السيادة والقانون الدولي

السيادة والقانون الدولي

Sovereignty & International Law

Rachid Benbaba       رشيد بنبابا

دكتوراه في فلسفة القانون

 جامعة الحسن الثاني كلية الآداب و العلوم الانسانية المحمدية

مختبر” تكامل العلوم المعرفية و الاجتماعية”

Email :epbenbaba@gmail.com

                ملخص

إن الحديث عن السِّيادة له أهمية بالغة لكون الدولة لا توجد خارج السياق العالمي، إذ بالإضافة إلى القوانين الداخلية المنظمة لها توجد قوانين خارجية تنظم العلاقات بين الدول؛ هكذا سنحاول في هذا المقال الوقوف عند السيادة في علاقتها بقانون الدولة من جهة، والسيادة في علاقتها بالقانون الدولي من جهة أخرى، فإذا كنا نتحدث عن السيادة باعتبارها السلطة العليا داخل الإقليم، فلا بد أن نشير إلى وجود قوانين دولية تؤطر العلاقات بين سيادات الدول. و للحديث عن علاقة السيادة بالقانون الدولي لابد من الرجوع إلى معاهدة ويست فاليا لسنة 1648، إذ تعدُّ بمثابة أول اتفاقيةٍ دبلوماسيةٍ تنظم العلاقات القائمة بين الدول، وتتأسس هذه الاتفاقية على مجموعة من المبادئ من أهمها مبدأ الاحترام المتبادل لسيادة الدول، غير أن التطورات التي حصلت على المستوى السياسي والاقتصادي والتاريخي، جعل من السيادة، ليست، فقط، مسألة سياسية، بل أصبحت لها علاقة بالاقتصاد والعلم والتقدم التكنولوجي. أصبحنا، بهذا المعنى، نتحدث عن عالمٍ اقتصاديٍّ تتداخل فيه مصالح الدُّول بالعلاقات التِّجارية والسِّياسية الشيء الذي أدى إلى إعادة ترتيب الأقطاب العالمية.

Abstract

Talking about sovereignty is of great importance because the state does not exist outside the global context, as in addition to the internal laws regulating it, there are external laws that regulate relations between states; thus, in this article we will try to identify sovereignty in relation to state law on the one hand, and sovereignty in relation to international law on the other hand, if we talk about sovereignty as the supreme authority within the territory, we must point to the existence of international laws that frame relations between state sovereignties. To talk about the relationship of sovereignty with international law, we must refer to the Westphalia Treaty of 1648, as it is considered the first diplomatic agreement regulating relations between states. This agreement is based on a set of principles, the most important of which is the principle of mutual respect for the sovereignty of states. However, the developments that took place at the political, economic and historical levels made sovereignty not only a political issue, but it became related to the economy, science and technological progress. In this sense, we have come to speak of an economic world in which the interests of states are intertwined with commercial and political relations, which has led to a realignment of global poles.

مقدمة

لا يخفى أنَّ الحديث عن السِّيادة له أهمية بالغة لكون الدولة لا توجد خارج السياق العالمي، إذ بالإضافة إلى القوانين الداخلية المنظمة لها توجد قوانين خارجية تنظم العلاقات بين الدول؛ هكذا سنحاول في هذا الباب الوقوف عند السيادة في علاقتها بقانون الدولة من جهة، والسيادة في علاقتها بالقانون الدولي من جهة أخرى، فإذا كنا نتحدث عن السيادة باعتبارها السلطة العليا داخل الإقليم، فلا بد أن نشير إلى وجود قوانين دولية تؤطر العلاقات بين سيادات الدول.

أصبح مفهوم السِّيادة، اليوم، من المفاهيم الأساسية التي يعتمدها فقهاء القانون الدولي والمهتمون بالمجال السياسي؛ باعتبارها مفهوماً أساسياً لتحليل الشأن الداخلي للدولة وتحليل العلاقات بين دولة وأخرى، فالناظر في مجموع الأزمات الحاصلة بين العديد من الدول، بالإضافة إلى الصِّراعات الاقتصادية سيجدها ترتبط، جميعها، بقضية السِّيادة. بهذا المعنى سيكون، من الضروري الوقوف عند الدلالة التي تحملها السيادة في القوانين الدولية حتى يتسنى لنا البحث عن إمكانات إيجاد الحلول لبعض المشاكل التي تجدها الدول في اتصالها بمسألة السيادة.

للحديث عن علاقة السيادة بالقانون الدولي لابد من الرجوع إلى معاهدة ويست فاليا لسنة 1648، إذ تعدُّ بمثابة أول اتفاقيةٍ دبلوماسيةٍ تنظم العلاقات القائمة بين الدول، وتتأسس هذه الاتفاقية على مجموعة من المبادئ من أهمها مبدأ الاحترام المتبادل لسيادة الدول، غير أن التطورات التي حصلت على المستوى السياسي والاقتصادي والتاريخي، جعل من السيادة، ليست، فقط، مسألة سياسية، بل أصبحت لها علاقة بالاقتصاد والعلم والتقدم التكنولوجي. أصبحنا، بهذا المعنى، نتحدث عن عالمٍ اقتصاديٍّ تتداخل فيه مصالح الدُّول بالعلاقات التِّجارية والسِّياسية الشيء الذي أدى إلى إعادة ترتيب الأقطاب العالمية. إننا أصبحنا أمام عالم لا يؤمن سوى بالمصلحة الاقتصاية أما الحديث عن المبادئ الكونية الأخلاقية التي دعا إليها العديد من الفلاسفة فهي شكل من أشكال الخطاب التي تقاوم هذا النوع من الحياة السياسية والاقتصادية.

يمكن القول، إذن، بوجود متغيراتٍ دوليةٍ أدَّت إلى إعادة النَّظر في المبادئ الأساسية للسيادة الوطنية أو سيادة الدولة، مما يؤدي إلى طرح الإشكال الأساسي التالي: هل يمكننا الحديث، في الحقبة المعاصرة، عن السيادة الوطنية كمبدأ أساسيٍّ في ظل المتغيرات الاقتصادية والسياسية والعلمية؟ إشكال تفترض الإجابة عنه منا الوقوف عند الأسئلة الآتية: كيف ينظم القانون الدولي، في ظل هذه المتغيرات، مبدأ السيادة؟ هل لا زال بالإمكان الحديث عن سيادة الدَّولة القومية؟ ماهي أهم مستجدات القانون الدولي؟ ثمَّ ما هي البنود الرئيسية التي وضعتها الأمم المتحدة لتحقيق مبدأ السِّيادة واستقلاليتها؟ ما دور الدَّولة ذات السِّيادة داخل القانون الدولي؟ ما هي علاقة القانون الدولي بالمؤسسات العالمية مثل مجلس الوصاية ومحكمة العدل الدولية ومجلس الأمن؟

للإجابة عن الإشكال الرئيس والأسئلة الأخرى، سنتوقف في المقام الأول عند علاقة السيادة بالقانون الدولي مع تأثير المستجدات السياسية والاقتصادية والعلمية على مفهوم السيادة الوطنية. كما سنحاول، من خلال االمرحلة الثانية، الحديث عن علاقة السيادة بحقوق الإنسان وبالمؤسسات الدولية وذلك  من خلال الإجابة عن السؤال التالي: إذا كنا نتحدث عن مبدأ مشترك تتقاسمه الدول ذات سيادة، فما هي المؤسسات التي تسهر على تنظيم العلاقات بين الدُّول في أفق تحقيق الأمن والسلام الدائمين؟

لابد أن التفكير في المجتمع الدولي يدفعنا إلى طرح مسألة الاستقرار، إذ على الرغم من كل التقلبات والصرعات التي تحتدم لا يمكنها إلا البحث عن السبل الكفيلة لضمان نوع من السلام؛ إذ ليس بالإمكان أن تعيش الدول في حالة صراع دائم، إنها مجبرة على إيجاد توافقات مع التنازل عن بعض مما تعتقده حقوقَها للتمكن من حماية سيادتها. وعليه، سنحاول في هذا المقال الوقوف عند المؤثرات القانونية والواقعية لمسألة سيادة الدولة وذلك وفقاً للتطورات الدولية. إضافة إلى ذلك سنقارب علاقة القوانين الدولية بالسيادة الوطنية؛ فإذا كنا نتحدث عن قوانين داخلية فلابد أن نشير، أيضاً، إلى ضرورة عدم تعارض هذه القوانين الداخلية مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي حيث يمكن للدولة، بهذا المعنى، أن تفقد سيادتها في حالة ما إذا أصبح الكيان الداخلي يعاني نوعاً من الهشاشة السياسية أو الاقتصادية الشيء الذي سينعكس سلباً على كرامة المواطنين والاستقرار الداخلي. هكذا نستطيع القول إن الغاية من القوانين الدولية هي حفظ الأمن والسلام ولو أن ذلك يتم، في الكثير من الأحيان، على حساب السيادة الوطنية، ومن ثمة لابد من القول بوجود مؤسسات تعلو فوق الدول وهي التي تُناط إليها مهمَّة الدِّفاع عن الأمن والاستقرار والكرامة مع الذّب عن المبادئ القانونية العامة. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: إلى أي حدٍّ يمكن لهذه المؤسسات الدَّولية ضمان حقوق الإنسان وتحقيق الاستقرار؟ أليست تتحكم اللوبيات الاقتصادية في هذا النَّوع من المؤسسات، والتي تصير بدورها مجرد أداة تستفيد من ثروات الدولة القومية؟

القانون الدولي وأسسه

تَجدرُ الإشارة بدءاً إلى أن مقالنا هذا ما زال وفياً لروح فلسفة القانون، ذلك أن انشغالنا بالقضايا المرتبطة بالسيادة والدولة والسِّياق الدَّولي إنَّما تعتمد على التَّحليل القانوني، فإذا كانت السِّيادة الوطنية تتحقق، أساساً، بالاعتماد على القوانين، فإنَّ السِّيادة الخارجية والعلاقات السيادية التي تربطها دولة وطنية بأخرى هي سيادات تتأسس، بدورها، على القوانين. لا شك أن القوانين الدَّاخلية ليست هي القوانين الخارجية؛ إذ يمكن القول، في هذا السِّياق، إن القوانين المرتبطة بالسيادة الوطنية هي قوانين داخلية خاصة بالدولة، بينما القانون الدولي هو قانون عام يحتوي سيادات وطنية متعددة، غير أن الإشكال الأبرز، ها هنا، هو: أي القوانين أكثر قوة؟ ثم ما هي القوانين التي تعتبر مرجعاً للسيادة الوطنية؟ هل هي القوانين الداخلية المرتبطة بسيادة الدولة الواحدة أم القانون الدولي العام؟ إذا افترضنا جدلاً أن كل قانون يشتغل في سياق معينٍ، فلا بد من أن نطرح التساؤل التّالي: إذا وقع تعارضٌ بين القانون المشكِّل للسِّيادة الداخلية والقانون الدَّولي فأيهما الأرجح؟

لابد من الإشارة إلى مجموع التغيرات التي حصلت في الدولة المعاصرة، خاصة مع التسارع الذي عرفه نظام العولمة؛ إذ لم تعد الحروب هي التي تحسم، بشكل أساسي، الصراعات القائمة بين الدول؛ حيث أصبحت هذه الدول، اليوم، أمام رهانات وتحديات ومشاكل عامة، مثل: الأوبئة والأمراض بالإضافة إلى التَّغيرات المناخية الحاصلة في كل بقاع العالم. هكذا، نلاحظ، في الآونة الأخيرة، أن معظم الدول لا تبحث عن مواجهاتٍ عسكريةٍ مباشرةٍ بقدر ما تبحث عن حلولٍ ديبلوماسيةٍ وإبداع قوانين جديدة لاستيعاب المشاكل السياسية المرتبطة ببعض الدول؛ لذلك لابد من التأكيد، في هذا السياق، على أن القانون الدَّولي بات، اليوم، مرجعاً أساسياً لمعالجة الإشكالات والأزمات المرتبطة بالدول، وهناك مؤسساتٌ تسهر على توسيع هامش تطبيق هذه القوانين كالأمم المتحدة التي تسهر على حماية وإبداع قوانين دولية لتجاوز الأزمات، غير أن الرهان الأساسي للدول، في ظل هذه المتغيرات الدولية، هو القدرة على حفظ الاستقلال. هكذا، سنحاول، في هذا المقال، الوقوف، أولاً، عند دلالة القانون الدولي ومؤسسة الأمم المتحدة في أفق تحديد الجدل القائم بين الدولة ذات السيادة والقانون الدولي. كيف بالمقدور، إذن، الحفاظ على السيادة الوطنية في ظل هذه المتغيرات؟ ثم هل القانون الدولي، اليوم، سواء تعلق الأمر بمؤسسة الأمم المتحدة أو محكمة العدل الدولية، قادرٌ على حماية هذه السيادة الخاصة؟

 .1 القانون الدولي

حينما نتحدث عن القانون الدولي إنَّما نقصد المبادئ والقواعد التي انتهت إليها المعاهدات الدولية؛ بمعنى أن مصدر القانون الدولي العام والخاص هو المعاهدات المبرمة بين الدول، هكذا وبفعل الأزمات الاقتصادية والسياسية والجيواستراتيجية تُبرم الدُّول معاهدات واتفاقيات تسفر، في نهاية المطاف، عن ظهور القانون الدولي. إن المعاهدات الدَّولية هي المصدر الأول لإبداع قواعد القانون الدولي وذلك بطريقةٍ تستجيب لمستلزمات التغير والتطور، وهي التي تتكفل بمهمة التنظيم الدقيق للأفراد والمؤسسات وذلك وفق مبادئ مشتركة، لذلك تصاغ المبادئ وفق قواعد وقوانين تنظم العلاقات بين الدول مما يعكس إرادة السيادة الوطنية في الاتحاد والاتفاق مع سيادات أخرى. غير أن المبدأ العام الذي يمكننا أن نشير إليه، في هذا السياق، هو مبدأ المساواة في السيادة، حيث أصبحت من المبادئ الأساسية التي يدافع عنها القانون الدولي خاصةً مع ظهور ميثاق الأمم المتحدة. هذا وتعتبر فلسفة القانون والعلوم السياسية أن مبدأ السِّيادة مسألة أساسية لتنظيم العلاقات بين الدول؛ ذلك أن السيادة هي أساس الدولة؛ إذ إن كل تجاوز لهذا المبدأ سيؤدي إلى انهيار الدولة. لكن مفهوم السيادة نفسه، كما سبقت الإشارة، خضع لتطوراتٍ أساسيةٍ بحيث ساهم في تقدم القانون الدَّولي في أفق الدِّفاع عن مبدأ السِّيادة الوطنية. ليست السِّيادة، إذن، مفهوماً مجرداً يسبح خارج مقتضيات الواقع، بل هي مبدأ أساسيٌّ تتأسس عليه مجموعة من القوانين الدَّولية، فمنذ معاهدة ويست فاليا التي دشنت ظهور القانون الدولي الحديث، أصبح من الممكن الحديث عن السِّيادة المقيدة مع ضمان حقوق الدَّولة الوطنية في الدِّفاع عن سيادتها.

.1.1الأسس الفلسفية للقانون الدولي

يمكن الإشارة إلى أن المعاهدات والاتفاقيات الدولية المتقدمة ظهرت مع معاهدة ويست فاليا وهي معاهدةٌ حاسمةٌ دافعت عن سيادة الدَّولة الوطنية، غير أن القانون الدولي لم يظهر، فقط، مع هاته المعاهدات المتأخرة؛ إذ له بوادرٌ متقدِّمة جداً، فإذا رجعنا إلى الفلسفة اليونانية ظهر لنا أن القانون الدولي ظهر إبان ظهور الدولة-المدينة؛ ذلك أنَّ المجتمعات القديمة شهدت أشكالاً متعددةً من العلاقات؛ نذكر منها معاهدات الصُّلح وعلاقات الجوار والصداقة، بالإضافة إلى اتفاقيات إنهاء الحروب. يمكننا الرُّجوع، بهذا المعنى، إلى هذه المرحلة المتقدِّمة للتأكيد على أن مثل هاته الاتفاقيات كانت بمثابة البدايات الأولى للقانون الدولي. صحيح أن التسمية، في تلك المرحلة، قد لا تتطابق مع مبدأ القانون الدولي، غير أن الرجوع إلى هاته البدايات قد يمكننا من النظر إلى مسألة القانون الدَّولي، ففي أثينا، كنا نتحدث عن العلاقة الموجودة بينها وبين المدن الأخرى، وقد بحث اليونان، قديماً، في فكرة المصلحة المشتركة والتَّعاون نظراً لأن النوع البشري، في اعتقادهم، هو نوعٌ واحدٌ، لذلك يتم، إذا ما حصل نزاعٌ ما، اللُّجوء إلى بعض القواعد التَّنظيمية التي يجب أن تفرض على جميع المتنازعين في أفق تحقيق الصُلح بينهم، لقد كان الإغريق بمثابة شعوبٍ مختلفةٍ من حيث الدِّين واللُّغة، لذلك نشأت حروبٌ وصراعاتٌ طائفيةٌ الغرض منها السَّيطرة وفرض الهوية، الشيء الذي دعا العديد من الفلاسفة إلى التفكير في عقد اتفاقات تنهي هذا الشكل من الحروب.

في نفس السياق أعلاه، نجد الرومان الذين لم يختلفوا، كثيرا، عن الإغريق؛ إذ اعتبروا أن إمكانية تجاوز مستوى الحضارة عند الشعوب يتطلب إبرام معاهدات واتفاقيات، فحينما نتحدث عن روما القديمة، نشير إلى كونها بمثابة إمبراطورية، تطلب وجودها إبرام اتفاقيات من أجل ضم الأقاليم التي تنتمي إليها، ومنه يمكن القول إن العلاقات بين هذه الأقاليم، داخل روما، لم تتحقق إلا بوجود اتفاقيات ومبادئ ومعاهدات وقوانين. نشير، في هذا السِّياق، إلى وجود علاقةٍ بين القانون الدَّولي والسِّياق التَّاريخي، حيث كنا نتحدث، منذ القدم، عن اتفاقيات ومعاهدات. لقد كان الرومان، حقاً، بمثابة مبدعين في مجال القانون والدَّليل على ذلك ظهور القواعد القانونية في روما لتنظيم العلاقات بين الرومان، وكذلك تنظيم الأقاليم التَّابعة لروما، هذا وانقسمت المعاهدات إلى قسمين: معاهداتُ القوانين التَّنظيمية بين الأفراد ومعاهدات الصَّداقة المبرمة بين الأقاليم. ولا يخفى علينا وجود مجتمعات سابقة على الحضارة الرومانية فكرت في سن قوانين تسمح بتحقيق أكبر قدرٍ من الاستقرار.

.2.1القانون الدولي في العصور الوسطى

تميزت العصور الوسطى بنظام حكم هو الإقطاعية وأمام وجود مصالح متقابلة نشبت حروب بين الإقطاعيين، لذلك شهدت هذه الفترة نزاعات متعددة بين الإقطاعيين والأمراء والأسياد أولئك الذين سعوا إلى نشر فكرٍ جديدٍ من أجل الخروج من سطوة النظام الإقطاعي. وتجدر الإشارة، ها هنا، إلى أن هذا الصراع ساهم فيه وجود قوة وسطوة الكنيسة التي أحكمت قبضتها على المجالات جميعها سواء تعلق الأمر بمجالها الخاص أو بالمجلات الأخرى التي تنتمي إلى المجال الدنيوي، بهذا المعنى شكَّل وجود الكنيسة وجبروتها عقبةً أمام تطور القانون الدولي العام، ذلك أنَّ تأسيس القانون على مبادئ دينية دون غيرها من شأنه القضاء على إمكانية بناء اتفاقات ومعاهدات خاصةً في ظل وجود انتماءاتٍ دينيةٍ تختلف عن المرجعية الناظمة للوجود الكهنوتي. في ظل هذا المناخ الذي اتسم بتحكم رجال الدِّين في الحياة الدينية والسياسية والاقتصادية، برزت إلى السَّطح حركة أساسية ستخلق انعطافاً جذرياً في التَّاريخ الأوروبي، بدءاً والتاريخ الكوني ثانيا، نعني ها هنا، حركة الإصلاح الديني[1]، التي تزعمها المصلح الدِّيني مارتن لوثر الذي تجرأ على مجابهة النَّزعة البابوية من خلال إعادة تأويل النصوص الدينية. يمثِّل مارتن لوثر (Martin Luther)، لا محالة، شخصيةً استثنائيةً في التَّاريخ الأوروبي؛ لم ترض بالوضع القائم، فأبدعت، بلغة “توماس كوهن” Thomas Kuhn، براديغماً جديداً يختلف أشد الاختلاف عن براديغم العصر الوسيط الأوروبي؛ لقد بلور الرَّجل نظاماً من المعرفة لم تعهده الثيولوجيا الكلاسيكية، أهم مميزاته التَّشديد على العودة إلى الكتابات المقدَّسة: العهد القديم والعهد الجديد[2]. ومن ثم الاتِّصال المباشر بالكلام الإلهي بدلاً من اللُّجوء إلى رجال الدِّين الذين احتكروا عملية تأويل الكتاب المقدَّس.

.3.1القانون الدَّولي في العصور الحديثة

أدى التطور الذي شهدته أواخر العصور الوسطى خاصةً في القرنين الخامس عشر والسادس عشر إلى ظهور صراعاتٍ في أوروبا وذلك بين طائفتين؛ دَافعت الأولى عن مبادئ الكنيسة  في حين نادَت الثَّانيةُ باستقلال الدِّين عن المجال السياسي وهو ما أدّى سنة 1648 إلى إبرام أهم معاهدة وهي معاهدة ويست فاليا التي أكدت على حق الدولة في السيادة حيث لا يمكنها الخضوع لأيةِ سلطةٍ أخرى أعلى منها. يمكن الحديث عن أهمية هذه المعاهدة كمنعطفٍ أساسيٍّ في تاريخ القانون الدولي؛ إذ نجد في الأغلب الأعم من الكتابات التي تتناول فلسفة القانون والقانون الدولي أن معاهدة ويست فاليا هي المنطلق الفعلي لظهور القانون الدولي. صحيح أن للقانون الدَّولي بوادر فلسفيةً واجتماعيةً قديمةً إلا أن هاته المعاهدة كانت بمثابة المرحلة الحاسمة في صياغة مبادئ القانون الدولي، ذلك أن هذه المعاهدة حددت المبادئ التالية: أولاً، من شأن الدُّول ذات المصلحة المشتركة أن تجتمع في هيئاتٍ للتَّشاور حول قضاياها، في هذا السياق يمكن الإشارة إلى أن المعاهدة نصَّت على ضرورة الحوار من أجل البحث عن الحلول الكفيلة بتجاوز أي شكلٍ من أشكال الصِّراع. ثانيا،ً أكَّدت هذه المعاهدة على ضرورة النَّظر إلى جميع الدول المسيحية على أنها متساوية رغم الاختلاف الحاصل في بعض التَّفاصيل والتَّعاليم، في هذا السياق أصبحنا نتحدَّث عن سيادة الدَّولة القومية دون أي تدخلٍ من طرف سيادة أخرى تعتبر نفسها أعلى من سيادة الدولة. ثالثاً، لا بد من تحقيق الأمن والسلم؛ لأن الاستقرار داخل المنطقة هو أهم ما تسعى إليه المعاهدة حيث يجب أن تحترم كل دولة حدودها مع الحفاظ على سيادتها دون التَّدخل في سيادة دولةٍ أخرى. رابعاً، ساهمت معاهدة ويست فاليا في ظهور المؤتمر الأوروبي الذي بحث في سبل التعاون والاتفاق في ما يخدم المصلحة العامَّة من جهة والاستقرار من جهة أخرى. خامساً، ظهر بعد معاهدة ويست فاليا ما يسمى بالاتفاقية الديبلوماسية حيث ظهر ما يسمى بالسفارات التي تهدف إلى التشاور والحوار. وأخيراً، أصبحت بين الدول علاقاتٌ اقتصاديةٌ ومصالح متبادلة فرضت إثبات حسن النية.

يمكن القول، إضافةً إلى ما سبق، إن القانون الدولي في شكله التّقليدي لم يتأسس، فقط، على معاهدة ويست فاليا، بل كانت ثمة مساهمات من طرف فلاسفة وفقهاء قانونيين أمثال جون بودان والفقيه غروتيوس الذي اهتم بالجانب الخارجي للسيادة معرفاً إياها بالسُّلطة السِّياسية العُليا التي تتركز في الشَّخص الذي لا تتمكن أي إرادة أخرى من نقد أعماله[3]. هذا ونحيل، أيضاً، على إسهامات الفيلسوف طوماس هوبز الذي ذهب أبعد من غروسيوس معتبراً أن صاحب السِّيادة داخل الدولة لا يتقيد بأي شيءٍ ولو كان الدين، لذلك يُعتبر هوبز من أبرز من جسدوا هذه الاستراتيجية بحيث دافع عن السِّيادة المطلقة مؤكداً أنه ليس من حق أية سلطةٍ أخرى خارجية أن تتدخل في هذه السِّيادة، بتعبيرٍ آخر إنَّ الحديث عن البوادر السِّياسية مبثوث، على وجه التَّخصيص، في مؤلفات كلٍّ من جون بودان وغروتيوس، طوماس هوبز دون إغفال صاحب “العقد الاجتماعي”.

بناءً عليه، نستطيع القول إن معاهدة ويست فاليا دشَّنت البداية الفعلية لظهور القانون الدَّولي، هذا ويمكن الإشارة إلى الإرهاصات الأولية لهذا القانون مع طوماس هوبز الذي أكد على مسألة السيادة مدافعاً عن السيادة المطلقة؛ إذ يشدد على الاختلاف الحاصل بين الدولة كمجتمعٍ سياسيٍّ والمجتمع من دون دولة؛ فالدولة، بالنسبة إليه، عبارة عن كيان منظَّم حسب قوانين تنظيمية الغاية منها تدبير شؤون الأفراد.

لا يخفى أن صاحب “التنين” قد أصر على إطلاقية السلطة السياسية التي تتجسد في الحاكم أو في هيئة سياسية معينة، فإذا كان الفارق النَّوعي الذي  يميز الإنسان عن باقي الكائنات هو العقل؛ فهذا العقل أو اللوغوس يعني، أيضا، اللُّغة المنطوقة، والنُّطق، بهذا المعنى شرطٌ أساس لتكوين التَّجمعات البشرية؛ ذلك أنَّ الاتفاق على البنود والمواثيق التَّنظيمية لن يتم إلاَّ من خلال التَّعبير الصَّريح عنها، ثم إن “رضى الكائنات الحيَّة على غرار النمل والنَّحل هو أمرٌ طبيعيٌّ، بينما رضا البشر ناتجٌ عن اتفاقيةٍ، وهو أمرٌ مصطنعٌ: فلا عجب، بالتَّالي، أن يكون المطلوب شيئاً آخر، (إلى جانب الاتفاقية)، بغية جعل رضاهم مستقراً ومستمراً؛ هذا الشَّيء هو السلطة المشتركة التي تؤمن انضباطهم وتوجههم نحو الخير العام”[4]. وتبقى الوسيلة الوحيدة لتكوين هذه السلطة المشتركة، في نظر هوبز، أن تتركَّز كل قوَّة الأفراد في يد شخصٍ واحدٍ أو مجموعةٍ من الأشخاص تكون لهم الكلمة الفصل في تدبير الشُّؤون العامَّة؛ وذلك من خلال التفويض المتبادل للحقوق، “هذا التفويض الذي يسميه الناس عقداً”[5]، وحين “لا يكون تفويض الحق متبادلاً بحيث يفوض أحد الطرفين الطرف الآخر، آملا أن يربح من جراء ذلك صداقته أو خدمة منه، فهذا لا يكون عقدا بل عطاءً، عطاءً مجانياً، أو نعمةً: وهذه الكلمات تشير إلى الشيء نفسه”[6].

ينعت هوبز الدَّولة باللفياتان، وفي ذلك استعارة لمعنى القوَّة والعظمة والجبروت التي يجب أن تتحلَّى بها كل دولةٍ أو سلطةٍ سياسيةٍ تريد حفظ الأمن لكل الأفراد؛ فالدَّولة تشترك مع الإله في أنَّها كلِّية القدرة (Tout-puissant)، غير أن الفارق بينهما أن الدَّولة فانيةٌ في حين أنَّ الإله خالدٌ. إلحاح هوبز على ضرورة أن تتحلى الدَّولة بالقوة والعظمة وأن تكون سلطتها مطلقة، قد يفهم منه دعوته إلى تشييد نظام سلطوي تغيب فيه إرادة الأفراد ممثلة في البرلمان، غير أن قراءة “اللفياتان” من خلال الأحداث التي مرَّت بها إنجلترا، تُظهر أنَّ السَّبب الذي دعا هوبز إلى التَّمسك بنموذج الدَّولة ذات السُّلطة المطلقة الخوف من الوقوع في الفتنة، والتي تبقى أسبابها كامنة في الطبيعة البشرية[7]، ومن ثم الرجوع إلى الحالة الطبيعية حيث حرب الكل ضد الكل. هكذا منح هوبز السلطة الحاكمة الكثير من الصلاحيات التي ستجعل من الجسم السياسي قوة لا يأتيها الخراب. يقول طوماس هوبز، مقارنا بين وجود السلطة السياسية وغيابها، “وبالرَّغم من أنَّ هذا النَّوع من السُّلطة غير المحدودة قد تثير نتائج مسيئةً عديدةً؛ فإن نتائج غيابه، التي هي الحروب الدَّائمة الصَّادرة عن كل فردٍ ضد الجميع، هي أسوأ أيضاً. أمَّا أوضاع البشر في هذه الدُّنيا، فلن تكون على الإطلاق بلا مساوئ؛ ولكن لا يوجد في أي دولةٍ مساوئ أهم من تلك المترتبة عن عصيان الأفراد، وعن فسخ الاتفاقيات التي تستمد منها الدَّولة كيانها”[8].

لا شكَّ أنَ دفاع طوماس هوبز عن السيادة المطلقة جُوبهَ بمعارضة شديدة من طرف الفقيه القانوني ليون ديجي الذي اعتبر أن السيادة المطلقة معيار خاطئ نظراً لوجود عدة عوامل: أما العامل الأول فهو أنَّ الدولة داخل إقليمها، وإن كانت صاحبة سلطة الاختصاص العام مع عدم خضوعها لأية سلطة عليا لا يعني أنَّها مطلقة التَّصرف؛ لأن الدولة ليست غاية في ذاتها وإنما هي وسيلة لتحقيق غايةٍ أساسيةٍ هي إسعاد رعاياها؛ وبالتالي يجب أن تنصرف كل أفعالها نحو إخراج هذه الغاية إلى الوجود. أما العامل الثاني فيتمثل في أن الدولة، حينما يتعلق الأمر بالعلاقات الدولية، ليست مطلقة التَّصرف؛ إذ تخضع للقوانين الدَّولية.

     ü  مؤتمر فيينا

يمكننا الوقوف، بعدما عرجنا على المرحلة الحديثة ومساهمة الفلاسفة في ظهور القانون الدولي من خلال مبادئ منظمة للعلاقات بين الدول، عند مؤتمر فيينا. نشير، هنا، إلى محاولة نابليون بونابرت Napoleon Bonaparte تطبيق أفكار الثَّورة الفرنسية التي تأسست على المساواة وحقوق الإنسان، مما دفعه إلى شنِّ هجومه على الأنظمة السِّياسية الاستبدادية، هجومٌ ساهمَ في ظهور دولٍ جديدةٍ واختفاء أخرى، غير أن النَّهج الذي سلكه بونابرت ساهم في ظهور ثورات مضادة؛ إذ على الرغم من ادعائه خوض حروب لاجتثاث الأنظمة التسلطية، فقد تسبب في ميلادها، في هذا السياق انعقد مؤتمر فيينا سنة 1815 لتنظيم شؤون الأوروبيين وتأسيس العلاقات بين الدول على مبادئ قانونيةٍ جديدةٍ حيث ظهرت على إثر هذا المؤتمر مجموعة من النتائج نجد أهمَّها صدور قواعد دولية جديدة تخص حرية الملاحة في الأنهار الدولية وبروز النِّظام الديبلوماسي والتجارة الحرة والعلاقات الاقتصادية.

  • التَّحالفالمقدَّس

ظهر هذا التَّحالف لإبرام اتفاقات بين دولٍ كبرى وذلك عقب مؤتمر فيينا، أما الغرض الأساسي من هذا الاتفاق فهو تطبيق المبادئ الدِّينية للمسيحية واعتمادها لتسيير شؤون الدول داخلياً وخارجياً، مما يوحي بمسألةٍ أساس هي الحفاظ على الملكيات الموجودة داخل الدول مع الوقوف، من خلال استعمال القوة والتخويف والترهيب، ضد من يقاوم هذه الملكيات. هكذا، ظهرت معاهداتٌ أخرى تسير في نفس المنحى من أهمها معاهدة إكس لاشبيل سنة 1818، وقد ضمت دولاً كبرى، هي: النَّمسا، فرنسا، بروسيا، وإنجلترا، حيث تمَّ التَّأكيد على تدبير شؤون أوروبا من خلال التَّعاون والتَّشاور مع جميع الأطراف. والحاصل لقد تسترت هذه التحالفات لخدمة أجندات الأنظمة واستمرارها في الوجود الأوروبي[9].

  • خطاب مونرو

أصدر الرئيس الأمريكي سنة 1823 خطاباً تاريخياً اعتبر فيه أن التَّدخل في شؤون القارة الأمريكية أمر مرفوض، ومنه لا يسمح لأية دولةٍ أوروبيةٍ مهما كان موقعها التدخل في شؤون دول من القارة الأمريكية أو احتلال جزء منها. لقد كان هذا التصريح بمثابة ردٍّ على التَّدخل الذي قامت به دول أوروبية لاستعمار واستغلال دولٍ توجد في القارة الأمريكية. هكذا، أشار التَّصريح إلى أن مطالبة إسبانيا باسترداد مستعمراتها أمر غير مرغوب ولابد من أن تكتفي الدول الأوروبية بتسيير شؤونها وخدمة مصالحها دون التَّدخل في شؤون القارة الأمريكية. كان التصريح، إذن، بمثابة مرحلةٍ مهمةٍ في تاريخ العلاقات الدولية؛ لأنه أعاد إرساء مبدأ عدم التَّدخل في شؤون الدول، كما كان للتصريح أثر كبير في إعادة النظر في العلاقات الدولية وتنظيم شؤون التدخل بين القارتين الأميركية والأوروبية[10].

  • اتفاقية لاهاي سنة 1899 و1907

تتضمَّن هذه الاتفاقيات مبادئ قانونية الغاية منها الكبح السلمي للصراعات بين الدول مع إقرار مبادئ خاصة بقانون الحرب البرية والبحرية، أضف إلى ذلك تحديد الدول المحايدة التي من شأنها أن تكون وسيطاً بين هذه الدول المتصارعة. وقد اتخذ هذا الاتِّفاق المبرمُ في لاهاي طابعاً عالمياً يُلزم جميع دول العالم على فض النِّزاع مع البحث عن حلولٍ سلميةٍ  تتمثل في طرق باب الديبلوماسية. يمكن القول، في هذا السياق، إن المؤتمرات المبرمة بلاهاي لعبت دوراً أساسياً في تطوير القانون الدولي؛ إذ أكدت على ضرورة تحديد نُظمٌ قانونية ثابتة يتأسس عليها القانون الدولي. هكذا، انتهت المؤتمرات بإنشاء هيئاتٍ تلجأ إليها الدول في حالة الصِّراع لتسوية المنازعات وذلك من خلال إنشاء أول مؤسسةٍ قضائيةٍ دوليةٍ هي محكمة العدل الدولية[11].

  • عصبة الأمم

ساهم مؤتمر باريس في ظهور مجموعة من الاتِّفاقيات الدَّولية أهمها ميثاق جنيف سنة 1928، حيث كان الغرض الأساسي منه الابتعاد عن كل الصِّراعات والحروب التي من شأنها أن تقضي على الاستقرار في الداخل الأوربي وفي الخارج، وقد أنشأت، على إثر هذا المؤتمر، هيئاتٌ قضائيةٌ للفصل في الصِّراعات ذات الطَّابع القانوني، كما يتم اللجوء إليها للنظر في الصراعات التي تأخد طابعا ميدانيا كالحروب بُغية إيجاد السبل الكفيلة للسلم، غير أن هذه الجهود التي مثلتها عصبة الأمم لم تحقق النتائج المرجوة، لذلك شهدت، في هذا الإبان، حرباً بين دول استعمارية، كما طفت إلى السطح حروبٌ محليَّةٌ. نشير، هنا، إلى اجتماع الدول مجدداً في أبريل من سنة 1945 بمدينة فرانسيسكو، وذلك بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث سيتم إعلان ميلاد منظمة الأمم المتحدة.

 .2أسس القانون الدولي العام

يتأسس القانون الدولي على مجموعة من المبادئ التي تمثل، بدورها، مفاهيم ناظمة للحقل السياسي العام، مفاهيم لا يمكن تجاوزها في سياق الحديث عن القانون الدولي، نعني هنا: الدولة، السيادة، المساواة بين الدول، المنظمات الدولية، الشخصية القانونية، مسألة الاختصاص، المسؤولية الدولية، حقوق الإنسان، عدم اللجوء إلى القوة. لننظر، إذن، في كل مفهوم على حدة؟

.1.2 الدولة

تعتبر الدولة، ضمن الأعراف الدولية، بمثابة مؤسسةٍ محوريةٍ ضمن القانون الدولي، إذ يعتبر العديد من الفقهاء القانونيين أن الدولة سابقة على القانون الدولي، ويصدر هذا الأخير عن إرادات مجموعة من الدول. يمكن القول، في هذا السياق، إن الدولة هي جماعةٌ بشريةٌ توجد على أرض معينة لها نظام سياسي محدد، كما تخضع للقانون الدولي. وتجدر الإشارة، في هذا السِّياق، إلى أن القانون الدولي لا يتدخل في الشؤون الداخلية للدولة. بهذا المعنى، لا يمكننا فهم العلاقة بين السيادة والقانون الدولي دون الرجوع إلى الدولة؛ إذ هي الأساس والمنطلق لكل تحليل وفهم للعلاقات الدولية، أضف إلى ذلك وجود جدل قائم بين الدولة والسيادة.

.2.2 السيادة

تُعدُّ السِّيادة، ضمن القانون الدَّولي العام، مصدر الأوامر، إنها بمثابة سلطةٍ عليا داخل الدَّولة، إذ  هي التي تأمر دون أن تكون مجبرةً على الخضوع لأية سلطةٍ خارجية تعلوها. لا بد من التّأكيد، ها هنا، على ضرورة التزام الدولة بمبادئ القانون الدولي. للسيادة في هذا السياق وجهان، الأول داخليٌّ؛ حيث تمارس الدولة سلطاتها على كل من ينتمي إلى دائرة اختصاصها، وخارجيٌّ يتمثل في حرية الدولة في نسجَ علاقاتٍ اقتصاديةٍ أو تجاريةٍ مع دول أخرى، مع إبرام تعاقدات وعقد زيارات ديبلوماسية. يمكن الإشارة، هنا، إلى أن السيادة هي، في نفس الآن، المنطلق الأساسي لفهم العلاقات الدولية والمعيار الذي يُظهر إلى أي حدٍّ لا يمكن للدولة أن تتخلى عن سيادتها[12].

.3.2 المساواة بين الدول

يمكن للشعوب، حسب مبادئ القانون الدولي، تبادل الخبرات والتعامل تجارياً واقتصادياً مع ضرورة حفاظ الدولة على استقلاليتها وسيادتها، بحيث لا تخضع لأيِّ شروطٍ تتجاوز مصلحة وسيادة الدَّولة. إنَّ قانون الشُّعوب هذا هو مجموعة من المبادئ التَّعاقدية التي أُبرمت، بشكلٍ توافقيٍّ بين الدول. هكذا، تصبح الدول متساوية في الحقوق والواجبات؛ حيث على كل دولة التعامل مع الأخرى بالمثل، وبتعبير آخر على كل الدول التعامل مع بعضها البعض في إطار من الالتزام والمسؤولية والمساواة المتبادلة.

تبقى المساواة، بهذا المعنى، وضمن ميثاق الأمم المتحدة، مساواة قانونية حيث لا تتميز دولة عن أخرى، سواء كنا أمام دولة كبيرة أو صغيرة. بيد أن مسألة المساواة هذه تعرضت لمجموعة من التقلبات[13] بحيث طالبت بعض الدول، التي تتمتع بدرجةٍ كبيرةٍ من القوة والجبروت، بعدم مساواتها مع أخرى أقل منها إلا أن القانون الدولي العام لا يعترف بهذه المسألة ناظراً إلى جميع الدول على قدر من المساواة.

.4.2 المُنظَّمة الدَّولية

تَضمُّ المنظمة الدَّولية، حسب مبادئ القانون الدَّولي، مجموعةً من الدول المتعاقدة والتي تتقاسم مصالح مشتركةً، أمَّا عن أبرز الخصائص التي تميزها، فنجد: بدءًا، المساواة بين الدول؛ ثانيا، أن تكون العلاقات بين الدول بشكل متراض وخاضعة لمعاهدات؛ ثالثا، لابد من اتصاف هذا الجهاز التنظيمي بالديموقراطية. وأخيراً، لابدَّ من استقلالية الدول الأعضاء في المنظمة حتى تكون فاعلا أساسيا، وهو ما سنقف عنده، لاحقاً، حينما سنكون بصدد الحديث عن الشخصية القانونية[14].

والحاصل، يمكن الوقوف على أشكالٍ مختلفةٍ من المنظَّمات، إذ هناك مَن تسعى إلى تحقيق الانسجام بين الدُّول من خلال مراعاة المصالح المشتركة. وهناك منظمات دولية أخرى على شاكلة مؤسسة الأمم المتحدة، ومنظمات إقليمية مثل الاتحاد الأوروبي، وأخرى عامة مشتركة بين جميع الدول مثل منظمة الأمم المتحدة، وهناك منظمات معيارية تعمل على توجيه سلوك الأفراد وتأطيرهم وفق مبادئ عامة خاضعة، في نهاية المطاف، للقانون الدَّولي العام[15].

.5.2 الشَّخصية القانونية

أشرنا، في ما سبق، إلى ضرورة تمتع الدَّولة بضوابط قانونية عامَّة تراعي فيها الالتزامات والبنود الدولية، بحيث يمكننا اعتبار الدولة مؤسسة قانونية تتمتع بأهلية ممارسة كل الأنشطة التي تنضوي تحت لواء مبادئ القانون الدولي. وحينما نتحدث عن الشخصية القانونية، فلابد من الإحالة إلى قضيتين، أما القضية الأولى فهي: إذا ما وقع إقليم في مشاكل اقتصادية أو سياسية أو استراتيجية، يمكن أن تتدخل دولةٌ أخرى تنتمي إلى نفس المنظَّمة، من دون أن يعني هذا الكلام نزع الشخصية القانونية للدَّولة، إذ هذه الأخيرة هي التي تعود لها صلاحية القرار[16]. في حين ترتبط القضية الثانية بالقضايا الطارئة، فقد يحدث ارتباك داخليٌّ أو انقلابٌ يفقدُ الدَّولة شخصيتها وأهليتها.

.6.2 مسألة الاختصاص

يُستعمل مفهوم الاختصاص للتَّأكيد على أن سلطة الدولة هي سلطة معترف بها من طرف القانون الدولي، ولا يتم ذلك إلا إذا التزمت هذه الدولة بالبنود العامة للقانون الدولي، لذلك نتحدث عن اختصاص الدولة في رعاية الشُّؤون الدَّاخلية والإقليمية، بالإضافة إلى حماية الاستقرار والالتزام بضوابط حقوق الإنسان. وتظهر إشكالية الاختصاص من خلال انفلات مجموعة من الدُّول وعدم ضبطها للسياق الداخلي، بحيث نشهد انفلاتات تؤدي إلى تراجع مسألة الاختصاص، الشيء الذي يؤدي بنا إلى الحديث عن المسؤولية الدولية.

.7.2 المسؤولية الدولية

المقصود بالمسؤولية الدولية مجموع الالتزامات التي تقيِّد الدُّول بحيث تكون الدَّولة، التي تجاوزت حدود مسؤوليتها، موضع استفسار قد تنجم عنه عقوبات معينة، نشأت المسؤولية الدولية نظرا لوجود مجموعة من الأعراف والقرارات القضائية بالإضافة إلى دلائل القانون الدولي العام. يمكن القول، بالرغم من ذلك، إن قضية المسؤولية تواجه مجموعة من التَّحديات، أهمّها: اتساع دائرة المسؤولية الدَّولية متجاوزةً الدولة لتصبح إقليميةً، كما أنَّ تجاوز القانون ينحصر في تعويض الأضرار والخسائر. من هنا، يمكن القول إنَّ أساس المسؤولية هو ضرورة تقيد الدولة بالقوانين السَّائدة، تلك المعمول بها داخل المؤسسات الدولية وذلك تماشياً مع المعاهدات والمؤتمرات الدَّولية[17].

.8.2 حقوق الإنسان

لا شك أن مسألة إلزام الدول باحترام مبادئ حقوق الإنسان قد اعتمدت منذ القرن السَّادس عشر، غير أنَّ وجه الجدة، في هذا السياق، هو تعميم هذه الالتزامات، حيث أصبحنا أمام النِّظام العام للقوانين الدولية والذي يتأطر ضمن ضوابط وشروط ممارسة السلطة وطريقة تأثيرها داخلياً وخارجياً، بحيث تصبح الحدود هي القوانين، أما المبدأ الأساسي فهو احترام حقوق الإنسان دون تجاوز القانون الدولي الذي يتأسس على اتفاقيات تراعي حقوق الإنسان داخل الدولة وخارجها[18].

 .3السيادة والقانون من منظور هانز كلسن وكارل شميت

سيكون مدار اشتغالنا ها هنا على العلاقة الجدلية بين السيادة والقانون وذلك من خلال الوقوف على أعمال كل من هانز كلسن وكارل شميت، علما أن هناك شحا في الكتابات الفلسفية المعاصرة التي تناولت هذه العلاقة، حيث تم التركيز على علاقة السيادة بالسياسة، هذا وسنستعين في هذا الباب بالفيلسوف والأستاذ الجامعي إيال بينفينيستي Eyal Benvenisti[19]. لقد سعى هذا الأخير إلى تقديم تقريرٍ جد متفائل حول القانون الدولي وذلك من خلال إعادة التَّفكير في مسألة السيادة باعتبارها وصاية على الإنسانية، ومن ثمة، فهو يرسم طريقا جديداً في القانون العام، بحيث أكد أن القانون الدولي ليس أكثر من عباءة للمصالح الاقتصادية والسِّياسية[20]؛ بحيث يكون القوي، في هذا السِّياق، هو المقرِّر والفاعل. بناءً عليه، سنقف عند قراءة بينفينيستي للجدل القائم بين كارل شميت وهانز كلسن حول مسألة السيادة، مع التركيز على علاقة القانون بالسيادة خاصة من زاوية فلسفة القانون.

غالبا ما ينظر، ضمن الديمقراطيات الليبرالية اليوم، إلى السيادة باعتبارها سيادةً وطنيةً، من هنا يمكن القول بوجود تهديدٍ لهذا النَّوع من السِّيادة، أو لنقل إن السيادة الوطنية توجد في مرحلة انتقاليةٍ بحيث نشهد، اليوم، انتقال السلطة من الدولة القومية إلى الهيئات الدولية؛ ومنه، انتقال السيادة من المجال الوطني إلى المجال الدولي. يستنتج بعض فقهاء القانون، في هذا السياق، أننا نعيش، اليوم، في عصر نظام ما بعد السيادة[21] بالرَّغم من أن الفوضى تحوم حول مسألة تحديد العلاقة بين السِّيادة الوطنية والسِّيادة الدَّولية؛ ذلك أنَّ فقدان السَّيطرة من قبل الدَّولة الوطنية على الشَّأن الدَّاخلي قد يساهم في فتح باب تدخل المؤسَّسات الدَّولية ممَّا قد يساهم في تهديد السِّيادة الوطنية. هذا وليس علينا النظر إلى هذا الانفتاح على المؤسسات الدولية باعتباره تهديدا؛ فالكثير من المهتمين بهذا الشَّأن يكتبون بقلقٍ عن انفتاح السِّيادة الوطنية على السياق الدولي، غير أن واقع الحال، واقع العولمة المتسارعة فرضت على الدول ضرورة الانفتاح الكبير على بعضها البعض؛ إذ كل تقوقع باسم الهوية أو باسم القومية الوطنية سيؤدي، لا محالة، بالدولة إلى الموت البطيء.

سعى بنفينيستي، مستحضراً كل من هانز كلسن وكارل شميت، إلى التأكيد على أنَّ التَّحليلات الفلسفية للسِّيادة يجب أن تخرج عن نطاق الدَّولة القومية بحيث يصبح بإمكاننا معالجة السيادة ضمن القانون الدولي، فالدولة تسود في نطاق جغرافي زمني محدد وهي سيادة نسبية؛ لأن الدولة منفتحة في علاقات اقتصادية وسياسية وجيو-استراتيجية. لا يجب النظر، بهذا المعنى، إلى السيادة الوطنية باعتبارها سيادةً مقدَّسةً، بل يجب التعامل معها كمعطى نسبيٍّ فإذا اقتضى الأمر خدمة مصلحةٍ عامَّةٍ بين الدُّول، فلابد أن تسعى هذه السيادة إلى الدخول في سيادة أوسع نطاقا خدمةً للمصالح العامة للدولة والمصالح العامة للانتماء الدولي[22].

أعتقد أن ثمة مسألة أساسية وجب التَّطرق إليها في ما يتعلق بالمناقشات الفلسفية حول مسألة السيادة، وهو أنَّ الدلالة التي تمنح للسيادة تميل إلى الجانب المعياري للقانون؛ وبالتالي لا يمكن أن تكون هناك مناشدة للحقائق الغاشمة حول الممارسة لإثبات أنها قابلة للتوافق بشكل مطلق مع فكرة السيادة. والحجة، في هذا المجال، كما هو الحال في مجال العلوم الإنسانية هي، دائما، عبارة عن خلط معقد بين الادعاءات المعيارية والواقعية، وتبقى المصالحة أمراً ممكناً للحديث عن نموذج عام للسيادة. والمقصود وجود معايير متعددة لتحديد السيادة في علاقتها بقانون الدولة والقانون الدولي؛ إذ لابد، ها هنا، من أن تكون توافقات لتحقيق المصالحة بين هاته الدلالات. والحاصل، لابد من إقامة الصِّلة بين الاستفسارات الأخلاقية والوقائعية ضمن دلالة عامةً تسمح بإقامة نقاشٍ فلسفيٍّ حول مسألة السيادة سواء في علاقتها بقانون الدولة أو بالقانون الدولي وهي المسألة التي أشار إليها بينفينيستي في مؤلفه[23].

حاول بينفينيستي الوقوف، في تطرقه للعلاقة بين السيادة الوطنية والسيادة في إطار القانون الدَّولي، عند الجانب الاقتصادي؛ بحيث أصبحت إمكانية الحديث عن سوق أوروبية مشتركة وشركات متعددة الجنسية ومعاملات تجارية عابرة للقارات. صحيح أن الجانب الأخلاقي يعتبر أن السيادة هي الحفاظ على حق الإنسان في العيش وحماية كرامته، بيد أن الاقتصاد، اليوم، وفي جانبه المركب، غيَّر مَلامح السيادة مانحاً إياها سمتين: المصلحة والقوة، وإذا كانت هناك تفاعلات بين الدول، في إطار مصلحة عامة، فمن أجل خدمة مبدأ القوَّة. هكذا، يمكن القول، في إطار الحديث عن السيادة، بضرورة خلق نوعٍ من التَّوازن بين المصالح الاقتصادية والسياسية من جهةٍ، والجانب الإنساني من جهة أخرى.

اعتبر فقهاء القانون أن دستور فايمار يعدُّ تهديداً مباشراً للسيادة الوطنية، لأنه أضعف سلطة الحاكم من خلال إدخال بعض الضوابط والتوازنات الدستورية الديمقراطية وذلك عن طريق مؤسساتٍ قانونيةٍ دوليةٍ، لقد كان قلقهم بشأن السيادة أكثر جذرية من معارضي المراجعة القضائية لمسألة السيادة، إذ رجعوا إلى جذور السيادة محاولين تحديد دلالتها الأولية وكذا التَّغيرات التي لحقتها. يُعدُّ كارل شميت من أكثر معارضي دستور فايمار معتبراً إياه نظاماً سياسياً حزبياً تعددياً للبرلمان، ومعتقداً أن هذا النِّظام مِثلَ النِّظام القضائي كان فريسةً انقضت عليها فئةٌ ضيقةٌ ساهمت في بلورة مجموعةٍ من المشاكل المرتبطة بالدَّولة الوطنية والقانون الدولي.

اقترح كارل شميت، حسب بينفينيستي، مفهوماً جديداً للسِّيادة بهدف حماية السِّيادة الوطنية من كل تشرذم، فمن يسود هو من يقرر في حالة الاستثناء، هكذا تصبح هذه الصيغة أكثر وضوحاً وبياناً مع كارل شميت خاصة في مؤلفه “السياسي” مع تمييزه بين الصديق والعدو. يبقى الحاكم السياسي، بالنسبة إليه، هو الشَّخص القادر على التمييز بينه وبين الدولة؛ إذ اعتقد شميت أن المؤسسات الديمقراطية الليبرالية مع التزامها بتنظيم القانون للسلطة السياسية؛ أي بسيادة القانون، غيرُ قادرةٍ على التَّمييز، وبالتالي فهي غير قادرة على أن تكون ذات سيادة؛ هكذا، لا يمكن أن تكون الوصي على الدستور. يظهر الخلل، ها هنا، في كون القوانين اعتبرت منذ البداية هي السَّائدة في حين أن الحاكم الذي يقرر في حالة الاستثناء هو الذي يجب أن يمثل هذه السيادة. أما هانز كلسن فقدم نموذجاً وضعياً للقانون، وهو النموذج الذي عارض الفكرة الكلاسيكية القائلة بأن كل دولةٍ ذات سيادةٍ هي دولةٌ لا تخضع لقانونٍ مفروضٍ من الخارج.

بناء على ما سبق، يمكن القول إن كارل شميت يشدِّد على مبدأ سيادة القرار ضد سيادة المعيار، وهي المقاربة المعيارية المتبناة من طرف الاتِّجاه الرَّاديكالي في الوضعانية القانونية، والتي تزامن ظهورها مع ميلاد العلوم الإنسانية في القرن التَّاسع عشر. لا يخفى على الواحد منّا انتشار الوضعانية خلال هذا القرن، حيث تمكنت من إحكام قبضتها على العديد من المجالات المعرفية عاملةً، بذلك، على زحزحة عرش الميتافيزيقا، هكذا تم النظر إلى السلوك الإنساني باعتباره سلوكا قابلا للدراسة الكمية والتحليل العلمي الموضوعي. نشير في هذا السياق إلى تقسيم أوجست كونت Auguste Comte لمراحل التاريخ البشري؛ حيث توقف عند ثلاث مراحل أساسية: المرحلة اللاهوتية والمرحلة الميتافيزيقية، التي تعدُّ مرحلة انتقاليةً، وأخيراً المرحلة الوضعية أو العلمية. وباستثمارنا لهذا التَّقدم في مجال الوضعية القانونية وعلاقته بالسِّياق الدولي نجد أنَّ الدولة الوطنية حاضرة رغم كل المتغيرات الاقتصادية والتقلُّبات السياسية. هكذا؛ اعتبر بنفينيستي أن كارل شميت قد أسَّس لنظريةٍ متقدمةٍ تنظر إلى الدولة من جهة مبدأ السيادة، إذ من الضروري التَّفاعل مع دول أخرى تتمتَّع بنفس درجة السِّيادة؛ بتعبير آخر إن ترهُّل السِّيادة الوطنية سيجعل، لا محالة، الدولة الوطنية مجرد أداة في يد دولة تتمتع بسيادة أقوى وهو ما يتنافى مع مبدأ السيادة الوطنية. هكذا، إن انفتاح الدولة الوطنية على باقي الدول لا بد من أن يتم بالكيفية التي تجعلها محافظةً على مجالها الخاص وخصوصيتها القومية، مع عدم المساس بهويتها القانونية والسِّياسية[24].

والظَّاهر أن هانز كلسن، رائد النَّزعة المعيارية في دراسة القانون، قد دفع بهذا الطُّموح الوضعاني إلى حدوده القصوى، حيث عالج إشكالية القيم الأخلاقية الموجِّهة للسُّلوك الإنساني من خلال التَّركيز، حصراً، على المعايير القانونية. لقد رفض صاحب “النظرية الخالصة للقانون” النظر لكل اعتباراتٍ سياسيةٍ، والسبب مردُّه إلى أنَّ القيم الأخلاقية قد تسير في اتجاه الدِّفاع عن الإنسانية؛ وبالتالي القضاء على المبادئ الأصلية المؤسِّسة للدَّولة. يبقى القانون، بهذا المعنى، هو المعيار الأساس الذي تلجأ إليه الدولة، سواءً تعلق الأمر بالشؤون الداخلية أو الخارجية المحكومة بالقوانين الدَّولية. وإذا كانت السِّياسة، من حيث هي نظرية تبتغي النّظر إلى ما يجب أن يكون، تتقاطع مع الأخلاق في قضايا: العدالة، والحرّية، والواجب، والمساواة، فإنَّه في واقع الحال لا يمكن أن نرهن الفعل السياسي بما هو قيمي نسبي، بل يجب البحث دائما عن معايير عامة مشتركة هي التي تحدد ما ينبغي أن يكون عليه السلوك الإنساني داخل الدولة[25].

إن ربط كلسن السيادة بمؤسسات الدولة معناه غياب الدولة خارج إطار القانون، إذ يمثل الأخير هذا الدولة ويعبر عن هويتها، بتعبير آخر هناك علاقةٌ جدليةٌ بين وجود الدولة ووجود القانون، ولتحقيق هذا التَّماهي بينهما أكَّد هانز كلسن على دستورٍ أصليٍّ أساسيٍّ يجسِّد القانون الأعلى الذي تتفرع منه قوانين الدَّولة وهو المعيار الفاصل في ما يخصُّ الشؤون الدَّاخلية إضافةً إلى كونه يمتدُّ للنَّظر في مجموع القضايا التي تهمُّ السِّياسات الخارجية والعلاقات بين الدُّول. لنُضف إلى هذا أنَّ الجمع بين القانون والدَّولة، الدُّستور والسُّلطة، يجعل النِّظام السِّياسي نظاماً برلمانياً؛ وإذ نقول الدِّيمقراطية التَّمثيلية فمعناه نظام انتخابي تستند فيه السُّلطة إلى الأغلبية. هكذا، ليس نظام الحكم عند كلسن إلاَّ نظاماً حزبياً تعددياً تستحيل معه تحقيق الإرادة العامة، فالممكن هو خضوع البعض لسلطة البعض الآخر.

.

خاتمة

المستشفُّ من كل ما سبق، أن السِّيادة الوطنية، وبناء على الواقع المعاصر، إنَّما ترتبط بالقانون الدَّولي؛ إنها تشكل أحد الأركان الأساسية التي تُبنى عليها الدَّولة الوطنية، سواء تعلق الأمر بالفكر السِّياسي أو فلسفة القانون، وتُعَدُّ الدَّولة، ضمن هذا السِّياق، من اللَّبنات الأولى التي يقوم عليها صرح القانون الدولي؛ إذ لا وجود لعلاقاتٍ دوليةٍ مع المساس بالسِّيادة الوطنية، وبالتَّالي فالمسألة الحاسمة هي التوفيق بين وجود الدولة الوطنية والقانون الدولي اللذيْن يجب أن يكون بينهما تماه بحيث لا تتعارض السيادة الوطنية مع القانون الدولي.

يمكن القول، ختاماً، بعدم وجوبِ تعارض القانون الدَّولي مع مبدأ السيادة الوطنية؛ إذ تتفرد كل دولةٍ بخصوصيةٍ معينةٍ، وهوية وكيانٍ قانونيٍّ خاص، وما يحفظ استقرارها هو المرجعية الأساسية المتمثِّلة في السِّيادة. وعليه، كل العلاقات التي يمكن أن تنسجها الدَّولة مع سياداتٍ أخرى لا بد من أن تأخذ على محملِ الجدِّ قضية السِّيادة الوطنية؛ إذ كل العلاقات التي يمكن أن تنسجها الدولة الوطنية لا بد أن تضع ضمن أولوياتها قضية السيادة الوطنية، حيث إنَّ المَساس بهذه الأخيرة يعدُّ مساساً بقضيةٍ مقدَّسةٍ.

المراجع

  1. الصاوي، صلاح، نظرية السيادة وأثرها على شرعية الأنظمة الوضعية، القاهرة: منشورات الجيل، 1990، ص 152.
  2. 2)           إن ظهور العهد الجديد، في نظر لوثر، لم يلغِ العهد القديم؛ حيث إن الإثنين معا يمثلان كلام الله، غير أن الفرد مخير بين الأخذ من عدمه في ما يتعلق بالأحكام المبثوثة في العهد القديم.
  3. 3)           سيروان، حامد أحمد، اتفاقيات وضع القوات (SOFA) وتأثيراتها في سيادة الدول واستقلالها، حالة العراق نموذجا، دراسة تحليلية في ضوء القانون الدولي المعاصر، السليمانية: مركز كردستان للدراسات الاستراتيجية، 2011، ص 65.
  4. هوبز، طوماس. اللڤياثان (الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة)، ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب، أبو ظبي: هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث (كلمة) ودار الفارابي، 2011، ص 179.
  5.   توجد في الطَّبيعة البشرية ثلاثة أسباب أساسية تؤدي إلى الصِّدام: الأول هو المنافسة، والثَّاني عدم الثقة والثَّالث المجد.
  6.   هوبز، طوماس. اللڤياثان (الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة)، ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب، أبو ظبي: هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث (كلمة) ودار الفارابي، 2011، ص 214.
  7. 7)           سيروان، حامد أحمد، اتفاقيات وضع القوات (SOFA) وتأثيراتها في سيادة الدول واستقلالها، حالة العراق نموذجا، دراسة تحليلية في ضوء القانون الدولي المعاصر، السليمانية: مركز كردستان للدراسات الاستراتيجية، 2011، ص 114.

 .

  • Herrera, Carlos-Miguel. “Kelsen et le libéralisme.” In Le droit, le politique autour de Max Weber, Hans Kelsen et Carl Schmitt. L’Harmattan, Paris, 1995. p. 58.
  • Chrétien, Alfred. Principes de droit international public. Paris: Librairie Marescq aîné, 1893.
  •   Chrétien, Alfred. Principes de droit international public. Paris: Librairie Marescq aîné, 1893. p. 113.
  • Benvenisti, Eyal and Moshe Hirsch. The Impact of international law on international cooperation: theoretical perspectives. New York: Cambridge university press, 2004. p. 125-130.
  • Roche, Catherine and Wafa Tamzini. L’essentiel du droit international public. Paris: Gualino, 2010. p. 34.
  • Dyzenhaus, David. “Kelsen, Heller and Schmitt: paradigms of sovereignty thought.” Theoretical inquiries in law 16, no. 2 (2015): 337–366.
  •   Benvenisti, Eyal and Moshe Hirsch. The Impact of international law on international cooperation: theoretical perspectives. New York: Cambridge university press, 2004. p. 147.

[1] الصاوي، صلاح، نظرية السيادة وأثرها على شرعية الأنظمة الوضعية، القاهرة: منشورات الجيل، 1990، ص 152.

[2] إن ظهور العهد الجديد، في نظر لوثر، لم يلغِ العهد القديم؛ حيث إن الإثنين معا يمثلان كلام الله، غير أن الفرد مخير بين الأخذ من عدمه في ما يتعلق بالأحكام المبثوثة في العهد القديم.

[3] سيروان، حامد أحمد، اتفاقيات وضع القوات (SOFA) وتأثيراتها في سيادة الدول واستقلالها، حالة العراق نموذجا، دراسة تحليلية في ضوء القانون الدولي المعاصر، السليمانية: مركز كردستان للدراسات الاستراتيجية، 2011، ص 65.

[4] هوبز، طوماس. اللڤياثان (الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة)، ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب، أبو ظبي: هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث (كلمة) ودار الفارابي، 2011، ص 179.

[5] نفسه، ص 142.

[6] نفسه، ص 143.

[7] توجد في الطَّبيعة البشرية ثلاثة أسباب أساسية تؤدي إلى الصِّدام: الأول هو المنافسة، والثَّاني عدم الثقة والثَّالث المجد.

[8] هوبز، طوماس. اللڤياثان (الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة)، ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب، أبو ظبي: هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث (كلمة) ودار الفارابي، 2011، ص 214.

[9] Chrétien, Alfred. Principes de droit international public. Paris: Librairie Marescq aîné, 1893.

[10] Chrétien, Alfred. Principes de droit international public. Paris: Librairie Marescq aîné, 1893. p. 113.

[11] سيروان، حامد أحمد، اتفاقيات وضع القوات (SOFA) وتأثيراتها في سيادة الدول واستقلالها، حالة العراق نموذجا، دراسة تحليلية في ضوء القانون الدولي المعاصر، السليمانية: مركز كردستان للدراسات الاستراتيجية، 2011، ص 114.

[12] Roche, Catherine and Wafa Tamzini. L’essentiel du droit international public. Paris: Gualino, 2010. p. 34.

[13] نفسه، ص 42.

[14] نفسه، ص 37.

[15] نفسه، ص 43.

[16] نفسه، ص 46.

[17] نفسه، ص 72.

[18] نفسه، ص 30.

[19] Benvenisti, Eyal and Moshe Hirsch. The Impact of international law on international cooperation: theoretical perspectives. New York: Cambridge university press, 2004. p. 125-130.

[20] نفس المرجع والصفحة.

[21] نفس المرجع والصفحة.

[22] Dyzenhaus, David. “Kelsen, Heller and Schmitt: paradigms of sovereignty thought.” Theoretical inquiries in law 16, no. 2 (2015): 337–366.

[23] Benvenisti, Eyal and Moshe Hirsch. The Impact of international law on international cooperation: theoretical perspectives. New York: Cambridge university press, 2004. p. 147.

[24] Herrera, Carlos-Miguel. “Kelsen et le libéralisme.” In Le droit, le politique autour de Max Weber, Hans Kelsen et Carl Schmitt. L’Harmattan, Paris, 1995. p. 58.

[25] نفسه، 53-55.

إقرأ أيضاً

الضمانات القانونية في الجريمة الإلكترونية

الضمانات القانونية في الجريمة الإلكترونية عبد السلام أبو الربيع   باحث في القانون مقدمة: أصبح …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *