الضمانات الأساسية لشرعية الإجراءات الجزائية في قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردنية لسنة 2011

345

 

الضمانات الأساسية لشرعية الإجراءات الجزائية  في قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردنية  لسنة 2011

 

القاضي: علي أحمد يوسف الشبول

قاضي لدى محكمة الجنايات الكبرى الأردنية
تقوم دعائم العدل على احترام حقوق كل انسان وقد جسد هذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بقوله (أن الإقرار لجميع أعضاء الأسرة البشرية من كرامة أصلية فيهم ومن حقوق متساوية وثابتة يشكل أساس الحرية والعدل والسلام في العالم)([1]).

وعندما يمثل المرء أمام القاضي متهماً بارتكاب فعل جنائي يواجه الية الدولة بعدتها وعتادها وسلطتها، ومن ثم فإن الطريقة التي يعامل بها عندما يتهم بارتكاب جريمة تدل بدقة على مدى احترام تلك الدولة لحقوق الإنسان.

لقد تم توحيد وتحديث التشريعات الأردنية في مختلف المناحي والميادين وفي مجموعة القوانين القضائية، وقد كان قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني لسنة (2011) أحد أهم هذه القوانين وأكثرها حداثة وتأثراً باعلانات حقوق الإنسان والمعاهدات الدولية.

لقد جاء قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني بجملة من الضمانات القانونية لحماية واحترام الحرية الشخصية ومعيار هذه الضمانات هو مبدأ شرعية الإجراءات الجزائية وهي تشكل الحدود التي ينبغي الالتزام بها والقواعد التي يجب مراعاتها.

ماذا نعني بشرعية الإجراءات الجنائية؟

إن اصطلاح الشرعية يعني خضوع التصرف أياً كان للقانون لذلك فإن شرعية الإجراءات الجزائية هي إحدى صور الشرعية بوجه عام، لأنه ينبغي أن تخضع جميع الأعمال والإجراءات للقانون من حيث صحتها وآثارها، إذ وضع المشرع الأردني قواعد موضوعية للإجراء وقواعد شكلية للقيام به بحيث لا يعتبر الإجراء صحيحاً إذا كان مخالفاً لأحكام القانون، ولم يترك المشرع الأمور على عوامها للسلطة المختصة فأمر إلقاء القبض على المتهم وتفتيش منزله دون التقيد بالضوابط والقيود التي حددها القانون، لذلك فالبحث عن الأدلة لا ينبغي أن يكون على حساب احترام حقوق المتهم وكرامته، وإنما يجب أن يكون في إطار القواعد التي رسمها القانون ومحققاً للعدالة([2])، وعليه فإنه من موضوع الإجراءات الجزائية تنبثق شرعية الإجراءات الجزائية والتي تقوم على الاستغلال والحياد في الأجهزة والسلطات التي تشرف على جمع الأدلة والتحقيق، فشرعية الإجراءات هي الكفيلة بتطبيق المبادئ والأسس التي ينص عليها قانون الإجراءات الجزائية([3]).

اسس شرعية الإجراءات الجزائية.

تبنى قانون أصول المحاكمات الجزائية معايير المحاكمة العادلة، وتتمثل اسس شرعية الإجراءات الجزائية في([4]):

أولاً- اعلان حقوق الإنسان والمواثيق المتعلقة بحقوق الإنسان.

ثانياً- الدساتير.

لقد نصت الدساتير الحديثة على عدد من النصوص تستمد منها شرعية الإجراءات الجزائية مبادئها التي تتعلق بكفالة الحريات الأساسية ومن أهمها أن المحاكم مفتوحة للجميع ولا يجوز اغلاقها في وجه أي كان، وحق محاكمة المتهم أمام قاضيه الطبيعي، ومبدأ أن لا عقوبة دون دعوى جزائية وقانونية الإجراءات الجزائية، فقد نصت المادة 1.3 من قانون أصول المحاكمات الجزائية (لا يجوز القبض على أي انسان أو حبسه إلا بأمر من السلطات المختصة بذلك قانوناً).

– مبادئ شرعية الإجراءات الجزائية في قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردنية، وتقوم على أربع مباددئ رئيسية وهي:

  1. المتهم بريء حتى تثبت ادانته.
  2. الإجراءات الجزائية ينظمها القانون.
  3. محاكمة المتهم أمام قاضيه الطبيعي.
  4. اسقاط موانع التقاضي.

وسوف نتتناول كل واحد منها بالتفصيل على النحو التالي:

  1. مبدأ المتهم بريء حتى تثبت ادانته

لقد توج إعلان حقوق الإنسان عام 1789 في عهد الثورة الفرنسية مبدأ افتراض البراءة قي المتهم، ثم تأكد هذا المبدأ في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948، حيث نصت المادة 11 من الإعلان على ما يلي (كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئاً إلى أن تثبت إدانته قانوناً بمحاكمة عادلة تؤمن له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عنه) كذلك الحال بالنسبة للاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية التي وافقت عليها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1966، كذلك العديد من دساتير الدول حرصت على أن يكون هذا المبدأ في صلب قانونها الأساسي، ومن بينها الدستور الأردني، حيث نصت المادة 101/1 من الدستور على (المحاكم مفتوحة للجميع ومصونة من التدخل في شؤونها)([5]).

وجاء ايراد هذا المبدأ في القانون الأساسي المشار إليه ليضفي عليه أهمية خاصة إلى ما قررته المادة 147/1 من قانون أصول المحاكمات الجزائية حيث تنص على أنه (المتهم بريء حتى تثبت إدانته).

وبذلك فقد اتجه المشرع الأردني عند تحديد النطاق الإجرائي لقرينة براءة المتهم حتى تثبت إدانته في حماية الحرية الشخصية للمتهم وفي إلقاء عبء الإثبات على عاتق سلطة الإتهام، التي عليها أن تقدم الدليل الكامل على توفر العناصر التي تنشأ عنها المسؤولية الجنائية، أن افتراض براءة المتهم بارتكاب فعل جنائي هو من المبادئ الأساسية في المحاكمة العادلة، أن المحاكمة العادلة تستلزم  توافر شرطان على الأقل، الأول هو أن تسترشد إجراءات المحاكمة كلها من بدايتها حتى نهايتها بمبادئ المحاكمة العادلة التي وصفها المجتمع الدولي، أما الشرط الثاني فهو أن تقوم سلطة قضائية مستقلة محايدة بتطبيق هذه المبادئ، لقد نصت المعايير الدولية على جملة من الحقوق التي يجب أن يتمتع بها كل متهم، وجاءت نصوص قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني متوافقة تماماً مع هذه المعايير، وهي ضمانات أوردها المشرع الأردني للمتهم وذلك على النحو التالي([6]):

  1. الحق في عدم التعرض للقبض عليه أو اعتقاله تعسفياً.
  2. الحق في ابلاغه عن أسباب القاء القبض عليه وابلاغ اسرته بنبأ القبض عليه.
  3. الحق في توكيل محامٍ.

4.الحق في سرعة إجراءات المحاكمة.

  1. الحق في الإفراج عن المتهم بالكفالة.
  2. الحق في عدم التعرض للتعذيب وعدم الأخذ بأقوال المتهم التي يدلي بها تحت التعذيب.
  3. الحق في مناقشة الشهود.

ان من نتائج افتراض براءة المتهم مايلي([7]):

  1. وجوب اخلاء سبيل المتهم فوراً، إذا كان الحكم صادراً بالبراءة فقد نصت المادة (238) من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أنه (إذا قضت المحكمة ببراءة المتهم أو عدم مسؤولية اطلق صراحه في الحال ما لم يكن موقوفاً لداع آخر).
  2. أن قرينة البراءة قد أثرت في توجه المشرع الأردني عندما تقرر في المادة 212 من قانون أصول المحاكمات الجزائية أنه (يمثل المتهم أمام المحكمة طليقاً بغير قيود ولا أغلال وإنما تجري عليه الحراسة اللازمة….).
  3. ان القانون الأردني لا يجيز طلب إعادة المحاكمة في الأحكام التي اكتسبت الدرجة الباتة في الجنايات والجنح إلا في حالات الإدانة، أما أحكام البراءة فلا يجوز طلب إعادة المحاكمة بشأنها، كما هو ظاهر من نص المادة 292 من قانون أصول المحاكمات الجزائية([8]).
  4. أن قرينة البراءة لها تأصيل في قانون أصول المحاكمات الجزائية عندما نصت المادة 216/3 منه (إذا رفض المتهم الإجابة يعتبر غير معترف بالتهمة ويأمر رئيس المحكمة بتدوين ذلك في الضبط([9]).
  5. أن النتائج التي ترسخت في المحاكم الأردنية واضحت مبادئ قانونية متواترة نتيجة لمبدأ براءة المتهم حتى تثبت إدانته أن الشك يفسر لمصلحة المتهم، وأن الحكم لا يبنى إلا على الأدلة التي قدمت أثناء المحاكمة وتمت مناقشتها في الجلسة بصورة علنية أمام الخصوم (المادة 148/1) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني كذلك أنظر إلى قرار محكمة التمييز الأردنية رقم 2157/2014 تاريخ 10/2/2015 منشورات برنامج عدالة([10]).
  6. الإجراءات الجزائية ينظمها القانون.

ويتضح من خلال نصوص قانون أصول المحاكمات الجزائية، أن كافة الإجراءات الجزائية التي تتخذ في كل مرحلة ضد مرتكب الجريمة محكومة بالقانون وأن المشرع الأردني عند تحديده للقواعد القانونية للإجراءات الجزائية قد وازن بين حماية المصلحة العامة وهي مصلحة المجتمع والمصلحة الفردية بكل ما تعنيه من حقوق خاصة وكرامة لصيقة بالمتهم، وكان من النتيجة لذلك ما يلي:

  1. أن سن القوانين والتشريعات هو من اختصاص السلطة التشريعية –مجلس الأمة- وهو الذي أقر قانون أصول المحاكمات الجزائية.
  2. أن مجلس الأمة بصفته جهة تشريع يختص لوحده بتحديد الجهات القضائية المكلفة بالقيام بالإجراءات الجزائية وفقاً للقانون وقد حدد قانون تشكيل المحاكم النظامية الأردنية اختصاص المحاكم وكيفية تشكيلها([11]).
  3. محاكمة المتهم أمام قاضيه الطبيعي.

لقد نصت المادة (102) من الدستور الأرني على أنه (تمارس المحاكم النظامية في المملكة الأردنية الهاشمية حق القضاء على جميع الأشخاص في جميع المواد المدنية والجزائية بما فيها الدعاوى التي تقيمها الحكومة أو تقام عليها باستثناء المواد التي قد يفوض فيها حق القضاء إلى محاكم دينية أو محاكم خاصة بموجب أحكام هذا الدستور أو تشريع آخر نافذ المفعول).

ولكي يعتبر القضاء طبيعياً يجب توافر الشروط التالية:

  1. أن يكون انشاء المحكمة وتحديد صلاحياتها بموجب قانون.
  2. أن تكون المحكمة دائمة إذ أن المحاكم العادية هي محاكم دائمة بمعنى أن القانون قد حدد اختصاصها دون ربطها بشخص بعينه أو بمدة زمنية معينة([12]).

 

الخاتمة:

لقد تأصل في حياتنا من خلال النص على حق اللجوء إلى القضاء لكافة الناس في الدستور وعدم تحصين أي عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء كما جاء في المادة (101/1) من الدستور الأردني، وذلك أن منع بعض الأفراد دون غيرهم من اللجوء للقضاء لانصافهم فيه اعتداء على حقوق الناس وحرياتهم ويعد إخلالاً بمبدأ شرعية الإجراءات لأن حق التقاضي مصان ولا يجوز تقييده، ولا يوجد في التشريعات الأردنية المعمول بها أي تقييد أو حجب للقضاء من نظر بعض الجرائم.

 

المراجع:

  1. د. هيثم الفاعوري – علانية المحاكمات الجزائية في التشريع الأردني مقارنة بالتشريعات الفرنسية والمصرية – دار وائل للنشر والتوزيع/ الأردن/ عمان/ الطبعة الأولى 2007.
  2. أحمد فتحي سرور، الشرعية الدستورية وحقوق الإنسان في الإجراءات الجنائية، دار النهضة العربية، 1993.
  3. محمد صبحي نجم، حق المتهم أو الظنين في محاكمة عادلة في قانون أصول المحاكمات الجزائية، دراسات الشريعة والقانون، المجلد 32 العدد 1، سنة 2005.
  4. محمد صبحي نجم، قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردنية، مضمونه، ومجال تطبيقه، عمان 1998.
  5. وائل أنور بندق، حقوق المتهم في العدالة الجنائية، دار المطبوعات الجامعية الإسكندرية، 2007، ص368.
  6. د. محمد شلال حبيب، ضمانات استغلال القضاء في التشريع الجزائري والمقارن، مجلة العلوم القانونية: كلية الحقوق، جامعة عنابة الجزائر، العدد الأول، 1983، ص42.
  7. الحق في المحاكمة العادلة بين المعايير الدولية والقانون والواقع المغربي.

Lidi balkassim biogspost.com/ 2015/5/ bloy-post html

  1. حسين يوسف مقابلة، الشرعية في الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع/ عمان/ بلا تاريخ نشر.
  2. د. محمد أمين الخرشة، مشروعية الصوت والصورة في الإثبات الجنائي/ دراسة مقارنة/ دار الثقافة للنشر والتوزيع عمان/ الطبعة الأولى/ 2011.
  3. د. عبد الفتاح عبد اللطيف الجبارة، الإجراءات الجنائية في التحقيق/ دار الحامد للنشر والتوزيع/ عمان/ الأردن/ الطبعة الأولى 2015.
  4. د. حمزة محمد أبو عيسى، أصول المحاكمات الجزائية، المجلد الأول/ دار وائل للنشر/ عمان/ الأردن/ الطبعة الأولى/ 2012.
  5. الدستور الأردني.
  6. قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردنية.
  7. قانون استقلال القضاء الأردني.
  8. العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.
  9. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حول استغلال القضاء.

([1]) د. محمد شلال حبيب، ضمانات استقلال القضاء في التشريع الجزائري والمقارن، مجلة العلوم القانونية، كلية الحقوق، جامعة عنابة الجزائر، العدد الأول، 1982، ص102.

([2]) وائل أنور بندق، حقوق المتهم في العدالة الجنائية، دار المطبوعات الجامعية، الاسكندرية، 2007، ص368.

([3]) د. محمد أمين الخرشة، مشروعية الصوت والصورة في الإثبات الجنائي، دراسة مقارنة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان/ الأردن، الطبعة الأولى، 2011، ص58-117.

([4]) قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني رقم (9) لسنة 1961 وتعديلاته.

([5]) د. هيثم الفاعوري، علانية المحاكمات الجزائية في التشريع الأردني مقارنة بالتشريعات الفرنسية والمصرية، دار وائل للنشر والتوزيع، الأردن/ عمان، الطبعة الأولى، 2007.

([6]) محمد صبحي نجم، قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردنية، مضمونه، ومجال تطبيقه، عمان، 1980، ص104 وما بعدها.

([7]) محمد صبحي نجم، حق المتهم أو الظنين في محاكمة عادلة في قانون أصول المحاكمات الجزائية دراسات الشريعة والقانون، المجلد 32، العدد 1، سنة 2005.

([8]) حسين يوسف مقابلة، الشرعية في الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان/ الأردن، 2003، ص86-91.

([9]) د. حمزة محمد أبوعيسى، أصول المحاكمات الجزائية، المجلد الأول، دار وائل للنشر، عمان/ الأردن، الطبعة الأولى، 2012.

([10]) تقول محكمة التمييز الأردنية (… وفي الحالة المعروضة فإن محكمة الجنايات الكبرى لم تطمئن لبينة النيابة العامة بأقوال المجني عليها فرح ودللت على الأسباب التي حملتها على عدم الاقتناع بهذه الأقوال الأمر الذي جعلها تشكك في صدقية أقوال المشتكية، وحيث أن الشك يعد لصالح المتهم فإن إعلان براءة المتهم مما أسند إليه على ضوء ما تقدم يتفق وأحكام القانون.

([11]) أحمد فتحي سرور، الشرعية الدستورية وحقوق الإنسان في الإجراءات الجنائية، دار النهضة العربية، 1993.

([12]) د. عبدالفتاح عبداللطيف الجبارة، الإجراءات الجنائية في التحقيق، دار الحامد للنشر والتوزيع، عمان/ الأردن، الطبعة الأولى، 2015.