الدائرة الافريقية في الفكر الجيوسياسي المغربي الحديث.

14

الدائرة الافريقية في الفكر الجيوسياسي المغربي الحديث.

The African Circle in Modern Moroccan Geopolitical Thought.

الدكتور ادريس المنصوري ،

باحث في العلاقات الدولية

Dr. driss ElMansouri, researcher in

international relations.

 

ملخص

تعرض المغرب طيلة القرون الثلاثة الأخيرة ، لمحاولات حصار جيوسياسي من طرف فاعلين اقليميين تعددوا باختلاف مراحل توزيع موارد القوة في المنظومة الإقليمية، حيث تعاقب الاسبان و البرتغاليين و الاتراك لينتهي الامر باحتلال عسكري مباشر انهى الطابع الامبراطوري للإيالة الشريفة ، وبدا مسلسل من الاقتطاعات المجالية للرجل المريض المغربي  دشنه الاحتلال الفرنسي تم الاسباني لتتسلم الجزائر مشعل الخصومة وبطابع أيدلوجي كرست خلاله جميع مواردها لحصار المملكة شرقا و احداث قطيعة مجالية مع عمقه الافريقي التاريخي .

هدا التهديد المستمر للمملكة ومصالحها بالمنطقة بل لتواجدها كوحدة سياسية مستقلة دات سيادة ولد لدى النخبة المغربية وصانع السياسة الخارجية المغربي قناعة جيوسياسية بأهمية المجال الجنوبي.     فدعت الحركة الوطنية وعلى رأسها علال الفاسي بالتأسيس لامة مغربية لها مجالها الحيوي الخاص ، حيث طالب بتحرير موريتانيا و الصحراء الشرقية والعودة للحدود التاريخية للإيالة الشريفة .

هدا التأصيل النظري حاول جيش التحرير تنفيذه ميدانيا بشن هجمات عسكرية شرقا و جنوبا علـى القوات الفرنسية قبل ان تنكسر هده الطوباوية امام تحالف عسكري اسباني فرنسي انهى هده الطموحات

بدوره سعى الملك الحسن الثاني في واقعية سياسية طبعت تحركه الجيوسياسي امـــــام تغير موازين القوة إقليميا و جبهة داخلية وسمها الصراع السياسي العنيف مع اليسار و الجيش، الى الحد من الخسـائر بخفض سقف المطالب في ملف موريتانيا لكن مع عدم الاستعداد للتفريط في الأقاليم الجنوبية البوابـــــة الحيوية و الحبل السري للمغرب مع افريقيا .

التوجه جنوبا سيتحول الى عقيدة جيوسياسية مع الملك محمد السادس باستراتيجيــــــــة طويلة النفس تعتمد ربط مصالح اقتصادية مشتركة مع بلدان افريقيا بالاستثمار المكثف في القطاعات الحيويــــــــــــة و تحريك كل الوسائل الدبلوماسية و الإستراتيجية خدمة لهدف تحقيق زعامة  ناعمة بافريقيا .

لقد  تأسس التوجه الجيوسياســــــــــــــــــــي المغربـــــــــــــي على الحقائق  التاليـــــــــــــــــــــــــة :

ـ دور المملكة مرتبط بنيويا ووظيفيا بالجنوب التاريخي .

ـ  إعطاء الأولوية للدائرة الإفريقية سيؤدي إلى تقوية دور المملكة ومكانتها في علاقتها بباقي النظم الإقليمية، بل وداخل النظام الدولي و الإفلات من الحصار المضروب على المملكة بإغلاق الجزائر للشرق المغربي والمراقبة الدقيقة لقدراته الإستراتيجية من قبل إسبانيا.

الكلمات المفتاحية :  المغرب ـ العلاقات الدولية  ـ الجيوبوليتيك ـ السياسة الخارجية المغربية ـ المجال الافريقي ـ الهيمنة الإقليمية الناعمة ـ العلاقات الاقتصادية ـ علال الفاسي ـ محمد الخامس ـ الحسن الثاني ـ جيش التحرير ـ محمد السادس ـ المجال الحيوي .

.

 

Summary

 

During the last three centuries, Morocco has been subjected to geopolitical attempts at a geopolitical siege by a variety of regional actors in different stages of the distribution of power resources in the regional system. The Spanish, Portuguese and Turkish succession ended with a direct military occupation that put an end to the emperor character of the kingdom. A series of spatial deductions then appeared as the Moroccan territory being fragile. The French occupation inaugurated, followed by the Spanish so that Algeria received the bonfire of the rivalry with an ideological character. Through it, it devoted all its resources to the siege of the kingdom to the east and to cause a spatial rupture with its historic African depth.

That is a constant threat to the kingdom and its interests in the region, but rather to its presence as an independent political unit that gave the Moroccan elite and the Moroccan foreign policy maker, a geopolitical conviction about the importance of the southern sphere. The national movement, led by Allal El Fassi, called for the establishment of a Moroccan nation that has its own vital sphere, as he called for the liberation of Mauritania and the Eastern Sahara and a return to the historical borders of the Kingdom.

That theoretical foundation pushed the Liberation Army to implement it in the field by launching military attacks in the east and south against the French forces before a Spanish-French military alliance ended their ambitions.

In turn, King Hassan II sought in a political realism that characterized his geopolitical move in the face of changing the balance of power regionally and locally. He called it the violent political conflict with the leftists and the army in order to limit losses by lowering the ceiling of demands in the Mauritania file, but not willing to neglect the southern regions considered as the vital gate and the umbilical cord linking Morocco to Africa.

Going south will become a geopolitical doctrine for King Mohammed VI with a long-term strategy that relies on linking common economic interests with African countries through intensive investment in vital sectors and mobilizing all diplomatic and strategic means to serve the goal of achieving soft leadership in Africa.

The Moroccan geopolitical trend was actually based on the following facts:

  • The role of the kingdom is linked structurally and functionally to the historical south
  • Giving priority to the African region will lead to the strengthening of the Kingdom’s role and its position in its relationship with the rest of the regional regimes, and even within the international system. Moreover this will help evading the siege imposed by Algeria to eastern Morocco and the close monitoring of its strategic capabilities by Spain.

Key words: Morocco – International relations – Geopolitics – Moroccan foreign policy – African sphere – Soft African domination – Economic relations – Allal El Fassi – Mohammed V – Hassan II – Liberation Army – Mohammed VI – The vital sphere

 

 

 

 

 

 

 

 

 

               تؤشر التحولات التي طالت بنية النظام الدولي منذ عقود إلى سلسلة من التغيرات التي مست النظم الفرعية، وأثرت في الدولة ككيان محوري في العلاقات الدولية وفي وظائفها الداخلية والخارجية، وأعادت صياغة النظام المعياري والقيمي للعلاقات الدولية موجهة إياها نحو فوضى بدون سلطة معيارية متفق عليها من لدن الكل.

إذ شهدنا سقوط قوى عظمى، وانهيار أنظمة سياسية وإيديولوجية، وتسيد أخرى وظهور قوى إقليمية تبحث لنفسها عن مكان تحت ضوء الشمس، كما غرقت بعض مناطق العالم في صراعات وحملات تطهير عرقية وحروب غدتها المصالح والحسابات الجيوسياسية للقوى الدولية والإقليمية.

وقد أدى ذلك إلى عجز المفاهيم و”البراديغمات” التقليدية عن استيعاب وتفسير هذه التغييرات القوية والمتلاحقة والتي طبعت المرحلة الدولية لما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

وظهرت أخرى استهدفت –غالبا- تمجيد لحظة انتصار الغرب وإلغاء الآخر، فتحولت إلى مفاتيح أساسية لفهم الشؤون الدولية[1]، وتوجيه السياسة الخارجية للقوى العظمى، كبراديغم صدام الحضارات “لصمويل هنتنغتون” الذي انتصر لفكرة الحضارة والانتماء الثقافي كمحدد جديد في العلاقات الدولية، معتبرا أن الصراع القادم لن يقوم على أسس إيديولوجية سياسية أو اقتصادية بل ثقافية، مقسما العالم إلى كتل ثقافية كبرى متواجهة.

وبراديغم ” نهاية التاريخ ” “لفرانسيس فوكوياما” الذي اعتبر أن انهيار الاتحاد السوفياتي  وقبله الأنظمة الشمولية النازية والفاشية ليس مجرد” نهاية لفترة معينة من تاريخ ما بعد الحرب، بل التاريخ ذاته، أي نهاية التطور الإديولوجي للبشرية كلها وتعميم الديموقراطية الليبرالية الغربية شكلا نهائيا للسلطة على البشرية جمعاء”[2].

وجاء براديغم “نحن والآخرين” امتدادا لتكريس فكرة انتصار الغرب وثقافته، ومن أهم منظري هذا الاتجاه “جون كريستوف روفان” في كتابه  “الإمبراطورية والبرابرة الجدد”، الذي يسقط بنية النظام الدولي الحالي على المنظومة الدولية التي أسستها الإمبراطورية الرومانية، والتي جسدت مجالا للرفاه والاستقرار السياسي والقوة العسكرية مقابل مجالات البرابرة الواقعة فيما وراء حائط ” الليمس Limes le “، حيث الفوضى والفقر والعداء لروما .

حيث يدعو أصحاب هذا الاتجاه إلى إعادة بناء جدار الليمس ليفصل بين الشمال الغني المستقر الديموقراطي والجنوب الفقير الذي يعيش في ظل أنظمة ديكتاتورية، من خلال إيديولوجية “إقصائية” تسعى إلى تكريس التهميش[3] والفصل بين المجالات والحفاظ على المكتسبات على حساب العالم الثالث الذي يشكل مصدر تهديد.

لقد وجهت هده القوالب النظرية السياسة الخارجية الحالية للقوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي وجدت في هجمات 11 شتنبر فرصة لإشهار ورقة صراع الحضارات، وترسيم حدود جديدة بين العالم المسيحي الديموقراطي المتقدم وبين عوالم متخلفة فقيرة مغايرة ثقافيا .

هذا التراكم في الإنتاج النظري والسلوك الخارجي العدائي والفاقد لأية بوصلة معيارية أخلاقية، وضع العالم في حالة تقلب مستمر، فأصبح النظام الدولي الحالي عرضة للمصادفات والاحتمالات أكثر من أي وقت مضى، وبالتالي، أصبح التنبؤ بسلوك وقواعد ثابتة أمرا مستحيلا[4]، بل هناك من اعتبر أن النظام الحالي دخل مرحلة من الفوضى واللانظام (le chaos) وفقد قدرته على حفظ النظام وإدارة علاقات القوة وإنتاج أنموذج معياري له قدرة على فهم الأداء الفعلي للتفاعلات الدولية[5]، جعلت ” بيير هاسنر” يصف المرحلة “بالقرون الوسطى الجديدة”، أما “روبرت كابلان” فاعتبرها “فوضى قادمة” تؤشر إلى انهيار تام للسلطة السياسية.[6]

هذه التحولات دفعت بالفاعلين الدوليين إلى الصراع على المواقع والتنافس على المصالح وحيازة موارد القوة، مما أنتج خارطة جديدة لتوزيع عناصر القوة[7] بتشتيتها، فلم تعد هذه حكرا على طرف واحد (الولايات المتحدة الأمريكية). ووقع بالتالي تحول في علاقات القوة، حيث توسع هرم النظام الدولي بدل الثنائية والأحادية الشهيرة إلى ما أسماه “روزكرانس” نظام “وفاق القوى” المبني على الاعتماد المتبادل بين “نادي القوى الدولية الكبرى” المتطلعة للهيمنة، وهي (أوروبا  الموحدة، واليابان، وروسيا، والصين جنوب شرق آسيا، إصافة إلى قوى إقليمية مثل البرازيل في أمريكا الجنوبية، وجنوب إفريقيا داخل مجموعة السادك، والهند جنوب آسيا …) ـ حسب تصنيف  ديفد مايزرـ والتي ضيقت دائرة القرار الدولي واتفقت ضمنيا على اقتسام المصالح ومجالات النفوذ دوليا وإقليميا، أما القوى الصغرى الهامشية وغير المنضوية بفعالية داخل تكتلات فشكلت القاعدة الكبيرة للهرم، فعلاقتها بالنظام لا تتسم بالمشاركة، بل أحيانا كثيرة بالإكراه وتوظيف المؤسسات الدولية كمجلس الأمن وصندوق النقد والبنك الدوليين وهيئة الطاقة الدولية ، كوسائل لضبط سلوك وحدات قاعدة هرم النظام [8].

انهيار المنظومة القيمية والمعيارية الدولية جنح بالعلاقات الدولية ومؤسساتها بعيدا عن الحلم الذي راود الطوباويين والمثاليين منذ “وودرو ويلسون”، الكامن في مجتمع دولي متضامن يسوده السلام والرخاء، وباتت الدولة داخل هذه الفوضى المعيارية لا سيما ـ الدول الصغرى ـ مهددة في  قيمها المركزية السياسية والاقتصادية  والثقافية… بل وفي تواجدها كوحدة سياسية مستقلة وذات سيادة على قراراتها ومجالاتها الترابية، وفاقدة للثقة في إستطاعة النظام الدولي ومؤسساته صيانة هذه القيم، وفي  قدرته على التوزيع المتساوي للخيرات والثروات الاقتصادية، فظهر نزوح نحو التكتلات الجهوية في ما سمي “بالإقليمية الجديدة “[9] دعوة لجعل الإقليم مخاطبها القوي في مواجهة النظام الدولي، بل ومحاولة لإعادة تشكيل بنية النظام الجديد نفسه، حيث حرصت هده الدول من خلال التكتل على حماية القيم المركزية الأساسية لتواجد الدولة لاسيما الاقتصادية والثقافية .

إذ أدركت الدول الصغرى المحدودة الموارد أن الظرف الدولي لا يسمح بالانعزال داخل النظام الدولي، ولا بالدخول في تكتلات دون الحرص على أن يكون الانخراط إيجابيا فعالا والدور داخل المنظومة الإقليمية رياديا .

فالوحدات السياسية ذات الأدوار والمكانة الضعيفة يحكم عليها بالبقاء على هامش النظام سواء كان دوليا أو إقليميا وبالتبعية لدول المركز نظرا لحاجتها الدائمة إلى تحالفات تعزز موقعها داخله، وتدعم  قدراتها التفاوضية للدفاع عن مصالحها .

والمغرب بلا شك من الدول التي شملتها تأثيرات هده التحولات الطارئة على البنيات الدولية والإقليمية نظرا لشبكة علاقاته داخلهما، ولموقعه الجيو- استراتيجي، ورهان العديد من القوى في مراحل عدة من التاريخ المعاصر على التحالف معه واستثمار مزاياه خاصة تلك التي يوفرها فضاءه الجغرافي وشبكة علاقاته داخل دوائر تحركه الإقليمية.

إن المطلوب اليوم هو فهم موقع المملكة داخل حركة هده التغييرات التي طالت محيطها الدولي ودوائرها الإقليمية ومدى تأثرها بها، ومدى قدرتها على حماية قيمها المركزية في ظل هذا التنافس، هذا الفهم لن يتأتى إلا بطرح بدائل للدوائر التقليدية التي تتحرك فيها السياسة الخارجية المغربية .

و يطرح المجال الافريقي نفسه كمجال بديل للمحاور المعتادة : الأوروبية ــ المتوسطية و العربية ــ الإسلامية …نظرا لبعده التاريخي و ثقله الثقافي و لامتداده الجغرافي و لكون موازين القوة داخل هدا المجال تؤهل المملكة للعب أدوار ريادية .

في احدى محاضراته حول العلاقات المغربية الافريقية يخلص المؤرخ عبد الله العروي  “… الحقيقة أننا نجد الدليل على أهمية روابط المغرب بإفريقيا في كل صفحة من صفحات التاريخ المغربي نجدها إيجابية ونجدها سلبية، بمعنى أننا نلمح آثارها في قوة الدول انبساطها وفي ضعفها وانحطاطه إلى حد أنه يجوز للقائل أن يقول  أن المغرب يعلو ويرتفع بتدعيم وترسيخ روابطه بإفريقيا ويهبط وينحدر بضمور تلك الروابط وانحلالها وضياعها…” [10], اد يتواجد ارتباط نسقي (بنيوي ووظيفي) بين صعود الدور المغربي وانهياره وعلاقته بالسودان التاريخي أو الجزء الغربي من القارة الإفريقية.

فأول تجربة سياسية استطاعت توحيد المجال المغربي سياسيا والسيطرة على مجمل الغرب المتوسطي والمغاربي، إضافة إلى غرب إفريقيا، انطلقت من هذا المجال مستفيدة من مجموعة من العناصر التي أتاحها فضاء مفتوح غني بالموارد الاقتصادية، يضم كتلة ديموغرافية كبيرة استطاعت من خلالها دولة المرابطين توحيد هذا الفضاء بالشمال المغربي، حيث ظلت هذه العلاقة  الوظيفية بين المركز في الشمال المغربي والأطراف في الجنوب عنصرا هاما في سياسة التوسع والهيمنة نحو الشرق المغاربي والشمال الإسباني عبر ضمان موارد اقتصادية، وبشرية وعسكرية.

هذه العلاقة أصابها الضمور خلال أواخر العهد الموحدي والوطاسي مما أدى إلى استقلال الجنوب وعزلة الشمال وحرمانه من مجموع هذه الموارد، فنتج عن ذلك تقلص جغرافي لسلطته، وأفول دوره الإقليمي.

خلال القرن 16 م الذي صادف التجربة السعدية تمت إعادة الارتباط من جديد، وعكس نظيرتها المرابطية، انطلق هذا الربط من الشمال في اتجاه الأطراف الجنوبية، في مرحلة تميزت منظومتها الإقليمية بظهور فاعلين آخرين امتلكا موارد مهمة للقوة، هما الأتراك على الحدود الشرقية للمملكة والمملكة الإسبانية القوية في الشمال، ولم يبق للقوة السعدية الناشئة مجالات للتوسع غير العودة إلى المناطق التقليدية للنفوذ المغربي، فتمت إعادة الارتباط ولو بشكل قسري، لكنها مكنت الدولة الجديدة من موارد اقتصادية ومخزون بشري من اليد العاملة والمقاتلين، إضافة إلى مساحات جغرافية واسعة أعطت عمقا استراتيجيا، جعلها تتجاوز الحصار المضروب شرقا وشمالا، وأضفت عليها بعدا إمبراطوريا.

“ومهما يقل البعض عن كيفية تحقيق المشروع، تبعا لآراء الفقهاء المعارضين له، لا يمكن أن ينكر أحد أن المخططين له كانوا على علم  بمدى أهمية اتصال المغرب بإفريقيا، وإذا فسرنا قوة الدولة السعدية أيام المنصور الذهبي بتحقيق مشروعه أي بتجديد روابط المغرب بإفريقيا، فلا مناص من إرجاع انحطاط المغرب بعد موته والفوضى التي عمت البلاد مدة خمسين سنة، وكادت أن تعصف بوحدة الوطن إلى خلل طارئ على هذه العلاقات “[11].

هذا الارتباط البنيوي بالجنوب أدركته كل التجارب السياسية التي تعاقبت على حكم المغرب، فحافظتا على هذه العلاقة بالوسائل الدبلوماسية أو العسكرية، لضمان بقاء هدا المنفذ الاستراتيجي والاقتصادي، الذي ظهرت فائدته جليا في الفترة التي شهدت استيلاء الأيبيريين على مجمل منافذ المغرب البحرية المتوسطية والأطلسية، ودخول المغرب في صراع عسكري ودبلوماسي مع الأتراك شرقا.

هذا الارتباط الاستراتيجي بالجنوب أدركه أيضا كل الخصوم الذين حاولوا عبر التاريخ إضعاف المملكة ودورها الإقليمي والاستيلاء عليها، بدءا بالإيبيريين الذين حاولوا مرارا احتلال الجنوب الممتد من سيدي إيفني إلى شواطئ السنغال وساحل العاج، ومن تم التقدم شمالا نحو المملكة، وتحويل التجارة الصحراوية نحو المحيط الأطلسي، مرورا بالاستعمار الفرنسي الذي استولت قواته على السنغال وموريتانيا، وانطلقت شمالا بالموازاة مع قواتها في الشرق لغزو المغرب، ولحماية مستعمراتها الجديدة بإفريقيا الغربية ففصلت ارتباط هذه المستعمرات بالمغرب نهائيا، وعززت التواجد الإسباني في الجنوب المغربي جدارا عازلا بين شمال المملكة وأطرافها الجنوبية، وصولا إلى محاولة القادة الجزائريين في تدبيرهم للصراع الإقليمي مع المغرب، والعزل الكلي والنهائي للمملكة عبر خلق دويلة معادية في الجنوب تنهي تماما قرونا من التواصل المغربي ـ الجنوبي، وتطبق عليه بآخر حلقة من الطوق .

يلاحظ المراقب للسياسة الخارجية المغربية خلال العقدين الأخيرين و جود دينامية تعبر عن رؤية واضحة اتجاه افريقيا و بالذات الغربية , لكن هدا الزخم لم يشكل قطيعة مع السياسات السابقة بقدر ما كان هناك أعادة توجيه ووضع  و التركيز على أولويات وعقلنة لموارد تعاني أصلا من الندرة .

فالمجال الجنوبي كان دائما حاضرا في الفكر الجيوسياسي المغربي مند نشوء الدولة المغربية , نراه في اتجاه الحركات السكانية و العسكرية الكبرى عبر التاريخ سواء من الجنوب نحو الشمال كما حدث خلال التجربة المرابطية او من الشمال نحو الجنوب خلال التجربة السعدية .

و أدى الانهيار المتواصل لقدرات المملكة في بداية القرن الثامن عشر، وتقلص مجالها الترابي جراء الاحتلال الفرنسي والإسباني، إلى تهديد فعلي للتواجد المغربي كأمة موحدة ومستقلة ذات تاريخ سياسي عريق، هذا المسلسل أدى إلى بروز رد فعل وطني تبلور في فكر جيوسياسي لدى رواد الحركة الوطنية على رأسهم الملك محمد الخامس والزعيم الوطني علال الفاسي، ينادي بالحدود وبالأدوار التاريخية للمملكة، حاول جيش التحرير ترجمتها ميدانيا من خلال العمل العسكري , قبل ان يصبح الاتجاه جنوبا عقيدة جيوسياسية خلال فترة حكم الملك محمد السادس.

 

أولا: نظرية المجال الحيوي المغربي.

تولد لدى قادة الحركة الوطنية قناعة فكرية تتمثل في عودة المغرب لمجاله التاريخي المعروف قبل الفترة الاستعمارية، اقتناع تمليه ضرورة وجود مجال حيوي خاص لتطور الأمة المغربية ولعودتها لسابق عهدها كمملكة قوية.

أ- علال الفاسي وسؤال المغرب التاريخي:

يمكن اعتبار فكر علال الفاسي علامة دالة على تشكل وعي مغربي بانتمائه لأمة مغربية عريقة ذات خصوصية تنتمي إلى رقعة جغرافية محددة.

فقد تشكل لدى قادة الحركة الوطنية اقتناع حول أهمية الأقاليم والحدود التاريخية بالنسبة للأمة المغربية، وضرورة المحافظة على الامتداد الإفريقي لها، ويتضح ذلك جليا من خلال معارضته لاستقلال موريتانيا بوابة المغرب نحوالجنوب .

إذ لم يقبل بالحدود المفروضة على المغرب بعد الاستقلال، وناضل عبر كل الوسائل للدفاع عن الحدود التاريخية للإمبراطورية المغربية التاريخية، بل هدد مرارا باللجوء إلى قوة السلاح حتى يستعيد المغرب أراضيه المصادرة.

 

  • تشكل الوعي بالانتماء ” لأمة مغربية”:

عبر أكثر من أربعة عشر قرنا، حافظ المغرب على استقلاله السياسي بعيدا عن الشرق، ورغم النزوح المكثف للعنصر العربي، إلا أنه استطاع الاندماج في البنيات التقليدية المغربية.

فالأسر المتعاقبة على حكم المغرب ظلت غير تابعة فعليا لسلطة الشرق الأموي أو العباسي، وقد ساعد توقف المد التركي عند الحدود الجزائرية على تقوية هذا الإحساس بالاستقلال والتميز الذي ترسخ بعد انتصار المغاربة في وقعة وادي المخازن [12].

 

هذا التراكم التاريخي أنتج إحساسا بالانتماء لأمة مغربية متميزة لها مجال حيوي معروف لتطورها

ونموها، حيث يذهب علال الفاسي إلى أن “… القومية المغربية موجودة منذ القدم قبل الإسلام وبعده، مبثوثة في كل الآثار المغربية التي سلمت من عوادي الدهر وإنك لتجد في كتب … ابن جبير  وابن خلدون… وغيرهم من الأدلة على تمسك المغربي بوطنه وحبه لبلاده وتفضيله لها على الأوطان الشقيقة، ما تجده في آثار أبناء الأمم المعاصرة، وهذه الروح القومية هي التي دفعت بأمتنا للاستبسال في سبيل الدب عن كيانها طيلة العصور الوسطى الأوربية كلها ،خصوصا وقد توالت عليها هجمات عديدة من دولتين شديدتي التعصب هما إسبانيا والبرتغال…”[13].

ويضيف “علال الفاسي ” في توضيحه لاستقلالية الأمة المغربية “… كثيرا ما ادعى الباحثون في جو الوضع الاستعماري الذي عاش فيه وطننا، أن المغرب لا يمكن أن يعتبر أمة بالمعنى العصري، بل لا يمكن اعتباره إلا مجموعة من أوطان بيئات قبلية تتطاحن فيما بينها… وقد بنوا هذه الادعاءات على أن النظام الاجتماعي في المغرب ما يزال قائما على روح القبيلة والعشيرة…[14].  وبعد أن يفند علال الفاسي هذه الأطروحة يصل إلى استنتاج أن ” … القبيلة نفسها هي التي كونت الفكرة الوطنية بالمغرب [15].

فالأمة المغربية موجودة حتى قبل الفتح الإسلامي، إذ”… جاء الإسلام فوجد البلاد متحدة، فقبلته كدين ولكنها لم تقبل أن تتخلى عن وجودها كأمة ذات سيادة خاصة، وسرعان ما تكونت الدولة المغربية الإسلامية المستقلة برئاسة أحد آل البيت …” [16].

فالإسلام لم يكون الأمة المغربية، بل ساعد على تقويتها، ” فالأمة المغربية صمدت في خصوصياتها إزاء كل الأنظمة والديانات والمذاهب ، وهكذا فإن الإنسية المغربية لا تقبل به إلا إذا كان في إطار الوجود المستقل للوطن المغربي …[17].

بل ويضيف في خطاب أكثر تحديدا “… المغرب كأمة مسلمة لها في جاهليتها ما يعطيها الحق بأن تطالب بإنسيتها قبل الإسلام، التي تجلت في كفاح ملوكها للحفاظ على الجنس والقومية ونضالها الدائم ضد من يحاولون احتلالها، وفي هذا التعشق الكامل للحرية الذي جعل من شعبنا شعب الأمازيغ، وفي تقبلها للتعاون مع فنيقيته والامتزاج بها، وفي بوكاس ويوغرتا وحنبعل وفي القديس أوغستين والكاهنة، ما مهد السبيل لطارق وأمثاله من أبطال المغرب المسلمين.

فحينما جاء الإسلام ارتضته أمتنا دينا وارتضت العربية لغة لها، أصبحت عبقرية المغاربة تمتزج بالفضاء العربي الإسلامي، وتكون امتداد لروح الإنسية المغربية…”[18].

فالمغرب، حسب علال الفاسي، شكل أمة وقومية مستقلة بذاتها متميزة عن غيرها، حافظت على هذه الخصوصية عبر تراكم تاريخي جعل حتى الإسلام مجرد مكون بسيط قبلته هذه الأمة في إطار تشكيلها لإنسيتها الخاصة.

إن هذه الطروحات، وحسب المفكر عبد الإلاه بلقزيز، يمكن أن توصف بكونها طروحات إقليمية متعصبة تشبه إلى حد كبير تلك التي عبر عنها الحزب الوطني في مصر،[19] .

إلا أن بلقزيز يعود ليسوغ هذه الأفكار بالظرفية السياسية التي تم التعبير فيها عنها – ظروف الاحتلال الفرنسي- والتي تحكمها الحاجة إلى إيديولوجية وطنية وحدوية لتعبئة الشعب حول إيديولوجية تلتمس الشرعية من تاريخ يمتد إلى ماض سحيق.

ولكن يمكننا أن نضيف أن هذه الأفكار جاءت ردا على المد القومي الناصري العروبي الذي هدد الاستقلال الطويل للمغرب عن المشرق، وما تمت مراكمته طيلة قرون من خصوصية وطنية، خصوصا وأن هذه الأفكار تبلورت بعيد الاستقلال وزوال الاحتلال الفرنسي. لم يقتصر الفكر الجيوسياسي للحركة الوطنية، وعلى رأسها فكر علال الفاسي على مناقشة الأمة المغربية وخصوصيتها واستقلاليتها، بل امتد السجال إلى مناقشة المجال الحيوي الضروري لتطور هذه الأمة والرقعة الجغرافية اللازمة لنموها، مما أنتج فكرا جيوسياسيا متميزا كانت أهم مميزاته المناداة باستعادة المجال الحيوي التاريخي للأمة والذي عمل الاستعمار الفرنسي والإسباني على مصادرته وتقزيمه .

  • المجال الحيوي التاريخي للأمة المغربية:

من خلال دراسة فكر الحركة الوطنية، وعلى رأسها “علال الفاسي”، نلمس تطورا لنظرة جيوسياسية نوعية آمنت بضرورة ممارسة الأمة المغربية حقوقها التاريخية داخل حدودها التاريخية التقليدية خصوصا الجنوبية منها .

فقد أدرك هؤلاء أهمية هذا الامتداد الجنوبي بالنسبة لتطور هذه الأمة وعودتها لممارسة دورها الريادي الإقليمي، فهذه الحدود رسمها “علال الفاسي ” بين “……الجزائر والسنغال وموريتانيا وآيت بعمران والساقية الحمراء وتندوف والقنادسة وبشار وتوات وكورارة وما إلى ذلك كله من أجزاء…” [20]،  وخلال ندوة في مكتب لجنة تحرير المغرب العربي بالقاهرة  يونيو1956م صرح هذا الأخير :”… ولتحقيق مطالبنا فإننا نؤكد أن المغرب يصل في أقصى الجنوب إلى حدود سان لويس في السنغال بما في ذلك تندوف والقنادسة وتوات وبشار وموريطانيا كلها وكل الصحراء الإسبانية والساقية الحمراء …” [21].

هذه هي الحدود الحقيقية -حسب علال الفاسي-  للمغرب، والتي يجب أن نسعى إلى استرجاعها  إذ لا استقلال بدون عودة هذه الأقاليم  ف “… هذا الاستقلال سيظل ناقصا ما دامت طنجة لم تتحرر من إدارتها الدولية والصحراء من تندوف وحتى أطار، ومادات التخوم المغربية الجزائرية لم تسترجع للبلاد فسيضل استقلالنا أعرج، وسيظل واجبنا الأول هو مواصلة العمل لتحرير الوطن.[22]

أدرك علال الفاسي فعلا أهمية هذا المجال في ربط المغرب بمناطق نفوذه التاريخية، وتصدى دائما، سواء من خلال العمل  العسكري عبر دعم المجهود العسكري لجيش التحرير بالجنوب على الحدود المغربية الموريتانية، أوالسياسي من خلال المعارضة الشرسة لمحاولة فرنسا الاستئثار بهذا الإقليم، إذ اعتبرها أرضا مغربية خالصة كما أكد في مكتب لجنة تحرير المغرب العربي بالقاهرة  في يونيو1956م  بقوله “… تعاهد الشعب المغربي… على توحيد مناطق المغرب والتمسك بمواطنينا في الصحراء… إننا لسنا في حاجة الى التذكير بأن المغرب الأقصى كان يحمل اسم موريتانيا في حقبة طويلة من تاريخه …والواقع أن الموريتانيين ظلوا مغاربة وظلت بلادهم تابعة لحكم سلاطين المغرب حتى وقع التغلغل الفرنسي في أرضهم سنة 1904م …”[23]

وقد ازدادت حدة هذا الخطاب لدى إقدام فرنسا على إقرار القانون الإطار الخاص بموريتانيا، والذي اعتبره “علال الفاسي” محاولة فرنسا “… فصل إقليم واسع وغني من بلادنا وإلحاقه بها وتأسيس هيأة تستطيع أن توقع على رخص المعادن باسم السلطة الموريتانية لفائدة الرأسمالية الفرنسية والسلطة الاستعمارية التي تحميها …”[24]

ولمواجهة محاولة الفصل هذه، دعا الحكومة إلى “… تعيين أربعة نواب في المجلس الوطني الاستشاري اثنين عن موريتانيا، واثنين عن تندوف والمناطق الأخرى… وأن تؤسس وزارة الداخلية قسما خاصا بصحراء المغرب تكون مهمته الدفاع عن مصالح السكان في هذا الجهات …[25]

وبعد إجراء استفتاء صوت خلاله الموريتانيون على الانضمام لدائرة الرابطة الفرنسية، اعتبر علال الفاسي المسألة خطيرة إلى الحد الذي تصبح بالنسبة للمغاربة مشكلة الساعة، وطالب الملك بالتدخل بكل قواه لإرجاع الحق إلى نصابه دفاعا عن الوطن وعن العرش، بل وصعد في موقفه ضد الحكومة التي اعتبر كل “… تقصير من طرفها خيانة أمام الله والوطن والأجيال المقبلة…”[26]، فالصحراء وموريتانيا بالنسبة إليه “… قضية حياة أو موت بالنسبة للمغرب، وقضية نجاح أو فشل لتجربة الاستقلال …”[27]

هذا الإيمان بحيوية المجال الصحراوي بالنسبة للمغرب دفعته إلى الاصطدام بمولاي الحسن ولي العهد آنذاك والذي عبرعن رأيه في قبول مبدأ تقرير المصير إذا اختار الشعب الموريتاني ذلك.

فكان رد فعل علال الفاسي أن صرح “… أجدني مضطرا إلى توضيح حقيقة استميح  صاحب السمو الملكي في وضعها موضع الوضوح أمام الجميع، هي أنه ليس من حق الملك ولا من حق الشعب المغربي أن يقبل … إمكان اختيار إقليم من أقاليمه الاستقلال… فموريتانيا كفاس التي أنا من مواطنيها، والرباط التي يتشرف أن يكون سموه من أبنائها، لا حق لهم في الانفصال عن المغرب، ومن واجب الملك والشعب أن يجبروهم بالقوة للمحافظة على وحدة الوطن …[28]

 

لقد اعتبر “علال الفاسي”  فقدان موريتانيا والتخوم الصحراوية مع الجزائر (تندوف وكولومب، وبشار، وتوات، والساورة…) تقليصا للمجال التاريخي للأمة المغربية وسطوا على حدودها، لقد أدرك أن لهذه الأمة مجالا حيويا أساسه الامتدادات الجنوبية التاريخية، والتي خولت لها طوال فترات عدة أداء أدوار طليعية إقليميا، ومن شأن تغيير الخريطة الجيوسياسية جنوبا أن يؤثر في الأدوار المستقبلية للمملكة، ويحاصرها في مجالات جغرافية جد ضيقة تصبح فيها حركتها الجيوسياسية مقيدة في اتجاه الشمال والشرق حيث تميل موازين القوى لصالح فاعلين منافسين آخرين .

ب: السلطان محمد الخامس وضرورة الحفاظ على الأراضي الجنوبية.

كان السلطان محمد الخامس، وعلى غرار رواد الحركة الوطنية، مدركا لانعكاس التقزيم الجغرافي الذي فرضته فرنسا وإسبانيا على المغرب، وعلى دوره الإقليمي المستقبلي.

فالحدود الممتدة من طنجة الدولية إلى جنوب أكادير بقليل لم تكن لتلبي هذا الطموح في إنشاء دولة مستقلة قادرة على استعادة أدوارها الطلائعية التاريخية.

لذلك حاول محمد الخامس إعادة توحيد الإيالة المغربية في حدودها القديمة، إذ سيعلن أثناء استقباله لوفد من منطقة سيدي إيفني عام 1956م نيته تلك، مؤكدا أن “… كل الأقاليم تاريخيا مغربية ينبغي أن تعود للمغرب موحدة لأن سكانها موحدون بدينهم، بلغتهم، وبتاريخهم…” ووجه جهوده الشخصية والحكومية لمحاولة استرجاع الجنوب التاريخي بأكمله إلى حدود السنغال .

ابتدأ تلك الجهود بزيارة لمحاميد الغزلان حيث خطب “… إننا سنواصل بكل ما في وسعنا لاسترجاع صحرائنا وكل ما هوثابت لمملكتنا بحكم التاريخ ورغبات السكان …” [29]

كما عمل عن طريق العمل الحكومي والدبلوماسي على التعريف بالحقوق المغربية داخل المنتظم الدولي ومواجهة السياسة الفرنسية الرامية إلى فصل الإقليم الموريتاني وسيطرتها على موارده .[30]

فبمجرد الإعلان عن فكرة إنشاء منظمة مشتركة للمناطق الصحراوية في غشت 1956م، يعهد إليها باستغلال موارد الصحراء تحت الإشراف المباشر لفرنسا أعلن محمد الخامس عن طريق وزارة الخارجية رفضه ذلك، وبعث مذكرة في 8 غشت 1956 جاء فيها أن “… حكومة صاحب الجلالة ترغب أن تحدد السيادة التي تمارس فوق هذه الأقاليم وكذا حدودها …”، كما طالبت الحكومة المغربية سنة 1957 م بلجنة مختلطة لتسوية  مشكلة الحدود بصفة نهائية، إلا أن الخلافات حول اختصاصاتها أدى إلى إقبارها، إذ طالب المغرب بلجنة مهمتها تحديد السيادة على المناطق الصحراوية، وإقامة الحدود النهائية للملكة، بينما اعتبرت فرنسا أن عملها يقتصر على رسم الحدود دون مناقشة حدود الدول المنتمية إلى المجموعة الفرنسية[31]، لشرعنة الحدود الموروثة عن الاستعمار والاستئثار بالإقليم الموريتاني .

وقد صعد المغرب من تحركاته عند إعلان فرنسا عن تاريخ 28 نونبر 1960م موعدا لاستقلال موريتانيا، واعتبر محمد الخامس ذلك تحديا وإهانة للمغرب[32] وخطوة نهائية لفصل الصحراء عن الوطن الأم .

فعمد إلى تغيير سياسته التفاوضية مع فرنسا من المطالبة الدبلوماسية الهادئة إلى نهج سياسة خارجية هجومية إزاء هذا الملف “… اتخذت من القضية الموريتانية واجهة من واجهات النضال ومقاومة المناورات الاستعمارية …”[33]، معتبرا أن النزاع هو نزاع بين دولة تريد استكمال استقلالها ضد دولة مستعمرة، في محاولة للرد على الطرح الفرنسي الذي يركز على ان النزاع واقع بين موريتانيا والمغرب كقوة توسعية .

لقد كانت لهذه السياسة الخارجية الجديدة المبنية على مفاهيم نضالية نتائج مثمرة في ظل نظام دولي ومنظومة إقليمية يغلب عليها الطابع الصدامي بين المعسكرين، وتشهد موجات التحررمن الاستعمارالغربي

فداخل المنظومة العربية، والتي تميزت بسيطرة المد الناصري، والفكر القومي الوحدوي، استطاع محمد الخامس انتزاع تأييد جمال عبد الناصر خلال الرحلة التي قادته إلى العديد من الدول العربية وفي طليعتها الجمهورية العربية المتحدة في فبراير 1960م[34] مركزا على الطابع القومي للقضية الموريتانية وطلب الدعم العربي ضد الإمبريالية الفرنسية.

ونتيجة لهذه الجهود، استطاع المغرب انتزاع قرار اللجنة السياسية للجامعة العربية المنعقدة “بشاتورة ” بلبنان غشت 1960م، والقاضي بإضافة الصبغة المغربية على موريتانيا وإدانة السياسة الاستعمارية الفرنسية، وتاييد الموقف المغربي في مساعيه، وأخيرا المساهمة في إقناع الدول الصديقة لدعم جهود المغرب لاسترجاع أجزائه الترابية…” [35]

أما داخل المنظومة الإفريقية، فقد عمد المغرب تحت قيادة محمد الخامس إلى نهج سياسة خارجية تقدمية باتخاذه قرارات جريئة كالتدخل العسكري في كاطانغا بالكونغو لمساندة الرئيس ” باتريس لوموبا ” ضد ” موريس تشومبي” ونزعته الانفصالية لإعطاء القضية الموريتانية الصبغة نفسها والخاصة بقضية كاطانغا .

كما قاد الملك كتلة الدار البيضاء التي ضمت دولا إفريقية تقدمية معادية للإمبريالية الغربية، والتي عقدت مؤتمرها التأسيسي بالدار البيضاء في 4 يناير 1961م، تدارس خلالها قادة هذه الدول مجموعة من الملفات من بينها الملف الموريتاني، واستطاع المغرب من خلالها أن يحقق إجماع هذه الدول حول أطروحته باستصدارقرارساند كل مجهودات المغرب لاسترجاع حقوقه.

وأما داخل المنظومة المغاربية، فقد استطاع المغرب انتزاع تأييد الأحزاب الوطنية الكبرى في تونس والجزائر (جبهة التحرير الجزائرية، وحزب الدستور الجديد التونسي) بإعلانها “… إن النضال الذي يخوضه سكان موريتانيا من أجل تحررهم …وعودتهم إلى الوطن الأم تندرج ضمن الوحدة التاريخية والبشرية للمغرب …”[36]

ثانيا:  الجنوب التاريخي بين رهان التحرير بالقوة وحسابات الواقعية السياسية.

إذا كانت جهود السلطان محمد الخامس والزعيم علال الفاسي تراوحت بين التنظير الفكري والجهود الدبلوماسية والسياسية، فإن جيش التحرير حاول تجسيد هدا الطرح الجيوسياسي عن طريق القوة العسكرية، قبل أن تجبر المتغيرات الدولية والداخلية الملك الراحل الحسن الثاني على اختيار واقعية سياسية قضت بإعطاء الأولوية لملف الأقاليم الصحراوية.

أ ــ جيش التحرير المغربي ونهج القوة في تحريرالأقاليم المقتطعة.

لا نستطيع أن ندعي أنه كان لقادة جيش التحرير بناء نظري، ومقولة فكرية واضحة فيما يخص المجال الحيوي والدور التاريخي للمغرب- كما هو الأمر لدى علال الفاسي .

فجيش التحرير كان بنية غير متجانسة تخترقها تيارات سياسية مختلفة، تتراوح بين اقتناعات دينية تدعو إلى محاربة العدو النصراني المحتل لأرض مسلمة، إلى تيارات يسارية تحارب الإمبريالية الفرنسية والغربية، مرورا بأخرى متشبعة بفكر علال الفاسي حول استرجاع الحدود التاريخية للدولة المغربية .

إلا أن ما وحد مختلف هذه التيارات إدراكها “…لأهمية الصحراء بالنسبة للمغرب ومستقبله…” [37]، ولم يعن هنا مفهوم الصحراء المجال المحتل من قبل إسبانيا، بل يعني أيضا الصحراء الشرقية، وعلى رأسها تندوف والصحراء الجنوبية التي تضم موريتانيا إلى حدود السنغال، فالمقاوم  ” محمد بن سعيد آيت إيدر” يرى أن قادة جيش التحرير كانوا على اقتناع تام بأن “… منطقة تندوف كانت جزءا من إقليم أكادير إلى أن اشتد النضال الوطني ضد الاستعمار الفرنسي سنة 1952م، والذي تزامن مع اكتشاف حديد غارت جبيلات، ولاعتقاد فرنسا أن الجزائر أرض فرنسية، في حين يمكن للمغرب المرتبط معها بوثيقة حماية أن ينفصل عنها فقد أدت هذه العوامل بفرنسا الى فصل منطقة تندوف…”[38]

ويضيف ” كان كل المغاربة … يعتقدون أن هذه المنطقة جزء من التراب المغربي ينتظرون… قرارا بإلحاقها بالوطن بعد إلغاء الحماية … لهذه الأسباب كلها انطلقت عمليات التحرير الأولى من الصحراء المغربية …”[39]

كما أن أعضاء هذه الحركة قاموا بالتبني المطلق لفكرة علال الفاسي وخريطته الشهيرة، واعتبروها مرجعيتهم الجيوسياسية التي نظمت تحركهم العسكري .

فخلال مؤتمر مدريد للمقاومة الذي اجتمع خلاله قادة جيش التحرير مع علال الفاسي في أبريل 1956م، أتى هذا بخريطة جغرافية توضح الحدود التاريخية للمغرب من ” … سان لوي جنوبا إلى طنجة بما فيها الجنوب الذي ألحقه الجيش الفرنسي بالجزائر …”[40]

ساهمت عدة عوامل في تحويل هذه العقيدة الجيوسياسية الى حركة مسلحة هدفها استرجاع الأراضي التاريخية بالقوة، بإعلان الحرب على فرنسا وفيما بعد إسبانيا .

فقد أدى الإعلان المغربي – الإسباني المشترك في أبريل 1956م، والذي لم يشر إلى استرجاع  الصحراء وموريتانيا، [41] إلى تكون فكرة لدى قادة جيش التحرير أن استرجاع هذه الأراضي أصبحت على عاتقهم .

يقول بن سعيد آيت إيدر في مذكراته “… كانت الحكومة المغربية الجديدة منهمكة في ملف الاستقلال السياسي … وتسلم السلطات التنفيذية، وتكوين أجهزة الدولة الوليدة، واستتباب أوضاعها الداخلية … ومواجهة ما يفرضه عليها التنافس على مواقع القرار … أما استكمال استرجاع باقي أراضي المغرب فلم يكن في مقدمة انشغالاتها السياسية … ولذلك  بقيت المبادرة في استئناف النضال من أجل تحرير الأجزاء المحتلة في يد أعضاء من المقاومة وجيش التحرير”[42].

وقد شكل تفعيل هذه المبادرة نقلة في استراتيجية المطالبة بالأراضي التاريخية للمغرب، من مطالبة سياسية دبلوماسية إلى حركة ميدانية مسلحة أربكت الحسابات الفرنسية والإسبانية بالمنطقة.

اعتبر جيش التحرير أن استرجاع موريتانيا له الأولوية على باقي الأقاليم الأخرى المحتلة اقتناعا بحيوية هذه البوابة الإفريقية، لذلك اعتمدت استراتيجيته تحييد إسبانيا وعدم مهاجمة قواتها المتمركزة بالجنوب المغربي، حتى تتمكن قواته من الوصول إلى الشمال الموريتاني.

كما استهدفت هجوماته الأولى الوجود الفرنسي بتندوف لعزل موريتانيا عن الجزائر، ولتفادي تدخل القوات الفرنسية المتمركزة هناك لنجدة نظيرتها بموريتانيا، “…فانطلقت العمليات المسلحة لجيش التحرير … ضد المراكز المحيطة بتندوف بالصحراء الشرقية، بل نقل تحركاته إلى حدود موريتانيا في بداية يناير 1957 .. استجابة … للقادة الموريتانيين الذين التحقوا بالمغرب بهدف الحصول على دعمه…”[43]

“… وقد انطلق جيش التحرير في الكويرة، ودخل موريتانيا على بعد 18 كيلومترا من حدودها الحالية، فانضم إليه مئات من المجاهدين الموريتانيين، ووقعت معارك طاحنة بين جيش التحرير والقوات الفرنسية، قتل فيها عدد كبير من الجانبين …[44]، وقد رافق المجهود الحربي لجيش التحرير آخر دبلوماسي وسياسي استطاع من خلاله استقطاب العديد من القبائل لفكرة الوحدة مع الوطن الأم، كما استطاع إقناع النخبة الموريتانية بذلك فالتحق بالمغرب أطر وسياسيون ساهموا بدورهم في التبشير والدعوة للاستقلال عن فرنسا والوحدة مع المغرب .

هذا التهديد المباشر لمصالح فرنسا بالمنطقة خصوصا مع اكتشاف حديد “غارت جبيلات” بتندوف وحديد الزويرات بمورتانيا [45]، دفع بها إلى طلب دعم إسبانيا رغم عداوة الحكم الاشتراكي الفرنسي لحكومة فرانكو بسبب الحرب العالمية الثانية والحرب الأهلية الإسبانية، إلا أن تعاظم قوة جيش التحرير في أوساط القبائل الصحراوية وتهديده لمصالح الدولتين، بل لوجودهما بالمنطقة، أدى بإسبانيا إلى التخلي عن سياسة الحياد ودخول الحرب، حيث قامت بعرقلة مرور محاربي جيش التحرير، ولاحقتهم داخل مناطق نفوذها، ومدت فرنسا بمعلومات استخبارية سهلت على قواتها  إلحاق  ضربات قوية بجيش التحرير، مما جعله  يغير إستراتيجيته، ويقوم بمهاجمة ” القوات الإسبانية في 23 نونبر 1957م بمنطقة سيدي إيفني ومناطق أخرى … حيث تم تحرير سبعة مراكز بسيدي إيفني، وتحرير طان طان والسمارة وأوسرد، وفرضت قواته حصارا واسعا على الجيش الإسباني في العيون وطرفاية ووادي الذهب “[46]

وأمام هذه الخسائر المتلاحقة للقوات الاسبانية ـ التي اعتبرتها فرنسا دائما خط دفاعها الأول ضد أي هجوم مغربي يستهدف استعادة موريتانيا ـ قام التحالف الفرنسي الإسباني بتنظيم عملية ” المكنسةécouvillon ”  استقدمت فيها فرنسا خمسة آلاف جندي وسبعين طائرة من قواعدها بالجزائر والسنغال وموريتانيا [47].

أما إسبانيا فشاركت بتسعة آلاف جندي وستين طائرة، فكانت النتيجة سحق القوة الصغيرة لجيش التحرير المسلحة بشكل تقليدي ونهاية محاولة استعادة الأراضي التاريخية للمغرب عن طريق القوة العسكرية.

ب–  الواقعية السياسية في استراتيجية الحسن الثاني لاستكمال الوحدة الترابية.

أدى التحول في خطابات الفاعلين السياسيين المحليين اتجاه القضية الموريتانية جراء الحراك السياسي الذي عرفه المغرب مطلع الستينات، إضافة إلى تغير رهانات الفاعلين الإقليميين، خصوصا داخل المنظومة المغاربية، إلى فرض واقع جديد على المغرب، أدرك خلاله الملك الراحل أن استغراق جهود الدولة في ملفات عديدة كتدبير الصراع السياسي مع المعارضة وقضايا التنمية والوحدة تدفع إلى تبني واقعية سياسية في تدبير مخلفات الواقع الجيوسياسي الذي فرضه الاحتلال الفرنسي والاسباني على المغرب .

وعمد في إطار تدبيره لملف الوحدة الترابية الى إعطاء الأولوية للأقاليم الجنوبية أولا ثم للأقاليم الشرقية التي أضيفت إلى التراب الجزائري.

  • تدبير ملف الحدود الشرقية والأقاليم الجنوبية.

أدرك الملك الحسن الثاني أن الظرفية الوطنية والإقليمية والواقع الجيوسياسي الجديد يفرض على المغرب السعي لاسترجاع الاقاليم القريبة، والحرص على عدم تضييعها خصوصا بعد ما تأكد سعي إسبانيا لإعادة إنتاج التجربة الفرنسية في موريتانيا بخلقها دويلة مستقلة في الأقاليم الصحراوية.

ــ مطالبة المغرب بأقاليمه الشرقية .

اعتبر الحسن الثاني أن المنظومة الإقليمية المغاربية مقبلة على تغييرات جذرية في توزيع القوة داخلها، فبعدما كان المغرب القوة الوحيدة بالمنطقة بعيد استقلاله، كانت بوادر استقلال الجزائر تؤشر إلى ولادة جمهورية ذات مساحة كبيرة وموارد طبيعية ومالية كافية لتغذية طموحاتها الإقليمية في القيام بدور أكبر .

لذلك بادر الملك الراحل إلى المطالبة باسترجاع الأقاليم الشرقية للملكة، واستند في ذلك إلى المفاوضات السرية التي جرت بين 1958م و1961م، وانتهت باتفاق وقعه الحسن الثاني مع فرحات عباس بصفته رئيسا للحكومة الجزائرية المؤقتة، جاء فيها : “… إن الحكومة المغربية تؤكد مساندتها غير المشروطة للشعب الجزائري في كفاحه لنيل الاستقلال ووحدته الترابية … وبالمقابل … تعترف الحكومة المؤقتة الجزائرية من جانبها بأن المشكل الترابي الناتج عن تخطيط الحدود المفروض تعسفا سيحل في مفاوضات بين حكومة المملكة المغربية وحكومة الجزائر المستقلة …”[48].

وبعد استقلال الجزائر، سارع المغرب إلى إرسال مبعوثيه لحل المشكل، وتكررذلك خلال الزيارة الملكية لهذا البلد في مارس 1963م، حيث جدد الحسن الثاني مطالبه الترابية للرئيس بن بلة [49] .

لكن الطموحات الإقليمية للجزائر، والأهمية الاستراتيجية للمنطقة المتنازع عليها، والتي تمنح الجزائر اتصالا مجاليا بكل الجنوب المغربي وموريتانيا، إضافة إلى مواردها الاقتصادية مع اكتشاف حديد غارت جبيلات، دفعت القادة الجزائريين إلى التمسك بعدم المساس بالحدود الموروثة عن الاستعمار الفرنسي، وفرض سياسة الأمر الواقع بمحاولة احتلال نقط حدودية أخرى أسفرت عن اشتباكات مسلحة، تطورت إلى حرب حقيقية خلال أكتوبر 1963م، دارت من جنوب فكيك إلى شمال تندوف[50] نتج عنها عداء مستحكم بين الدولتين.

أدرك بعده المغرب أن الجار الشرقي لم يعد حليفا في الدفاع عن وحدته الترابية، بل صار خصما له طموحاته الإقليمية الرامية إلى إضعاف المغرب وتقزيمه جغرافيا، لذلك سارع الملك الحسن الثاني إلى إعطاء الأولوية لاسترجاع الصحراء من إسبانيا التي كانت تستعد للخروج وخلق كيان سياسي مستقل تابع لها .

ــ استرجـاع الأقاليم الجنوبيـة :

أمام فشل المطالبة بالأقاليم الموريتانية سياسيا وعسكريا، ورفض الجزائر لسياسة الأمر الواقع بتمسكها بمبدأ عدم المساس بالحدود الموروثة عن الاستعمار.

اعتبر الملك الراحل أن استرجاع المناطق الصحراوية جنوب وادي نون من إسبانيا مسألة مصيرية بالنسبة للمغرب، والحد الفاصل بين مملكة صغيرة تكون عرضة لأطماع جيرانها وتدخلاتهم وبين دولة قوية لها امتداد جغرافي مهم نسبيا، لذلك تم اعتبار كل الوسائل متاحة لاسترجاع هذه المناطق وعدم السماح لإسبانيا بفصلها عن الوطن الأم، خصوصا بعدما عمدت هذه سنة 1960م إلى سن تشريع يضع العرف مكان القانون  (إعادة إنتاج تجربة الظهير البربري )، وإصدار قرار يعطي الجنسية الإسبانية لسكان الصحراء، وعينت عددا منهم في الكورتيس الإسباني [51].

دفعت هذه الإجراءات المغرب إلى التحرك دبلوماسيا باتصال الملك الراحل  بالجنرال فرانكو في يوليوز 1962 م دون نتيجة، مما اضطره إلى رفع الأمر إلى لجنة تصفية الاستعمار في الأمم المتحدة التي أصدرت قرارا سنة 1964م، يؤكد ضرورة تحرير الأراضي المغربية من الاستعمار الإسباني، كما عرض القضية على منظمة الوحدة الإفريقية في نونبر 1966م.

هذه التحركات قابلها تصعيد إسباني حاول قطع الطريق على المطالب المغربية بتكوين جمعية عامة بالصحراء، انتخب أعضاؤها وعين آخرون في غشت 1967م جهازا تمثيليا أعلى لسكان الصحراء، ومخاطبا وحيدا لإسبانيا والأطراف الأخرى الخارجية لتحييد المغرب كطرف معني وإبعاده عن الملف .

بل تطور الأمر إلى محاولة إنشاء دويلة في الصحراء، بإبلاغ الحكومة الإسبانية نظيرتها المغربية عزمها تشكيل حكومة محلية في الصحراء، لتكون مقدمة لإنشاء دولة[52]. بهذا حاولت إسبانيا وضع آخر اللمسات في مسير طويل من الاقتطاعات الترابية التي عانت منها المملكة  منذ الحملات الاستعمارية .

غير أن وعي المغرب بخطورة إقفال آخر منفذ له نحو الجنوب دفعه إلى التحرك بقوة، إذ تم إنشاء قيادة عسكرية في الجنوب، وحشد الملك الراحل الجيش على الحدود مع مراكز القوات الإسبانية، رسالة تفيد عدم استعداد المغرب للتفريط في صحرائه، وعزمه استعادتها بكل الوسائل ومنها العسكرية، غير أن موازين القوة لم تكن في صالح المغرب الذي خرج حديثا من استعمار طويل، فتطلب الأمر نهج استراتيجية أخرى غير المواجهة المسلحة غير المحسوبة العواقب.

فجاءت المسيرة الخضراء والزحف الشعبي  في اتجاه الصحراء لاسترجاعه حلا أحرج الحكومة الإسبانية، ومنعها من التدخل عسكريا ضد جموع العزل .

فتمكن المغرب من استرجاع أقاليمه الجنوبية بعد عقود طويلة من استعمارها، وتجنب حلقة أخرى من الاقتطاعات من مجاله الجغرافي .

ــ الملف الموريتاني:

كان للتطورات المشار إليها سابقا، والمتعلقة بملف الصحراء الشرقية والصحراء جنوب وادي نون، أثر في أولويات المغرب، بخصوص وحدته الترابية .

فصعود الجزائر كفاعل جديد في الساحة المغاربية أدى بالمغرب إلى التقليص من سقف مطالبه الترابية بالتركيز على وحدة المجال الجغرافي  المباشر ومغربيته بعدما صرح الرئيس الجزائري سنة 1963م “…إن  موريتانيا حقيقة …” مشكلا قطيعة مع التضامن الجزائري المغربي في ملف موريتانيا..

أما التغيرات الإقليمية والدولية فلم تكن في صالح القضية المغربية، فقد خسر المغرب التضامن العربي الإفريقي بالنسبة للملف الموريتاني جراء تقارب الجزائر مع النظام الناصري خلال حرب الرمال سنة 1963م،[53] وكذلك كان الأمر مع العديد من الدول الإفريقية الثورية التي مالت للطرح الجزائري  كغانا، ومالي، وغينيا [54].

وأما على المستوى العربي، فقد تحول الموقف المصري باتجاه قبول موريتانيا في الصف العربي كبلد مستقل خلال لقاء الرئيس عبد الناصر للرئيس الموريتاني أثناء القمة الإفريقية بأديس أبابا في ماي 1963 م، ودعوته رسميا لزيارة القاهرة .[55]

وشهدت القارة الإفريقية تراجع المساندة الإفريقية المطلقة للمغرب جراء انهيار كتلة الدار البيضاء، وقيام بديل لها تمثل في منظمة الوحدة الإفريقية التي ضمت التيارات المعتدلة والثورية كلها.

في حين تراجع الحماس على المستوى الداخلي، فلم يبق غير حزب الاستقلال وعلى رأسه “علال الفاسي” مطالبا بضم موريتانيا إلى المغرب، أما باقي أحزاب الحركة الوطنية، كحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، فقد عبر على لسان المهدي بن بركة “… إن إظهار قضية موريتانيا كقضية إلحاق يتعارض مع تيار التحرير في إفريقيا … فإن موقف الاتحاد الوطني من هذه القضية يتلخص في كلمتين : مبدأ تقرير المصير، الانتماء إلى مغرب عربي …”[56]

ونتيجة حتمية لهذا الفتور الداخلي، وفقدان الزخم بأولوية الملف الموريتاني، وتغير المناخ الدولي والإقليمي، نهج الحسن الثاني واقعية سياسية قضت بمحاولة كسب موريتانيا دولة مغاربية جديدة في صف المغرب لتقوية موقعه في ملف الصحراء، وعدم معاداتها ودفعها في اتجاه التحالف مع الجزائر.

تالثا : نحو قوة إقليمية افريقية ناعمة.

خلال العقدين الماضيين لم تعد افريقيا مجرد دائرة موازية من دوائر التحرك المغربي تعتمد علــــــى الصداقات الثنائية بين رؤساء الدول كما كان الامر في عهد الملك الحسن الثاني ، بل انتقلت الـــــى مرتبة الخيار الاستراتيجي الأول للمملكة ، و منطقة نفود تتطلب ملا الفراغات بها ، و استثمار فارق موارد القوة بين دولها و المملكة من اجل بناء دور ريادي و اكثر تأثيرا.

خلال دروة الحراك العربي و ما صاحبه من هزات سياسية و مؤسساتية فــــــي مجموعة من الدول العربية , واثناء مخاض اعداد الوثيقة الدستورية المنظمة للسلط و عمل مؤسسات الدولــــــــــة كان لصانع القرار المغربي رفاه تثبيت الاستراتيجية المغربيــــــة بإفريقيا بالوثيقة الدستورية، اد نص تصدير الدستور الجديد على ان المملكة المغربية دولة إسلامية دات سيادة كاملة, متشبثة بوحدتها الوطنيــــــــة و الترابية و بصيانة تلاحم مقومات هويتها الوطنية ، الموحدة بانصهار كل مكوناتها العربية ـ الإسلامية ـ و الامازيغية  و الصحراوية الحسانية ، و الغنية بروافدها الافريقية  و الاندلسية و العبرية و المتوسطية… وتلتزم بمــــا يلي :

ــ … تقوية علاقات التعاون و التضامن مع الشعوب و البلدان الافريقية ، ولا سيما مع بلدان الساحل و الصحراء.

النص الدستوري لم يكن سوى تدوين لواقع تشكل ولدينامية مفعلــــــــة مند سنوات ترتكز على

اختراقات المجال الافريقي عبر مراحل و موجات منظمة و مدروسة للتأسيس لقوة إقليمية ناعمة لا تبحت عن هيمنة إقليمية او استغلال الاختلال البنيوي للأنظمة الافريقية و اللعب عل تناقضاتها بقدر الرهان على علاقات بينية متكافئة أساسها التنمية و المصالح المتبادلة و المشتركة . .

التحركات المغربية عبأت جميع مواردها الاستراتيجية عبر تحركات في مجالات متعددة و بمختلف الفاعلين على راسهم المؤسسة الملكية التي يقع عليها رهان تأسيس التواجد المغربي بمنطقة غرب إفريقيا، لما يتوفر لها من آليات قوية وصلاحيات واسعة وعلاقات شخصية متميزة برؤساء هذه الدول فضلا عن امتلاكها لتوجه استراتيجي واضح أعرب عنه الملك في خطاب 6 يونيو 2004م يتجلى في “ضمان حقوق بلادنا وتجسيد المفهوم الجديد للأمن الشامل والحوار بمنطقة شمال غرب إفريقيا والساحل وجنوب غرب المتوسط…”

الاقتصاد كمدخل للتواجد بالمنطقة. : أ

حظيت القارة الافريقية خاصـــــــــة بلدان الغرب الافريقي بالنصيب الاوفر لزيارات الملك الرسمية مند توليه , بلغت 48 زيارة ، السنغال الحليف التقليدي و قطب الرحى في الاختيار الجيوسياسي الجديد  استقبلت الملك رسميا ثماني مرات ، تليها الغابون بسبع زيارات رسمية ، و الكوت ديفوار بستة زيارات و غينيا و موريتانيا بثلاثة زيارات .

خلالها تم التوقيع على ازيد من ثلاثة الاف اتفاقية تعاون مع دول المنطقة في مجالات عدة علــــــى راسها قطاعات الاتصالات و المصارف و التأمينات و النقل الجوي و الطاقة … أعطت زخما للمبادلات التجارية بين الطرفين التي حققت نموا سنويا بين سنوات 2009 و 2019 وصل الى 6,1 بالمــــــائة , وانتقلت كقيمة من 8,3 مليار درهم الى 21,6 مليار درهم في 2019.[57]

هده المبادلات عرفت تحولا بنيويا سنة 2015 بتسجيلها فائضا في الميزان التجاري لصالـــح الصادرات المغربية , كما ارتفعت الاستثمارات المغربية بالمنطقة لتحتل المرتبة الثانية بعد جنوب افريقيا كاهم بلد افريقي يستثمر بالقارة اد ارتفعت بمعدل 8,3 بين 2009 و 2019 ، وباتت الرساميل المغربية تنافس نظيرتها في 29 بلد افريقي في قطاعات استراتيجية كالأبناك و التأمينات و قطاع الاتصالات و البناء ،شاركت في هدا التوجه المقاولات المغربية بقطاعيها الخاص و العام وسوقت للمملكة كقوة ناعمة ناهضة تنافس القوى التقليدية كفرنسا .

   ــــ استثمار ورقة النفوذ الروحي والثقافـي :

اضافة إلى الارتباط الجغرافي، للمغرب علاقات تاريخية عميقة اتخذت أبعادا دينية وثقافية، تجارية وسياسية.

طبع هذا التراكم الحضاري كلا من شمال القارة (المغرب) وجنوبها بخصائص مشتركة ، فآلاف القوافل التي عبرت سنويا طرق التجارة أو الحج  طيلة قرون تركت وشمها لدى الجانبين في الدين واللغة والمذهب والعادات والطبخ والموسيقى … هذا الإرث الثقافي يمثل مخزونا مهما للمغرب في سياسته الخارجية التي يجب أنإ تستغل جيدا هذا البعد.

فشعوب إفريقيا الغربية أغلبها يدين بالإسلام ويعتنق المذهب المالكي الذي تعرفت عليه من خلال البوابة المغربية، كما تربطها علاقة روحية وثقافية بسلاطين المغرب وملوكه.

كما أن الانتشار القوي للزوايا خصوصا التيجانية والقادرية في كل من السنيغال وغينيا وغامبيا[58]، وارتباط مريديها بالمغرب لأسباب عدة، أولها وجود ضريح مؤسس  الزاوية بفاس حيث يحج آلاف من المريدين سنويا، وثانيها ارتباط  شيوخ ومريدي الزوايا تاريخيا بمؤسسة إمارة المؤمنين  من خلال البيعة التي قدمها أجدادهم للسلاطين العلويين،    فالباحث “بكاري سامبي” المتخصص في العلاقات المغربية الأفريقية عموما، والمغربية السنغالية خصوصا،  يرى أن السفر إلى فاس ليس مصدر إشباع وجداني روحي داخلي فحسب بل هو حظوة ومنزلة رفيعة في سلم الطريقة.

والحج إلى فاس كان له أكبر الأثر في السياسة الدينية للاستعمار الفرنسي بأفريقيا الغربية، فقد اجتهدت لقطع الحبال بين التيجانيين السنغاليين والمغاربة لإنهاك المقاومة في البلدين، لكنها فشلت في الأمر لجهلها بضخامة شبكات العلاقات الاجتماعية والعلمية بين الزاوية الأم وفروعها المنتشرة في الغرب الإفريقي.[59].

وعندما قام الملك محمد السادس بأول جولة إفريقية له، حرص شيوخ الطائفة التيجانية على دعوة الأتباع لتخصيص استقبال يليق بمقام “أمير المؤمنين”، كما فعل من قبل مع أبيه الحسن الثاني وجده محمد الخامس عندما زارا السنغال.[60]

ويؤكد الباحث أن جميع التيجانيين السنغاليين يرون أن الملوك المغاربة هم رواد وحماة الطريقة حسب استطلاع قام به، مضيفا أن معظم السنغاليين يعتقدون أن مؤسس الطريقة التيجانية  والملوك العلويين من أسرة واحدة.

كل الأوراق باتت متاحة لاستعمالها دعم السلوك الخارجي للدبلوماسية المغربية ،لدرجة استعدادها سنة 2017 لكسر طابوهات العودة الى الاتحاد الافريقي و القبول على مضض بالتواجد الى جانب ممثلي البوليساريو حتى يتم استثمار الإمكانات التي تتيحها منابر ومؤسسات هده المنظومة ، بل امتد التوجه الى التقرب ومغازلة نيجيريا الضلع الثالث لمثلت الخصوم ( إضافة الى الجزائر و جنوب افريقيا ) و محاولة إدخالها في مشروع استراتيجي عملاق و يتعلق بانبوب الغاز المنطلق من نيجيريا في اتجــــــاه اوربا عبر المغرب ولو قدر له النجاح لغير الكثير من المعطيات الجيوسياسية و خريطة التحالفات  بالمنطقة بتكسير هدا المثلث و قيام حلف مغربي نيجيري أساسه المصالح الاقتصادية .

بل قد يتعدى السلوك الخارجي المغربي الى المرور للوقة الأخيرة المتمثلـــــة في الردع و استعمـــال  القوة  العسكرية في حالة تعدي الخطوط الحمر كما حدث عند قيام  وحدات عسكرية تابعـــــــة للبوليساريو مسنودة بمجموعات مدنية  قطع طريق الكركارات  كمحاولة لاحداث قطيعة مجالية بين المغرب و العمق الافريقي ما يضر بالتوجه الجيوسياسي الجديد ، قابله رد صارم غير متوقع تجلى في تدخل عسكري من اجل تامين المحور الطرقي الشريان المستقبلي للاقتصاد المغربي.

يمكن القول ان الفكر الجيوسياسي المغربي الحديث  المتمثل في الانتاجات الفكرية و المواقف السياسية و الميدانية للنخبة الوطنية او الحالي المعبر عنه في السلوك السياسي الخارجي الجديد كون عقيدة تتلخص في الحقائق التالية:

دور المملكة مرتبط بنيويا ووظيفيا بالجنوب الإفريقي أكثر من أي مجال آخر، يقوى بقوة ارتباط المغرب بالجنوب و يضعف بانهياره.

إعطاء الأولوية للدائرة الإفريقية بتجديد الروابط المغربية بالجنوب الإفريقي الغربي، سيؤدي إلى تقوية دور ومكانة المملكة في علاقتها بباقي النظم الإقليمية، خاصة المغرب العربي وغرب البحر الأبيض المتوسط، بل وداخل النظام الدولي .

هذا المجال يشكل المنفذ الوحيد لتوسع النفوذ الإقليمي المغربي أمام الحصار المضروب على المملكة بإغلاق الجزائر للشرق المغربي والمراقبة الدائمة لقدراته الإستراتيجية من قبل إسبانيا.

مقارنة توزيع موارد القوة المادية و الغير المادية بين المملكة ومجموعة الدول المنتمية لهذا المجال الإفريقي الغربي، تؤكد الحظوظ المعقولة للمملكة في استرجاع نفوذها بالمنطقة، وإمكانية تأسيسها لمجالها الجيوسياسي الخاص، الذي قد يدر عليها موارد مادية ورمزية .

التكتلات التي يعرفها العالم اقتصاديا أو سياسيا والصراع حول المصالح ومناطق النفوذ يحتم على المملكة إيجاد فضائها الجيوسياسي الخاص، بالاتجاه جنوبا  لإبعاد خطر العزلة والتبعية وبديلا لفشل المقاربة المغاربية.

 

[1] ـ الدكتور محمد سعدي،  مستقبل العلاقات الدولية من صراع الحضارات إلى أنسنة الحضارة وثقافة السلام، مركز دراسات الوحدة العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، سلسلة أطروحات الدكتوراه، الطبعة الأولى، يونيو2006، ص: 16.

[2] ـ Francis  Fukuyama :   la fin de l’histoire et le dernier homme. champs Flammarion , 1992, P :313.

[3]  ـ الدكتور محمد سعدي، مرجع سابق، ص: 71.

[4]  ـ ألفين توفلر وهايدي توفلر، النظام العالمي في القرن 21، ترجمة عصام الشيخ، الثقافة العالمية، السنة 12 العدد 70، ماي 1995، ص: 27

[5]  ـ الدكتور محمد سعدي، مرجع سابق، ص: 62.

[6]  ـ نفسه، ص: 62.

[7]  ـ نفسه، ص: 119.

[8]  ـ السيد يس،  قراءة استشرافية لخريطة المجتمع الكوني الجديد، في التقرير العربي لعام 1993، ص: 14.

[9] ـ الدكتور محمد السعيد إدريس، تحليل النظم الإقليمية، دراسة في أصول العلاقات الدولية الإقليمية، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 2001، ص: 115.

[10]  ـ  عبد الله العروي، علاقات المغرب بإفريقيا ملاحظات أولية، جامعة ابن زهر كلية الآداب والعلوم الإنسانية، سلسلة الدروس الافتتاحية، 1986م ـ 1987م، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، ص:7.

[11]  ـ عبد الله العروي، مرجع سابق، ص: 7.

[12]  – عبد الإلاه بلقزيز، الحركة الوطنية المغربية والمسألة القومية 1947-1986، محاولة في التاريخ، مركز دراسات الوحدة العربية. ط الأولى بيروت 1992 ص: 44.

[13]  – نفسه .

[14]  – علال الفاسي، دفاعا عن وحدة البلاد، سلسلة الجهاد الأكبر،الرباط مؤسسة الرسالة 1972، ص: 37.

[15] – عبد الإله بلقزيز، مرجع سابق، ص: 45.

[16]– علال الفاسي، دفاعا عن وحدة البلاد، مرجع سابق، ص: 41.

[17] ـ نفسه، ص: 41.

[18]– نفسه .

[19] – عبد الإلاه بلقزيز، مرجع سابق، ص: 37

 

 

 

 

 

 

 

 

[20] – علال الفاسي، كي لا ننسى، مرجع سابق، ص :41.

[21]–  علال الفاسي، دفاعا عن وحدة البلاد، مرجع سابق، ص:65 .

[22] – نفسه.

[23]– علال الفاسي، دفاعا عن وحدة البلاد، مرجع سابق، ص:16.

[24] –  نفسه، ص: 58

[25] ـ كي لا ننسى:  مرجع سابق، ص:70.

[26]  نفسه.

[27] – علال الفاسي، دفاعا عن وحدة الوطن، مرجع سابق، ص:355.

[28]  – نفسه.

[29] – النص الكامل للخطاب الملكي في: انبعات أمة الجزء الثالث 1957/1958، مطبوعات القصر الملكي، ص: 149-150.

[30] – العسري عمر، الأبعاد الجهوية والدولية لاستقلال موريتانيا، دبلوم الدراسات العليا جامعة الحسن الثاني الدار البيضاء- 1986، ص: 122.

[31]– Lamouri Mohamed : op .cit.p : 106.

[32]– عبد القادر الأعرج: مرجع سابق، ص: 30.

[33] – نفسه، ص 32.

[34] – محمد عمرش، المغرب وجامعة الدول العربية رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا  جامعة محمد الخامس للعلوم القانونية، الرباط -1987، ص: 107 .

[35] – عبد القادر الأعرج: مرجع سابق، ص: 33و34 .

 

[36]– SAID IHAI « pouvoir et Influence : op cit.p : 116.

 

[37] – محمد بن سعيد آيت إيدر ، صفحات من ملحمة جيش التحرير بالجنوب المغربي، المنشورات المواطنة، الطبعة الأولى البيضاء 2001 ،ص : 144.

[38] – نفسه: ص : 27 .

[39]  – نفسه : ص: 28 .

[40]  – نفسه : ص 31.

[41] – عبد الكريم غلاب، تاريخ الحركة الوطنية بالمغرب من نهاية حرب الريف حتى استرجاع الصحراء.ج II. مطبعة النجاح الجديدة، ط 3– 2000، ص: .422

[42] – محمد بن سعيد ايت يدر ، مرجع سابق .ص : 32.

[43] – نفسه :ص :35

[44]–  عبد الكريم غلاب، مرجع سابق، ص: 405.

[45]  –  محمد بن سعيد آيت يدر، مرجع سابق ،ص: 144.

[46] – نفسه : ص: 39.

[47] – كريم غلاب، مرجع سابق، ص: 133 .

[48] – عبد القادر الاعرج، مرجع سابق،  ص: 63.

 

[49] ـ Maazouz Mohamed : op.cit.p : 143.

[50]ـ Nicol kassbaoui :op.cit.  p : 3.

[51]– عبد الكريم غلاب ، مرجع سابق.ص: 431.

[52] ـ  نفسه : ص 450.

 

[53]– عبد القادر الاعرج : مرجع سابق،ص: 50.

[54]–  Bouzidi Mohamed : le Maroc et l’Afrique sud saharienne In annuaire de l’Afrique du nord : C.N.P.S .Paris 1978 p .

[55] – عبد القادر الأعرج : مرجع سابق،ص: 57.

[56]– عبد القادر الأعرج : مرجع سابق ،ص: 48.

 

[57] Almalya / N°66 ; NOV 2020 ;

[58] -Hassan Naciri :  les grands solidarités culturelles dans la politique étrangères  Marocaine de (1956 à 1993) DES، CASA 1993 -1994 P:65.

[59]  ـ  د :  سامبي بكاري،  إسلام ودبلوماسية سياسة المغرب الإفريقية،  ورد في موقع المرصد الالكتروني .

[60]  ـ نفسه.