الضمانات الخاصة بمسطرة المراقبة الجبائية

العدد الخاص بالضريبة لسنة 2019

637

الضمانات الخاصة بمسطرة المراقبة الجبائية

 

 

عواطف بلخضر

باحثة في صف الدكتوراه

قانون الأعمال والاستثمار

بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية

جامعة محمد الأول- وجدة

 

 

 

في مقابل الحرية التي خولها المشرع الضريبي للملزمين بشكل عام وللمقاولة بشكل خاص في تقديم الإقرارات التي تعكس وضعيتها المالية الحقيقية كان من الضروري أن يتبع ذلك بمراقبة شاملة ومنتظمة لمدى صحة هذه الإقرارات وشفافيتها وهو ما يسمى بالمراقبة الجبائية. وتعتبر هذه المراقبة من أهم الوظائف التي منحها المشرع للإدارة الضريبية.والهدف من عملية المراقبة الضريبية هو كشف وتصحيح الأخطاء التي قد تنتج عن عدم الدقة أو الإغفال من دون قصد الاحتيال من قبل الملزم[1].وتخضع المقاولة لنوعين من المراقبة تتمثل الأولى في الفحص المستندي أو المكتبي وتشمل مراقبة تصريحات الملزم والمعلومات المتوفرة لدى الإدارة الضريبية بمناسبة ممارستها لحق الإطلاع والمعاينة وفحص المحاسبة أو الفحص في عين المكان.وقد أحاط المشرع هذه المسطرة بمجموعة من الضمانات القانونية للوقوف على وجه أي تعسف محتمل من طرف الإدارة الضريبية[2].

وللتعرف على الضمانات الخاصة بمسطرة المراقبة الجبائية ارتأينا تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين نتحدث في المطلب الأول عن ضمانات المقاولة خلال ممارسة الإدارة لحق الاطلاع وحق المعاينة وفي المطلب الثاني عن ضمانات المقاولة أثناء فحص الإدارة للمحاسبة.

المحور الأول: ضمانات المقاولة خلال ممارسة الإدارة لحق الاطلاع وحق المعاينة

أوكل المشرع المغربي للإدارة الضريبية حق ممارسة المراقبة الضريبية كسلطة خاصة.وتعتبر هذه المراقبة آلية لتحقيق هدف خاص وهو محاربة التملص والغش الضريبي. وتسمح هذه السلطة للإدارة الضريبية وهي تراقب الأوعية الضريبية سلوك مسطرة الاطلاع وتبادل المعلومات ومسطرة المعاينة. غير أنه غالبا ما يتم الخلط بين هاتين المسطرتين رغم اختلافهما الجوهري[3]. ولتوضيح الفرق بين هذين الإجراءين والتطرق لضمانات المقاولة أثناء ممارسة الإدارة لهذين الحقين ارتأينا تقسيم هذا المطلب إلى فقرتين نتحدث في الأولى عن ضمانات المقاولة خلال ممارسة الإدارة لحق الاطلاع وفي الفقرة الثانية نتطرق لضمانات المقاولة خلال ممارسة الإدارة لحق المعاينة.

الفقرة الأولى: ضمانات المقاولة خلال ممارسة الإدارة لحق الاطلاع

يعتبر حق الاطلاع سلطة من السلطات الممنوحة للإدارة الضريبية لقيامها بالمراقبة الضريبية[4].وتستند هذه الأخيرة عليه في المعاينة والإطلاع على نسخ الوثائق التي توجد في حوزة الملزمين قصد جمع المعلومات التي تفيدها في مراقبة وربط الضريبة الواجبة في حقهم[5]. ويمكن تعريف حق الاطلاع بأنه العملية التي يقوم بها مفتش الوعاء والمراقبة بغرض التوصل إلى أكبر قدر من المعلومات حول المقاولة. وتنبع أهمية هذه العملية في كون نجاعة المراقبة الضريبية لا يمكن أن تقاس إلا بحجم المعطيات التي تتوفر للإدارة عن طريق ممارسة هذا الحق[6]. ورغم أن المشرع قد منح سلطة المراقبة للإدارة الضريبية إلا أن هذه السلطة مقيدة حيث أنه ألزم مفتش الضرائب باحترام قاعدة كتمان السر المهني وفق أحكام التشريع الجنائي واحترام الحياة الشخصية والخاصة[7].

ويجوز لإدارة الضرائب أن تطلب حسب كيفيات التبليغ[8]، الإطلاع على الأصل أو تسليم النسخ على حامل مغناطيسي، أو على ورق أو على كل حامل معلوماتي يشمل:

  • وثائق المصلحة أو الوثائق المحاسبية الموجودة في حوزة إدارات الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العامة وكل هيئة خاضعة لمراقبة الدولة دون إمكانية الاعتراض على ذلك بحجة كتمان السر المهني.
  • السجلات والوثائق التي تفرض مسكها القوانين أو الأنظمة الجاري بها العمل وجميع العقود والمحررات والسجلات والملفات الموجودة في حوزة الأشخاص الطبيعيين والمعنويين اللذين يزاولون نشاطا خاضعا للضرائب والواجبات والرسوم غير أن حق الإطلاع لا يمكن أن يشمل مجموع الملف فيما يتعلق بالمهن الحرة التي تستلزم مزاولتها تقديم خدمات ذات طابع قانوني أو ضريبي أو محاسبي، بالإضافة إلى سجلات التضمين التي يمسكها القضاة المكلفون بالتوثيق.

وقد خول المشرع المغربي للأشخاص الخاضعين لحق الاطلاع حرية الاختيار بين ثلاثة إمكانيات أساسية تتوزع بين:

  • أن يمارس بأماكن المقر الاجتماعي أو المؤسسة الرئيسية للأشخاص الطبيعيين أو المعنويين.
  • أن يقدم المعني بالأمر المعلومات كتابة إلى إدارة الضرائب
  • أن يسلم الخاضع لحق الإطلاع الوثائق لمأموري إدارة الضرائب مقابل إيصال.

ويجب أن تقدم طلبات الإطلاع كتابة وتبين نوعية المعلومات والوثائق المطلوبة والسنوات المحاسبية أو الفترات المعنية وكذا شكل ونوع وحامل هذه المعلومات والوثائق، كما يجب أن تقدم المعلومات والوثائق المشار إليها إلى الإدارة الضريبية طبقا للطلبات المذكورة خلال أجل أقصاه ثلاثون يوما التي تلي تاريخ تسلم هذه الطلبات حيث يجب أن تكون كاملة وذات قوة ثبوتية وصدقية[9].

واعتبارا لهذه المقتضيات التي نصت عليها المادة 214 من المدونة العامة للضرائب، نستنتج بأنها تضع مجموعة من القيود على حق الإطلاع حتى لا يصبح حقا مطلقا، مكرسة بذلك بعض الضمانات للمقاولة وإن كانت محدودة وذلك لخطورة الإطلاع على الوثائق محل المعاينة.

فقد اشترطت في الموظفين أن يكونوا من مأموري إدارة الضرائب المحلفين اللذين لهم على الأقل رتبة مفتش مساعد. ولا ينبغي أن تتجاوز عملية الإطلاع معرفة العناصر الدقيقة المنظمة ذات الفائدة في ربط الضريبة، أما فيما يتعلق بالوثائق والبيانات والمستندات التي يمكن ممارسة حق الإطلاع عليها، ولا تتجاوز المدة المعينة للاحتفاظ بها كحد أقصى عشر سنوات وذلك حسب مدونة التجارة المغربية[10].

ويجب أن يشمل الإطلاع الوثائق المحصورة قانونا والتي حددتها المادة 214 من المدونة العامة للضرائب. ومن بين الضمانات القانونية التي تتمتع بها المقاولة الالتزام بالسر المهني، فحق الإطلاع لا يمارس على جميع الوثائق والمعلومات بل على وثائق معينة ومن أجل معلومات محددة[11].

وقد اتجه القضاء الفرنسي إلى أن حق الإطلاع الممنوح للإدارة الضريبية لا يمكن أن يشمل إلا المستندات المتعلقة بالنشاط الذي تمارسه المقاولة، دون أن يتعداه إلى وثائق قد تكون متعلقة بالحياة الشخصية للشخص أو على وثائق غير محاسبية[12]. كما أنه لا يجوز لمفتش الضرائب أن يسلم المعلومات أو النسخ أو العقود أو الوثائق أو السجلات التي في حوزته لأشخاص غير المتعاقدين أو الملزمين بالضريبة المعنيين أو خلفهم العام، إلا بموجب أمر صادر عن القاضي المختص[13].

وقد خول القانون الضريبي المغربي للأشخاص الخاضعين للحق في الإطلاع حرية الاختيار بين أن يمارس هذا الحق بأماكن المقر الاجتماعي أو المؤسسة الرئيسية للأشخاص الطبيعيين أو المعنويين، أو قيام المعني بالأمر بتقديم المعلومات كتابة إلى إدارة الضرائب، أو بتسليم الخاضع لحق الإطلاع الوثائق لمأموري إدارة الضرائب مقابل إيصال[14].

ورغم أن المشرع المغربي خطى خطوة محمودة بالتنصيص في المادة 214 من المدونة العامة للضرائب بأنه يجب أن تتم ممارسة حق الإطلاع عن طريق طلب كتابي موجه في شكل رسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل أو عن طريق تسليم الطلب باليد إلى الأشخاص المعنيين، مع وجوب ذكر العنوان الكامل للمصلحة التي وجهت الطلب، وكذا رقم هاتفها لتمكين المعني بالأمر من توجيه الوثائق المطلوبة إلى المصلحة المعنية، إلا أنه  أغفل شيئا مهما جدا وهو تحديد مدة ممارسة هذا الحق داخل الأماكن التي يزاول فيها الخاضعون نشاطهم.ويعتبر هذا نقصا كبيرا يمكن أن يسبب إزعاجا بالنسبة للمقاولة، وخصوصا في احتفاظ الإدارة بالوثائق المسلمة لها مدة طويلة قد تحرم المقاولة من استغلال تلك الوثائق طوال تلك المدة، وهذا يفتح المجال أيضا أمام الإدارة الجبائية لتحديد الأجل من تلقاء نفسها.ولم يحدد المشرع المغربي عدد المرات التي يخضع فيها الملزم للإطلاع، وهذا نقص فادح في تنظيم حق الإطلاع يجب تداركه لتحقيق ضمانات وحماية أكبر للخاضعين للضريبة أو الملزمين[15].

وقد جعل المشرع المغربي الإطلاع لدى المنشآت الخاضعة للضريبة بالمغرب عندما تنشأ عمليات مع منشآت أجنبية يخضع للطلب الكتابي، وذلك وفق الإجراءات المنصوص عليها في المادة 219 من المدونة العامة للضرائب، وألزمها بتقديم المعلومات والوثائق المطلوبة داخل أجل 30 يوما الموالية لتاريخ تسلم الطلب. وفي حالة عدم الإجابة على الطلب تعتبر علاقة التبعية بين المنشآت المغربية والأجنبية قائمة. وتعتبر هذه الإجراءات قاعدة عامة لممارسة حق الإطلاع وهي تمكن الإدارة الضريبية من ممارسة حق الإطلاع بقواعد موحدة[16]، وتسمح للملزمين أيضا معرفة الطرق القانونية الكفيلة بحماية حقوقهم تجاه كل تعسف قد تمارسه الإدارة الضريبية، لأن هناك أجل مقيد بأحكام خاصة وإشعار وفق الطرق القانونية.

الفقرة الثانية: ضمانات المقاولة خلال ممارسة الإدارة لحق المعاينة

تتمتع الإدارة الضريبية بالإضافة لحق الإطلاع الذي تم تناوله في الفقرة السابقة بسلطة أخرى وهي حق المعاينة الذي يختلف عن مسطرة الإطلاع[17]. وقد اعتبر المشرع الفرنسي عملية المعاينة بداية مسطرة الفحص الضريبي المعمق[18].

وبالرجوع إلى المادة 210 من المدونة العامة للضرائب، نجد بأن للإدارة الضريبية الحق في إجراء معاينة يمكن بمقتضاها أن تطلب من الخاضعين للضريبة تقديم الفواتير والضرائب والدفاتر والسجلات والوثائق المهنية المتعلقة بعمليات نتج عنها أو من المفروض أن ينتج عنها تحرير فواتير، وأن تقوم بالمعاينة الفعلية للعناصر المجسدة للاستغلال وذلك للكشف عن حالات الإخلال بالالتزامات الواردة في النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل.

وتمارس عملية المعاينة بعد تسليم الإشعار بها من طرف المأمورين المحلفين المعتمدين.ويجب أن يتضمن الإشعار بالمعاينة الأسماء الشخصية والعائلية لمأموري إدارة الضرائب المكلفين بالمعاينة وإخبار الخاضع للضريبة بممارسة هذا الحق ويسلم هذا الإشعار مقابل وصل.وقد حدد المشرع المغربي في نفس المادة الأشخاص الذين يتعين أن يقدم إليهم هذا الوصل.

ويمارس حق المعاينة في المحلات المخصصة لغرض مهني داخل أوقات العمل وخلال ساعات مزاولة النشاط المهني. وفي حالة عدم تقديم جزء من الوثائق المحاسبية وأوراق الإثبات المنصوص عليها في النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل خلال فحص سنة محاسبية معينة يدعى الخاضع للضريبة وفق الإجراءات المنصوص عليها في المادة 219 من المدونة العامة للضرائب لتقديم هذه الوثائق والأوراق داخل أجل ثلاثين يوما ابتداءً من تاريخ تسلم طلب تقديم الأوراق والوثائق المذكورة. ويمكن تمديد هذا الأجل إلى نهاية فترة المراقبة.وتحدد المعاينة في عين المكان في مدة أقصاها ثمانية أيام من أيام العمل ابتداء من تاريخ تسليم الإشعار بها.وعند نهاية المعاينة يحرر أعوان إدارة الضرائب إشعارا بذلك يوقعه الطرفان وتسلم نسخة منه للخاضع للضريبة.

وقد أقر المشرع المغربي مجموعة من الضمانات للمقاولة، والتي تتمثل أساسا في ضرورة إشعار الإدارة الضريبة للخاضع للضريبية بقيامها بمسطرة المعاينة، وبالتالي إمهال الملزم أو الخاضع للضريبة وإعطائه الوقت الكافي لاستقبال المراقبين. والهدف من هذا الإخبار هو تمكين الملزم من إعداد الوثائق اللازمة للمراقبة ووضعها رهن إشارة المكلف بعملية المراقبة، وكذلك إعداد محل لاستقبال المراقب داخل المؤسسة إذا ما رغب الملزم في عدم نقل وثائقه المحاسبية خارج المؤسسة[19].

المحور الثاني: ضمانات المقاولة أثناء فحص الإدارة للمحاسبة

نظرا لحساسية وظائف الإدارة الضريبية تتوفر هذه الأخيرة على سلطات واسعة لمراقبة مدى انصياع الملزمين لواجباتهم الضريبية، فمبدأ ضرورة الضريبة يضفي الشرعية على مسطرة الفحص الضريبي وعلى محاربة الغش والتهرب الضريبي مع العلم بأن العدالة الضريبية تفترض في ذات الوقت عدم المساس بالحريات الفردية للمكلفين[20].

وقد أوكل المشرع الضريبي للإدارة الضريبية حق المراقبة والفحص اللذان يشملان مجموعة من العمليات التي تقوم بها هذه الأخيرة. وتعتبر مسطرة الفحص الضريبي نوعا من الرقابة التي تمارسها الإدارة على مجموع الإجراءات الرامية إلى مقارنة العمليات المحاسبية للملزمين مع المعلومات المحصل عليها من طرف الإدارة الضريبية لقياس مدى مصداقية التصريحات المدلى بها[21]. ومن أجل التعرف على كيفية القيام بهذه المسطرة وعلى الضمانات التي منحها المشرع للخاضع للضريبة بصفة عامة والمقاولة بصفة خاصة أثناء ممارسة الإدارة الضريبية لمسطرة الفحص، ارتأينا تقسيم هذا المطلب إلى فقرتين نتطرق في الأولى لمسطرة فحص المحاسبة وفي الفقرة الثانية لضمانات المقاولة الخاضعة لعملية الفحص المحاسبي.

 

 

الفقرة الأولى: مسطرة فحص المحاسبة

تختلف مسطرة فحص المحاسبة عن باقي أنواع المراقبة الأخرى. ويراد بتحقيق المحاسبة وتدقيقها تلك العملية التي بموجبها يتم فحص وتدقيق الحسابات والوثائق الواجب على المكلف موضوع المراقبة مسكها للتأكد من مدى مطابقة البيانات الواردة فيها للواقع والقانون[22]. وقد عرف مجلس الدولة الفرنسي الفحص الضريبي من خلال قرار “بلانييرPléniere ، الصادر بتاريخ 1967/03/13، بأنه:”مراقبة لمدى صحة وصدق إقرارات الخاضع للضريبة، وذلك بمقارنتها مع البيانات المحاسبية من أجل ضمان فرض الضريبة على المتملص منها بدون سند قانوني”[23].

وقد نظم المشرع المغربي كل ما يتعلق بمسطرة الفحص المحاسبي في المادتين 212 و213 من المدونة العامة للضرائب، حيث تعرض لكيفية ممارسة هذا الحق من طرف الإدارة الضريبية، وحدد أنواع الضرائب التي يمكن أن يشملها فحص المحاسبة، وقد نصت المادة 212 من المدونة العامة للضرائب على ما يلي:”بأنه يمكن لفحص المحاسبة أن يتعلق إما بجميع الضرائب والرسوم المتعلقة بالفترة غير المتقادمة، وإما بإحدى أو بمجموعة من الضرائب أو الرسوم، أو ببعض البنود أو عمليات معينة واردة في التصريح أو في ملحقاته أو فيهما معا والمتعلقة أيضا بتحديد المدة التي يجب أن تستغرقها عملية الفحص، والتي يجب على الإدارة أن تتقيد بها وأيضا ضرورة قيامها بإشعار المقاولة أو الملزم قبل الشروع في عملية الفحص المحاسبي”.

وتجب الإشارة إلى أن تنصيص المشرع على إلزامية مسك محاسبة منتظمة من طرف الملزم، راعى فيه مصلحة الخاضع للضريبة ومصلحة الدولة أيضا وذلك بتسهيل استخلاص وفرض الضريبة.ويجب على الخاضعين للضريبة وكذا الأشخاص الطبيعيين أو المعنويين المكلفين بحجز الضريبة في المنبع أن يحتفظوا طوال عشر سنوات في المكان الذي فرضت فيه عليهم الضريبة بنسخ فاتورات البيع أو بطاقات الصندوق والأوراق المثبتة للمصروفات والاستثمارات وكذا الوثائق المحاسبية اللازمة لمراقبة الضرائب، ولاسيما السجلات المقيدة مستنسخة بكاملها في هذا السجل وفي السجل اليومي وجذاذات الزبناء والموردين وكذا كل وثيقة أخرى واردة في النصوص التشريعية أو التنظيمية الجاري بها العمل.

وإذا ضاعت الوثائق المحاسبية لأي سبب من الأسباب، وجب على الخاضعين للضريبة أن يخبروا بذلك مفتش الضرائب التابع له محل إقامتهم الاعتيادية أو مقرهم الاجتماعي أو مؤسستهم الرئيسية في رسالة مضمونة الوصول مع الإشعار بالتسلم داخل أجل الخمسة عشر يوما التالية للتاريخ الذي لاحظوا فيه ضياعها[24].

وتشكل هذه العناصر إطارا مرجعيا لتحديد طبيعة المحاسبة موضوع الفحص الضريبي، والتي تعتبر خلالها المحاسبة منتظمة عند ما تعطي صورة صادقة لأصول المنشأة، وخصومها ولوضعيتها المالية ونتائجها[25].

وتتطلب إجراءات مسطرة فحص المحاسبة خلال المرحلة التمهيدية من المفتش المكلف بإنجازها معرفة مجموعة من الخصائص الاقتصادية والمحاسبية التي تتعلق بالمؤسسة موضوع الفحص والتي تتمثل في:

  • طبيعة النشاط الممارس
  • وسائل الاستغلال
  • طبيعة اليد العاملة المشغلة
  • ملف كل ملزم
  • طبيعة النشاط الممارس
  • الأجور والامتيازات العينية المؤداة

بالإضافة إلى هذه الخصائص هناك خصائص أخرى ذات طبيعة جبائية يجب على  المفتش الإلمام بها خلال المراحل التمهيدية للفحص وهي كالآتي:

  • التأكد من مدى احترام الملزم لواجباته التصريحية
  • تحديد طبيعة الضريبة
  • القيام بفحص أولي لتصريحات النتائج السنوية والدخول وأرقام الأعمال ومختلف التصريحات المتقادمة.
  • الإطلاع على مختلف عمليات الفحص التي سبق أن خضع إليها الملزم
  • الإطلاع على مختلف المنازعات الضريبية الخاصة

وبالرغم من منح سلطة وحق المراقبة والفحص المحاسبي للإدارة الضريبية وتنظيم المشرع لمسطرة الفحص بشكل دقيق في المدونة العامة للضرائب، إلا أنه قام في المقابل بتقييد هذا الحق بمجموعة من الضمانات القانونية، وذلك بهدف حماية حقوق الملزمين.

الفقرة الثانية: ضمانات المقاولة الخاضعة للفحص المحاسبي

بعد الحديث عن مسطرة الفحص المحاسبي كحق تمارسه الإدارة الضريبية على الخاضع للضريبة بصفة عامة، يجب علينا معالجة ضمانات المقاولة أثناء ممارسة الإدارة لمسطرة الفحص الضريبي، خصوصا وأن هناك بعض التعديلات على مستوى المادتين 212 و213 من المدونة العامة للضرائب لسنة 2016.

وعندما تقرر الإدارة الضريبية القيام بعملية فحص محاسبة المكلف والتحقق منها يجب  عليها توجيه إشعار بذلك إلى المعني بالأمر، وذلك بواسطة رسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل وذلك قبل التاريخ المحدد للشروع في عملية الفحص بخمسة عشر يوما على الأقل وذلك تطبيقا لما جاء في المادة 212 من المدونة العامة للضرائب. والغاية من ذلك استعدادا لمقاولة نفسيا وماديا لهذه العملية. وقد نص المشرع على مجموعة من الشروط التي يجب توافرها في الإشعار حيث يجب أن يكون حاملا لتوقيع باعثه وأن يتضمن اسم ورتبة العون المكلف بالتحقيق، وأن يبين يوم وساعة الشروع في التحقيق كما يجب أن يتضمن الإشعار وجوبا نوع الضريبة أو الضرائب التي تجري المراقبة برسمها والسنوات التي تخضع للمراقبة.

ويعتبر إشعار المقاولة قبل الشروع في عملية الفحص المحاسبي بخمسة عشر يوما على الأقل من الضمانات القانونية المهمة التي خولها المشرع للمقاولة، وذلك لتفادي أي تعسف محتمل من طرف الإدارة. وقد رتب على عدم احترامها لهذه الضمانة بطلان مسطرة الفحص برمتها، وقد ذهب  المجلس الأعلى (محكمة النقض حالا)  في قرار له[26]بأن المدة بين توصل الملزم بالإشعار وبدء المراقبة لا يجب أن تقل عن 15 يوما، وأن احتساب الأجل يبدأ بيوم توصل الملزم بالإشعار توصلا قانونيا وليس من تاريخ إرساله[27].

وذهبت الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى وهي تكرس الضمانة المتعلقة بالإشعار بالفحص، والتي من شأنها تمكين الملزم من تهيئ دفاعه والدفاع عن مركزه القانوني عند عملية الفحص إلى إلغاء مسطرة فرض الضريبة لإخلال الإدارة بمقتضيات تلك الضمانة. حيث جاء في قرارها ما يلي:”حيث إن الآجال الفاصلة بين تاريخ التوصل بالإشعار بإجراء التفتيش وتاريخ حضور المفتش المحقق أمام الشركة المعنية لفحص المستندات يجب ألا تقل عن 15 يوم، وأن العبرة في ذلك بتاريخ التوصل بالإشعار وليس بتاريخ الإرسال لما في ذلك من ضمانات لفائدة  الملزم ليتمكن من تهيئ دفاعه[28].

ويجب الإشارة بأن الإشعار بالفحص يجب أن يكون مرفقا بميثاق الخاضع للضريبة الذي يذكر بالحقوق والواجبات في مجال المراقبة الجبائية، ويقوم أعوان إدارة الضرائب بتحرير محضر عند بداية العملية المذكورة يوقعه الطرفان وتسلم نسخة منه للخاضع للضريبة، وهذا ما لم يكن قبل سنة 2014، والغاية من هذا الإجراء تحديد تاريخ ثابت لعملية الفحص وتفادي النزاعات المتعلقة بهذه المسطرة.

وقد حدد المشرع المغربي مدة الفحص في عين المكان، حيث إنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تستغرق عملية الفحص أكثر من ثلاثة أشهر بالنسبة للمنشآت[29] التي يعادل أو يقل مبلغ رقم معاملاتها المصرح به في حساب الحاصلات والتكاليف برسم السنوات المحاسبية الخاضعة للفحص عن خمسين مليون درهم دون احتساب الضريبة على القيمة المضافة، تدخل المشرع بتعديله لهذه المدة وتحديدها في ثلاثة أشهر بينما كانت قبل التعديل ستة أشهر[30]، وقد اتبع المشرع المغربي نظيره الفرنسي الذي كان ولازال ينص على مدة ثلاثة أشهر.

 

ولا يمكن أن تستغرق مدة الفحص أكثر من ستة أشهر بالنسبة للمنشآت التي يفوق مبلغ رقم معاملاتها المصرح به في حساب الحاصلات والتكاليف برسم إحدى السنوات المحاسبية الخاضعة للفحص خمسون مليون درهم دون احتساب الضريبة على القيمة المضافة، فالمشرع تدخل بتعديل في هذه المدة أيضا حيث كانت محددة قبل التعديل في 12 شهرا أي سنة[31].

ويلاحظ أن التعديل الذي جاء به المشرع الضريبي المغربي هو في صالح المقاولة، بحيث يعتبر ضمانة مهمة تتمتع بها هذه الأخيرة.وحسنا فعل المشرع المغربي بتدخله وتعديله لهذه الآجال وذلك لتفادي عرقلة سير نشاط المقاولة، وتماطل الإدارة الضريبية أثناء قيامها بعملية الفحص المحاسبي.ويعتبر تحديد هذه الآجال وتعديلها من بين أهم الضمانات التي جاء بها القانون الجبائي والتي يتمتع بها الخاضع للضريبة بصفة عامة والمقاولة بصفة خاصة.

وبالإضافة إلى الضمانات السالفة الذكر ألزم المشرع المغربي الإدارة باحترام ضمانات أخرى للمقاولة، وذلك لتفادي أي مساس بحقوقها حيث نصت المادة 212 من المدونة العامة للضرائب على أن عمليات مراقبة المحاسبة لابد أن تجرى في مقر الشركة أو المقاولة لا بمكاتب الإدارة الضريبية، كما يتأكد أعوان إدارة الضرائب من صحة البيانات في عين المكان من حقيقة وجود الأموال المدرجة في الأصول، فلا يجوز أخذ المفتش لأي وثيقة أو مستند خاص دون ترخيص مسبق من الملزم، كما يلتزم موظفو الإدارة الضريبية بالحفاظ وكتمان السر المهني وهذا الالتزام منصوص عليه في المادة 446 من القانون الجنائي والمادة 246 منه المدونة العامة للضرائب[32]. ويتخذ هذا الالتزام أهمية بالغة بالنسبة للمفتشين اللذين لهم حق الإطلاع على تفاصيل حياة وظروف المقاولة.

ومن الضمانات التي تتمتع بها المقاولة بعد انتهاء الإدارة الضريبية من عملية الفحص، نجد كون الأخيرة ملزمة بإبلاغ نتائج التحقيقات أو الفحوص للمقاولة لمعرفة حقيقة وضعها المحاسبي وتلقي ملاحظاته.

 

[1]– يونس مليح: الضمانات المسطرية للملزم في مواجهة الإدارة الضريبية العدد التاسع، مطبعة الأمنية، الرباط، سنة 2015، ص: 36.

[2]– خلال حجاج: جباية المقاولة بالمغرب، مطبعة الأمنية، الرباط، سنة 2014، ص:158.

[3]– كريم لحرش: شرح القانون الضريبي المغربي وفقا لمستجدات قانون المالية 2014 منشورات سلسلة اللامركزية والإدارة الترابية، العدد 23 سنة 2014، ص: 147.

[4]– Wafa chaouch Nouira : la garantie des droits fondamentaux du contribuable en matière du contrôle fiscal, Revue tunisienne de droit 2004,  centre de publication universitaire, page : 253.

[5]– يونس مليح: مرجع سابق، ص: 39.

[6]– محمد شكيري: مرجع سابق، ص: 254.

[7]– wafa chaouch nouiri : op.cit, p :254.

[8]– المادة 219 من المدونة العامة للضرائب.

[9]– المادة 214 من المدونة العامة للضرائب.

[10]– ظهير شريف رقم 1-96-83 صادر في 15 من ربيع الأول 1417 (فاتح غشت 1996) بتنفيذ القانون رقم 15-95 المتعلق بمدونة التجارة الجريدة الرسمية عدد 4418 الصادر بتاريخ 19 جمادى الأولى 1417 (3 أكتوبر 1996) ص 2187.

[11]– محمد مرزاق وعبد الرحمان أبليلا: المنازعات الجبائية بالمغرب بين النظرية والتطبيق، الطبعة الثانية، مطبعة الأمنية الرباط، سنة 1998، ص: 45.

[12]– wafa chaouch nouira : op.cit, p : 258.

[13]– المادة 246 من المدونة العامة للضرائب.

[14]– الفقرة السابعة من البند الأول من المادة 214 من المدونة العامة للضرائب.

[15]– محمد السماحي: مسطرة المنازعة في الضريبة، الطبعة الأولى، مطبعة الصومعة، مراكش، سنة 1997، ص: 38.

[16]– المادة 220 من المدونة العامة للضرائب.

[17] – Khalil Haloui : les garanties du contribuable dans le cadre du contrôle fiscal en droit marocain, thèse de doctorat obtenue à l’université de Grenoble en droit privé année 2011, page : 27

[18] – Wafa Chaouch Nouira : op.cit, p : 267.

[19]www.marocdroit.com 26/08/2016 A 12h58

[20] – Martin Collet : droit fiscal presse universitaire de France, THEMIS 1ère  édition, 2007, page : 143.

[21]– كريم لحرش: شرح القانون الضريبي الغربي وفق مستجدات قانون المالية 2014، ص: 151.

[22]– يونس مليح: مرجع سابق، ص: 47.

[23] – Jean Claude Cros et Philippe Marschessou, procédure fiscale, Dalloz,2ème édition, 2001, page : 113.

«La vérification de la comptabilité est conduite auprès contribuable, pour établir un contrôle de cohérence des données comptables avec ses déclarations ».

[24]– المادة 211 من المدونة العامة للضرائب.

[25]– كريم لحرش: شرح القانون الضريبي المغربي وفق المستجدات قانون المالية 2014، ص: 153.

[26]– قرارعدد 53 الصادر بتاريخ 23/01/2003 في حكم إدارية فاس.

[27]–  Rachid Lazrak : le contrôle et le contentieux de l’impôt au Maroc, fiscalité des entreprises, Edition LA PORTE 2007,page : 126.

[28]– قرار الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى 866/4/4/02 بتاريخ 33/1/03 شركة سودطراك ضد وزير المالية قرار آخر بالملف الإداري 874/114/99 شركة اسطيب ضد وزير المالية.

[29]– المادة 212 منم ع ض.

[30]– المادة 212 منم ع ض.

[31]– المادة 212 من م ع ض.

[32]– نصت المادة 246 من المدونة العامة للضرائب على ما يلي: “يلزم بكتمان السر المهني وفق أحكام التشريع الجنائي الجاري به العمل كل شخص شارك بمناسبة مزاولة مهامه أو اختصاصاته في تحديد الضرائب والواجبات والرسوم ومراقبتها واستيفائها أو اختصاصاته أو المنازعات المتعلقة بها وكذا أعضاء اللجان المنصوص عليها في المواد 50 و225 و226 أعلاه.

غير أنه لا يجوز لمفتشي إدارة الضرائب أن يسلموا المعلومات أو نسخ من العقود أو الوثائق أو السجلات التي في حوزتهم لأشخاص غير المتعاقدين أو الملزمين بالضريبة المعنيين أو خلفهم العام، إلا بموجب أمر صادر عن القاضي المختص”.