الطعن في قرارات مجلس الوصاية على الأراضي الجماعية وسؤال الحكامة القضائية

628

 

الطعن في قرارات مجلس الوصاية على الأراضي الجماعية

 وسؤال الحكامة القضائية

 

                                              د/ عبد الواحد القريشي

                                           أستاذ باحث في القانون العام

                           كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية فاس

 

 

 

حظيت أراضي الجموع باهتمام كبير من طرف الباحثين والمهتمين ، حيث شكلت موضوعا للعديد من المؤلفات ، الرسائل الجامعية والأطروحات لنيل الشهادات الجامعية [1]، وكذا موضوعا للعديد من الندوات العلمية [2].

أراضي الجموع أيضا شكلت مادة خصبة لمجوعة كبيرة من أحكام المحاكم العادية ، المحاكم الإدارية وقرارات محكمة النقض.

ولهذا فالسؤال الذي نطرحه لا يتعلق فقط بالنص القانوني المنظم لهذه الأراضي[3] ، بل يمتد ليشمل طبيعة المنازعات المتعلقة بهذا النوع من الأراضي ، وكذا تعامل القضاء المغربي مع ما أثاره الظهير المنظم من إشكالات قانونية ، وما خلفته الممارسة لتطبيقه من طرف نواب أراضي الجموع ومجلس الوصاية .

فمنذ صدور الظهير المؤسس للمجلس الأعلى[4] وجميع القرارات الإدارية تقبل الطعن بالإلغاء بسبب تجاوز السلطة ، ولم يستثن المشرع أي نوع من هذه القرارات بنص صريح إلا القرارات المتعلقة بأراضي الجموع وفيما بعد قرارات المحافظ على الأملاك العقارية .

 

اليوم وفي ظل الدستور المغربي[5] والذي ينص الفصل الثامن عشر بعد المائة منه على أنه :” حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه ومصالحه التي يحميها القانون .

كل قرار اتخذ في المجال الإداري ، سواء كان تنظيميا أو فرديا يمكن الطعن فيه أمام الهيئة القضائية الإدارية المختصة.”

واعتمادا على عينة للبحث شملت الأحكام الصادرة عن المحكمة الإدارية بفاس لسنتي 2013 و2014 نطرح سؤالا أساسيا نهدف من خلاله إلى الإجابة عن مدى تفاعل القاضي الإداري مع المستجدات الدستورية من جهة، وعن سؤال الحكامة القضائية في الجانب الخاص بالبت في القضايا المتعلقة بأراضي الجموع من جهة ثانية .

وقد وقفنا من خلال هذه الدراسة على أن القضاء الإداري المغربي إلى جانب اجتهاداته المهمة بالرغم من عدم استقرارها في حالات عديدة ، نجده  قد أبدع في مجموعة من المسائل التي لم تسعفه النصوص القانونية المنظمة.

             الفقرة الأولى: المساهمة في حماية مبدأ المشروعية

إذا كان من المتفق عليه أن قرارات مجلس الوصاية على الأراضي الجماعية هي قرارات إدارية ، فإن التطبيقات القضائية لم تسر على نفس النهج فيما يخص قابليتها للطعن بالإلغاء بسبب تجاوز السلطة ، غير أنه في الوقت الذي نجد مجموعة من المحاكم الإدارية أو محكمة النقض قد ترددت في قبول النظر في طلبات الإلغاء المرفوعة ضد هذه القرارات ، فإننا نقف في نفس الوقت على قواعد أساسية قد أرسيت في هذا الصدد.

             أولا: المرتكزات المستند عليها للقول بحصانة قرارات مجلس الوصاية عن الطعن

وقد تم الوقوف على مرتكزين اثنين : الأول يتعلق بالقراءة الحرفية للفصل الثاني عشر من ظهير 27 أبريل 1919 أما الثاني فيتعلق بالتعامل بمنطق القضاء العادي .

    1 – القراءة الحرفية لمنطوق الفصل 12 من ظهير 27 أبريل 1919

الأحكام والقرارات القضائية التي صرحت بعدم القابلية استندت إلى الفصل 12 من ظهير 27 أبريل 1919 الذي ينص على أنه “…. وتحرر المقررات من طرف الكاتب ويوع عليها جميع أعضاء المجلس ، وتكون هذه المقررات غير مدعمة بأسباب وغير قابلة لأي طعن ”

إن القراءة الحرفية لهذا النص بمعزل عن النصوص القانونية المتعلقة برقابة القضاء الإداري على القرارات الإدارية ، وحتى بمعزل عن باقي فصول ظهير 27 أبريل 1919 نتوصل إلى النتيجة التالية : لقد حسم المشرع في إبعاد قرارات مجلس الوصاية عن الطعن ، والأكثر من ذلك أنه أعفى مجلس الوصاية من تعليل قراراته.

لكن لما كان الفصل 16 من الظهير المنظم ينص على ما يلي :” لا تجري مقتضيات ظهيرنا الشريف على الأراضي المختصة بالجيش ، ولا على الغابات التي تتصرف فيها العشائر الأصلية على وجه الاشتراك بينها .”

  • الأراضي التي ينطبق عليها ظهير 25يوليوز 1969 المتعلق بالأراضي السقوية ؛
  • مقتضيات الفصل 12 توجب توقيع المقررات من طرف الكاتب ويوقع عليها جميع أعضاء المجلس .

بموجب هذه المقتضيات نجد أن مجلس الوصاية مقيد في إصدار قراراته وهي على الخصوص :

– أن تصدر قراراته في شكل معين ، إذ يجب أن تكون كتابية وأن تكون موقعة من جميع أعضاء المجلس وأن تندرج في إطار الاختصاص المخول له.

إذن كيف يمكن أن نقبل بحصانة قرارات إدارية لسلطة إدارية عادية عن الطعن مع الاقتناع التام بأنها مخالفة للقانون ولمبدأ المشروعية الإدارية ؟

2 – العمل بمنطق القضاء العادي

إن تعامل القضاء الإداري بمناسبة البت في الطعن قرارات مجلس الوصاية على الأراضي الجماعية ظل في أحكام عديدة يتعامل بمنطق القضاء العادي والتشبت بالقراءة الحرفية للفصل 12 من الظهير المنظم ، في الوقت الذي من المفترض أن القاضي الإداري قضاء الاجتهاد والإبداع وحماية الحقوق والحريات .[6]

 

 

 

 

    ثانيا : المرتكزات المستند عليها للقول بقابلية قرارات مجلس الوصاية للطعن

بالرجوع إلى الاجتهادات القضائية التي لم تتردد في التصريح بقابلية قرارات مجلس الوصاية على الأراضي الجماعية للطعن بالإلغاء بسبب تجاوز السلطة يمكن أن نميز بين مرتكزين .

 

1 – طبيعة دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة

ذلك أن” دعوى الإلغاء هي ضمانة في دولة القانون وهي مفتوحة أمام الجميع ، وبالتالي فإن ممارستها لا تحتاج إلى نص خاص “[7]

وهذا ما جاء في قرار للمجلس الأعلى حيث اعتبر بأن ” الأصل خضوع جميع المقررات الصادرة عن السلطة الإدارية للطعن أمام المجلس الأعلى ما لم يوجد نص يقضي بخلاف ذلك “[8]

كما أن المحكمة الإدارية بمراكش اعتبرت أيضا بأن دعوى الإلغاء هي دعوى المشروعية تطال سائر المقررات الإدارية …وأنه يتعين لاستثناء خضوع أي قرار للطعن بالإلغاء وجوب النص على ذلك صراحة وهو ما لم يرد بنص الفصل 12 من 27/04/1919″[9] ،هذا ونشير إلى أن العديد من أحكام المحاكم الإدارية أكدت نفس المقتضى،[10] المنسجم وما أسس له قرار المجلس الأعلى عدد 261 الصادر بتاريخ 18 فبراير 1963 والذي اعتبر فيه أن ” العبارة التي استعملها المشرع للقول بأن التأكد من دبلوم صيدلي قد تم من طرف الأمين العام للحكومة الذي سيبت بصفة لا تقبل أي طعن لا يمكن تفسيرها في غياب إرادة معبر عنها بكيفية واضحة ، بأنها تستثني إمكانية تقديم طعون الإلغاء بسبب تجاوز السلطة ضد تلك القرارات ”

إن القضاء الفرنسي قد وصل بدوره إلى حد اعتبار النصوص التي تورد في بعض القوانين تحصين بعض القرارات الإدارية والتي تنص على أن تلك القرارات غير قابلة للطعن موجهة إلى الطعون الأخرى ولا تعني دعوى الإلغاء  قرار مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 17/02/1950″[11]

 

 

2 –  الاستناد إلى نصوص تشريعية

ويتعلق الأمر على الخصوص بالفصول التالية :

– الفصل 353 من قانون المسطرة المدنية والمادة الثامنة من قانون إحداث المحاكم الإدارية اللذين ينصان على انه يبت المجلس الأعلى  المحاكم الإدارية ما لم يصدر نص صريح بخلاف ذلك في الطعون الرامية إلى إلغاء المقررات الصادرة عن السلطات الإدارية للشطط التجاوز في استعمال السلطة .

– قانون 03-01 المتعلق لإلزام الإدارات والمؤسسات العمومية بتعليل قراراتها .

وفي هذا الصدد نجد أن المحكمة الإدارية بأكادير صرحت بأنه :” لا يقبل في ظل روح قانون 90-41 تحصين أي قرارا إداري من مراقبة قاضي المشروعية ..تعتبر القرارات الصادرة عن مجلس الوصاية على الأراضي الجماعية قرارات إدارية خاضعة لرقابة قاضي المشروعية …تشكيل مجلس الوصاية وتوقيع جميع أعضائه يعتبر من الإجراءات الشكلية الجوهرية .[12]

أيضا نجد حكم المحكمة الإدارية بفاس والذي أكد على أن :” ورود المادتين 8 و 20 من القانون رقم 41-90 المحدث بموجبه محاكم إدارية فإن هذه الأخيرة تختص في طلبات إلغاء السلطات الإدارية بسبب تجاوز السلطة ولم يرد على هاتين المادتين أي استثناء لطائفة من القرارات وأن ورودها بصيغة الإطلاق والعموم يفيد النسخ الضمني لأي مقتضى قانوني سابق، وهو ما كرسه الفصل 118 من الدستور المغربي والذي جاء فيه “…كل قرار اتخذ في المجال الإداري سواء كان تنظيميا أو فرديا يمكن الطعن فيه أمام الهيئة القضائية المختصة .” [13]

وعلى ضوء ما سبق نرى أنه أصبح من غير المقبول الدفع بعدم قابلية قرارات مجلس الوصاية للطعن بالإلغاء بسبب تجاوز السلطة أو القول بحصانتها تحت أية ذريعة كانت، وذلك للاعتبارات التالية :

  • صدور عدة نصوص قانونية تنص على أن القرارات الصادرة عن السلطات الإدارية تقبل الطعن بالإلغاء بسبب تجاوز السلطة ؛
  • صدور قانون يلزم الإدارات والمؤسسات العمومية بتعليل قراراتها ؛
  • تواتر مجموعة من الاجتهادات القضائية على الحكم بعدم حصانة قرارات مجلس الوصاية على الأراضي الجماعية الطعن بالإلغاء بسبب تجاوز السلطة حيث إنها أصبحت تعتمد العبارة التالية :” وحيث انه من المتفق عليه فقها وقضاء أن قرارات مجلس الوصاية تقبل الطعن بالإلغاء للتجاوز في استعمال السلطة ، وذلك اعتبارا لكونها تبقى في طبيعتها قرارات إدارية متوفرة على جميع العناصر والمقومات التي يجب أن تتوفر في أي قرار إداري ليكون قابلا للطعن فيه بالإلغاء من حيث صوره عن سلطة إدارية عامة مختصة بإصداره ومؤثر في المركز القانوني للمعني بالأمر…”[14]
  • منطوق الفصل 118 من الدستور المغربي والذي حسم بأن جميع القرارات الصادرة في المجال الإداري يمكن الطعن فيها أمام الهيئة المختصة دون استثناء أي قرار .”

والدستور باعتباره القانون الأسمى فهو النص الأولى بالتطبيق هذا بالإضافة إلى ما نص عليه الفصل السادس من الدستور والذي جاء فيه :” القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة والجميع أشخاصا ذاتيين أو اعتباريين بما فيهم السلطات العمومية متساوون أمامه وملزمون بالامتثال  له .”

ولما كان الأمر على هذا النحو واعتمادا على مقتضيات الفصل الخامس من قانون المسطرة المدنية الذي ينص على أنه :”يجب على كل متقاض ممارسة حقوقه طبقا لقواعد حسن النية “، فإننا لا ندري لم يظل مجموعة من المطلوب ضدهم الطعن يصرون على إثارة الدفع بحصانة قرارات مجلس الوصاية عن الطعن بالإلغاء بسبب تجاوز السلطة .

غير أن ما يبعث على الارتياح وبالاعتماد على عينة البحث لأحكام المحكمة الإدارية بفاس المتعلقة بهذه النوع من القرارات نقف على مسألتين أساسيتين :

الأولى : إن المحكمة الإدارية بفاس قد حسمت شكلا في عدم حصانة قرارات مجلس الوصاية على أراضي الجماعية للطعن بالإلغاء بسبب تجاوز السلطة ؛

الثانية : إن المحكمة الإدارية بفاس أرست قواعد جد مهمة فيما يخص موضوع الطعون المرفوعة أمامها.

 

 

 

الفقرة الثانية : تجليات الحكامة في تدبير الطعن في قرارات مجلس الوصاية على الأراضي الجماعية

من خلال رصد الأحكام الصادرة عن المحكمة الإدارية بفاس برسم سنتي 2013 و 2014 المتعلقة بقرارات مجلس الوصاية على الأراضي الجماعية للطعن بالإلغاء بسبب تجاوز السلطة ، يتبين أن المحكمة الإدارية بفاس حسمت هذه النقطة ، لكن يبقى التساؤل مطروحا حول واقع تدبير هذه المنازعات ، وعن القواعد القضائية التي تم تكريها أو ما يمكن أن نسميه الإبداع القضائي .

أولا : التدبير الإداري لملفات الطعن في قرارات مجلس الوصاية

بجردنا للأحكام الصادرة برسم سنتي 2013 و 2014 المتعلقة بهذا النوع من القضايا وجدنا أن المحكمة الإدارية بفاس أصدرت 30 حكما وهو تقريبا نفس عدد القضايا المسجلة حسب ما أتيح لنا الاطلاع عليه ، وهذا العدد يشكل نسبة 10 في  المائة من مجموع دعاوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة برسم السنتين معا وهي نسبة مهمة خاصة إذا علمنا أن موضوع النزاع بمرتبط بالحق في الانتفاع ذي الصلة الوثيقة والمكانة المهمة للعقار لدى الإنسان المغربي .

وإذا كانت الحكامة القضائية تعتبر مطلبا ملحا وضرورة تنموية فقد تم الوقوف على تجلياتها على عدة مستويات .

       1 – تدبير الزمن القضائي

لعامل الزمن أهمية كبيرة في تحقيق العدالة ،بل إن الحقوق وحتى الأحكام تفقد مصداقيتها إذا امتد زمن الحصول عليها لمدة غير معقولة .

وبدراستنا لأحكام عينة البحث نجد أن معدل المدة الزمنية التي يتطلبها إصدار الحكم المتعلق بالطعن في قرارات مجلس الوصاية على الأراضي الجماعية للطعن بإلغاء بسبب تجاوز السلطة هي خمسة أشهر تحتسب ابتداء من تقييد طلب الإلغاء إلى غاية إصدار الحكم.

وهي مدة نخالها منطقية ، خاصة وأن هناك عدة عوامل تتحكم في إصدار الحكم من إعداد للدفاع ، تبادل المذكرات ، والتماس المهل وغيرها.

     2 – الحكم بعدم القبول

مع أن الفصل الأول من قانون المسطرة المدنية ينص على أنه :” تثير المحكمة تلقائيا انعدام الصفة ، الأهلية أو المصلحة أو الإذن بالتقاضي إن كان ضروريا ، وتنذر الطرف بتصحيح المسطرة داخل أجل تحدده” [15]

بالإضافة إلى أنه إيمانا من المحكمة بأن الحكم بعد القبول يجب ألا ينطق به إلا بتوفر جميع دواعيه وموجباته ،[16] فإن نسبة عدم القبول وصلت إلى 30 في المائة ، وهي نسبة تبدو مرتفعة ،غير أنه بالرجوع إلى دراسة الأحكام الصادرة بعدم القبول وجدنا أنها تتعلق بالحالات التالية : الطعن السابق لأوانه ، الطعن في قرارات لا تقبل الطعن ، الطعن خارج الأجل القانوني ، الطعن دون الحصول على الإذن بالتقاضي …وهي حالات لا يمكن أن تصرح فيها المحكمة إلا بعد القبول .

ارتباطا بهذه النقطة نؤكد بأن أهمية شكليات التقاضي التي بدونها قد يفقد الحق وحتى إمكانية المطالبة به .

  3- تنفيذ قرارات مجلس الوصاية على الأراضي الجماعية

طبقا لمقتضيات ظهير 27 أبريل 1919 فإن القائد هو الجهة المخول لها تنفيذ مقررات مجلس الوصاية على الأراضي الجماعية ، وهي وضعية نعتبرها غير سليمة ومن شأنها أن تفتح قنوات أخرى للنزاع ، وهو ما يؤكده حكم المحكمة الإدارية بفاس الذي جاء فيه :” قرار مجلس الوصاية أعطى الأحقية في الاستفادة المنفعية من جميع متروك الهالك لجميع الورثة ذكورا وإناثا .

قرار القائد متسم بعيب السبب وعدم التعليل لكونه حصر استفادة الإناث في عقارين فقط من المتروك المذكور مما يجعله مخالفا لقرار مجلس الوصاية موضوع التنفيذ”[17] .

وتبعا لذلك فإننا نقترح أن يعهد بتنفيذ هذه المقررات إلى المحكمة دون تدخل السلطة الإدارية المحلية في هذا الجانب ولا حتى المجالس النيابية الجماعية .

        ثانيا : تفاعل القضاء الإداري مع المستجدات الدستورية

نص الفصل 117 من الدستور المغربي على أنه :” يتولى القاضي حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي .”

ولما كانت هذه هي المهمة الأساسية للقضاء فقد اتضح أن المحكمة الإدارية بفاس عملت على تحقيق هذا المبتغى على عدة مستويات .

1 – التصريح بسمو الدستور على مختلف النصوص المخالفة

ويتضح ذلك من خلال اعتماد القضاء الإداري المغربي  على الفصل 118 من الدستور المغربي والقول تبعا لذلك بأنه لا يجوز استبعاد أي قرار إداري عن الطعن بالإلغاء بسبب تجاوز السلطة .[18]

    2 – مكافحة أشكال التمييز بين الرجل والمرأة

ينص الفصل 19 من الدستور المغربي على أنه :” يتمتع الرجل والمرأة على قدم المساواة ، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية الواردة في هذا الباب من الدستور ، وفي مقتضياته الأخرى ، وكذا في الاتفاقيات والمواثيق الدولية كما صادق عليها المغرب ، وكل ذلك في نطاق أحكام الدستور وثوابت المملكة وقوانينها.

تسعى الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء .

وتحدث لهذه الغاية هيئة للمناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز .”

وفي هذا الإطار نجد أن المحاكم الإدارية أصدرت أحكاما عديدة خولت المرأة نصيبها من  حق الانتفاع من الأراضي السلالية إلى جانب الرجل خلافا لما كان سائدا ولا يزال في مناطق عديدة من المغرب تحت ذريعة العرف أو غيره .[19]

إن ما تجب الإشارة إليه هو أن المحكمة الإدارية بفاس كانت سباقة إلى إقرار هذا المقتضى سنة 2001 أي قبل دستور 2011 بعشر سنوات وقبل حراك جمعيات النساء السلاليات التي تدافع عن هذا الحق ، وهو الحكم الذي جاء فيه :” …وحيث إن قرار حرمان الطاعنات من استغلال الأرض التي خلفها موروثهم الهالك …استند إلى وجود عرف محلي يحول دون استفادة الإناث من الاستغلال .

وحيث انه بالرجوع إلى وثائق الملف لم يقم دليل على وجود هذا العرف أو استدل به من طرف الجهة المدعى عليها بما يثبت قيامه وتوارثه بين أفراد الجماعة المعنية وإلزامه لهم والتزامهم به .

وحيث إن التمييز بين الورثة بمراعاة جنسهم وما إذا كانوا ذكورا أو إناثا كما في حالة النزاع المعروض ينطوي عل إقصاء غير مبرر لهؤلاء ومخالفا للشريعة الإسلامية ولمبادئ القانون والعدل والإنصاف .

وحيث إن الفصل السادس من الضابط المتعلق بتقييم الأراضي الجماعية المؤرخ في 13/11/1997 ينص على أنه إذا توفي فرد كان له حق التمتع في نصيب ينقل حقه إلى زوجته وأولاده الذين لم ينالوا نصيبا بعد ، ويبقى هذا الحق لزوما مشاعا بينهم ، وإذا لم يكن له زوجة وأولاد فإن النصيب الذي كان بيده يعلن عن فراغه ويمنح لفرد آخر من الجماعة لا نصيب له …

والحال أن الهالك صاحب الانتفاع السابق قد خلف زوجة وأولادا ، وليس بالحتمية أن يكونوا ذكورا ، إذ اصطلاح الولد يشمل الذكر والأنثى على حد سواء ، وهو ما أكدت عليه مدونة الأحوال الشخصية في فصلها من 238 مما يكون معه قرار إقصاء الوارثات تصرفا غير مرتكز على سبب صحيح من الناحية القانونية والشرعية ومتسما بالتالي بتجاوز السلطة ومآله الإلغاء .”[20]

والملاحظ أنه بعد أن كان مجلس الوصاية على الأراضي الجماعية مستقرا على عدم أحقية النساء بالانتفاع من الأراضي الجماعية ، فإننا وقفنا على قرارات صادرة عنه أعطت حق الانتفاع لأنثى وحرمت ذوي الحقوق من الذكور ، وهذا ما كان موضوع حكم المحكمة الإدارية بفاس الذي جاء فيه :” قرار مجلس الوصاية الذي قضى بتمكين السيدة …من كافة مخلف زوجها الهالك …وإقصائه لباقي ذوي الحقوق يبقى غير ذي أساس قانوني ومآله الإلغاء .”

من خلال ما سبق نود التأكيد على ما يلي :

  • إن ظهير 27 أبريل 1919 لم يعد صالحا للتطبيق خاصة وأننا نقترب من مرور مائة سنة على إصداره ، وأن كل الظروف السوسيولوجية والسياسية للمجتمع المغربي قد تغيرت ؛
  • إن القضاء الإداري وان كان قد بذل مجهودا في إيجاد حل لمنازعات لم تسعفه النصوص القانونية لمدة طويلة ، فإنه من الأولى أن تخصص هذه المجهودات لقضايا ذات أهمية أكبر وتبسيطا لآليات التقاضي وإعداد نصوص قانونية ذات جودة ؛
  • إن لثقافة المواطنة دورا مهما في تحقيق الأمن القضائي وفي المساهمة في تحقيق العدالة ، وهي أهداف يجب أن يسعى إليها كل فعاليات المجتمع .

 [1]  أنظر مثلا :

– رافع عبد الوهاب ، أراضي الجموع بين التنظيم والوصاية ، المطبعة والوراقة الوطنية ، مراكش 1999.

–  الحضراتي محمد ، منازعات أراضي الجموع بالمغرب ، لرسالة لنيل الماستر في القانون العام كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ظهر المهراز فاس ، السنة الجامعية 2007/2008.

  • بويحياوي إدريس أراضي الجماعات السلالية بين النص القانوني والاجتهاد القضائي ، رسالة لنيل الماستر في القانون العام ، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ظهر المهراز ، الفاس السنة الجامعية 2012/2013.
  • الحروشي الحسن ، إشكالات أراضي الجموع التدبير والتحديد نموذجا ، رسالة لنيل الماستر في القانون الخاص كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ظهر المهراز فاس ، السنة الجامعية 2010/2011.

[2]     هذا المقال في اصله مداخلة  ساهمت بها في الندوة الوطنية حول موضوع أراضي الجموع ، الوضع القانوني ورهان التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، التي انعقدت بقصر المؤتمرات بفاس يومي 13-14 مارس 2015.

[3]  ظهير 27 أبريل 1919 منشور بالجريدة الرسمية بتاريخ 28 أبريل 1919.

[4]  ظهير رقم 233-57 بتاريخ 27 شتنبر 1957 جريدة رسمية عدد : 2347 بتاريخ 18 أكتوبر 1957.

[5]  المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5952 بتاريخ 17 يونيو 2011  .

[6]  أنظر : القريشي ( عبد الواحد ) القضاء الإداري ودولة الحق والقانون بالمغرب ، الشركة المغربية لتوزيع الكتاب ، مطبعة النجاح الجديدة ، الدار البيضاء ، 2009 ، 303 ص .

[7] ANTARI(m’hammed) .le recours pour excès de pouvoir dans un Etat de droit . REMALD .N : 27 – 1999 . P :99 .

[8]  قرار المجلس الأعلى عدد 170 بتاريخ 25/05/1979 أيت كرم محمد ضد عامل الرباط .

[9]  حكم المحكمة الإدارية بمراكش رقم 02 بتاريخ 23/02/2000 ملف عدد 71/1999 أورده : القريشي عبد الواحد،  القضاء الإداري ودولة الحق والقانون بالمغرب ، مرجع سابق ، ص: 75 .

[10]  حكم المحكمة الإدارية بوجدة عدد 45/2000 بتاريخ 08/03/2000

حكم المحكمة الإدارية بفاس عدد 186 بتاريخ 03/04/2001

حكم المحكمة الإدارية بالرباط عدد 533 بتاريخ 10/07/1995

[11]  قرار مجلس الدولة الفرنسي الصادر بتاريخ 17/02/1950.

[12]  حكم المحكمة الإدارية بأكادير عدد 63/95 بتاريخ 20/07/1995.

[13]  حكم المحكمة الإدارية بفاس عدد 1373 بتاريخ 28/12/2012 ملف عدد 81/05/2012.

[14]  حكم المحكمة الإدارية بفاس عدد 1079/2014 بتاريخ 29/10/2014 في الملف الإداري عدد 97/71110/2014.

[15]  ظهير شريف بمثابة قانون 447-74-1 بتاريخ 01 رمضان 1394 الموافق ا 28 شتنبر 1974 بالمصادقة على نص قانون المسطرة المدنية ، جريدة رسمية عدد 3230  مكرر بتاريخ 30 شتنبر 1974 ص 2714.

[16]  مقابلة حول البت في قرارات مجلس الوصاية على الأراضي الجماعية بمكتب السيد رئيس المحكمة الإدارية بفاس  مارس 2015 .

[17]  حكم المحكمة الإدارية بفاس عدد 238 بتاريخ 27/03/2013 في الملف عدد 05/05/2013.

[18]  أنظر مثلا حكم المحكمة الإدارية  بفاس عدد : 193 بتاريخ 18/03/2014 في الملف عدد 125/7110/2013 .

 

[19]  أنظر حكم محكمة الاستئناف الادارية بالرباط  عدد 5071 بتاريخ 30/12/2013 في الملف عدد 257/13/5.

[20]  حكم المحكمة الادارية بفاس عدد 136 بتالريخ 03/04/2001 ملف رقم 13 غ 2000  .