاء الإداري، وتعتبر كأنها صادرة عن سلطة إدارية، حيث جاء في هذا القرار [28]   ما يلي:

«  s’agissant d’un service de l’état, le service public de la justice aurait pu relever, pour le contrôle juridictionnel de son activité, des juridictions administratives » .

وبالتالي نستنتج من مضمون هذا القرار، أن التصرفات الانفرادية القضائية، ذات المضمون القاعدي والمتعلقة بتنظيم المرفق العام للقضاء، تعتبر عقوبات  إدارية ( أو قرارات إدارية) قابلة للطعن بالإلغاء أمام القضاء الإداري.

إذن فالقاعدة العامة، هي أن تصدر العقوبة الإدارية عن سلطة إدارية، واستثناء قد تصدر عن أجهزة غير إدارية، وتعد في نظر القضاء أنها إدارية كما سبق الإشارة إلى ذلك.

لكن القول بأن العقوبة الإدارية يجب أن تصدر عن سلطة إدارية غير كاف، لأجل ذلك يتطلب البحث عن عناصر أخرى لتحديد الصبغة الإدارية للعقوبة الإدارية بشكل دقيق، الأمر يتعلق بعنصري الانفرادية والمضمون القاعدي.

 المبحث الثاني: الانفرادية والمضمون القاعدي

 المطلب الأول: الانفرادية

حسب معجم روبير Robert  تطلق الانفرادية على ” 1- الشيء الذي  لا يعد إلا من جانب واحد 2- الشيء الذي لا يلزم إلا طرفا واحدا في القانون 3- الشيء الذي لا يصدر إلا من جانب واحد، لا يهم إلا جانب واحد، القرار الانفرادي هو المتخذ دون استشارة الأطراف”[29].

أما اصطلاحا : فأخذ جانب من الفقه بالمعيار الكمي لتحديد مفهوم ” الانفرادية” فاعتبر البعض منهم على أن التصرف الانفرادي هو التصرف الذي :” يتوافق مع إبراز إرادة شخص واحد يكون بالضرورة سلطة عمومية أو عون عمومي”[30].

أما الجانب الآخر من الفقه، فاخذ بالمعيار الكيفي، فقد تساءل عن الإمكانية التي من خلالها يمكن القول أن القرار القضائي الذي يعتبر تصرفا انفراديا يعبر عن مصلحة طرف وحيد، في حين انه عادة ما يكتسب صبغة توفيقية لمصالح الأفراد[31].

ويرجح أغلبية الفقه الإداري[32]، الأخذ بالمعيار الكيفي ذلك أن كلمة “انفرادية”، لا تقتضي أن تكون العقوبة صادرة عن شخص واحد بل هناك مجموعة من العقوبات  الإدارية لابد  و ان  تتخذ من طرف عدد من السلطات أو يشارك  في إصدارها عدة  مسؤولين، فهذه  الخاصية لا تزيح عنها طابعها الانفرادي مادامت لا تعبر إلا عن الإدارة المنفردة للإدارة[33].ومثال ذلك ما تنص عليه المادة الأولى من القانون رقم 01.00 المتعلق بتنظيم التعليم العالي[34]، والتي جاء فيها على أنه :” ينعقد مجلس المؤسسة الجامعية المجتمع كمجلس تأديبي خاص بالطلبة …”.

المطلب الثاني: المضمون القاعدي.

ويتعلق الأمر بمجموع القواعد التي يتضمنها القرار الإداري ( المضمن للعقوبة الإدارية)، وبدونه لا يمكن الحديث عن وجود قرار إداري ( او عقوبة إدارية) رغم توفر عنصري الانفرادية بجانب العضو الإداري. وإليه يرجع الفقه لتمييز التصرفات الإدارية فيما بينها وتحديد مدلولها[35].

بالاعتماد على معيار المضمون القاعدي، للتمييز بين العقوبة الإدارية والقرار الإداري، نستنتج أن المضمون القاعدي للعقوبة الإدارية يجب أن يكونا فرديا، و آمرا، ومكتوبا، بخلاف  القرار الإداري الذي يتخذ  صورة الآمر أو الجوازي، والتنظيمي أو غير  التنظيمي، والمكتوب  أو غير المكتوب[36].

وبالاعتماد على نفس  المعيار نجد أن بعض الإجراءات الإدارية، لا تهدف دائما إلى المعاقبة على الإخلال بالتزام قانوني معين بل قد يكون الهدف منها أحيانا هو الوقاية من وضعية غير عادية، كما هو الشأن النسبة لقرارات أو تدابير  الشرطة الإدارية التي يغلب عليها الطابع الوقائي أو التحفيظي لحماية النظام العام، والحيلولة دون وقوع اضطرابات كيفما كانت طبيعتها[37]، بدل الطابع الزجري العقابي، بينما نجد ان العقوبة الإدارية ( أو الجزاء الإداري) تستهدف زجر المخالفات وفقا للمبدأ أو القاعدة الشهيرة ” لا عقوبة إلا بنص”.

كما ان هذا المضمون القاعدي، هو معيار للتمييز ما بين العقوبات الإدارية و الإجراءات  التحفظية الوقائية، وهذا ما جعل القضاء الإداري يرفض اعتبار الإجراءات التحفظية، عقوبات إدارية، ومن ذلك الإجراءات التحفظية التي تتخذها السلطات الإدارية كإزاحة السيارات الموجودة  في وضعية غير مسموح  بها من الطريق…، لأن هذا الإجراء يعتبر تحفظيا، لا يهدف الزجر وإنما يهدف الوقاية من الإخلال بوضعية يفرضها القانون[38].

ومثال الإجراءات التحفظية بالمغرب ما تنص عليه الفقرة الأولى من الفصل 73 من ظهير 24 فبراير 1958 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية[39] ، التي جاء فيها :” إذا ارتكب أداء الموظفين صفوة خطيرة سواء كان الأمر يتعلق بإخلال في التزاماته المهنية او جنحة ماسة بالحق العام فإنه يوقف حالا من طرف السلطة التي لها حق التأديب”.

وهذا ما أكده أيضا المجلس الأعلى[40]، في قضية العلمي التهامي ضد وزارة الداخلية، حيث لم يعتبر الاعذار التهديدي، عقوبة إدارية قابلة للطعن بالإلغاء، والذي جاء في حيثيات قراره:” إن الإعذار التهديدي الموجه للمعني بالأمر بهدم المباني المشيدة بصفة غير قانونية  وإلا اتخذت ضده إجراءات قضائية، لا يعتبر مقررا ذا صفة تنفيذية، بل هو لا يعدوا أن يكون مجرد إجراء تحضيري ليس من شأنه التأثير مباشرة في المركز القانوني تجاه من وجه إليه، وبالتالي يكون طلب الإلغاء فيما يخصه غير  مقبول”.

أخيرا، نخلص إلى أن المضمون القاعدي للعقوبات الإدارية، هو مضمون زجري، وآمر، وفردي، يوجه للمخالف من أجل ردعه.

 

 

 

[1] – Moreau (J) ;droit administratif ;paris ;puf 1989 ;p :217 –

ورد في مقال : إدريس بوزرزايت ،أسس ونطاق الرقابة القضائية على الجزاءات الإدارية بواسطة دعوى الإلغاء  ،المجلة المغربية للمنازعات القانونية ,3-4/2005 , ص70.

[2] – Picard.(E) ;la notion de police administrative. Paris .LGDJ ; 1984.PP :129-130

ورد في : إدريس بوزرز ايت, نفس المرجع ,ص70.

[3] – Ben Abdellah ( M.A) , la police administrative dans le système juridique marocain , rabat, APREJ, collection du droit public, 1989, p : 217.

ورد في مقال : إدريس بوزرزايت، نفس المرجع ، ص:70.

[4] – Conseil D’État, section du rapport et des études les pouvoirs de l’administration  dans le domaine des sanctions. Étude adoptée par l’assemblé générale du conseil d’état du 08 décembre 1994, la documentation Française, Paris, 1995, pp : 35-36.

ورد في مقال : إدريس بوزرزايت ، نفس المرجع، ص:70.

[5] – Zouhir. J.E , droit administratif, Oujda, imprimerie chems , 1999.p. 13.

[6] – Moderne. F,  le pouvoir de sanction administrative au confluent du droit interne et des droits européens, RFDA , mars – avril 1997, p. 9.

[7] – ظهير شريف رقم 323-57-1 مؤرخ في 02 ربيع الأول 1377 (27 شتنر 1957) يتعلق بإحداث المجلس الأعلى والقواعد العامة للمرافعة لديه ، ج.ر عدد 2347 بتاريخ 18 أكتوبر 1957، ص.1345.

[8] – ظهير شريف بمثابة قانون رقم 447-74-1 تاريخ 11 رمضان 1394 ( 28 شتنبر 1974) بالمصادقة على قانون المسطرة المدنية، ج.ر، عدد 3230 مكرر، ص:2741.

[9] – قانون رقم 90-41 تحدث بموجبه محاكم إدارية، صادر الأمر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 225-91-1 الصادر في 22 ربيع الأول 1414 ( 10 سبتمبر 1993) ج.ر ، عدد 4227 بتاريخ 18 جمادى الأولى 1414 ( 3 نونبر 1993)، ص.2168.

[10] – مثال : قرار عدد 15، بتاريخ 20 مارس 1970، …. ضد ….، ملف عدد 29483، ورد في كتاب: أحمد البخاري، أمينة جبران اجتهادات المجلس الأعلى الغرفة الإدارية، الطبعة الأولى، المنشورات الجامعية المغاربية، مراكش، 1996، ص. 54.

[11] – حكم عدد 652 بتاريخ 26 دجنر 2001، …. ضد ….، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة دلائل التسيير، عدد 16، 2004، صص. 128-129.

[12] – يحيى حلوي، القرار الإداري، من الأثر القانوني إلى التنفيذ المادي، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، جامعة محمد الأول، وجدة 2002-2003، ص.14.

[13] – ملف  إداري عدد 10178/90، بتاريخ 31 أكتوبر 1991، …. ضد ….: قرارات المجلس الأعلى، المادة الإدارية 1958-1997، طبعة 1997، مطبعة المعارف الجديدة، ص.205.

[14] – المجلس الأعلى – الغرفة الإدارية، بتاريخ 23 فبراير 1968، /… المكتب المستقل لتوزيع الماء والكهرباء، قرارات المجلس الأعلى، 66-1970، ص.126.

[15] – المجلس الاعلى – الغرفة الإدارية، بتاريخ 09 ماي 1996، مجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 51- خاص بالقضاء الإداري، السنة 20، ص.62.

[16] – المجلس الأعلى الغرفة الإدارية، بتاريخ 26 يناير 1977، …. ضد مكتب الأبحاث والمساهمات المعدنية، المجلة المغربية للقانون والسياسة والاقتصاد، عدد 4، السنة 1978، ص.89.

[17] – يحيى حلوي، زهير جمال الدين، دور السلطات الإدارية المستقلة في اتخاذ قرارات إدارية انفرادية: طنجبس للقانون والاقتصاد، أشغال ندوة وطنية نظمتها شعبة القانون العام مقر كلية جامعة عبد الملك السعدي بطنجة، يومي 14/15 أبريل  2000، العدد 2 -2001 ، ص.63.

[18] – من ذلك الغى مجلس الدولة قرار صادر عن المجلس الأعلى السمعي البصري، وحكم على الدولة بأداء مبلغ 7000 فرنك فرنسي، انظر : يحيى حلوي، زهير جمال الدين، نفس المرجع، صص. 63-64.

[19] – ظهير شريف رقم 212-02-1 صادر في 22 من جمادى الآخرة 1423 ( 31 أغسطس 2002) يقضي بإحداث الهيئة العليا للإتصال السمعي – البصري، ج.ر، عدد 5035، 24 جمادى الآخرة 1423 ( 2 سبتمر 2002) صص. 2543-2544.

[20] –  المجلس الأعلى للإتصال السمعي – البصري، قرار رقم 04-06، صادر في 6 مارس 2006 بشأن الوصلة الاشهارية التي تبثها إذاعة …. قصد الترويج لمنتوجات وخدمات ” ….”.

[21] –  يحيى حلوي، القرار الإداري: من الأثر القانوني إلى التنفيذ المادي، مرجع سابق، ص: 18.

[22] – قانون رقم 99-54 القاضي بتتميم القانون رقم 90-41 المحدث بموجبه محاكم إدارية، صدر الأمر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 199-99-1 صادر في 13 من جمادى الاولى 1420 ( 25 اغسطس 1999) ج.ر عدد 4726، بتاريخ 16 سبتمبر 1999، ص.2283.

[23] – ظهير شريف رقم 189-89-1 صادر في 22 من ربيع الأول 1414 ( 10 سبتمبر 1993) بتنفيذ القانون رقم 32.89 المتعلق بتحديد النظام الأساسي الخاص بموظفي إدارة مجلس النواب، جريدة رسمية عدد 4226-11 جمادى الأولى 1414 ( 27 أكتوبر 1993)، ص. 2149.

[24] – ظهير شريف رقم 170-98-1 صادر  في 26 من رمضان 1419 ( 14 يناير 1999) بتنفيذ القانون رقم 32.98 بتحديد النظام الأساسي الخاص بموظفي إدارة مجلس المستشارين جريدة رسمية عدد 4682-28 ذي الحجة 1419 ( 15 أبريل 1999) ، ص. 879.

[25] – ميشيل روسي، المنازعات الإدارية بالمغرب مطبعة المعارف الجديدة، الرباط 1995، ص.142.

[26] –  قرار الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى، عدد 62 الصادر في 18 مارس 1977، في قضية ,,,,، ورد في كتاب : ميشيل روسي، المنازعات الإدارية بالمغرب ، مرجع سابق ، ص.142.

[27] –  قرار عدد6، بتاريخ 29 أبريل 1958، ….ضد ….، مجموعة قضاء المجلس الاعلى 1957-1960، ص: 17 ورد في كتاب: أحمد البخاري، أمينة جبران، اجتهادات المجلس الأعلى الغرفة الادارية، تقديم الدكتور سعيد ابن البشير، الطبعة الأولى، المنشورات الجامعية المغاربية، مراكش 1996، ص.144.

[28] –  conseil d’état, 27 novembre 1952 préfet de la guyane rec 642 cité par morceau long ( et autres ) , les grands arrêtes de la jurisprudence administrative 7EME  édition SIREX , Paris, 1978, p . 395.

[29] – Dictionnaire robert V «  unilatéral » .

[30] – Louis  Rolland , précis de droit administratif 8 eme édition Dalloz 1943, p . 42.

ورد في كتاب  : يحيى حلوي، القرار الإداري من الأثر القانوني إلى التنفيذ المادي، مرجع سابق، ص. 20.

[31]  -Georges Dupuis,Définition de l’acte unilatéral,Recueil d’étude en hommage à charles eisenmann,Gujas,p.210.

21 ورد في كتاب  : يحيى حلوي، القرار الإداري من الأثر القانوني إلى التنفيذ المادي، مرجع سابق، ص.

[32] – يحيى حلوي، المرجع نفسه ، صص: 20 إلى 23.

– بلهاشمي محمد التسولي، راجع عبد الوهاب، مقاضاة الشخص  المعنوي العام في إطار  القانون المحدث المحاكم الإدارية، الطبعة الأولى، المطبعة و الوراقة الوطنية، مراكش، 1995، ص.102.

Jamal Eddine Zouhir , droit administratif, chems, 1999, p 52 ets.

[33] –  بلهاشمي محمد التسولي، رافع عبد الوهاب، مرجع سابق، ص.102.

[34] –  مرسوم رقم 2.06.619 صادر في 28 من شوال 1429 ( 28 أكتوبر 2008)، يتعلق بالمجلس التأديبي الخاص بالطلبة، ج.ر، عدد 5681-11 ذو القعدة 1429 ( 10 نوفمبر 2008)، ص.4130.

[35] – يحيى حلوي، القرار الإداري، من الأثر القانوني إلى التنفيذ المادي، مرجع سابق، ص. 23.

[36] – المرجع نفسه، صص: من 23 إلى 27.

[37] – إدريس  بوزرزايت، الزجر الإداري: أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، وجدة 2004-2005، ص. 121.

[38] – Mireille Delmas Marty , Catherine Teitgen – colley : punir sans juger : de la répressions administrative au droit administratif pénal, economica, 1992 p . 44.

[39] – ظهير شريف 1.58.008 بتاريخ 04 شعبان 1377 ( 24 فراير 1958) بشان النظام الاساسي العام للوظيفة العمومية، جريدة رسمية عدد 2372، بتاريخ 21 رمضان 1377 ( 11 أبريل 1958)، ص.920.

[40] – قرار رقم 10، بتاريخ 30 يناير 1970، ملف عدد 29622، مجلة قضاء المجلس الأعلى، السنة 2 مارس 1970، العدد 15، ص:74.