الحماية القانونية للمرآة الأجيرة من خلال أحكام مدونة الشغل

1,567

الحماية القانونية للمرآة الأجيرة

من خلال أحكام مدونة الشغل

الزيتوني ياسير

طالب باحت بسلك الدكتوراه

كلية الحقوق مراكش

 

 

يشكل الحق في العمل والحرية في اختياره احد أهم مقومات الكرامة الإنسانية،[1]فهدا الأخير هو من اكتر الحقوق التي نال اهتمام مختلف قوانين الدول وغالبية لأوقاف الدولية.[2]

وادا كان من المتعارف عليه أن شغل المرأة أصبح يعول عليه كثيرا في الوقت الراهن إلى جانب الرجل، من أجل تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية ومن اجل مواكبة التطورات التي يعرفها العالم.

فقد حضي تشغيل النساء بمكانة خاصة بمختلف التشريعات، حيث أن هده الأخيرة عملت على تمكينها من جميع الوسائل المتاحة حتى تستطيع المشاركة في الإنتاج، والمساهمة في التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

اد انه لما أضحى خروج المرأة المغربية إلى العمل ومشاركتها في الإنتاج ضرورة اجتماعية، فقد عمل المشرع المغربي ومسايرتا منه لهدا الواقع الاجتماعي على العمل على ملائمة مدونة الشغل لدلك.[3]

وفي سبيل دلك – تشجيع المرأة على الشغل –جاءت مدونة الشغل بالعديد من المقتضيات القانونية الحمائية للأجيرة، من اجل تتمكن هده الأخيرة من ممارسة عملها بشكل طبيعي وبدون أدنى نقص.

وكما هو معلوم فمدونة الشغل جاءت بالعديد من المقتضيات القانونية التي أسست لحماية خاصة للطبقة العاملة بشكل عام، والأجيرة على وجه الخصوص[4].

وإن من أهم ما رسخته مدونة الشغل في هدا الإطار هو إقرار مبدأ المساواة بين الجنسين من حيث فرص الشغل وامتيازاته، زيادة على دلك عمل المشرع على وضع مجموعة من الضوابط القانونية المتعلقة بتشغيل النساء ودلك من خلال منع قيامهم ببعض الأعمال التي قد لا تتناسب مع بنيتهم الجسدية، وكذلك سن بعض القواعد المتعلقة بتشغيلهم ليلا لتعدد المهام التي يطلعون بها، وكذلك ضمان حماية خاصة للأجيرة الحامل خلال هده المرحلة وبعد الوضع.

ومن خلال ما تقدم سنحاول معالجة هدا الموضوع وفق التقسيم التالي.

المبحث الأول:مظاهر وصور الحماية القانونية للمرأة الأجيرة من خلال أحكام مدونة الشغل.

المبحث الثاني:مظاهر الحماية القانونية للمرأة الأجيرة الحامل.

المبحث الأول:

مظاهر وصور الحماية القانونية للمرأة الأجيرة من خلال أحكام مدونة الشغل

إن مساهمة المرأة الأجيرة في التنمية في جميع المجالات ومساهمتها الفعالة في بناء المجتمع، فرض على مختلف التشريعات والمواثيق الدولية التدخل والعمل على ضمان تمتيع المرأة بنفس الحقوق والامتيازات التي يحظى بها زميلها في الشغل (المطلب الاول) . زيادة على دلك فإن تمييز المرأة بصفات فيزيولوجية تختلف تماما عن الرجل، واطلاعها بمهام عديدة سواء داخل المنزل او خارجه فرض على التشريعات كذلك التدخل وسن قواعد حمائية خاصة بالنساء الأجيرات، سواء من خلا منع تشغيلهم في بعض المهن الشاقة التي لا تتناسب مع تركيبتهم الفيزيولوجية، أو من خلال حصر الحالات التي يمكن ان يشغلوا بها ليلا (المطلب الثاني).

المطلب الأول :

المساواة بين الجنسين من خلال أحكام مدونة الشغل

 

في البداية لابد من الإشارة أن مبدأ المساواة في أحكام التشغيل بين المرأة والرجل، يعد أحد الضمانات الهامة التي تحول دون التمييز بين الجنسين في أحكام التشغيل. وتكريسا لدلك أصدرت منظمة العمل الدولية الاتفاقية رقم 111 سنة 1958 الخاصة بمنع التمييز في الاستخدام والمهنة، والتي عرفته بأنه ” أي تفريق واستبعاد أو تفضيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو الجنس، يكون من شأنه إبطال أو إضعاف تطبيق تكافؤ الفرص والمعاملة في الاستخدام أو المهنة ” فهده الاتفاقية تقضي بإلغاء كل أشكال التمييز بين الجنسين، عبر تطبيق سياسة وطنية ترمي تشجيع تكافؤ الفرص والمساواة في المعاملة والتشغيل وإقامة تعاون بين منضمات أصحاب العمل ومنضمات العمل لتشجيع هده السياسة والالتزام بها.[5]

وإذا كان التمييز يعتبر بأنه مفاضلة بين شخصين أو أكتر مخالفة لمبدأ المساواة ويعمل على إلغاء هده الأخيرة عن طريق الإضرار ببعض الأشخاص بالاعتماد على بعض المعايير التي يمنع القانون أن تؤسس عليها المعاملات كالجنس.[6] فإن منع التمييز كمبدأ قد كرسه الدستور المغربي من خلال العديد من المقتضيات،حيت اعتبر ان القانون هو أسمى تعبير عن الإرادة الأمة والجميع أشخاص ذاتيين أو اعتباريين بما فيهم السلطات العمومية متساوون أمامه وملزمون بالامتثال إليه.

وجاء فيه المادة 19 منه، بان الرجل والمرأة يتمتعون على قدم المساواة بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية الواردة في هدا الباب.

أما بخصوص مدونة الشغل (م ش) فإنه وبالرجوع إلى المادة (م) 9 يلاحظ أن المشرع المغربية أكد كذلك على هدا المبدأ حينما نص على أنه “يمنع كل تمييز بين الأجراء من حيث السلالة أو اللون أو الجنس… يكون من شأنه خرق أو تحريف مبدأ تكافئ الفرص أو عدم المعاملة بالمثل في مجال التشغيل أو تعاطي مهنة لاسيما فيما يتعلق بالاستخدام، او إدارة الشغل وتوزيعه والتكوين المهني، والأجر والترقية والاستفادة منا لامتيازات الاجتماعية والتدابير التأديبية والفصل من الشغل.”

نفس الأمر ثم التأكيد عليه كذلك من خلال أحكام المادة 478 من م ش حيث ثم منع وكالات التشغيل الخصوصية[7] من إجراء كل تمييز يقوم على أساس العرق او اللون او الجنس، من شأنه المس بمبدأ تكافؤ الفرص والمعاملة في ميدان التشغيل.

من خلال ما تقديم يلاحظ أن المشرع منع كل تميز بين الجنسين من شأنه المس بمبدأ تكافؤ الفرص في ميدان التشغيل، وما يجب على المشغل أو وكالات التشغيل الخصوصية التقيد به عند التشغيل، فقط ما جاء في م 507 من د ش والمتمثل في مراعاة فقط ما يتوفر عليه طالبو الشغل من مؤهلات وما لديهم من خبرات أو تزكيات مهنية.

ومن بين المجالات التي يمارس فيها كذلك التمييز بين الجنسين مجال الأجور غير أن المشرع تدخل كذلك في هدا الإطار من خلال المادة السابقة – م9 م ش- التي منع من خلالها كل تميز على أساس الجنس عند تحديد الأجور،وثم التأكيد على دلك من خلال م34 من د ش التي منعت كل تمييز بين الجنسين عن الأجر عند تساوت قيمة الشغل الذي يؤديانه.

ولفرض احترام هده المقتضيات القانونية عمل المشرع على فرض غرامات زجرية عن كل مخالفة للمقتضيات التي تمت الإشارة إليها، فعند مخالفة المشغل لأحكام المادة 9 من م ش تفرض عليه غرامات مالية تحدد في نطاق  15000و30000 وتضاعف في حالة العود حسب م 12 من م ش.

كما تعاقب وكالات التشغيل الخصوصية عن كل تمييز على أساس الجنس من شأنه المساس بمبدأ تكافؤ الفرص والمعاملة في ميدان التشغيل، بغرامة تتراوح ما بين 25000 و30000 درهم وتضاعف في حالة العود حسب م494 من م ش.

ومن بين الأمور التي يمنع فيها كذلك التمييز–حسب م9 من م ش- حالة الفصل، إذ أن قيام أي مشغل بفصل أجراءه على أساس الجنس.يعرض نفسه لغرامات زجرية حددتها م 12 في حدود 15000 و30000 درهم وتضاعف هده الغرامة في حالة العود.

هدا الأمر أشارت له كذلك المادة 35 التي نصت على أنه يمنع فصل الأجير دون مبررمقبول وحسب م 36 من م شلا تعد الأمور المقبول لأتخاد العقوبات التأديبيةأوالفصل من الشغل

“……

العرق أو اللون أو الجنس أو الحالة الزوجية ”

وبالتالي فإن أي إجراء تأديبي يعتبر باطلا، وكل فصل والحالة هده يعتبر تعسفيا تستحق على إثره الأجيرة المفصولة، المطالبة إما بالرجوع إلى العمل أو المطالبة بالتعويضات المستحقة عن الفصل التعسفي.

أما بخصوص إبرام عقود الشغل فالملاحظ أنه وقبل صدور مدونة الشغل كانت هده العلاقة تخضع لظهير الالتزامات والعقود فكان الفصل 726 يميز بين الأجيرة المتزوجة وغير المتزوجة، حيت أن هده الأخيرة كان لها إمكانية إبرام عقد الشغل دون إمكانية إلزامها بالحصول على اي ادن بخلاف النساء المتزوجات اللاتي كان يفرض عليهن الحصول على ادن الزوج قبل إبرام عقد الشغل.[8]

فهدا البند كان يعتبر فيه حيف في حق النساء وتمييز بين الجنسين. وفي إطار التخفيف من هدا البند كان يذهب بعض الفقه إلى القول أن هدا الحق الممنوح للزوج يجب أن يستعمل في حدوده المشروعة، وعدم استعماله بكيفية تعسفية لمنع الزوجة من إبرام عقد الشغل[9].

غير أن هدا المقتضي قد  تم تجاوزه من خلال أحكام مدونة الشغل، اد انه وحسب المادة 9 من هده الأخيرة، أنه يترتب على منع التمييز بين الأجراء حق المرأة في إبرام عقد الشغل دون الزامها بالحصول على ادن زوجها، وبالتالي استبعاد ما كان يتضمنه الفصل 726 من ق ل ع.

وإذا كانت الإشارة إلى المتزوجة بالنسبة للانضمام إلى النقابة المهنية قد تثير بعض اللبس والتساؤل حول سبب عدم التأكيد على دلك عند إشارة المشرع إلى حق المرأة في إبرام عقد الشغل. فإن فيه دلك عدم دقة الصياغة فقط إذ أن المبدأ ورد في الفقرة الثانية من م 9بتفعيل عدم التمييز بسبب الجنس والحالة الزوجية، أما ما يترتب على دلك ليس إلى تفسير وتأكيد للقاعدة العامة.[10]

 

 

 

المطلب الثاني:

حضر تشغيل النساء في بعض المهن وأثناء الليل

استكمالا لصور الحماية القانونية التي حرصت جل التشريعات الدولية على توفيرها للنساء الأجيرات،واستجابت الاتفاقيات العمل الدولية، عمل المشرع المغربي من خلال مدونة الشغل في هدا الإطار، على التأسيس للعديد من المقتضيات القانونية التي تراعي الوضعية الخاصة والمتميزة للمرأة.

دلك أنه إدا كانت العديد من المهام[11] التي قد يكون لها نفس الشأن بالنسبة للجنسين معا، إلا أنه نضرا للبنية الفيزيولوجية المختلفة بينهما، والمهام العائلية الملقاة على عاتقها يجعل المرأة الاجيرة محض اهتمام وعناية، توجب إفراد مقتضيات قانونية تصون مصالحها، ليس عطفا من المشرع ولا كف حقا يجيب تمتيع النساء الأجيرات به.

وفي هدا الإطار اعتمد مؤتمر العمل الدولية في دورة 18اتفاقية العمل الدولية رقم 42 لسنة 1934 بشأن تعويض العمال عن الأمراض المهنية.حيت تضمنت هده الاتفاقية حضر لأعمال التي ينتج عنها إصابة العاملات بالأمراض المهنية، والتي يحضر تشغيل النساء فيها لمخاطرها على صحتهم ومن بين هده الأعمال:

“….العمل تحت سطح الأرض في المناجم

العمل في الأفرنة

العمل في دبغ الجلود”

هدا الأمر ثم التأكيد عليه كذلك من خلال الاتفاقية العربية رقم 6 لسنة 1976بشأن مستويات العمل التي جاء في مادتها 6 ” يحضر تشغيل النساء في أعمال المناجم تحت الأرض وفي جميع الأعمال الخطيرة والمضرة بالصحة او الشاقة التي تحددها القوانين والقرارات واللوائح الخاصة لكل دولة.”

هده الحماية ثم تكريسها من خلال أحكام مدونة الشغل كذلك، والتي جاء في مادتها 179أنه ” يمنع تشغيل النساء في المقالع وفي الأشغال الجوفية التي تؤدى في أغوار المناجم ” كما تقضي أحكام المادة 181على ” أنه يمنع تشغيل النساء في الأشغال التي تشكل مخاطر بالغة عليهم، أو تفوق طاقتهم وقد يترتب عنها ما قد يخل بالآداب العامة”.

فمن خلال ما سبق إدا كان المشرع المغربي قد منع تشغيل النساء في الأعمال الشاقة والباطنية نضرا لاعتبارات صحية بدرجة الأولى، فقد منع تشغيل نفس الفئة كذلك في الأعمال التي من شأنها أن تؤثر على أخلاقهم وتخل بالآداب العامة.[12]

وعند مخالفة هده المقتضيات فقد حدد المشرع غرامات مالية تحدد ما بين 300 غلى 500 درهم وتكرر هده الغرامة بتعدد الأجراء الدين لم يراع في حقهم تطبيق أحكام المادتين السابقتين على ألا يتجاوز مجموع الغرامات مبلغ 20000 درهم.وان كنا نعتقد أن المشرع لم يكن موفقا في تحديد سقف لهده الغرامة اد كان من الأفضل ترك باب مضاعفة هده العقوبة مفتوحا دون ان يحدد لها سقف.

أما بخصوص التشغيل الليلي، فإذا كان الاشتغال بالنهار يعتبر هو المبدأ سواء بالنسبة للرجل والنساء، فإن الواقع العملي والتطور الاقتصادي والرغبة في الاستجابة للمتطلبات المتزايدة والمتنوعة للمستهلكين فرض تعبئة الجهود والطاقات من أجل دلك واستغلال جميع الأوقات سواء كانت بالنهار أو الليل.

غير أن الاستجابة لهده المتطلبات كانت له مجموعة من الآثار غير المرغوب فيها سواء على المستوى الصحي والاجتماعية لطبقة الأجراء وبالخصوص النساء منهم، دلك أنه إدا كان من المقبول ومن مقدور الرجال أن يشتغلو سواء في الليل أو النهار دون أن يكون لدلك تأثيرا كبيرا على صحة بدنهم أو علاقاتهم الاجتماعية والأسرية، فإن الأمر يختلف بالنسبة للنساء حيت أن تشغيلهم  بالليل سيثقل كاهل وسيعرضهم لمشاق سواء أتناء أدائهم لعملهم الليلي أو أتناء تواجدهم بمنازلهم خلال النهار وتكبد مشاق رعاية الأبناء والقيام بالأشغال المنزلية….، كما أنه إن كان من اليسير إيجاد من يسهر على رعاية الأبناء بالنهار فإن دلك سيصل درجة الاستحالة بالليل لأنه من الصعب إيجاد شخص قد يطلع بهده المهمة من غير الأمهات.

غير أن الملاحظ أن ما ذهبت إليه معايير العمل الدولية هو السماح بتشغيل المرأة بالعمل ليلا كأصل عام، أسوة بالعمال الذكور تفعيلا لمبدأ المساواة الذي كرسته الاتفاقية الدولية رقم 111 لسنة 1958 بشأن حضر التمييز في الاستخدام والمهنة، ومن ثم فإن المرأة تعمل ليلا مثل الرجل كأصل عام، في حين فحضر العمل ليلا هو مجرد استثناء.[13]

هدا المبدأ كرسه المشرع المغربي بدوره من خلال أحكام المادة 172 من م ش والتي جاء في فقرتها الأولى ” يمكن تشغيل النساء مع الأخذ بعين الاعتبار وضعيتهن الصحية والاجتماعية، في أي شغل ليلي مع مراعاة الاستثناءات التي تحدد بنص تنظيمي.

فالمشرع المغربي بدوره ومن خلال أحكام هده المادة أقر مبدأ تشغيل النساء ليلا، ولا يمنع هدا الأخير إلا إدا كان فيه تأثير على وضعهن الصحي والاجتماعي، أوفي حالة الاستثناءات التي يحددها النص التنظيمي بحسب الفقرة الأولى من م 172 من م ش.

بل يمكن تشغيل النساء ليلا ودون مراعاة الاستثناءات التي تحدد بنص تنظيمي، بالنسبة للمؤسسات التي تحتم ضرورة أن يكون النشاط فيها متواصلا أو موسميا …. كما يمكن تشغيل النساء ليلا ودون مراعاة الاستثناءات ادا تعرضت المؤسسة لظروف استثنائية وتعذر عليها بسبب نشاطها او بسبب طبيعة شغلها الاستفادة من الاستثناء الوارد في الفقرة الأولى من المادة 173 من المدونة شريطة التوفر على رخصة استثنائية من مفتش الشغل.[14]

وللتخفيف من مشاق الشغل الليلي على النساء عمل المشرع المغربي ومن خلال النص التنظيمي[15] المتعلق بتحديد الشروط الواجب توفيرها لتسهيل تشغيل النساء في أية شغل ليلي على وضع مجموعة من الشروط التي يتعين الالتزام بها:

-توفير وسائل النقل

-تمتيع النساء براحة لا تقل عن نصف ساعة بعد كل 4 ساعات من العمل المتواصل

– توفير وسائل الراحة …”

وعليه فان تقييد تشغيل النساء ليلا بمراعاة وضعهن الصحي والاجتماعي وبتوافر شروط تسهيل تشغيلهن في أي عمل ليلي، فان دلك لا يشكل حماية فعالة للنساء الأجيرات من مخاطر هدا العمل .[16]

دلك انه كان من الفضل منع تشغيل النساء ليلا وجعل هدا الأخير حالة استثنائية لا يلجأ إليها إلا عند الاضطرار، ودلك لما اشرنا إليه من ضعف قدرة المرأة على تحمل الأشغال الليلية ،وكدا تعدد المهام التي تضطلع بها.

 

المبحث الثاني :

مظاهر الحماية القانونية للمرأة الأجيرة الحامل

إن المرأة قبل أن تكون عاملة فهي الركن الأساسي الذي تقوم عليه الأسرة، فقد حبها الله عز وجل عن الرجل بمجموعة من الصفات والخصائص التي لا تجود فيه ومن ضمنها وظيفة الإنجاب التي بفضلها يتكاثر العنصر البشري الذي يحافظ على بقاء الأمم ورقيها، ولا شك بأن هده الوظيفة وعلى الرغم مما يميزها من فضل على المجتمع إلا أنها لا تخلوا من مشاق ومخاطر تواجه المرأة سواء أتناء الحمل أو الولادة أو بعدهما. وتستدعي هده الفترات أن تتمتع فيها المرأة بشكل عام والأجيرة على وجه الخصوص بعناية وحماية خاصة، تضمن سلامتها وسلامة جنينها وكذلك رعاية مولودها خاصة في الأسابيع الأولى للولادة.

بهدا الخصوص سنحاول الوقوف على اهم ما جاءت به مدونة الشغل من أحكام حمائية تضمن ما تم الإشارة إليه ودلك من خلال معالجة هدا المبحث في مطلبين.

الأول سنحاول تخصيصه للحماية القانونية للأجيرة الحامل من خلال أحكام مدوة الشغل والتاني  للحماية القانونية  للأجيرة بعد الوضع

المطلب الأول:

الحماية القانونية للأجيرة الحامل من خلال أحكام مدونة الشغل.

تعتبر فترة الحمل من أهم المراحل التي تحتاج فيها المرأة بصفة عامة والأجيرة على وجه الخصوص لعناية خاصة، لأنها مرحلة حرجة، تكون فيها قدراتها ضعيفة وقواها منهكة خاصة خلال الأسابيع الأخيرة من الحمل.

وتعد إجازة الوضع إحدى صور هده الحماية القانونية التي وفرتها قوانين الشغل للنساء الأجيرات، فهده الإجازة تكون غايتها حماية صحة المرأة العاملة وصحة جنينها،  وتأسيسا لدلك عملت منضمة العمل على  تأكيد هده الحماية من خلال العديد من الاتفاقيات الصادرة عنها ومنها الاتفاقية رقم 183 لسنة 2000 بشان حماية الأمومة، حيث رفعت هده الاتفاقية مقدار الإجازة الممنوحة للمرأة الأجيرة بمناسبة الوضع إلى 14 أسبوع توزع على فترتين قبل وبعد الوضع.

هدا المقتضى كرسه المشرع المغربي من خلال أحكام مدونة الشغل والتي جاء في م 152 منها “أن المرأة الأجيرة تتمتع عند إثبات حملها بشهادة طبية بإجازة ولادة مدتها 14 أسبوعا ما لم تكن هناك مقتضيات أفيد في عقد الشغل أو اتفاقيات الشغل الجماعية أو النظام الداخلي.

وحسب المادة 154 من م ش فإن للمرأة الأجيرة أن توقف سريان عقد الشغل فترة تبتدئ قبل تاريخ توقع الوضع بسبعة أسابيع.

وإذا تم إثبات بشهادة طبية نشوء حالة مرضية عن الحمل تجعل من الضروري إطالة فترة توقف العقد، فإنه يتم الزيادة في إجازة الولادة مدة استمرار الحالة المرضية، بشرط ألا تتعدى فترة التوقف 8 أسابيع قبل تاريخ توقع الوضع.

كما انه من خلال مقتضيات المادة 158 من م ش فإن الأجيرة التي تبت حملها بشهادة طبية كذلك ترك شغلها دون أخطار، ولا يلزمه تأدية أي تعويض عن عدم الإخطار ولا عن إنهاء العقد. وبالتالي فالإنهاء والحالة هده يعتبر مبررا ولا يمكن للمشغل أن يعتبره إنهاء تعسفيا يستحق بموجبه التعويض.

في حين فإنه وحسب م 159 من م ش فإنه لا يمكن للمشغل إنهاء عقد شغل أجيرة أثبتت حملها بشهادة طبية، كما لا يمكن للمشغل أن يقوم بإنهاء عقد شغل أجيرة حامل بسبب نشوء حالة مرضية عن هدا الأخير.

وكل فصل وحالة هده يعتبر تعسفيا يخول معه للأجيرة حق المطالبة إما بالرجوع على العمل أو المطالبة بالتعويضات المستحقة عن الفصل التعسفي.

كما لا يمكن للمشغل أن يقوم بتبليغ الفصل للأجيرة المفصولة بسبب ارتكاب خطأ جسيم خلال فترة إجازة الأمومة –توقف عقد الشغل -وكل تبليغ مخالف لدلك يعد عديم الأثر.

زيادة على دلك فكل إجراء مخالف يعرض المشغل إلى غرامات مالية تقدر ب 10000 وفي حدود 20000- م 165من مش.

وحسب م 153من م ش فإنه يجب على المشغل كذلك السهر على تخفيف الأشغال التي تكلف بها الأجيرة الحامل، فالمشغل ملزم باتخاذ جميع الإجراءات الممكنة التي قد تحول دون تعرض الجيرة الحامل وجنينها إلى أي أدى، كالتخفيف من أعباء العمل الشاق الذي كانت مكلفة به من قبل، او العمل على تغيرها من مصلحة إلى أخرى تراعي وضعيتها الخاصة خلال هده الفترة.

المطلب الثاني:

الحماية القانونية للأجيرة بعد الوضع من خلال أحكام مدونة الشغل

تعتبر فترة ما بعد الوضع من أهم اللحظات في حياة المرأة ومن أكترها تأثيرا على صحتها. خاصة إذا لم تحضا بالرعاية المتطلبة، حيث أنه خلال هده الفترة تكون قوى المرأة منهكة ويكون من الصعب عليها القيام بأي أعمال. هدا الأمر فرض توفير حماية خاصة للمرأة بشكل عام والأجيرة على وجه الخصوص، ودلك حتى تتمكن من استرجاع عافيتها، وكذلك حتى تتاح لها الفرصة للقيام برعاية مولودها.

ومن أجل دلك عمل المشرع المغربي من خلال مدونة الشغل على التأسيس لهده الحماية ،في فترة النفاس ومن خلال م 151 فإن للأجيرة الحامل بعد الولادة حق توقيف سريان عقد الشغل ينتهي بعد تاريخ الوضع ب 7 أسابيع، بل إنه أكثر من دلك وإعمالا لمقتضيات نفس المادة فإن الأجيرة التي تبت بشهادة طبية وجود حالة مرضية ناتج عن الوضع، بإمكانها أن تطيل مدة توقف العقد لمدة تصل 14 أسبوع بعد تاريخ الوضع دون أن يمكن أن تزيده على ذلك.

وإذا كانت الأجيرة العامل ووفقا لمقتضيات م 154 من م ش حق الاستفادة من إمكانية توقيف عقد الشغل 14 أسبوعا توزع قبل وبعد الوضع. فإنه في حالة حدوث ولادة فجائية فإنه يمكن للأجيرة الاستفادة من المدة التي لم تستغلها قبل الولادة الى ما بعد الولادة، بل إن للأجيرة أن تستمر في عملها إلى أن  تحين فترة الولادة مع إمكانية استفادتها من الأسابيع التي لم تستفد منها قبل الوضع إلى ما بعد الوضع.

كما أن للأجيرة الأم الاستفادة من الحق في عطلة استثنائية لا ترتبط بعطلة الولادة ولا بعطلة نشوء حالة مرضية من الولادة، ولكن عند رغبة الأجيرة الأم في تربية مولودها شريطة أن تشعر مشغلها في أجل أقصاه 15 يوما من انتهاء إجازة الأمومة وأن لا تتجاوز هده الفترة 90 يوما مع ان هده الأخيرة تضاف إلى الفترة القانونية المحدد إما في 7 أسابيع أو14 أسبوعا عند نشوء حالة مرضية من عدمه.[17]

 

وإذا كان ما تمت الإشارة إليه يعتبر من حقوق المرأة الأجيرة تستأثر به دون اتفاق مع المشغل، فإنه يمكن لها وحسب المادة156 من م ش الاستفادة من عطلة غير مدفوعة الأجر لمدة سنة من اجل تربية مولودها ولا كن بعد الاتفاق مع المشغل.

كما مكن المشرع الأجيرة من خلال أحكام 157 م ش من حق العدول عن استئناف شغلها ووضع حد للعلاقة الشغلية التي تربطها بمشغلها دون مراعاة أجل الإخطار أو أداء أي تعويض، بشرط أن توجه إلى مشغلها وقبل انتهاء فترة توقف عقدها ب 15 يوما على الأقل رسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل تستعرض فيها أنها لن تستأنف شغلها بعد انتهاء مدة التوقف المذكورة بسبب الولادة.

وزيادة على ما سبق وإيمانا من المشرع بالدور الكبير الذي تقوم به الرضاعة الطبيعية في نمو المولود، ومالها من تأثير على تمتعه بصحة جيدة خولت مدونة الشغل من خلال المادة 161 للأم الأجيرة الحق في أن تتمتع يوميا وعلى مدى سنة كاملة من تاريخ استئنافها الشغل على إثر الوضع باستراحة خاصة يؤدى عليها الأجر باعتبارها وقتا من أوقات الشغل، مدتها نصف ساعة صباحا ونصف ساعة ضهرا من أجل إرضاعها لمولودها خلال أوقات الشغل.

مع الملاحظ أن هده الساعة تكون مستقلة عن فترات الراحة المعمول بها بالمقاولة وكل مخالفة لدلك تعرض المشغل لغرامات مالية تقدر ب 2000 إلى 5000 درهم حسب م 165 من  م ش.

وفي نفس الإطار يجب على المشغلين تجهيز غرفة خاصة للرضاعة داخل كل مقاولة أو على مقربة منها مباشرة إدا كانت تشتغل فيها ما لا يقل عن خمسين أجيرة تتجاوز سنهن 16 سنة، وكل إجراء مخالف يعرض المشغل لغرامة تقدر ب 2000 إلى 5000 درهم.

كما يمكن إنشاء دار للحضانة بمساهمة عدة مقاولات متجاورة بمنطقة مهنية مع تجهيزها وفق الظروف الملائمة.

من خلال ما تقدم ادا كان يمكن القول أن حق الأجيرة الحامل في توقيف عقد الشغل خلال فترة الحمل يعتبر حقا خالص للأجيرة، لها ان تستعمله  دون اي تدخل من المشغل.حيث أنه لا يمكن لهدا الأخير أن يوقف هدا العقد من تلقاء نفسه بدعوى ضرورة استفادة  الأجيرة الحامل من العطلة التي منحها لها المشرع او بدعوى نقص مردوديتها، بل  هو حق للأجيرة فقط يمكن أن تستعمله متى شاءت وواجب تجاه المشغل يلتزم بالامتثال له وقتما أرادت الأجيرة الاستفادة منه.

ودلك بخلاف الحالة التي يتوقف فيها عقد الشغل بعد الولادة إد أنه لا يمكن للمشغل سواء بإرادته وبإرادة الأجيرة أن تستأنف هده الأخيرة الشغل خلال هده الفترة، أو يشغل أجيرة جدية لأول مرة خلال 7 أسابيع الأولى من الوضع [18]وكل مخالفة لدلك تعرض المشغل لغرامة مالية تقدر ب 10000 إلى 20000 درهم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[1]عبد اللطيف خالفي، الوسيط في مدونة الشغل الجزء الاول علاقات الشغل الفردية، الطبعة الاولى ، المطبعة والوراقة الوطنية مراكش 2004، ص 522.

[2]دنيا مباركة ، قضايا مدونة الشغل بين التشريع والقضاء ،سلسة المعارف القانونية والقضائية، منشورات مجلة الحقوق، مطبعة المعارف الجديدة  الرباط، الطبعة الاولى 2016. ص 79

[3]دنيا مباركة مرجع سابق ص 80

[4] إن الأصل أن جميع النصوص القانونية المتعلقة بتشغيل الأجراء تسري أيضا على النساء، دون تمييز عن العمل الواحد بينهم، إد المقصود في قانون الشغل بالأجير كل شخص طبيعي يعمل لقاء أجر، ومما  لا شك فيه أن عبارة كل شخص طبيعي تشمل الذكور والإناث.

د.عبد اللطيف خالفي، الوسيط في مدونة الشغل الجزء الاول علاقات الشغل الفردية، المرج السابق  ص 547 و548

[5]نزهة حسني، المركز القانوني للأجيرة في قانون الشعل المغربي، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة القاضي عياض كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية مراكش، 2008-2009 ص 12

-سميرة كميلي، القانون الجنائي للشغل الجزء الاول، الطبعة الاولى، مطبعة بني ازناسن 2015، ص 42.[6]

[7] تتم الوساطة في التشغيل عن طريق مصالح تحدت لهده الغاية من قبل السلطة الحكومية المكلفة بالشغل تكون غاية هده الوساطة تسهيل التقاء العرض والطلب في مجال التشغيل، ويمكن أن تضطلع بهده المهمة كذلك وكالات التشغيل الخصوصية بعد الحصول على ترخيص من السلطة الحكومية المكلفة بالشغل.

ويقصد بهاده الوكالات كل شخص اعتباري يقوم بالإعمال التالية:

يقصد بوكالة التشغيل الخصوصية، كل شخص اعتباري يقوم بالأعمال التالية أو بإحداها:

أ) التقريب بين طلبات وعروض الشغل دون أن يكون القائم بالوساطة طرفا في علاقة الشغل التي قد تنشأ عن ذلك؛

ب) تقديم أي خدمة أخرى تتعلق بالبحث عن شغل أو ترمي إلى الإدماج المهني لطالبي الشغل؛

ج) تشغيل أجراء بهدف وضعهم، مؤقتا، رهن إشارة شخص ثالث يسمى ” المستعمل” يحدد مهامهم ويراقب تنفيذها.

الفصول 475 و476 و477 من م ش.

[8]– موسى عبود، دروس في القانون الاجتماعي، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، الطبعة الاول 1987 ،  ص 185.

[9]مرجع سابق ص185

[10]– محمد سعيد بناني، قانون الشغل بالمغرب في ضوء مدونة الشغل علاقات الشغل الفردية الجزء الثاني المجلد الاول، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء ،طبعة يناير2007، ص 116.

[11]– نزهة حسني مرجع سابق ص21.

[12]– سميرة  كميلي مرجع سابق ص 701

[13]– عبد الباسط عبد المحسن ورقة عمل حول الحماية القانونية للمرأة في تشريعات العمل العربية دراسة للواقع والمأمول في ضوء معايير العمل الدولية و العربية ، المنامة .البحرين 20و 21 نوفمبر 2013  ص 17.

[14]  المادة 173 من مدونة الشغل.

[15]– مرسوم رقم 568 -204 صادر في 16 من دي القعدة 1425 (29 ديسمبر 2004) بتحديد الشروط الواجب توفيرها لتسهيل تسفير النساء في أية شغل ليلي.

[16] دنيا مباركة، قضايا مدونة الشغل بين التشريع والقضاء، مرجع سالبق، ص 90

[17]– محمد سعيد بناني مرجع سابقص 682

[18] م 153 من مدونة الشغل