الشفافية الإدارية ومكافحة الفساد الإداري

1,235

الشفافية الإدارية ومكافحة الفساد الإداري
Administrative transparency & against administrative corruption
د. هشام عبد السيد الصافي محمد بدر الدين
جامعة حلوان

ملخص البحث: حظيت جهود ترسيخ النزاهة والشفافية الإدارية باهتمام كبير من جانب دول العالم في الآونة الأخيرة سواء على المستوى الوطني أو الإقليمي أو العالمي، والتي حرصت على تقرير تطبيقها في مختلف الأجهزة الحكومية للحد من تسرب وانتشار الظواهر السلبية والتي يعد أهمها واخطرها على الإطلاق ظاهرة الفساد الإداري، من خلال مساهمة الشفافية الإدارية في كشف مواطن الخلل التي تهدد الأجهزة الحكومية ومحاولة علاجها قبل أن تصل إلى تهديد كافة مناحي الحياة في الدولة من اقتصادية واجتماعية وثقافية.
Abstract: Efforts to establish administrative integrity and transparency have received great attention from the countries of the world recently, whether at the national, regional or global level, which has been keen to determine their application in various government agencies to reduce the leakage and spread of negative phenomena, the most important and most dangerous phenomenon at all Administrative, through the contribution of administrative transparency in the detection of glitches that threaten the government agencies and try to remedy before it reaches the threat to all walks of life in the state of economic, social and cultural.
الكلمات المفتاحية: النزاهة integrity – الشفافية الإدارية Administrative transparency – الفساد Corruption – السر في الوظيفة العامة The Secret to General Functionality.

مقدمة: تهتم كافة دول العالم بمكافحة الفساد منذ عقدين تقريبا ونتيجة لإبرام العديد من الاتفاقيات الدولية وتأثر العديد من دول العالم بأضراره التي تؤدى إلى تدهور المجتمعات من النواحي الإدارية والاقتصادية والسياسية، لما يمثله الفساد من انتهاك للقانون والخروج على القيم والقواعد الأخلاقية السليمة للمجتمع، وينقسم الفساد في أي مجتمع إلى فساد الحاجة Corruption of Need، وفساد الجشع Corruption of Greed، وتحت هاتين الصورين تظهر اشكال عديدة للفساد ومتنوعة منها الرشوة والمحسوبية والابتزاز والاكراه والاختلاس والتواطؤ علاوة على المحاباة أو التمييز وما يتضمنه ذلك من تهاون في تطبيق معايير الكفاءة واستبدال المعايير الموضوعية بمعايير شخصية؛ ولما كان الفساد ظاهرة متشعبة ومعقدة وتختلف وسائله في الزحف داخل المجتمعات وإعادة انتاج نفسه فإن سياسة مواجهته ليست باليسيرة، وفي هذا الإطار تتعدد الحلول التي تبنتها الدول لمكافحة الفساد بكافة اشكاله فبعض الدول تبنت وضع استراتيجيات وطنية لمئات من المقاييس الإدارية والقانونية لقياس مستوى الفساد في مختلف أنشطة الدولة للوصول إلى سبل لحصاره ومكافحته، ودول أخرى تبنت سياسة تهدف إلى تعزيز الشفافية والنزاهة وتعظيم المساءلة في النظام الإداري للدولة؛ بينما نجد دول آخري تبنت وضع خطط لتطوير البنية التشريعية ومواءمتها مع المعاهدات والاتفاقيات الدولية في هذا الشأن.
أهمية البحث: يعتبر الفساد وغياب الشفافية والنزاهة الإدارية ظاهرة متعددة الأوجه ذات ابعاد اقتصادية واجتماعية وسياسية، ويتعارض ويصطدم الفساد بعدد من المفاهيم منها الشفافية الإدارية:” التي يقصد بها توافر المعلومات التي تتعلق بالسياسات والنظم والقوانين والقرارات واللوائح لكافة المواطنين”، بالإضافة إلى المساءلة والتي يقصد بها:” مسئولية الموظفين عما يقترفونه من أعمال بالمخالفة للقوانين واللوائح والقرارات الإدارية”؛ ونظرا لأنه من مظاهر التخلف الإداري في الوطن العربي بشكل عام ما يتعلق بالشفافية في وجود نقص شديد في الإحصاءات والمعلومات حول النشاط الإداري للدولة وحتى إن وجدت تلك الإحصاءات تكون قديمة وغير دقيقة، مع اصطدام الشفافية الإدارية بما يطلق عليه السر الوظيفي، مما يحجم من فرص مكافحة الفساد لأنه لا مكافحة حقيقة للفساد دون وجود شفافية إدارية وبيانات دقيقة متوافرة بشكل دوري وعصري ومواكب مما يتيح المساءلة القانونية والشعبية للمسئولين ويضعهم تحت رقابة مستمرة تتيح منع الفساد الإداري أو على الأقل تقليل خطورته والحد منها.
إشكالية البحث: يثير البحث عدد من الإشكاليات المرتبطة بأسس وأليات مكافحة الفساد الإداري خصوصًا في الجانب التشريعي حيث يحاول البحث الإجابة على عدد من التساؤلات الهامة منها محاولة التعرف على مفهوم الشفافية الإدارية وحرية تداول المعلومات؟! وما هو الدور الذي يمكن أن تعلبه الشفافية الإدارية في مكافحة الفساد الإداري؟!، وما هو الحاجز الذي ستصدم به الشفافية الإدارية في النظم الإدارية المعاصر من اسرار وظيفية؟!، وهل اهتمت المواثيق الدولية والقضاء الدولي بالترسيخ للشفافية الإدارية؟!، وموقف مصر من الشفافية الدولية؟!، وما هي المتطلبات اللازمة لتفعيل الشفافية الإدارية في أي دولة من دول العالم ترغب في تبنيها؟!.
خطة البحث: سنحاول في هذا البحث الإجابة عن التساؤلات المثارة في إشكاليته من خلال خمس مطالب كالآتي:
المطلب الأول: ماهية الشفافية الإدارية.
المطلب الثاني: الموازنة بين الشفافية الإدارية والحفاظ على الأسرار الإدارية.
المطلب الثالث: دور الشفافية الإدارية في مكافحة الفساد الإداري.
المطلب الرابع: الشفافية الإدارية في المواثيق والقضاء الدولي وفي مصر.
المطلب الخامس: متطلبات تحقيق الشفافية الإدارية.

المطلب الأول: ماهية الشفافية الإدارية
تعتبر الشفافية الإدارية ( الحق في المعرفة والحصول علي المعلومة) الوجه الآخر لحرية الرأي والتعبير، فهو الماء اللازم لحرية الرأي والتعبير والذي إذا تأثر أو أختل تأثرت هذه الحرية بالتبعية، فحرية الرأي والتعبير وحرية الحصول علي المعلومة صنوان لا ينفصلان ومرتبطان ارتباط لزوم، فلا معنى لتقرير حرية الرأي والتعبير دون تقرير الحق في الحصول علي المعلومات، إذا لا يمكن تكوين العقيدة أو الفكر دون معلومات( )، وهو ما يحتوي ضمنيا على حق متلقي هذه الأفكار والآراء والمعلومات في وجود سبل ومنافذ تتدفق من خلالها، بعيدا عن التدخل من قبل الحكومة أو غيرها من الأفراد، فحرية التعبير لا تقتصر فقط على حرية الأفراد في التعبير عن آرائهم وإنما تشمل أيضا حق تلقي الآخرين لهذه الآراء المُعبر عنها في حرية( )، والمشكلة الحقيقية التي تواجه مكافحة الفساد هي أن أكثر المجالات التي يتم فرض قيود عليها هو مجال المعلومات الحكومية، فلا شك أن التوفيق بين حماية أسرار الدولة وحرية المعلومات والشفافية الإدارية كآلية لمكافحة الفساد مطلبان متناقضان غالبًا( ).
التطور التاريخي لمصطلح الشفافية الإدارية: إذا كانت الشفافية الإدارية من المصطلحات الحديثة علي مؤسسات الدول العربية بصفة عامة، إلا أن هذا المصطلح من المفاهيم الأساسية والراسخة في النظم الغربية، فمنذ تاريخ طويل ظهرت مطالب في دول العالم لفتح الباب أمام تدفق المعلومات في مجالي السياسة والاقتصاد، وقد تصدت السويد مبكرة لهذا الموضوع فأصدرت في عام ١٧٧٤ قانون خاص بالشفافية المعلوماتية؛ إلا أن الأمر استغرق بالنسبة لباقي دول العالم ما يقرب من قرنين من الزمان قبل أن تبدأ بلدان أخرى بأن تحذو حذوها، خصوصًا بعد الحرب العالمية الثانية والتوسع في البيروقراطية الحكومية في كثير من البلدان، وظهور الشركات المتعددة الجنسيات الكبرى والمنظمات الحكومية الدولية، التي يجعل لها من القوة ما يكفي لجعلها قادرة على حجب المعلومات عن الأفراد، وفي الوقت ذاته فإن الحرب الباردة التي سادت العالم أدت إلى ارتفاع درجة السرية في مجال الأمن الوطني؛ حتى جاء أبرز انتصار للشفافية الإدارية في القرن الماضي في صورة قانون حرية المعلومات في الولايات المتحدة الأمريكية الذي صدر في عام ١٩٦٦، ثم من بداية عام 1980 ظهر دور منظمات المجتمع المدني في الدفع لإصدار تشريعات تخص الشفافية الإدارية وحرية تداول المعلومات حيث قامت بنشاطات وحملات طالبوا فيها بالحصول على معلومات من المنظمات الحكومية الدولية ، وفي أواخر الثمانينيات بدأت مناقشة ظاهرة الفساد من خلال عرض آثاره الضارة في عدة بلدان مثل الفلبين، وبنجلاديش، والصين، البرازيل، وفنزويلا ، وكيفية مكافحته ، والتي ظهر أن أهم وسائل مكافحتها الشفافية؛ إلا أن الانفجار الحقيقي للشفافية كمطلب عالمي جاء في عام1990 ، بعد نهاية الحرب الباردة ، وانتشار المعايير الديمقراطية، وزيادة قوة ومنظمات المجتمع المدني، والارتفاع المتزايد في وسائل الإعلام المستقلة، كل ذلك أدى إلى تكثيف الضغوط على الحكومات للكشف عن المعلومات لمواطنيها، وفي عام ١٩٩٣ تم إنشاء منظمة الشفافية العالمية( Transparency International)، وهي منظمة غير حكومية تهدف إلى محاربة الفساد بكل أشكاله من خلال تعزيز الشفافية الإدارية، ونتيجة للإيمان بأن الفساد ينتهك حقوق الإنسان ويهدد جهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية( ).
مفهوم الشفافية الإدارية: الشفافية الإدارية هي المرادف لما يعرف الآن بالحق في المعرفة والحصول علي المعلومة والذي احتل مكانة كبيرة لدى منظمات المجتمع الدولي، وعلي الرغم من الاتفاق من الناحية النظرية بينهم علي أهمية الشفافية إلا أنه لا يوجد لها تعريف جامع شامل متفق عليه حتى الآن، فعرفت لغويا بأنها جاءت شف عليه الثوب يشف بالكسر (شفيفًا) أي رق حتى يري ما تحته وشفوفًا أيضا، وثوب (شف) بفتح السنين وكسرها أي رقيق و(الاشتفاق) شرب كل ما في الإناء وشفقه الهم أي هزله، وهى ترجمة للمصطلح الأجنبي ( Transparence) الذي يعنى الطريقة النزيهة في عمل الأشياء التي تكمن الناس في معرفة ما نقوم به بالضبط، أي ما يمكن الرؤيا من خلاله أو ما لا يمنع الرؤيا، وما لا يحجب أو يستر أو يمنع مثل الزجاج( )، وعرفها البعض فقهيًا بأنها:” المبدأ الذي يتيح للمتأثرين بقرار إداري أو تجاري أو خيري معرفة ليس فقط الحقائق الأساسية، ولكن معرفة آليات وإجراءات وأسباب اتخاذه”( )، وعرفها البعض الأخر بأنها: ” أن تعمل الإدارة العامة في بيت من زجاج كل ما به مكشوف للعاملين والجمهور، وذلك بأن تتضمن الأنظمة التي تعمل من خلالها الإدارة الوسائل اللازمة التي تكفل العلم والمعرفة للكافة بحقيقة أنشطتها وأعمالها بالإفصاح والعلانية والوضوح وبالتالي القدرة علي مساءلتها ومحاسبتها”( )، وعرفها جانب آخر بأنها:” وضوح التشريعات وسهولة فهمها، واستقرارها وانسجامها مع بعضها، وموضوعاتها، ووضوح لغتها، ومرونتها وتطورها وفقًا للتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والإدارية وبما يتناسب مع روح العصر، إضافة إلى تبسيط الإجراءات، ونشر المعلومات والإفصاح عنها وسهولة الوصول إليها بحيث تكون متاحة للجميع”( )، كما عرفها جانب أخر بأنها:” حرية تدفق المعلومات بحيث تكون العمليات والمعلومات في متناول المواطنين”( )، وعرفها جانب أخر بأنها:” أعلى قدر من إتاحة المعلومات المصرح بنشره سواء ذات الطابع الإيجابي أو السلبي بدقة فائقة، وفي الوقت الملائم، وبوضوح شديد للرأي العام؛ لدعم جميع القرارات العقلانية وردود الأفعال المنطقية تجاه المنظمة خلال خضوعها لعملية المحاسبة المجتمعية العامة لأعمالها، وسياساتها وقراراتها”( )، وعرفها جانب أخر بأنها:” استجابة الحكومة لحقوق المواطنين وغيرهم في الاطلاع علي المعلومات المتعلقة بأداء الحكومة وكيفية اتخاذ القرارات خاصة تلك التي لها علاقة بالشأن العام وتمس حياة المواطنين”( )، وعرفها البعض من خلال المجال المستخدمة فيه الشفافية بأنها:” بأنها حرية تدفق المعلومات معرفُة بأوسع مفاهيمها، أى توفير المعلومات والعمل بطريقة منفتحة تسمح لأصحاب الشأن بالحصول على المعلومات الضرورية للحفاظ على مصالحهم، واتخاذ القرارات المناسبة، واكتشاف الأخطاء، ومن الناحية السياسية تعنى الشفافية منظومة من الإجراءات التي تمكن الناس من ملاحظة تصرفات السياسيين؛ أما محاسبيًا فقد عرفت بأنها تلك الكشوف التي تستعمل وتستخرج المعلومات المطلوبة منها بسهولة؛ ومن الناحية المالية فقد عرفت بأنها إطلاع الجمهور على هيكل القطاع العام ووظائفه والنيات التي تستند إليها السياسات المالية العامة وحسابات القطاع العام والتوقعات الخاصة بالمالية العام”( ).
وهناك تعريف نري أنه جامع شامل لمفهوم لشفافية الإدارية، والذي عرفها بأنها:” التزام الإدارة بإشراك المواطنين في إدارة الشؤون العامة التي تمارسها الإدارة لصالح ولحساب المواطنين، مع الالتزام باتخاذ كافة الإجراءات والتدابير التي تضمن تزويد المواطنين بالبيانات والمعلومات الصادقة عن كافة خططها وأنشطتها وأعمالها ومشروعاتها وموازنتها ومداولاتها، وإعلان الأسباب الواقعية والقانونية الدافعة لها وتوضح طرق وإجراءات مساءلة الإدارة عن أوجه القصور أو المخالفة وإقرار حق عام بالاطلاع والوصول غير المكلف لمعلومات ووثائق الإدارة كأصل عام”( ).
مستويات الشفافية الإدارية: تعمل الشفافية الإدارية وفق مستويان الأول: يطلق عليه المستوى الذاتي، والثاني: يطلق عليه المستوى الشمولي، والمستوى الذاتي: يشمل على شفافية التشريعات والقوانين والإجراءات الإدارية، فيجب على الجهة الإدارية أن تعلن عن كافة القوانين واللوائح المعمول بها لكافة المواطنين والأفراد، ويجب تقييم الأداء لجميع الأفراد العاملين بالجهة الإدارية وبصورة منتظمة، ويجب أن يكون الاختيار والتعيين مبنى على أسس ومعايير واضحة وبعيدة عن الوساطة والمحسوبية والمحاباة، ويجب توضيح الحقوق والواجبات للعاملين وتوفير الآلية الواضحة للوصول إليها، هذا بالنسبة للشفافية في القوانين؛ بينما الشفافية في الإجراءات فتتطلب توعية المواطنين حول طبيعة مهام الجهة الإدارية والواجبات التي ينبغي على الموظف والمواطن القيام بها، ويجب الإعلان عن حالات الإبداع والتميز الخاصة بالعاملين بالجهة الإدارية، وحالات التجاوز والفشل حتى يكون دافع ورادع لكل العاملين بالجهة الإدارية؛ والمستوى الشمولي: يتطلب أجراء لقاءات بصورة دورية ومنتظمة بين الأجهزة المركزية المعنية بالإدارة والرقابة تسودها روح الحوار والمشاركة وتعرض فيها آليات التنسيق والمتابعة من أجل تسهيل عمل هذه الأجهزة وابتعادها عن المخالفات ومحاربة الفساد بأشكاله المختلفة، مع تأكيد التزام الدولة بالقانون وتطوير وتفعيل دور الأجهزة الرقابية والمحاسبية، وتقييم الأداء للقيادات الإدارية، مع انشاء مركز خاص بالمعلومات والتوثيق خاص بجمع وتوثيق كافة الوثائق الإدارية وجعلها في متناول الجميع( ).
المطلب الثاني: الموازنة بين الشفافية الإدارية والحفاظ على الأسرار الإدارية
الحرص علي سلامة كيان الدولة وحماية المواطنين يقتضي أحيانا الحفاظ علي سرية بعض الأعمال والأنشطة، وعدم الجهر بها أو الخوض في تفاصيلها، وإلا ضاع الهدف منها، أو قلت قيمتها نظرًا لما لها من طبيعة خاصة، بل وتعد السرية في هذه الحالة ” مفروضة” أو واجبة يجب علي الإدارة صيانتها وعدم الكشف عنها وإلا كانت مسئولة عن فضحها( )؛ إلا أن المجتمعات الحرة الديمقراطية تسعي بقدر الإمكان لإنهاء مجتمع السرية وتحقيق مجتمع الديمقراطية الإدارية، وذلك بإتاحة المعلومات للجميع وطرحها للحوار المجتمعي( )، وهو ما قررته محكمة الدول الأمريكية لحقوق الإنسان عندما قضت بأن: “من المهم بالنسبة للمواطن العادي أن يعرف آراء الآخرين، وأن يتمتع بالحق في اتاحة المعلومات بشكل عام، وخصوصا الحق في نقل آراءه للآخرين.. وقد انتهت المحكمة إلى أن المجتمع غير المُطلِع ليس مجتمع حر”( )، وسنحاول توضيح ما يمكن أن تصطدم به الشفافية الإدارية عند مواجهتها بالأسرار الإدارية. من خلال التعرف على مفهوم السر الوظيفي ونطاقه، للوصول لوضع
مفهوم السر الوظيفي: جاء السر في اللغة من مادة “سرر” هو ما اخفيت وكتمت وهو خلاف الإعلان ويستعمل في المعاني والاعيان والجمع اسرار قولك اسررت الحديث اسرارا أي احقيته، وقال تعالي:” وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَ”( )، وقيل السر ما تتكلم به خفاء، وأخفي منه ما ستفعله ولا يخطر ببالك، وقيل السر ما تتكلم به في خفاء وأخفي منه ما أضمرته في نفسك ولم تتكلم به، قيل السر ما أخفيت والجمع اسرار ورجل سري يضع الأشياء سرًا ، كالسر والجمع سرائر، والسيرة عمل السر من الخير أو الشر ، السر ما تكتمه وتخفيه، وما يسره المرء في نفسه من الأمور التي عزم عليها، والسر شيء مخبأ وبالنعيم حماية تغطى هذا الشيء، ويمكن أن ترتكز بالنسبة إلى من يعرف الشيء على تحظير افشائه للغير أو بالنسبة إلى من لا يعرفه على منع اكتشاف السر( )؛ أما المشرع لم يعرف السر الوظيفي أو يبين ماهيته، وخيرًا فعل فوضع تعريف للشيء في ثنايا القانون يصيب هذا التعريف بالجمود؛ وذلك علي الرغم من وجود رأي فقهي محل تقدير يري أن قوانين التي حرمت علي الموظف العام إفشاء السر الوظيفي لم تعتني بتعريف ما هو السر الوظيفي لكي تضيق من نطاق حرية الموظف العام في التعبير، وذلك بأن تستخدم جهة الإدارة هذا الحظر كسيف مسلط علي الموظف بأن تضفي صفة السرية علي أشياء لا تستحق السرية ( )، وتعريف السر مسألة تختلف باختلاف الظروف والأزمنة والأمكنة فما يعد سرًا بالنسبة لشخص قد لا يعد سرًا بالنسبة لشخص آخر وما يعد سرًا في ظروف معينة قد لا يعد سرًا في غيرها( )، وقد تصدي الفقه لتعريف السر الوظيفي فعرفه جانب من الفقه بأنه:” كل ما يعرفه الموظف أثناء أو بمناسبة ممارسة وظيفته أو بسببها وكان في إفشائه ضرر”( )، وعرفه جانب أخر من الفقه بأنه:” الواقعة التي يري القانون مصلحة في حصر العلم بها في شخص أو اشخاص محددين” ( )، وعرفه جانب ثالث بأنه: “واقعة أو صفة ينحصر نطاق العلم بها في عدد محدد من الأشخاص إذا كانت ثمة مصلحة يعتبر بها القانون في أن يظل العلم بها محصورًا في هذا النطاق”( ).
نطاق تطبيق السر الوظيفي( ): هو حظر عام يمتد ليشمل جميع التقارير والمحاضر والتحقيقات وبوجه عام وكافة الوثائق التي تحت يد الموظف، وهو ما أكده القضاء الإداري الفرنسي بأن الالتزام بالكتمان يشمل كافة الوقائع والمعلومات التي يقف عليها الموظف بسبب أو أثناء ممارسة وظيفته فضلًا عن جميع الوثائق التي تكون تحت يده باعتباره التزامًا عامًا مطلقاً، بل أن عمومية الحظر تمتد من الناحية الشخصية لتستغرق جميع من يتصل بهم الموظف، إذا يحظر عليه الإفشاء أو الكشف عن تلك الوثائق أو ما تنطوي عليه من معلومات أو بيانات حتى لأحد زملائه ولو كان يعمل معه في ذات مكتبه( )، كما لا يجوز له أن يفشي هذه الأسرار سواء في معرض التدليل علي موقف سياسي معين أو من خلال مناصرته لحزب سياسي معين أو حتى إبداء رأيه في موضوع عام مستخدمًا في ذلك المعلومات التي وصلت إلي علمه من خلال وظيفته، وهذا القيد واجب يلاحق الموظف داخل مقر عمله وخارجه علي حد سواء، وهذا الالتزام يجد اساسه في واجب التحفظ ( )؛ إلا أن البعض انتقد – بحق -هذا التوسع في مفهوم أسرار الدفاع القومي الذي من شأنه أن يمثل عائقًا يئد حرية التعبير وإبداء الرأي في مهدها بالنسبة للموظف العام سواء أكان في الخدمة أم خارجها تجعله يدور في حلقة من السرية شديدة الإحكام، كلما أفلت ذو الشأن من قيد تردي في شرك آخر جديد، مما يعيق الشفافية الإدارية ومراقبة أجهزة الدولة المختلفة من قبل الشعب( ).
كما يلاحقه أثناء الخدمة أو خارجها فهو واجب مستمر، لا يقتصر عن الفترة التي يمارس فيها الوظيفة العامة ( )، كما يشمل حظر إفشاء الأسرار الإدارية للدولة المعلومات المسموح بنشرها متى تم إذاعتها قبل الموعد المحدد للنشر لأن الإفشاء السابق للأوان من شأنه أن يضر بصورة أو بأخرى بالمصلحة العامة ( )، ولعل هذا ما دفع جانب من الفقه بالتعبير عن هذا الالتزام بقوله إنه التزام بالصمت المطلق ( ).
العلاقة بين الشفافية الإدارية والسر الوظيفي: المشكلة الحقيقية التي تواجه أي دولة أن أكثر المجالات التي يتم فرض قيود عليها هو مجال المعلومات، فلا شك أن التوفيق بين حماية أسرار الوظيفة وحرية تداول المعلومات الإدارية مطلبان متناقضان غالبًا ( )؛ إلا أن الدول تختلف في مدى إضفاء السرية على الأعمال الإدارية ومنع كشفها وإعلانها للعامة؛ بل يحرم الاقتراب منها علي حسب التقدم الحضاري تقسيم حكومات العالم في درجة اخفائها أو اظهارها لحقيقة المعلومات المتعلقة بنشاطها وإعلانها إلى ثلاثة أشكال من الدول( ):
الحكومة المغلقة: وتمثل الغالبية الساحقة من البلاد المتخلفة حيث يختفي الجانب الأكبر من المعلومات وراء جدران قائمة على الكتمان، فلا يسمع أحد عن بعضها ويسمع البعض الآخر فيظهر على هيئة بيانات خاوية من أي حق، ولا يعرف الناس من المعلومات إلا ما تريد له الحكومة أن يعرفه، وفي البلاد الشيوعية تبلغ السرية ذروتها فتحجب الحقائق عن عامة الشعب ويصل الأمر إلى حد إعداد نوعين من الإحصائيات، نوع مزور يجهز للاستهلاك المحلي وينشر على المواطنين لتوجيههم وجهة معينة قررتها الحكومة ( ).
الحكومات شبة المفتوحة: هي الحكومات التي تقوم بإتاحة المعلومات بعد عرضها على الحكام وكبار المسئولين ليحددوا القرارات المتعلقة بسرية موضوع البيانات التي يمكن تداولها، ويمثله في ذلك الاتجاه الأمريكي الذي يعمل علي نشر المعلومات بطريقة تبعث على التفاؤل والأمل العريض بالنسبة للمواطنين( )؛ إلا أن هذه الدول تختلط فيها السرية المستخدمة لحماية الأمن الوطني بالسرية المستخدمة لتعزيز النفوذ السياسي والبيروقراطي مما يؤدي إلي نمو السرية علي نحو يصبح معه نظام حماية السرية بدافع الأمن الوطني أكثر تعقيدًا، مما يسمح بفرصة تسريب المعلومات السرية بصورة غير ظاهرة فتصبح المعلومات السرية فعلاً عرضة للتسريب بمعرفة القيادات العليا، بهدف تحقيق مصالحهم الشخصية، وهذا الأمر يشجع علي عدم احترام نظام تصنيف المعلومات السرية، كما أنه يقوض مصداقية سياسة تصنيف المعلومات وغيرها من القيود المفروضة علي الحق في الوصول إلي المعلومات، وبالتالي عدم القدرة علي التمييز بين السرية المفروضة لحماية الأمن الوطني والسرية غير الضرورية التي ليس لها مبرر( ).
الحكومات المفتوحة: وهى دول تسعي بقدر الإمكان لإنهاء مجتمع السرية وتحقيق مجتمع الديمقراطية الإدارية، وذلك بإتاحة المعلومات للجميع وطرحها للحوار المجتمعي( )، فالحكومة المفتوحة تعرف بمدى افصاحها ونشرها المعلومات وحجمها والوسائل والطريقة التي تنشر بها المعلومات فيما إذا كانت الكترونيًا أو غير ذلك ومدى استجابة الحكومة لطلب المعلومات غير المنشورة سواء من المواطنين أو وسائل الإعلام وغيرها- ويقاس مدى التزام الدول بالإفصاح ونشر المعلومات وتسهيل الوصول إليها بإصدار القوانين المتعلقة بالإفصاح ونشر المعلومات – هذه العوامل تحدد مدى اهتمام الحكومة بالانفتاح علي مواطنيها ومشاركتهم كافة المعلومات التي تتعلق بشئونهم وحياتهم لتبرهن الدولة أنها تعمل لمصلحة مواطنيها، وتريد أن تكسب ثقتهم فعليها أن تثبت ذلك من خلال نشرها كل ما يمكن نشره عن قراراتها ومشاريعها وميزانياتها ومواردها ونتائج سياساتها وأعمالها وتوقعاتها المستقبلية – والأسباب التي بنت عليها قراراتها وبالتالي تأثير وعواقب تلك القرارات خاصة ما يتعلق بالشئون الحياتية والمعيشة والتنموية للمواطنين، وتعد أغلب حكومات دول الاتجاه الأوربي من هذه الحكومات حيث تقوم بنشر المعلومات بصراحة وموضوعية وشرف رغم ما قد تتضمنه من مصاعب أو مشاكل أو اخبار غير سارة( ).
المطلب الثالث: دور الشفافية الإدارية في مكافحة الفساد الإداري
هناك دور كبير يمكن أن تلعبه الشفافية الإدارية في مقاومة الفساد الإداري سواء في الوقاية منه أو في مرحلة حصاره وتقليل فرص ظهوره حتى يكون ظهوره في حالات نادرة، فمن خلال الشفافية يمكن للمواطنين الرقابة علي أداء الحكومة إذا توافرت لديهم المعلومات اللازمة للقضية محل الخلاف أو المسألة محل الاهتمام، وتعتبر الرقابة علي أداء الحكومة هي الخطوة الأولي التي يقوم بها المواطنون في حالة توافر المعرفة اللازمة لذلك، ثم تبدأ مساءلة الإدارة عن التقصير الذي تم، فتبادل المعلومة بين الحكومة والمواطنين والعكس هي مسألة حيوية بالنسبة للمواطنة المسئولة والحكومة المتجاوبة، وبدون إتاحة المعلومة في وقت مناسب وتقديمها بشكل يمكن فهمه، فيكون من المستحيل علي المواطنين أن يتخذوا مواقف فعالة( )، فالشفافية الإدارية من خلال إعلان القطاعات الحكومية عن أنشطتها التخطيطية والتنفيذية يؤدي لكشف مواطن الخلل والفساد في الأجهزة الإدارية وكشف العلاقات المشبوهة بين متخذي القرار أو منفذيه، وبين أصحاب المصالح المشبوهة، وبالتالي يؤدي إلي تفعيل أدوات المساءلة المناهضة للفساد الإداري من خلال سلطات الدولة الثلاث، ومن خلال الإعلام، نهاية بالمواطن، وبالتالي انعدام الشفافية يؤدي إلي تغلغل الفساد الإداري علي حساب المصلحة العامة( )، فالعلاقة بين الفساد والشفافية هي علاقة عكسية، فكلما زاد الفساد قلت الشفافية، وكلما زادت معايير الشفافية في العمل الإداري قلت نسبة الفساد، فهناك علاقة عضوية بين المحاسبة والشفافية، فالشفافية لا يمكن أن تكون هدفًا بحد ذاته وإنما هي وسيلة من الوسائل التي تساعد في عملية المساءلة والمحاسبة، كما أن المساءلة والمحاسبة لا يمكن أن تتم بصورة مناسبة وفاعلة دون ممارسة الشفافية( )، ومن هنا تكون الشفافية الإدارية الوجه المكمل لآليات مكافحة الفساد الإداري وذلك من خلال تفادي اخطار السرية والجرائم التي قد ترتكب تحت غطاء السرية( ).
أهمية الشفافية الإدارية: تظهر أهمية الشفافية الإدارية كأداة رئيسية في مكافحة الفساد الإداري إلى الفوائد التي تعود علي الدولة والمجتمع من تطبيقها والتي تتمثل في الآتي:
1- تحقيق المصلحة العامة فغياب الشفافية في بعض التشريعات والقوانين وعدم وضوح النصوص بهذه التشريعات والأنظمة، يعتبر سببًا رئيسيًا للاجتهادات الشخصية وبشكل لا يخدم المصلحة العامة.
2- توفير النجاح والاستمرارية لأية جهة تريد مكافحة الفساد بكل أشكاله، وخاصة أن وجود الأنظمة يعتبر من الأشياء المهمة، غير أن عدم وضوح أحكام وبنود هذه الأنظمة يؤدى إلى ظهور بعض أشكال الفساد الإداري، لذلك فإنه من أجل مكافحة الفساد لا بد من وجود الشفافية الإدارية.
3- المساعدة في اتخاذ قرارات إدارية صحيحة، ذلك أن عدم المراجعة الدورية للقوانين والأنظمة بشكل واضح وبشكل يواكب المستجدات العصرية في بيئات الأعمال يترتب عليه اتخاذ قرارات إدارية سريعة وغير سليمة ولا تستند إلى المرجعية العلمية الأمر الذي يعرقل عمليات التنمية الإدارية والشاملة كذلك، فلابد من وجود الشفافية داخل التنظيمات الإدارية.
4- تسهيل جذب الاستثمارات وتشجيعها ذلك أن انعدام الشفافية في الأنظمة والقوانين وفى الممارسات الإدارية، له آثار سلبية على الاستثمارات من حيث إعاقة وعرقلة المشاريع، فتعقيد الإجراءات وعدم وضوح الأنشطة والتشريعات يترتب عليه تراجع الاستثمارات بدلاً من تشجيعها لأنها، أداة رئيسية في تحقيق التنمية الإدارية، لذلك لا بد من الشفافية لتسهيل جذب الاستثمارات وتشجيعها( ).
5- تؤدي الشفافية الإدارية إلى تقليل الغموض والضبابية عن التشريعات والعمل الإداري، وتلبية حقوق العامة في المعرفة من خلال مشاركتهم في المعلومات، وتسهيل عملية تقييم الأداء.
6- تحقيق الديمقراطية والمساءلة وضمان نجاحها. ( ).
7- إقرار الشفافية الإدارية يترتب عليه توفير الوقت والتكاليف والجهد، وتجنب العشوائية والفوضى في تقديم الأعمال، كما يؤدي إلى تطوير وظائف الوحدات الإدارية المتخصصة وتحولها إلى فرق عمل تقوم بأداء وظائفها بشكل أوضح وأكثر شفافية؛ لأن الجهود المبذولة هي جهود مشتركة لكل أفراد الوحدة الإدارية.
8- تأتي الإدارة بالشفافية كأحد أهم أركان مقومات ومحاور نجاح التنمية المستدامة، لأنها توفر العمل في بيئة تتسم بالشفافية التامة فتؤدي إلى جودة الأداء البشري والمؤسسي وبالتالي المصداقية الإفصاح الوضوح المشاركة الشفافية.
10-تعمل الشفافية على المشاركة في اتخاذ القرارات، وتسمح بتوعية المواطنين واطلاعهم على الخيارات المتاحة، وتحقق العدالة في تقييم أداء العاملين والوصول إلى ما يعرف بالنظام المفتوح، إضافة إلى كونها آلية لتحقيق المساءلة.
11-تحارب الشفافية الفساد بكافة صوره وأشكاله، حيث أن شفافية التشريعات وعدم قابليتها للتأويل يساعد في منع الانحراف، ويحد من إمكانية اختراقها، كما أن شفافية التشريعات تساعد في إزالة المعوقات، وتبسيط الإجراءات، الأمر الذي يمكِّن من زيادة الكفاية والفعالية.
12-تحقق الشفافية النزاهة للموظف، والابتعاد عن الاجتهاد الشخصي في تفسير القوانين والأنظمة، والتوسع في اللامركزية وبساطة الهيكل التنظيمي للمؤسسات وسهولة إيصال المعلومات من القمة للقاعدة والتغذية العكسية، وبالتالي فإن وجود تشريعات واضحة وشفافة يؤدي إلى تنمية الثقة لكافة فئات المجتمع والحفاظ عليها.
13-إن الشفافية مطلوبة في المنظمات الإدارية فيما بين القيادات مع بعضهم البعض من جهة وبين القيادات والعاملين تحت إدارتهم من جهة أخرى وذلك حتى لا تكون المنظمة غامضة في توجهاتها مما يقلل من روح الانتماء لها، لذا فالمكاشفة وإيضاح المعلومات بين القيادات العاملة يعزز دور الولاء لدى العاملين ويزيد من إنتاجيتهم حين يعرفون كل شيء عنها باعتبار أنهم جزء من هذه المنظمة.
14-الشفافية الإدارية وسياسة الانفتاح على العاملين والمشاركة وتوافر المعلومة تجعل العاملين أكثر إيمانًا بقدرتهم على التأثير في نتائج الأعمال، ويتحول اهتمامهم من التركيز على تحقيق حاجات الأمان والتقدير الذاتي إلى الاهتمام بالأداء والإنتاج.
15-تسهم الشفافية الإدارية في نجاح خطط التطوير والتغيير حيث يواجه قادة المنظمات العديد من التحديات التي تقاوم مسعاهم في إحداث التغيير المنشود، ولضمان مشاركة العاملين ينبغي إقناعهم بمضامين التغيير ودواعيه، ولهذا فإن الإدارة التي تتبنى مبدأ الشفافية الإدارية وتعلن عن سياساتها وخططها تكون بذلك قد قلصت من الطاقات السلبية التي يبذلها العاملون في مقاومة التغيير وحولتها إلى نواتج إيجابية.
16-تعزز الشفافية الإدارية الرقابة الذاتية حيث يتمتع الأفراد العاملون في التنظيمات الإدارية المطبقة لمفهوم الشفافية الإدارية باستقلالية أكثر أثناء قيامهم بواجباتهم الوظيفية، فكل شيء واضح لدى العاملين ولديهم من الصلاحيات ما يكفي لاتخاذ القرارات الخاصة بنطاق عملهم ضمن قواعد العمل وأنظمته، وهذا يعزز الرقابة الذاتية بدلا من الرقابة الإدارية المستمرة، وبالتالي تغيير الثقافة التنظيمية السائدة فيتكون لدى العاملين اتجاهات إيجابية يترتب عليها تقديم خدمات ذات جودة عالية للمواطنين مع ضرورة التعامل معهم بشفافية عالية خالية من التعقيد والروتين.
17-تساعد على اختيار القيادات الإدارية التي تتصف بالموضوعية والنزاهة والانتماء والولاء لمؤسسات الدولة والصالح العام ( ).
18- يساعد الوضوح والشفافية في العمل الإداري جهة الإدارة في تكوين قاعدة بيانات ومعلومات تكون بمثابة ذاكرة ومرجع لها يضمن خلاصة تجارب سابقة تستطيع من خلال الرجوع إليها الوصول إلي أفضل الحلول لما يواجهها من مواقف مما يحقق للإدارة أهدافها بسهولة ويسر وفاعلية، فهي إذا ضرورة لرفع كفاءة الجهاز الحكومي في الدولة، وتحسين أدائه وتفعيل مشاركة المواطنين مع الحكومة باعتبارهم أصحاب حق، أي تقوية مفهوم السلطة العامة علي أساس من الاقتناع والتفاهم المشترك بينها وبين الأفراد، الشفافية والثقة مترابطتان دائما فبدون الشفافية الشعب لا يصدق ما يقوله قادته، فالكثير من الشعب اعتاد علي الشعور بأن الحكومة تخفي أشياء عنهم مما يولد لديهم الشعور بعدم الثقة تجاه حكومتهم ( ).
19-ستدفع الشفافية جهة الإدارة لعمل تقييم ذاتي لأعمالها وقراراتها بصفة مستمرة حتى لا تتعرض للنقد (أي لتفادي النقد)، وبالتالي زيادة القيمة الفعلية لجهة الإدارة، إضافة إلى تقليل التكاليف التي تنفق على كفالة سرية المعلومات ( ).
20-ضمانة لكفالة حق الدفاع فهي تيسر للموظفين بالجهاز الإداري للدولة وخصوصا المسئولين منهم سبل تحقيق دفاعهم، وتمكنهم من دفع الريب عنهم، وتفنيد أدلة الاتهام التي تحيط بهم، مما ييسر المهمة لهم أمام القضاء ( ).

المطلب الرابع: وضع الشفافية الإدارية في المواثيق والقضاء الدولي وفي مصر
تتسابق الدول في إصدار قوانين تنظيم تدفق المعلومات حيث أصدرت ما لا يقل عن 86 دولة من دول العالم قوانين تنظم حرية تداول المعلومات؛ إلى ثلاثة أسباب: السبب الأول: ارتفاع المطالب بالديمقراطية التشاركية حيث أن الشعوب لم تعد تكتفي بتقبل الحكم الصادر من الأعلى، السبب الثاني: التكنولوجيا التي جعلت المعلومات أقرب بكثير مقارنة بحالها في الماضي، السبب الثالث: العولمة التي تزيد باستمرار من وعي الأشخاص بأوضاع غيرهم ممن يعيشون في مناطق آخري من العالم، مما يجعلهم يسعون لأن يتمتعوا بما يتمتعون به من حقوق( )، وسنحاول أن نوضح فيما يلي التنظيم القانوني للشفافية الإدارية في المواثيق والاتفاقيات الدولية وفي تطبيقات القضاء الدولي وفي مصر.
التنظيم القانوني للشفافية الإدارية في ظل الاتفاقيات والمواثيق الدولية: بدأت تظهر فكرة الشفافية الإدارية والحق في الحصول على المعلومة بداية من الدورة الأولي للأمم المتحدة عام 1946 عندما صدر القرار رقم (59/ 1) لينص على أنه: “لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة. وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود”، ثم جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948 لينص في المادة (19) منه علي أن:” لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقصاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون التقيد بالحدود الجغرافية”، وقد ورد النص علي ذات الحق في المادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر سنة 1966 والذي صادق عليه ما يزيد عن 150 دولة من بينهم غالبية دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا علي إن:” 1 – لكل شخص الحق في اعتناق الآراء دون مضايقة.2 – لكل إنسان الحق في حرية التعبير، ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين دونما اعتبار للحدود, سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها”، كما أنه يفهم من المادة (8، 9) من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد حث الدول على تدعيم منظومتها الوطنية لنزاهة والشفافية ومحاربة الفساد وفقا للمبادئ الأساسية لنظام الدول القانوني( ).
وعلى الرغم من أن فكرة حرية تداول المعلومات٬ كما هي مفهومة في الوقت الراهن٬ لم يكن قد تم الاعتراف بها ً في وقت إقرار الإعلان العالمي والعهد الدولي٬ أدت التطورات اللاحقة إلى الاعتراف بهذا الحق باعتباره متضمنا صياغة الضمانات الدولية للحق في حرية التعبير٬ وعلى وجه التحديد الحق في “استقاء” و”تلقي” المعلومات والأفكار، وقد أبرز مقرر الأمم المتحدة الخاص لحرية الرأي والتعبير توضيح نطاق الحق في حرية التعبير بموجب القانون الدولي. ففي تقريره السنوي لعام ٬1998 ذكر المقرر الخاص: “إن الحق في ً استقاء المعلومات وتلقيها ونقلها يفرض التزامًا إيجابيا على الدول لضمان الوصول إلى المعلومات٬ وخاصة فيما يتعلق بالمعلومات التي تحتفظ بها الحكومة بجميع أنواع التخزين ونظم الاسترجاع”، فالحق في الحصول على المعلومات التي تحتفظ بها السلطات العامة هو حق أساسي من حقوق الإنسان ينبغي أن يدخل حيز التنفيذ على المستوى الوطني من خلال التشريع الشامل (على سبيل المثال قوانين حرية الإعلام)، و على أساس مبدأ الكشف لأقصى٬ مما يؤسس الافتراض أن جميع المعلومات يمكن الحصول عليها ما عدا نطاق ضيق من الاستثناءات ( ).
وقد وافقت اللجنة الأمريكية لحقوق الإنسان على، إعلان البلدان الأمريكية لمبادئ حرية التعبير وهي الوثيقة الرسمية الأشمل حتى الأن في مجال حرية التعبير في منطقة البلدان الأمريكية والتي تعترف صراحة بحرية تداول المعلومات فنصت في الفقرة الرابعة منها على أن: ” يشكل الحصول على المعلومات التي تحتفظ بها الدولة حقًا أساسيًا لكل فرد، وتلتزم الدولة بضمان الممارسة الكاملة لهذا الحق ويسمح هذا المبدأ فقط بقيود استثنائية يجب أن يحددها القانون مسبقا، في حالة وجود خطر حقيقي وشيك يهدد الأمن القومي في المجتمعات الديمقراطية”( ).
التنظيم القانوني للشفافية الإدارية في ظل القضاء الدولي: جاء الاعتراف الرسمي بحرية تداول المعلومات من قبل المحاكم الدولية بعد ذلك بقليل، وكانت أولى هذه المحاكم هي محكمة الدول الأمريكية لحقوق الإنسان٬ في قضية كلود رييس وآخرين ضد شيلي عام 2006 ففي القضية قضت المحكمة صراحة أن الحق في حرية التعبير٬ المنصوص عليه في المادة (13) من الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان يضمن الحصول على المعلومات وفى نطاق وضعها لهذا الحق وطبيعته وذكرت المحكمة: ” فيما يتعلق بوقائع القضية الحالية ترى المحكمة أن المادة 13 من الاتفاقية٬ التي تكفل صراحة حقي “استقاء” و”تلقي” المعلومات”، تحمي حق كل شخص في طلب الحصول على المعلومات الواقعة تحت سيطرة الدولة٬ مع الأخذ بالاستثناءات المعترف بها في ظل نظام من القيود المفروضة في الاتفاقية، وبالتالي فإن المادة المذكورة تشمل حق الأفراد في الحصول على المعلومات المعنية والتزام الدولة الإيجابي بتوفيرها٬ بطريقة تمكن الشخص من الوصول من أجل معرفة المعلومات أو الحصول على إجابة تستند إلى حجج سليمة حينما يجوز للدولة الحد من الوصول إليها في حالة معينة لسبب معترف به في الاتفاقية، وينبغي توفير هذه المعلومات من دون الحاجة إلى إثبات مصلحة مباشرة أو صلة شخصية من أجل الحصول عليها٬ إلا في الحالات التي يُطبق فيها التقييد المشروع”( ).
في حين نجد أن المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان كانت أكثر تحفظَا من المحكمة الأمريكية لحقوق الإنسان عندما فست المادة (10) من الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان بأنها لا تحتوى صراحة على حق الحصول على المعلومة ففي قضية ليندر ضد السويد وجاسكين ضد المملكة المتحدة، جوير وآخرين ضد إيطاليا فقضت بأنه:” لا يوجد التزام إيجابي على الدولة في جمع المعلومات وبثها إلى الجمهور، وبالتالي لا ترى المحكمة أن هناك انتهاك وقع ضد المدعيين في حرمانهم من حق الحصول على المعلومة”؛ إلا أن المحكمة لم تغلق الباب أن رأيها هذا يمكن أن يتغير في قضايا آخري مستقبلًا باستخدامها عبارة في ظروف القضية الحالية” In Curcumstances of The Present Case”( )؛ إلا أن المحكمة الأوربية تبنت وجهة نظر جديدة في قضية خاصة بالحق في الحصول على المعلومات الصحية وهى القضية المسماه: Open Door Counseliny,Dublin well women Center and Other v.Ireland عندما طعن أصحاب القضية ضد قرار المحكمة الإيرلندية بتأكيد قرار الحكومة برفضها تزويدهم بمعلومات عن أين يتم السماح بالإجهاض القانوني خارج إيرلندا، فوازنت المحكمة الأوربية في هذه القضية بين طلب المعلومات ومصلحة الدولة في حماية الشعور الديني، وحق الجنين في الحياة وقضت بإلغاء قرار المحكمة الإيرلندية لأن المنع جاء مطلقا دون استثناءات كضرورة المعرفة المسبقة عن سن التي ترغب في الإجهاض، والسبب الدافع لها للإجهاض، وهكذا من المعلومات الضرورية والتي تختلف من حالة إلى أخرى( ).
كما قررت المحكمة العليا في الهند عام 1982 ذات الاتجاه في حكمها بأن: ” الوصول إلي المعلومة الحكومية هو جزء جوهري من الحق الأساسي لحرية التعبير وإبداء الرأي وأن الحكومة المفتوحة هي بمثابة انبثاق من الحق في المعرفة والذي يبدو مفهوماً ضمنياً من حق حرية التعبير والرأي، وبالتالي فإن الكشف عن المعلومات المتعلقة بأداء الحكومة يجب أن يسود وأن التكتم هو الاستثناء لا مبرر له إلا عندما تستدعي اقصي متطلبات المصلحة العامة ذلك ، ويجب أن تكون منهجية المحكمة تقليل مجال السرية بقدر الإمكان بما يتوافق ومتطلبات المصلحة العامة مع الأخذ في الاعتبار دائماً أن الكشف يخدم جانباً هاماً من المصلحة العامة”( ).
التنظيم القانوني للشفافية الإدارية في التشريع المصري: غرس الاحتلال البريطاني البيروقراطية في ضمير الإدارة المصرية منذ زمن طويل، والتي من مقتضاها أن تدعيم سلطة الإدارة واستقلالها لن يتأتى إلا من خلال السير في دائرة السرية، التي تمثل للجهاز الإداري نوعا من الحماية؛ وهو ما ظهر انعكاسه في العلاقة الموجودة بين الإدارة والمواطنين في حق زمنية مختلفة، فالإدارة سلطتها قائمة علي الإجبار، والمواطنين في نظرها ليس لهم سوى الامتثال لأوامرها ونواهيها، كما أن ملفات الإدارة ووثائقها تمتلكها الإدارة ملكية الخاصة فلا يجوز لأحد من المواطنين المساس بها أو الاقتراب منها ( )، فدرجت الإدارة فيها تحت ستار حسن الفاعلية وعدم إعاقة نشاطها وتحقيق استقلالها بإحاطة أعمالها بسياج من السرية التامة، فظلت ترفض إبلاغ أو إطلاع أي شخص علي ما تحت يدها من وثائق ومستندات وملفات، بل وما سجلته من بيانات ذات طبيعة شخصية وكذا الإفصاح عن الاعتبارات الواقعية والقانونية التي دفعتها إلي إصدار القرار كما لو كانت مثل الأفراد لها حياتها الخاصة( )، وعلى ذلك فهي تري أن على المواطنين أن يتلقوا فقط المعلومات التي ترى هي أنهم بحاجة إليها أو أنهم يستحقونها أو يمكن أن تحقق لهم منفعة أو تدفع ضررا، وبعبارة أخرى اعتبرت الدولة نفسها “الولي والوصي على المواطنين”( ).
فهناك ترسانة ضخمة من القوانين والقرارات المصرية التي تقيد تدفق المعلومات وتصادر حق المواطنين في الحصول عليها، ومن هذه القوانين القانون رقم 96 لسنة 1996 بشأن تنظيم الصحافة، وقانون المطبوعات والنشر رقم 20 لسنة 1936، وقانون العقوبات رقم 57 لسنة 1937 وتعديلاته، والقانون رقم 121 لسنة 1975 الخاص بحظر استعمال أو نشر الوثائق الرسمية، والقانون رقم 35 لسنة 1960 بشأن الإحصاء والتعداد، والقانون رقم 313 لسنة 1956 المعدل بالقانون 14 لسنة 1967 بحظر نشر إيه أخبار عن القوات المسلحة، وقانون المخابرات العامة رقم 100 لسنة 1971، وقرار رئيس الجمهورية رقم 472 لسنة 1979 بشأن نظام المحافظة على الوثائق الرسمية للدولة وأسلوب نشرها واستعمالها، والقرار الجمهوري رقم 1915 لسنة 1964 بإنشـاء الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، وقانون الخدمة المدنية 81 لسنة 2016. هذه القوانين والقرارات منحت العديد من الجهات الحكومية الحق في التنصل من حق المواطن في الحصول على المعلومة، بمنحها العديد من الاستثناءات المطاطة التي يمكنها من خلالها أن تتنصل من هذا الحق، بل وحظرت هذا الحق مطلقًا بالنسبة لجهات حكومية معينة؛ وهو ما لا يتوافق مع مكانة مصر باعتبارها من أوائل الدول العربية والدول النامية السابقة في مجال وضع التشريعات والقواعد المتصلة بالمراقبة والمحاسبة والمساءلة والعقاب، فهي من أوائل الدول التي وافقت ثم صادقت على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عام 2004، واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد عام 2005، وأصبحت عضوا مؤسسا لمجموعة العمل المعنية بالإجراءات المالية للشرق الأوسط وأفريقيا التي أنشئت في عام 2004 ( ).
وقد ظهر توجه مصر نحو الشفافية الإدارية وحرية تداول المعلومات جليا في الدستور المصري الحالي الصادر في عام 2014 الذي ورد به نص صريح عن الشفافية الإدارية وهو نص المادة(68) منه الذي جري نصها على أن:” المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب، والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة، حق تكفله الدولة لكل مواطن، وتلتزم الدولة بتوفيرها وإتاحتها للمواطنين بشفافية، وينظم القانون ضوابط الحصول عليها وإتاحتها وسريتها، وقواعد إيداعها وحفظها، والتظلم من رفض إعطائها، كما يحدد عقوبة حجب المعلومات أو إعطاء معلومات مغلوطة عمدًا. وتلتزم مؤسسات الدولة بإيداع الوثائق الرسمية بعد الانتهاء من فترة العمل بها بدار الوثائق القومية، وحمايتها وتأمينها من الضياع أو التلف، وترميمها ورقمتنها، بجميع الوسائل والأدوات الحديثة، وفقًا للقانون”( )، هذا النص الدستوري الذي جاء استجابة ومواكبة للتغيرات العالمية في مجال حرية تداول المعلومات والشفافية الإدارية كآلية من آليات مكافحة الفساد.
التنظيم القانوني للشفافية الإدارية في القضاء المصري: جاء تطبيقًا لأحكام القضاء الدستوري المصري التي رسخت بأحكام بليغة لهذا الحق وهذه الحرية باعتبارها من الحريات المرتبطة بحرية الرأي والتعبير؛ فمنذ أكثر من عقدين من الزمان قضت المحكمة الدستورية المصرية في أحد أحكامها بأن :”الدستور لا يرمي من وراء ضمان حرية التعبير، أن تكون مدخلًا إلى توافق عام، بل بصونها أن يكون كافلًا لتعدد الآراء Plurality of opinions وإرسائها على قاعدة من حيدة المعلومات neutrality of information ، ليكون ضوء الحقيقة منارًا لكل عمل، ومحددا لكل اتجاه – ذلك أن حرية التعبير التي تؤمنها المادة (47) من الدستور، أبلغ ما تكون أثرًا في مجال اتصالها بالشئون العامة”( )، في طعن أخر قدم لها علي نصوص قانون الجمارك تحدثت فيه عن ضرورة الالتزام بإقرار مبدأ الشفافية عند وضع القانون: “وكان النص الطعين قد خوّل مصلحة الجمارك الحق في مطالبة صاحب البضاعة بالمستندات المتعلقة بالسلع المستوردة، دون أن يلزمها بالتقيد بالبيانات التي تضمنتها هذه المستندات، أو يلزمها بالإفصاح عن مبرراتها في الالتفات عنها، أو الوسائل التي اتبعتها في التوصل إلى القيمة الحقيقية للبضائع المستوردة، بما يجعل اطراحها هذه المستندات قرارًا صريحًا إن أفصحت عن ذلك استقلالًا، أو ضمنيًا بقرارها بتقدير قيمة البضائع المبنى على هذا الاطراح، وهى نتيجة تناقض ما تقتضيه ضرورة الالتزام بالشفافية في التعرف على أسس تقدير وعاء الضريبة، ومن ثم مقدارها، للتحقق من توافر الشروط الموضوعية التي تنأى بالضريبة عن التمييز، وتكفل ضمانة الخضوع لشرط الحماية القانونية المتكافئة التي كفلها الدستور للمواطنين جميعًا”( )، وفي إطار تصدى القضاء الدستوري لتوضيح أهمية الشفافية الإدارية فقد تناولها في إطار تناول دور منظمات المجتمع المدني وأهميتها في ترسيخ كل المفاهيم التي تحقق الشفافية الإدارية ومكافحة الفساد الإداري عندما قضت بأن:” إن منظمات المجتمع المدني، هي واسطة العقد بين الفرد والدولة، إذ هي الأمينة بالارتقاء بشخصية الفرد بحسبانه القاعدة الأساسية في بناء المجتمع، عن طريق بث الوعى ونشر المعرفة والثقافة العامة، ومن ثم، تربية المواطنين على ثقافة الديمقراطية والتوافق في إطار من حوار حر بناء، وتعبئة الجهود الفردية والجماعية لإحداث مزيد من التنمية الاجتماعية والاقتصادية معًا، والعمل بكل الوسائل المشروعة على ضمان الشفافية، وترسيخ قيمة حرمة المال العام، والتأثير في السياسات العامة، وتعميق مفهوم التضامن الاجتماعي، ومساعدة الحكومة عن طريق الخبرات المبذولة، والمشروعات الطوعية على أداء أفضل للخدمات العامة، والحث على حسن توزيع الموارد وتوجيهها، وعلى ترشيد الإنفاق العام، وإبراز دور القدوة ،وبكل أولئك، تذيع المصداقية، وتتحدد المسئولية بكل صورها فلا تشيع ولا تمتنع، ويتحقق العدل والنصفة، وتتناغم قوى المجتمع الفاعلة فتتلاحم على رفعة
شأنه والنهوض به إلى ذرى التقدم”( ).
كما رسخ القضاء الإداري المصري للشفافية الإدارية في مصر في بعض أحكامه فقضي بأن :” وإذ عدل وزير الاقتصاد بقراره المطعون فيه موعد إعداد هذه المستندات والتقارير فأوجب أن يتم ذلك خلال شهرين على الأكثر من انتهاء السنة المالية للشركة وهو ما يتفق مع نصوص القانون ومع الموعد المضروب في هذه النصوص دون تجاوز ولما كان تحديد هذا الميعاد من الملائمات المتروكة لجهة الإدارة ممثلة في وزير الاقتصاد مادام يهدف إلى المصلحة العامة الذى أفصحت عنه الأوراق بأن ذلك تم لمواكبة التطور في التعامل في سوق المال وخاصة فيما يتعلق بتوافر عنصر الشفافية اللازم لإجراء المعاملات في بورصة الأوراق المالية حيث أصبح توافر المعلومات عن الشركات التي تطرح أوراقها للتداول في الوقت المناسب أمرًا حتميًا ولازمًا لجمهور المتعاملين حتى يكونوا على بينة كاملة بأوضاع الشركة التي يتم التعامل على أوراقها فضلًا عن أن الواقع العملي لسوق رأس المال أثبت أن الوقت عنصر أساسي لسوق رأس المال وأداة هامة من أدوات هذه السوق وأنه كان من الضروري النظر في تعديل المدة المشار إليها تمكينًا لمراقبي الحسابات من أداء مهمتهم في وقت مناسب ومن ثم يكون القرار المطعون فيه متفقا وصحيح حكم القانون”( )، وفي حكم أخر لها تتحدث فيه عن الشفافية في مجال مزادات بيع أراضي الدولة باعتبار أن الشفافية هنا تعد من أفضل وسائل مكافحة الفساد في مجال من المجالات التي يرتع فيها الفساد ويلعب فقضت بأن” أما في الحالات الأخرى فقد جري الإعلان داخل مصر وخارجها، بل جرت حملة إعلانية ضخمة للإخبار عن مزادات بيع تلك الأراضي ومواعيدها، حيث وصل الإعلان عن ذلك إلي ذروته وغايته، وذلك قصدًا إلي تحقيق أقصي درجات الشفافية والعلانية وتكافؤ الفرص، فبدأ الأمر مبسوطًا جوانبه معلومة شرائطه للجميع فتتنافس فيه المتنافسون – مصريين وعربًا – وحصلت الدولة من ذلك علي أفضل الأسعار وفق أيسر وأنسب الشروط، كما بدأ البون شاسعًا بين مقابل البيع في الحالة الأولي، وسعر البيع في الحالات اللاحقة رغم أن البيع اشتمل في بعض الأحيان علي أراضي في ذات منطقة القاهرة الجديدة الكائن بها موقع مشروع “مدينتي”، وأن هذه البيوع تمت بفاصل زمني في بعضها لا يزيد علي بضعه أشهر”( )، وهو ما أكدت عليه فتوى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة المصري حينما انتهت إلي أن:” تحقيق مبدأي الشفافية والعلانية في العلاقة بين كافة المتقدمين للتعاقد مع الجهات الإدارية وتحقيق مبدأ المساواة بينهم على النحو الذى لا يتمتع معه أى منهم بميزات أفضلية لا تستند إلى اسس موضوعية وفقًا للشروط والمواصفات المقررة للتعاقد وإزاء ذلك استن المشرع أصلًا عامًا لترسيه المناقصات بالفقرة الأولى من المادة ( 16 ) من قانون تنظيم المناقصات والمزايدات المشار إليه مناطه الترسية على صاحب العطاء الأفضل شروطًا والأقل سعرًا وذلك في ظل توحيد اسس المقارنة بين جميع العطاءات من النواحي الفنية والمالية”( ).
المطلب الخامس: متطلبات تحقيق الشفافية الإدارية
هناك عدد من المتطلبات يجب على الدول الراغبة رغبة حقيقة في الارتقاء بمستوى إدارتها إلى مستوى حضاري يساهم في مكافحة الفساد الإداري، وتحسين المستوى المعيشي للمواطنين، أن تقوم بها وتفعلها، وأول هذه المتطلبات أن توفر السبل لتحقيق الشفافية والنزاهة الإدارية من خلال اتخاذ عدد من الإجراءات السياسية والإدارية والتشريعية والتي تتمثل في الآتي ( ):
1- توافر الإرادة السياسية باعتبارها المدخل الرئيسي لبناء نظام مؤسسي يشمل تطبيق خطة استراتيجية بإجراءات واضحة وفعالة لتعزيز المساءلة والشفافية ومكافحة الفساد، وذلك من خلال مبادئ النزاهة والشفافية والمحاسبة في المؤسسات العامة والمجتمع ككل( ).
2- توافر الديمقراطية في المجتمع فالشفافية تتطلب وجود ديمقراطية في الممارسات العملية فالممارسات الديمقراطية تضمن قانونية الوصول إلى المعلومة من خلال قوانين لحرية المعلومة والحصول عليها من قبل المواطنين المعنيين أو من خلال توافر الشفافية في القوانين والإجراءات.
3- انتهاج الشفافية في الأنظمة والقوانين والإجراءات من خلال مراجعتها ومعالجة نصوصها وفقراتها الغامضة وتوضيحها وإعلانها للموظفين والمواطنين، مع وضع قواعد واضحة للنشر والافصاح تحدد فيها المعلومات التي يجب توافرها المتاحة للنشر، والمواعيد التي يجب نشرها فيها، والمسئولية القانونية عن عدم النشر.
4- نشر الوعى لدى الموظفين والمواطنين وتعريفهم بحقوقهم وواجباتهم ، وهذا بالطبع يتطلب تبسيط إجراءات العمل بشكل يسمح بأداء الأنشطة دون تعقيد من قبل الموظفين ويندرج ضمن ذلك نشر المعلومات والبيانات وتوفير الأدلة الإرشادية عن إجراءات العمل لتكون في متناول الموظفين المعنيين بالأنشطة واختصار الإجراءات غير الضرورية، مع تطوير خبرات الموظفين العموميين وإثرائها من خلال الاطلاع علي التجارب الناجحة في الدول المتقدمة في مجال الشفافية الإدارية، مع تطوير آليات الإشراف من قبل المديرين وكبار الموظفين علي أداء موظفيهم ومتابعتهم بحيث يكونون مسئولون عن نتائج نشاط مرؤوسيهم.
5- تسهيل تدفق المعلومات الصحيحة إلى المستويات المختلفة من المجتمع.
6- تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني بدعوتهم لرفع شعار مكافحة الفساد والشفافية كشعار للتطبيق لا للتسويق.
7- التأكيد على الشفافية من خلال القيم الدينية، ويأتي ذلك من خلال الربط بين مخالفة الإجراءات والأساليب الملتوية وغير الواضحة، وعدم الإفصاح وإخفاء المعلومات للتعاليم السماوية.
8- كما أنه من متطلبات الشفافية الإدارية أيضا توافر الجانب التشريعي من خلال إصدار قانون ينظم تداول المعلومات واضعًا في اعتباره أن فرض القيود علي حرية الوصول للمعلومة يكون لاحترام حقوق الأخرين أو سمعتهم، وحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة، مع عمل مشاركة مجتمعية وطرح القانون للنقاش المجتمعي للتعرف علي أراء المواطنين حول ما يعد ضًار بالسمعة والحقوق الشخصية، وما يعد ضار بالأمن القومي، بحيث يكون تقييد الوصول للمعلومة متناسب مع حماية مصلحة اجتماعية ملحة، وبالتالي لا يكون الغرض من التقييد حماية الحكومات من الإحراج أو فضح أخطائها( ).
ويجب على المشرعين عند سعيهم لوضع التشريع الخاص بتداول المعلومات أن يراعوا أن يتوافر في نصوصه ما يتيح الآتي ( ):
أ‌- الكشف عن المعلومات: يجب على القانون أن يتيح كشف كل المعلومات العامّة للمواطنين، بحيث تكون الحرية في الاطلاع هي القاعدة، والمنع أو الحظر هو الاستثناء، ويجب أن تكون هذه الحالات الاستثنائية محددة في القانون بدقة، من خلال دراستها بمعرفة هيئة تشكل لهذا الغرض يغلب على تشكيلها التشكيل القضائي، يمثل بها المجتمع المدني وممثلين عن الأجهزة الإدارية بالدولة، لدراستها من كافة المناحى، والتحقق من مدى التأثير السلبي الذي يمكن أن يلحق بالمجتمع لو نشرت، وعمل موازنة بين تلك السلبيات وايجابيات النشر قبل إقرارا الحظر.
ب-سهولة الحصول على المعلومات: يجب أن يكرس القانون وينظم حق المواطنين في الحصول على المعلومة من خلال تقديم طلب بشكل رسمي للجهة الإدارية، للحصول على معلومات معينة من هذه الجهة التي تستحوذ على المعلومات، مع وضع القانون في الاعتبار حالة المواطنين أصحاب الإعاقة والأميين الذين لا يجيدون القراءة والكتابة، كما يجب على القانون أن ينظم كيفية تظلم المواطن من رفض طلبه وكيفية لجوئه للقضاء المستعجل للحصول على حقه في ذلك على أن يكون ذلك كله خلال فترات زمنية قصيرة تمكنه من الوقوف على المعلومات في حينها.
ج-معقولية تكاليف الحصول على المعلومة: يجب أن يكرس القانون ولائحته التنفيذية على أن لا تكون تكلفة نيل حق الوصول إلى المعلومات والحصول عليها والتي تحتفظ بها جهة الإدارة باهظة الثمن، على نحو يعيق الناس من التقدّم بطلبات للوصول إلى المعلومات، وينبغي تخفيض الرسوم بل الإعفاء منها في الحالات التي يريد فيها طالب المعلومة الحصول عليها خدمة منه للمصلحة العامة، بأن يكون الطلب المقدم منه مثلا بغية كشف الفساد في أحدى جهات الإدارة، وفي جميع الأحوال يجب أن تحدد هذه الرسوم في القانون أو لائحته التنفيذية، بحيث لا يترك أمر تحديدها لتقدير الجهة المطلوب منها تقديم المعلومات، فالشفافية الحقيقية يجب أن يكون فيها الحصول علي المعلومات “رخيص”، وفي “الوقت الحقيقي”.
ح-وجوب النشر: يجب على القانون أن توجد به نصوص تجعل حق تداول المعلومة والحصول عليها لا يقتصر فقط على الطلبات التي تقدم من قبل المواطنين بخصوصها بشكل رسمي، بل يتعدى ذلك إلى نشر هذه المعلومات على نحو واسع للجمهور، بأشكال ووسائل متعددة مستخدمين في ذلك كل وسائل الاتصال الحديثة.
د-الاجتماعات العامة مفتوحة للجمهور: يجب أن يضمن التشريع حرية اطلاع الشعب على العمل الذي تقوم به المؤسسات الإدارية في الدولة نيابة عنه، من خلال اتاحة مشاركة المواطنين للمسئولين عنها في عمليات اتخاذ القرار؛ وهو ما سيتأتى من خلال توافر نصوص تشريعية بهذا القانون تسمح بفتح الاجتماعات الرسمية لهذه المؤسسات والتي سيتم فيها دراسة خطط أو أمور تمس بالمواطنين أمام الجمهور لمناقشة هذه الأمور والحصول على آرائهم ومقترحاتهم عنها، وذلك من خلال اخطارهم بموعد الاجتماع قبل الاجتماع بميعاد كاف، ومن الممكن أن يكون ذلك من خلال وسائل الاتصال الحديثة على موقع إلكتروني تحدده المؤسسة الإدارية بعد نشرها لما تنوى القيام به، ومن الأمثلة على هذه الاجتماعات: اجتماعات الهيئات المنتخبة مثل الهيئات المحلّية، والمجالس التشريعية، واجتماعات الجمعيات العمومية لشركات القطاع العام والتعاونيات، وغيرها من الهيئات والمؤسسات التي تمس قرارتها حياة المواطن، وكيفية توجيه وانفاق ميزانية دولته.
و-حماية المخبرين (المفشين للأسرار الإدارية): يجب أن يكرس القانون لحماية المواطنين وبصفة خاصة الموظفين العموميين من أية عقوبات قانونية أو إدارية، أو عقوبات تتعلق بالعمل لكونهم أفشوا معلومات حول المخالفات الإدارية أو الكشف عن الفساد الإداري، ما داموا يعملون بحسن نية، وبناءً على اعتقاد معلل بأن المعلومات التي أفشوها كانت صحيحة إلى حد كبير، وأنها كشفت دلائل حول خرق التشريعات المختلفة، على أن يشمل تطبيق هذه الحماية الكشف عن تلك المعلومات حتى لو كان يعد انتهاكًا لتشريعات قانونية أخرى أو لواجب وظيفي.

الخاتمة
تناولنا في دراستنا دور الشفافية الإدارية في مكافحة الفساد الإداري، حيث أن الشفافية الإدارية تعد من أهم مبادئ الحكم الراشد، ومن منطلق هذه الأهمية نجدها حظيت باهتمام واسع في السنوات الأخيرة، وفي مختلف دول العالم التي تبنى ما يقرب من 90 دولة منهم الشفافية والنزاهة الإدارية في تشريعاتهم من خلال إصدارهم لتشريعات تنظم حق المواطنين في الحصول على معلومة، وأن تصبح الإدارة داخل الدولة إدارة داخل بيت من زجاج يسمح بمراقبة كل من فيه ، مما يؤسس لمكافحة الفساد الإداري في جل صوره، واضحت السرية الإدارية مجرد استثناء محدود في العالم الأن، وخلصنا إلى عدد من النتائج أهمها:
-العلاقة بين الفساد والشفافية هي علاقة عكسية، فكلما زاد الفساد قلت الشفافية، وكلما زادت معايير الشفافية في العمل الإداري قلت نسبة الفساد، فهناك علاقة عضوية بين المحاسبة والشفافية، فالشفافية لا يمكن أن تكون هدفًا بحد ذاته وإنما هي وسيلة من الوسائل التي تساعد في عملية المساءلة والمحاسبة، كما أن المساءلة والمحاسبة لا يمكن أن تتم بصورة مناسبة وفاعلة دون ممارسة الشفافية.
– تأتي الإدارة بالشفافية كأحد أهم أركان مقومات ومحاور نجاح التنمية المستدامة، لأنها توفر العمل في بيئة تتسم بالشفافية التامة فتؤدي إلى جودة الأداء البشري والمؤسسي وبالتالي المصداقية الإفصاح الوضوح المشاركة الشفافية.
-تحارب الشفافية الفساد بكافة صوره وأشكاله، حيث أن شفافية التشريعات وعدم قابليتها للتأويل يساعد في منع الانحراف، ويحد من إمكانية اختراقها، كما أن شفافية التشريعات تساعد في إزالة المعوقات، وتبسيط الإجراءات، الأمر الذي يمكِّن من زيادة الكفاية والفعالية.
– تساعد الشفافية في العمل الإداري جهة الإدارة في تكوين قاعدة بيانات ومعلومات تكون بمثابة ذاكرة ومرجع لها يضمن خلاصة تجارب سابقة تستطيع من خلال الرجوع إليها للوصول إلي أفضل الحلول لما يواجهها من مواقف مما يحقق للإدارة أهدافها بسهولة ويسر وفاعلية.
– تدفع الشفافية جهة الإدارة لعمل تقييم ذاتي لأعمالها وقراراتها بصفة مستمرة حتى لا تتعرض للنقد، كما ستحقق رقابة الموظفين العموميين لأنفسهم رقابة ذاتية.
– تساعد الشفافية الإدارية المسئولين بالجهاز الإداري في الدولة في الدفاع عن أنفسهم ضد أي اتهامات توجه إليهم.
– لا يوجد تعارض بين الشفافية الإدارية والاحتفاظ بالأسرار الوظيفية.
– اقرت الاتفاقيات الدولية الحق في الشفافية من خلال التأكيد علي حق المواطن في الحصول على المعلومة باعتباره حقا مكملا للحق في تكوين حرية الرأي والتعبير.
– أيد القضاء الدولي حق المواطنين في الحصول على المعلومات والزم الدول بتحقيق ذلك لهم.
– لازالت مصر لم يصدر بها قانون ينظم حق المواطن في الحصول على المعلومة بالرغم من دسترة هذا الحق في دستور 2014، ومن قبله دستور 2012 ، ومن خلال العديد من الأحكام القضائية المصرية التي تؤيد الحق في الشفافية والحصول على المعلومة في صور مختلفة باعتباره حقا مكملا لحق حرية الرأي والتعبير وباعتباره الأداة التي يمكن من خلالها أن يؤتى حق حرية الرأي والتعبير ثماره ، وبالرغم من وجود مشروع لقانون ينظم هذا الحق مقدم لمجلس النواب من عام 2008 أي منذ ما يقرب من أحد عشر عاما.
وانتهينا إلى عدد من التوصيات أهمها:
-لا بد من توافر الإرادة السياسية داخل أي دولة لتحقيق الشفافية الإدارية بها.
– انتهاج الدول للشفافية الإدارية يبدأ من خلال مراجعة الأنظمة والقوانين والإجراءات داخلها ومعالجة نصوصها وفقراتها الغامضة وتوضيحها وإعلانها للموظفين والمواطنين بها.
– لا بد للدولة التي تبغي تحقيق الشفافية الإدارية أن تقوم نشر الوعي لدى الموظفين والمواطنين وتعريفهم بحقوقهم وواجباتهم، وتبسيط الإجراءات الإدارية واختصارها.
– تفعيل دور منظمات المجتمع المدني من خلال السماح لها بالحصول على المعلومة ونشرها ونشر ثقافة الشفافية داخل المجتمع، ومكافحة الفساد.
– الربط بين الدين والشفافية الإدارية ومكافحة الفساد من خلال المؤسسات الدينية داخل المجتمع.
– العمل على إصدار تشريع يتيح تدفق المعلومات والحق في الحصول عليه على أن يتم به تحديد المعلومات المستثناة من الكشف وانتهاك السرية على وجه الدقة، على أن يكون الحظر في اضيق الحدود وبما يحقق الأمن القومي وحماية خصوصية الأفراد داخل المجتمع، على أن يسمح هذا التشريع بحصول المواطن على المعلومة من خلال طلب يقدم للجهات الرسمية التي تمتلكها ويسمح له بالتظلم واللجوء إلى القضاء المستعجل حال رفض طلبه، على أن تكون رسوم الحصول على المعلومة زهيدة حتى لا تقف هذه الرسوم عائقا ضد حصوله على المعلومة، كما يجب أن ينص المشرع على أليه إلكترونية تساعد المواطنين من ذوى الاحتياجات الخاصة والعجائز من المواطنين في الحصول على المعلومة دون تكبد مشقة الذهاب للجهات الإدارية، كما يجب على الدولة أن تتيح المعلومات طبقا لهذا التشريع دون طلب وبكافة الطرق.

وفي النهاية أذكر قول الإمام الشافعي: كلما أدبني الدهر أراني نقص عقلي وإذا ما ازددت علما زادني علما بجهلي.

مجلة المنارة للدراسات القانونية والإدارية عدد خاص حول الثورة الرقمية وإشكالاتها ـــــــــــــــــــ أبريل 2020