الصلح في إطار القانون رقم 12/18 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل . إعداد: الطالبة الباحثة فاتحة السباعي

202

الصلح في إطار القانون رقم 12/18 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل

.

إعداد: الطالبة الباحثة
فاتحة السباعي

مقدمة
يمكن للأجير أثناء إنجاز عمله أن يتعرض للعديد من المخاطر، ومن أهمها حوادث الشغل والأمراض المهنية، خصوصا مع نهاية القرن 19 حيث ارتفعت وثيرة حوادث الشغل نتيجة لما يشهده العالم من نهضة صناعية كبيرة، وذلك بسب دخول الآلة إلى جانب الإنسان في العمل.الأمر الذي جعل المشرع يسن مجموعة من القوانين ليوفر حماية لهؤلاء الأجراء كظهير 6 فبراير 1963( ) الذي جاء بمجموعة من المقتضيات التي توفر حماية لهم، غير أن هذا الظهير أبان عن قصور كبير في نصوصه ، مما دفع المشرع إلى سن القانون ( )18.12 ليتمم هذه النواقص، ويتميز هذا القانون بحسن صياغة النصوص، واختيار العبارات، حيث اقتصر على 197 مادة موزعة على تسعة أقسام وكل قسم يضم أبواب وفروع، ومن بين المقتضيات التي أتى به نجد المساطر المقررة وفقه والتي تنص على مسطرتين مهمتين لحل النزاعات.
الأمر الذي يجعل نتساءل عن الكيفية التي يتم بها تنظيم هذه المساطر؟
لمعالجة هذا الإشكال ارتأينا تقسيم الموضوع إلى محورين :
المحور الأول: الصلح الإتفاقي
المحور الثاني: الصلح القضائي

المحور الأول: الصلح الاتفاقي
أصبح الصلح الاتفاقي بموجب القانون 18.12 إجراء شكليا إلزاميا يجب على الضحية سلوكه قبل سلوك المساطر القضائية، فإذا كان المشرع في ظل ظهير 1963 قد أحجم عن إعطاء تعريف لمفهوم الصلح. فانه قد عمد في إطار القانون 18.12 على اتخاذ طرح جديد. حيت عرفته المادة133 من نفس القانون بكونه إتفاق بين الضحية وشركة التأمين من أجل تمكينه من الحصول على التعويضات المستحقة له عن حادثة الشغل التي تعرض لها ويحرر في محضر وفق نموذج محدد من طرف السلطة الحكومية المكلفة بالشغل( )، وقد حدد المشرع نوعية الشكلية المحددة للصلح بكونها شكلية إثبات فقط وليست شكلية( ).
وقد نص المشرع على مجموعة من الإجراءات التي يجب سلوكها في مسطرة الصلح الاتفاقي(النقطة الأولى)، كما أحاط هذا الإجراء بمجموعة من ضمانات (النقطة الثانية).
النقطة الأولى: الإجراءات الواجب إتباعها في مسطرة الصلح
يجب على المقاولة المؤمنة للمشغل تقديم عروض للضحية بواسطة رسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل داخل أجل أقصاه ثلاثين يوما من تاريخ إيداع شهادة الشفاء أو الوفاة أو التوصل بهما.
ويتعين على الضحية الإجابة على العروض داخل أجل ثلاثين يوما من تاريخ توصله بها، وفي حالة موافقته عليها وتوقيع الطرفين على محضر الصلح يتعين على شركة التأمين منح الضحية التعويضات المتفق عليها داخل أجل الثلاثين يوما الموالية لتاريخ توقيع محضر الصلح، وفي حالة رفض الضحية للعروض يمكنه سلوك المسطرة القضائية( ).
ما يجب الإشارة إليه في هذا الإطار هو إشكالية التبليغ والتوصل، بحيث يلعب التبليغ دور أساسيا وحاسما في حل النزاعات أو تأخيرها، الأمر الذي يؤثر سلبا أو ايجابيا على سير الإجراءات بين الأطراف، من الإشكاليات التي تعترض عملية التبليغ، كالنقص في البيانات المتعلقة بالأطراف أو تغير مكان الإقامة، فكل هذه الإشكاليات تساهم في عرقلة هذه المسطرة.
النقطة الثانية: الضمانات المقررة في الصلح الاتفاقي
لتفعيل الصلح وتفادي جعله مسطرة معقدة وطويلة ودون فائدة، أحاطه المشرع بمجموعة من الضمانات التي توجب على الأطراف أخدها بحمل الجد، لذا فقد ألزم المقاولة المؤمنة للمشغل بتقديم عروض للضحية داخل المقاولة للمشغل بتقديم عروض للضحية داخل الأجل القانوني تحت طائلة أدائها غرامة من 20.000 درهم إلى 50.000 درهم، كما يعاقب بنفس العقوبة في الحالة التي عدم أداء المشغل أو مؤمنه التعويضات أو الإيرادات للمصاب أو لذوي حقوقه بعد انصرام أجل الثلاثين يوما الموالية لتاريخ التوقيع على المحضر وهو ضمان مهم كفله المشرع لضحية لاستخلاص حقوقه في مدة قليلة وبدون تعقيد في الإجراءات والمساطر( ).
كما ألزم المشرع الضحية بضرورة تبرير رفضه المصادقة على العروض المقدمة إليه من طرف شركة التأمين عند رفعه الدعوى للمحكمة حسب ما هو منصوص عليه في الفقرة الأخيرة من المادة138( )، وهو ما يفيد توجه المشرع إلى تبني الطرق البديلة لحل النزاعات، وذلك من خلال جعل الصلح الاتفاقي هو الأصل والصلح القضائي استثناء يلجأ إليه في حالة فشل الصلح الاتفاقي.
ورغبة من المشرع في خلق نوع من التوازن بين الطرفين، خول للمصاب أو لذوي حقوقه إمكانية توكيل محام أو أكثر وذلك من أجل مساندتهم والإشراف وتتبع مسطرة الصلح في مواجهة المقاولة المؤمنة حسب ما هو منصوص عليه في الفقرة الأخيرة من المادة 132 من القانون رقم 18.12 ، وهو ما لم يكن منصوص عليه في ظهير 1963. وهذا يعتبر من الضمانات المهمة التي خولها المشرع للمصاب بحيث أن توكيله للمحامي يخدم مصالحه وما فيه جبر للضرر الذي لحقه، وقد يتم التفاوض حول العروض المقدمة إليه من طرف المقاولة المؤمنة بالزيادة، مما يضمن للأجير المصاب حقوقه.
بل أكثر من هذا وسعيا من المشرع في تشجيع الأطراف على حل النزاعات المتعلقة بالتعويضات عن حوادث الشغل نص في المادة 22 من القانون رقم 18.12 على أن الطبيب المعالج يحدد نسبة العجز التي بقيت عالقة بالضحية باتفاق مع الطبيب المعالج الذي عليه إيداع تقريره النهائي داخل أجل شهر من تاريخ انتدابه، لأن الاتفاق بين الطبيب المعالج وخبير شركة التأمين هو أساس اتفاق الأطراف على التصالح، إذ إنه على أساس تحديد نسبة العجز المتوصل إليها تقوم شركة التأمين بتقديم عروض للضحية، وهو ما سيفعل مسطرة الصلح ويخفف العبء على المحاكم، وبهذا يحقق المشرع الهدف الذي يسعى إليه من وراء هذا القانون ، كما يمكن الضحية من بالتوصل بالتعويضات المستحقة له في أقرب الآجال.
كما خول المشرع للأطراف إمكانية تعديل محضر الصلح، إذ يمكن للضحية أو ذوي حقوقه تقديم طلب تعديل محضر الصلح مباشرة إلى المقاولة المؤمنة للمشغل وإلى السلطة الحكومية المكلفة بالتشغيل داخل أجل الشهر الموالي لأداء المصاريف والتعويضات وهو من أهم ضمانات التي خولها المشرع للأطراف حتى يأخذ كل واحد منهما حقوقه.
ولجعل الصلح الاتفاقي هي الأصل نص المشرع على نهائية هذا الصلح المبرم بين الطرفين وعدم إمكانية الطعن في، إلا إذا تضمن تعويضات تقل عن التعويضات التي يضمنها هذا القانون. وهذا ما نصت عليه المادة 133 من القانون رقم 18.12.

المحور الثاني: الصلح القضائي
نظم المشرع في إطار القانون 18.12 كل ما يتعلق بالمسطرة القضائية في الباب الثاني من القسم الخامس منه، لذا استهل مواده بالإحالة بخصوص البث في النزاعات المترتبة عن تطبيق مقتضيات هذا القانون على القواعد الأحكام المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية باعتباره الشريعة العامة للمساطر والإجراءات القضائية، الأمر الذي يجعلنا نتساءل عن الحالات التي يمكن اللجوء فيها إلى المسطرة القضائية في (النقطة الأولى)، وعن الحالة التي يكون فيها المشغل غير مؤمن(النقطة االثانية)،
النقطة الأولى: شروط لجوء إلى الصلح القضائي
يتم اللجوء الى المسطرة القضائية بعد فشل محاولة الصلح، وهو ما نصت عليه المادة 138 من القانون رقم 18.12، وذلك بمقال إفتتاحي للدعوى يرفق وجوبا بنظير من النموذج الخاص بالتصريح بحوادث الشغل، ونظير من الملف الطبي للضحية ولائحة الأجر السنوي للضحية، وباقتراحات العروض التي توصل بها الضحية من طرف شركة التأمين مع ضرورة توضيح أسباب رفض العروض، وهذا هو توجه القضاء، إذ جاء في أحد الأحكام الصادرة عن المحكمة الابتدائية بوجدة عدم قبول الدعوى شكلا( )، لأن المصاب أو ذوي حقوقه لم ينهجوا مسطرة الصلح مع شركة التأمين المؤمنة للجهة المشغلة وهو إجراء إجباري على الأطراف مبشراته قبل القيام بالإجراءات القضائية وهو ما نص عليه الفصل 132 من القانون 18.12 وبذلك تكون المحكمة سايرت على ما هو منصوص عليه في القانون. كما قضت نفس المحكمة في حكم أخر بقبول الدعوى شكلا، لأن محاولة الصلح لم تؤدي إلى نتيجة لتمسك المدعى والجهة المشغلة بموقفها ولتخلف شركة التأمين رغم التوصل( )، وهذا يعني أن قبول الدعوى متوقف على إجراء صلح اتفاقي وإلا فإن الدعوى ترفض، وهذا دليل على رغبة المشرع في الاتجاه نحو إيجاد طرق بديلة لحل النزاعات كالصلح والتحكيم.
وفي نفس الإطار قضت محكمة الاستئناف بوجدة في أحد القرارات الصادرة عنها بقبول الدعوى حيث أن محاولة الصلح لم تؤدي إلى نتيجة لتمسك كل طرف بموقفه، وفي الموضوع صرحت بأن الحادثة التي تعرض لها المصاب تكتسي صبغة حادثة الشغل، وحكمت على الجهة المشغلة بأن تؤدي إلى المدعى إيرادا عمريا سنويا قدره 2574 درهم وشمل الحكم بالنفاد المعجل( ).
وإذا كان الصلح إجراء جوهري قبل سلوك المسطرة القضائية وهو ما أكدته المادة 138 من القانون 18.12، فإن الإشكال الذي يطرح في هذا الإطار إجراء الصلح يتم بمبادرة من شركة التأمين داخل أجل الثلاثين يوما من تاريخ الشفاء،أي أنه على الضحية انتظار توصله بهذه العروض قبل سلوك المسطرة القضائية، فماذا لو أن شركة التأمين لم تقدم له العروض فهل سيبقى الضحية ينتظر العروض التي قد تأتي أو لا تأتي، أم بمجرد انتهاء مدة ثلاثين يوما تعتبر بمثابة فشل محاولة الصلح؟
ما يمكن ملاحظته من خلال المسطرة القضائية أن هناك مجموعة من المقتضيات التي كان منصوص عليه في ظهير 1963 ثم حذفها في إطار القانون رقم 18.12 كالمقتضيات المتعلقة بالبحث والخبرة، فهل يمكن القول بأن إجراء الخبرة لم يعد مهم بعد أن أصبح تحديد نسبة العجز يتم باتفاق بين طبيب الضحية والطبيب المنتدب من طرف شركة التأمين، ما هو الإجراء في الحالة التي يتبين للضحية وجود تواطؤ بين طبيبه والطبيب المنتدب؟
لحماية الضحية من إمكانية تواطؤ طبيبه مع الطبيب المنتدب عمل المشرع على تجريم هذا الفعل وأفرد لها عقوبة تمثل في غرامة من 2000 درهم إلى 20.000 درهم وفي حالة العود إلى المخالفة خلال خمس سنوات تشدد العقوبة بغرامة من 4000 درهم إلى 40.000 درهم( ).

النقطة الثانية: الحالة التي يكون فيها المشغل غير مؤمن
لقد جاء قانون 18.12 بمستجد مهم يمكن المصاب من الاستفادة من مقتضيات هذا القانون، وهو إمكانية إبرام صلحا قضائيا بين المصاب بحادثة شغل أو ذوي حقوقه والمشغل غير المؤمن وذلك بالمحكمة الابتدائية المختصة من أجل تمكينهم من الاستفادة من المصاريف والتعويضات التي يضمنها هذا القانون، وهذا يعني إجراء صلحا قضائيا طبقا لأحكام قانون المسطرة المدنية.
ويهدف المشرع من وراء هذه الإمكانية حماية المصاب من خلال تمكينه من الحصول على التعويضات المستحقة له ولو بعد مدة. لأنه يبقى هاجس المشرع من خلال هذا المقتضي هو محاولة خلق توازن بين اطراف العلاقة الشغلية.

خاتمة
ومن خلال دراستنا لمسطرة الصلح في إطار القانون رقم 18.12 يمكن القول بأن الصلح الاتفاقي هو الطريقة الأصلية لحل النزاعات المرتبطة بحوادث الشغل، بحيث من خلاله هو المشرع خلق نوع من توازن في الحقوق بين الأجير المصاب والمشغل، غير أنه في حالة فشل الصلح وحتى لا تضيع حقوق المصاب أو ذوي حقوقه يتم اللجوء الى الطريقة البديلة وهي الصلح القضائي.
ويبقى الأمل الكبير في القضاء وجميع المتدخلين في مجال الشغل في تنزيله تنزيلا عادلا، بشكل يحمي الأجراء من الأخطار المهنية ويساهم في استقرار علاقات إرساء قواعد السلم الاجتماعي واستقرار العلاقات الشغلية، لأن الاجتهاد القضائي ينبه المشرع الى إعادة صياغة النصوص القانونية التي تتلاءم مع المستجدات التي يعرفه المغرب في مجال الشغل.