الحماية القانونية للاختراعات البيوتكنولوجية – قراءة في التشريع المغربي والموريتاني –

ذ/ الطيب ولد محمود- محام

335

يتسم الواقع الاقتصادي العالمي المعاصر والذي تسيطر عليه أفكار العولمة بهيمنة التكنولوجيا الحديثة بشتى أشكالها، باسطة أجنحتها على مختلف المعاملات الاقتصادية، ومؤثرة في جميع العلاقات القانونية، بما في ذلك العلاقات ذات الطابع الصناعي والتجاري والثقافي والمعرفي بين الأمم، وانفتحت الحدود بين الدول وتيسر انتقال الأموال والأعمال عبر الدول، وأصبحت الملكية الفكرية تنتقل عبر الحدود من دولة إلى أخرى، في جميع صورها، مما أدى إلى تقسيم الملكية الفكرية إلى قسمين([1]):

  • الملكية الأدبية والفنية، والملكية الصناعية والتجارية، وتنقسم كل من الملكية الأدبية والفنية إلى قسمين:
  • حق المؤلف والحقوق المجاور له، وتشمل الحقوق المجاورة لحق المؤلف وحقوق الفنانين المؤدين لعروضهم، أو العازف.
  • حقوق منتج التسجيلات الصوتية ضمن تلك التسجيلات وحقوق هيئات البث الإذاعي في برامج الراديو والتلفاز الخاصة بها… ، أو السمعي البصري.

أما الملكية الصناعية والتجارية: وتقسم إلى قسمين : أ- المبتكرات الجديدة: وهي الاختراعات (البراءة)، وتصاميم تشكل الدوائر المندمجة، المستنبطات النباتية والرسوم والنماذج الصناعية. ب- الشارات المميزة وهي: علامات (الصنع – التجارة – الخدمة)، الاسم التجاري، البيانات الجغرافية، تسميات المنشأ، إلا انه في القرن 19 عشر وقبل إصدار أية اتفاقية دولية في مجال الملكية الصناعية كان من الصعب إلى حد ما الحصول على حق الملكية الصناعية في مختلف دول العالم بسبب اختلاق القوانين الوطنية لدول المعمورة، فظهرت الحاجة الملحة إلى تنسيق قوانين الملكية الصناعية وملاءمتها على أساس دولي بل وعلى أساس عالمي، والسبب في ذلك يرجع إلى تزايد التدفق التكنولوجي على الصعيد الدولي وكذلك زيادة حجم التجارة الدولية مما جعل هذا التنسيق ضرورة ملحة في مجال العلامات والبراءات لأهميتهم في مجال التجارة والتطور التكنولوجي، لذلك اهتم الباحثون بالاختراع وكان لزاما الحصول على حمايته عن طريق براءة اختراع.

بـــــراءة الاختراع:

       إن الاختراع (invention) هو كل ابتكار لمنتج أو لطريقة جديدة للحصول على منتج قائم أو على نتيجة صناعية موجودة، وفي غالب الأحيان يتم من خلاله التوصل إلى نتيجة غير معروفة من الأساس([2]).

بعض القوانين لم تعرف الاختراع ولم تضع تمييزا بين ما يعد اختراعا وغير ذلك وإنما اكتفت بسرد بعض التطبيقات التي تصدر بشأنها البراءة ووضع بعض الشروط الشكلية (الفنية) والموضوعية الواجب توفرها لكي يمكن استصدار البراءة عن الاختراع.

وقد حاول الفقه الفرنسي التصدي لهذا الفراغ التشريعي باللجوء إلى تعريف الاختراع من حيث شروطه بالنص على أن الاختراع، يتحقق متى كان جديدا (أي ليس من البدهيات)، ويستلزم نشاطا إبداعيا ويقبل التطبيق الصناعي، ولا يخالف النظام العام والأخلاق الحميدة([3]).

يمكن القول إن براءة الاختراع (brevet d’invention) تشكل الأداة القانونية التي وضعها المشرع لحماية الاختراعات الأصلية، أما ما يتم إدخاله من تحسينات أو إضافات على الاختراعات بعد استصدار البراءة عنها فيمكن أن يتم حمايتها إذا كانت منجزة من قبل صاحب البراءة أو ذوي حقوقه عن طريق “شهادة إضافة” تسلم وفق نفس الإجراءات والشروط التي تسلم بها البراءة الأصلية ولها نفس الأثر المترتب على تلك البراءة المادة 26 من الملكية الصناعية الموريتانية، و(المادة 29/1)  من القانون المغربي المتعلق بحماية الملكية الصناعية والتجارية رقم 17/97، المنشور بالجريدة الرسمية، عدد 4776 بتاريخ 9 مارس 2000، النشرة العامة والمنفذ بظهير شريف رقم 1.00.19 الصادر في 9 ذي القعدة 1420 هـ، الموافق 15 فبراير 2000، وجرى تتميمه وتعديله بتـــــــاريخ               14 فبراير 2006، وفي موريتانيا تقوم المنظمة الإفريقية للملكية الفكرية (O A P I) Organisation africaine de la propriété intellectuelle  والتى يوجد مقرها الآن بياوندى بالكاميرون مقام الإدارة الوطنية للملكية الصناعية، ومقام المكتب المعين، والمختار، ومحل تسلم الطلبات بالنسبة لكل دولة عضو وطرف في معاهدة التعاون بشأن البراءات، ولقد تمت مراجعة اتفاق بانغى (Bangui) بعاصمة جمهورية افريقيا الوسطي ومنها جاءت التسمية، والذي صدر ب 2 مارس 1977، وقد تمت ملاءمته مع اتفاقية ADPIC([4]) لسنة 1994، ووقعة المراجعة في فبراير 1999، وتعتبر موريتانيا عضوا مُنضما في هذا الإتفاق الذي يشكل بالنسبة لها قانونا وطنيا، والتي صادقت عليه سنة 2001، إلا أنه قد صدر قانون بموريتانيا رقم 038/2012 بتاريخ 17 يوليو 2012 يتعلق بالملكية الأدبية والفنية، أنظر الجريدة الرسمية عدد 1272 الصادر بتاريخ 30 /09/2012 والذي ينص في مادته 166 على أنه: “تلغى كافة الأحكام السابقة المخالفة لهذا القانون” مما يعني أن اتفاقية بانغي في جانبها المتعلق بالملكية الأدبية والفنية لم يعد معمولا بها في موريتانيا.

إن أي تطوير وتفعيل للتكنولوجيا يتأتى من خلال تطوير البراءة بوصفها الآلة التي تخلق ديناميكية للاختراعات، فالبراءة وضعت لحماية الابتكارات والذود عن حقوق مخترعيها، والقصد من نظام البراءة هو الاعتراف للمخترع بحقه على اختراعه على نحو يتيح له الكشف عن أسراره إلى العموم دون خشية الاعتداء عليه أو تقليده وذلك عن طريق الاعتراف له بحق استئثاري عليه يخوله الاحتجاج به في مواجهة الجميع، وبالمعنى المخالف منع الغير من التعدي على ذلك الحق وإلا توبع من أجل التزييف، الفعل المجرم والمعاقب بالمادة 201 من قانون الملكية الصناعية المغربي، والمادة 58 وما بعدها من الملكية الصناعية الموريتانية، والمواد 384، 392 من القانون الجنائي الموريتاني.

براءة الاختراع هي سند ملكية صناعية تسلمه السلطة العمومية المختصة (المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية) للمخترع([5])، أو لذوي حقوقه بناء على طلبه فيخوله حق الاستئثار باستغلال اختراعه لمدة زمنية مؤقتة ومتغيرة حسب الدول إلا أنه هناك مسعى لتوحيدها دوليا وخاصة في الدول المتقدمة ب 20 سنة من تاريخ الإيداع –نظرا لما بذله من جهد ومال في التوصل إليه (المادة 17 من قانون الملكية الصناعية الجديد)، وتتباين الدول في تحديد مدة الحماية، فالولايات المتحدة الأمريكية كانت مدة الحماية لديها 17 سنة وبالنسبة لمصر 15 سنة والأردن 16 سنة، وفي موريتانيا 20 سنة طبقا للمادة 9 من الملكية الصناعية في الباب الأول، كما توجد أنظمة إيداع دولية للحصول على براءة الاختراع.

وتسعى التشريعات في تنظيمها لبراءات الاختراع إلى التوفيق بين المصلحة الخاصة للمخترع([6])، والمصلحة العامة للمجتمع، ومن الملاحظ أن المشرع قد قرر للمخترع حق الاستئثار باستغلال اختراعه مكافأة له على الجهد والمال الذي بذله من أجل التوصل إليه، غير أنه قيد ذلك الحق بمدة زمنية محددة يصبح بعدها ذلك الاختراع مشاعا يحق لأي كان استغلاله، وهدفه (المشرع) من ذلك التشجيع على المنافسة والابتكار والتجديد التكنولوجي كوسيلة فعالة لتطوير الصناعة وبالتالي لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية([7]).

ومن هنا لم تكن براءة الاختراع مجرد مكافأة للمخترع ترتبط بعملية الاختراع في ذاتها، بل هي تقنية قانونية وظفت لتحقيق المصلحة العامة، فالمخترع الذي لا يطلب الحصول على البراءة لا يتمتع بأي حق استئثاري على اختراعه، المواد 17،51 من قانون الملكية الصناعية المغربية، والمادة 14 من الملكية الصناعية الموريتانية، وتكون وسيلته الوحيدة في حماية حقه الطبيعي عليه هو إحاطته بالكتمان وتركه في السر بالحرص على عدم إشاعة أي شيء يكشف طريقة التوصل إليه، وحينئذ فإن الأداة القانونية الوحيدة التي تظل أمامه لحماية ذلك السر هي دعوى المسؤولية ضد من يلجأ لوسائل احتيالية أو غير مشروعة للحصول على معلومات تتعلق بذلك الاختراع.

إن الطبيعة القانونية للبراءة تأتي في شكل سند ملكية يصدر عن مصلحة إدارية([8])، مختصة هي في المغرب المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية (L’O.M.P.I.C) المنشأ بالظهير الشريف رقم 1.00.71 الصادر في 9 ذي القعدة 1420 (15 فبراير 2000) بتنفيذ القانون رقم 13/99 والقاضي بإنشاء هذا المكتب، وفي موريتانيا إدارة التنمية الصناعية، في وزارة التجارة في انتظار إنشاء مكاتب متخصصة، وهذا يجعل من براءة الاختراع عملا إداريا يصدر من جانب واحد هو الإدارة التي ينعقد لها وحدها الاختصاص بمنح البراءة بعد التمعن والفحص وفي غضون ذلك يتم التأكد من توفر الشروط الشكلية والموضوعية التي يتطلبها القانون في ذلك الاختراع طبقا لتشريعات الدولة المطلوب فيها الحماية وتجدر الإشارة إلى أن بعض الدول يشترط على بقاء البراءة قسط مالي سنوي وإلا تعرضت للسقوط في الدومين العام.

وفي مجال قابلية الاختراع للاستغلال الصناعي فلقد اشترطت كل من المادة 22 من القانون الجديد رقم 17-97 والمادة 23 من ظهير 1916 أن يكون الاختراع قابلا للتطبيق الصناعي.

والمقصود بذلك أن يترتب عن استعمال الابتكار نتيجة صناعية تصلح للاستغلال في مجال الصناعة مثل اختراع آلة أو مادة كيميائية معينة أو أي شيء ملموس يمكن الاستفادة منه وتطبيقه في المجال الصناعي أي استغلاله صناعيا.

وهذا ما تؤكده المادة 28 من قانون الملكية الصناعية المغربية بقولها: “يعتبر الاختراع قابلا للتطبيق الصناعي إذا كان من الممكن صنع موضوعه أو استعماله في أي نوع من أنواع الصناعة بما في ذلك الفلاحة”.

ويقابله في التشريع الفرنسي لسنة 1968 الفصل 11 والفصل 57 من اتفاقية Munich حيث جاء فيها:

Une invention est considérée comme susceptible d’application si son objet peut être fabriqué ou utilisé dans tout genre d’industrie y compris l’agriculture”.

وفي التشريع الموريتاني تنص المادة 5 من الملكية الصناعية علي أنه: “يعتبر الإختراع قابلا للتطبيق الصناعي، إذا كان بالإمكان تصنيع أو إستعمال موضوعه في أي نوع من أنواع الصناعة، ويجب أن تفهم كلمة “الصناعة” بأوسع معانيها حيث أنها تشمل الحرف اليدوية والزراعة وصيد الأسماك والخدمات على وجه الخصوص”([9]).

ومن حيث مشروعية منح براءة الاختراع فلقد استثنت المادة 24 على حالتين يمنع فيها القانون منح البراءة عنها:

  • الاختراعات التي يكون نشرها أو استعمالها منافيا للنظام العام أو الآداب العامة أو الأخلاق الحميدة.
  • المستنبطات النباتية الخاضعة لأحكام القانون رقم 94-9 المتعلق بحماية المستنبطات النباتية.

فالمشرع يشترط لمنح البراءة أن يكون موضوع استغلال الاختراع مشروعا لا يؤدي إلى الإضرار بالصالح العام للدولة سواء من الناحية الصحية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، ومن الأمثلة على ذلك الاختراعات التي يترتب على استغلالها إضرار بالصالح العام كاختراع أحد الأفراد لآلة تصلح للعب القمار ولتزييف النقود أو لفتح الخزائن الحديدية أو تحطيمها أو احتكار طريقة كيماوية لحفظ الأطعمة يترتب عليها استخدام مواد ضارة بالصحة، أو تلك الأطعمة المحصول عليها نتيجة نباتات أعضاؤها معدلة جينيا OGM (organes génétiquement modifiés) بغية تكاثرها أو نضجها بطريقة سريعة([10])، وهو ما أصبح يستعمل في غالبية الأطعمة ذات المصدر النباتي كالخضروات والفواكه والقمح والأرز… أنظر المادة 6 فقرة ج من قانون الملكية الصناعية الموريتانية والتي تنص علي أنه: “لا يجوز إصدار براءة اختراع عن الإختراع الذي يكون موضوعه أصنافا نباتية و فصائل حيوانية وعمليات بيولوجية أساسا لإنتاج نباتات أو حيوانات، خلاف عمليات علم الأحياء الدقيقة ومنتجات هذه العمليات”.

وبالمقابل أجاز المشرع الحصول على براءة الاختراع المتعلقة بالمركبات الصيدلية أو الأدوية كيفما كان نوعها بما فيها الطرائق والأجهزة المتعلقة بالحصول عليها بموجب المادة 21 الفقرة 2 خلافا لظهير 1916، وهذا تمشيا مع اتفاقية منظمة التجارة العالمية OMC التي حلت محل GATT لأن أساس تبني نظام التوسع في مجالات منح البراءة هي الفلسفة القائم عليها نظام اقتصاد السوق الحر القائم على المنافسة المشروعة وتشجيع الابتكار.

والمقصود بالاختراعات المرتبطة بالأحياء هي كل الأجسام الحية سواء كان مصدرها النبات أو الحيوان أو الإنسان وتتجسد في الخلايا والجينات والكروموزومات وغيرها، وهو ما أصبح يعرف بالبيوتكنولوجيا (biotechnologie)([11])، وهي مجموع التقنيات العلمية والطبية الهادفة إلى القيام بتعديلات جينية في أي جسم حي، وهو ما يطلق عليه أيضا الإختراعات المرتبطة بالأحياء (le vivant)، وهو ما جعل الباحثون يهتمون بالموضوع.

المذاهب الفقهية:

انقسم الباحثون الغربيون بشأن موضوع إمكانية إخضاع الأحياء لنظام براءات الاختراع([12]) إلى موقفين اثنين :

الموقف الأول: يدعو إلى حماية هذه المجالات المرتبطة بالبيوتكنولوجيا على اعتبار أن الإبداع الفكري كيفما كان نوعه والمجال الذي ينصب فيه، ينبغي حمايته من كل اعتداء، ففي نظر أصحاب هذا الموقف، إن كانت براءة الاختراع تخفي في طياتها إبداعا فكريا لصاحبها، والبراءة من هذا المنظور هي مجرد وسيلة لحماية هذا الإبداع أي حماية المعارف القابلة للاستغلال والاستعمال الجماعي، فليس الجهاز أو الآلة أو الوسيلة هو الذي يعتبر موضوع البراءة، إنما الفكرة الإبداعية التي رصدته وجسدته إلى حقيقة، وانطلاقا من هذا التفسير توصل أصحاب هذا التوجه إلى أنه مادامت البراءة هي مجرد وسيلة لحماية أفكار وإبداعات فكرية، فلا يهم بعد ذلك أن تكون هذه الإبداعات منصبة على أشياء جامدة أو أخرى حية ولا علاقة لهذه الأمور بالجانب الأخلاقي والديني.

واسترسل هؤلاء بالتأكيد رفض منح حماية قانون براءات الاختراع على هذا النمط الجديد من الإبداع لن يؤدي بتاتا إلى توقف البحث العلمي في هذه المجالات بقدر ما سيؤدي إلى جعل هذا البحث خفيا وغير خاضع لمراقبة الدولة.

الموقف الثاني: على نقيض هذا الموقف السابق الذكر يؤكد توجه فقهي آخر بأن نظام البراءات يطغى عليه مفهوم الاستغلال التجاري وتنظيم المنافسة التجارية، وهي مفاهيم ينبغي تركها بعيدة متى تعلق الأمر بأشياء حية، وأن السماح في مرحلة أولى باستصدار اختراع عن خلايا وجينات مرتبطة بالنباتات أو الحيوانات سيؤدي في مرحلة لاحقة وبالضرورة إلى ظهور نوعية جديدة من براءات الاختراع مصدرها هذه المرة الإنسان نفسه وخلاياه وأعضاءه([13])، وهو ما لا يجوز الإقدام عليه.

رأي القوانين المقارنة:

  • لقد كان لتسليم السلطات الأمريكية لبراءة اختراع سنة 1988 عن فأرة معدلة وراثيا في جامعة هارفارد، السبق في إثارة الكثير من التساؤلات في الولايات المتحدة الأمريكية ومنها إلى دول أخرى في العالم التي أصبح من اللازم عليها اتخاذ موقف واضح من هذه المسألة إيجابا أو سلبا، وإذا كان الهدف الأول المبتغى من تجربة فأرة هارفارد هو رصد ودراسة تطور السرطان في كائن حي، فإن هذه التجارب التي استرسلت لمدة 17 سنة متتالية وصلت إلى حد الاستفادة من براءات الاختراع عن الخلايا المعدلة وراثيا وزراعة الخلايا والجينات في كائن حي، إذ أن الانطلاقة كانت مع استفادة فأرة هارفارد من براءة الاختراع، ومنها ظهرت اتجاهات جديدة في أمريكا نحت نحو الاهتمام بالجينات والخلايا المعدلة وراثيا وإمكانية استفادتها بدورها من براءات الاختراع، سواء كانت متأصلة من كائن حي عبارة عن نبات أو حيوان أو إنسان([14]).
  • أما في كندا فقد اعتبرت المحكمة العليا الكندية أن الأحياء بصفة عامة لا يمكن إدخالها في مزايدات براءات الاختراع لتعلقها بكائنات حية ينبغي جعلها فوق القانون المنظم للمنافسة التجارية والاستئثار بالاستغلال واعتبرت مثل هذه التجارب والتعديلات الجينية أمرا مخالفا للنظام العام والأخلاق الحميدة، وقد بررت المحكمة العليا رفضها بكون الطرق التي تم بها التعامل مع فأرة هارفارد مثلا، ليس صنعا تقنيا ولا تركيبة لمواد ومنتوجات جديدة حسبما يتفق والتعريف التقليدي للاختراعات القابلة لاستصدار البراءة([15]).
  • أما في أوربا فقد رفض المكتب الأوربي للبراءات بتاريخ 14/07/1989 تسليم براءة اختراع عن فأرة هارفارد أو أي حيوان آخر استنادا لكون مثل هذه الأمور لها اتصال وطيد بالنظام العام، إلا أن غرفة الطعون بنفس المكتب، لما عرض عليها هذا الموضوع أصدرت قرارات تحت رقم 19/90 أوضحت فيه أنه لكي يتأتى تحديد هل اختراع معين مرتبط بحيوان معدل وراثيا هو مناف للنظام العام من عدمه، يتعين الترجيح بين كفتين :
  • الكفة الأولى: مدى الآلام اللاحقة بالحيوان من جراء تعديل خلاياه وجيناته وراثيا في كفة.
  • الكفة الثانية : مدى استفادة الإنسانية من هذه التجارب، ثم النظر في المكاسب التي سوف تحققها البشرية من جراء هذا العمل، وبالتالي سوف يكون الاختراع منافيا للنظام العام من عدمه بحسب الجهة التي سوف تنحى لها كفة الترجيح.

وفيما يتعلق بنازلة فأرة هارفارد، اعتبرت غرفة الطعون أن هذه الفأرة التي عدلت جينيا قصد  تجربة بعض المواد والأدوية المضادة لداء السرطان، سوف تستفيد منها البشرية وترجيح كفة هذه المبررات على آلام هذا الحيوان، وارتأت في الأخير صحة وسلامة تسليم البراءة على هذا الاختراع([16]).

وعلى نفس التوجه، وعت الدول الأوربية بهذا التحدي المفروض عليها خصوصا أمام السبق المشهود الذي سجلته الولايات المتحدة الأمريكية في هذا الصدد، فأصدرت توصية رقم 44/98 متعلقة بحماية الاختراعات البيوتكنولوجية، دخلت حيز التطبيق بتاريخ 30/07/1998، وقد وضعت هذه التوصية الأوربية الحدود بين ما يمكن استفادته من براءات الاختراع وما لا يمكن في مجال الإبداعات البيوتكنولوجية، فأوضحت المادة 5 منها ان جسم الإنسان وتركيبته وعناصره وأعضاءه لا يمكن اعتبارها أمورا قابلة لاستصدار البراءة، أما الجينات والتحولات الطارئة عليها بواسطة جميع التقنيات فيمكن استفادتها من براءات الاختراع([17]).

 

حــــالة تطبيق:

في السنوات الأخيرة تم إعلان باحثون وأطباء غربيون بمحاولة ما سموه “اختراع” في مجال الحيوان وفي هذا الإطار حاولوا استنساخ نعجة سموها تيمنا “دولي”([18]). خرجت “دولي” إلى الوجود بعد عملية طبية مخبرية معقدة للغاية، اعتمدت أسلوب “التهجين”، حيث دمجت “بويضة مخصبة” بطريقة علمية معقدة مع “خلية حية” معالجة وراثيا، وزرع الخليط في رحم إحدى النعاج المراقبة علميا ومخبريا.

لم تكن “دولي” “نعجة بالمعنى البهائمي” للكلمة، بل يمكن القول إنها لا تملك من خصائص النعاج سوى شكلها الذي لعبت المخابر دورا بارزا في إخراجه وصياغته فلم تملك “دولي” بالقطع ألفة النعاج ولا حليب النعاج، ولا حنان النعاج، ولا حتى صوت النعاج، أو نمط عيشها وتفكيرها الداجن.

وكانت النتيجة هي أن أثارت ولادة “دولي” يومها ضجة علمية ودينية وطبية، لم تنقطع حتى اليوم، لأنها متصلة بجدل عالمي –متعدد الأوجه- حول شرعية الاستنساخ، وقيمه القانونية والطبية وحتى الأخلاقية.

 

المراجع بالعربية :

– خالد مداوي، حقوق الملكية الصناعية في القانون الجديد رقم 17-97، ط 2، دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، سنة 2005، المغرب.

– صلاح زين الدين، المدخل إلى الملكية الفكرية، ط 1، مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع 2004، الأردن

– صلاح زين الدين، الملكية الصناعية والتجارية، ط 1، دار الثقافة والنشر والتوزيع، سنة 2000، عمان، الأردن.

– فؤاد معلال، الملكية الصناعية والتجارية، دراسة في القانون المغربي والاتفاقيات الدولية،  ط 1، دار الآفاق المغربية للنشر والتوزيع،  سنة 2009، الدار البيضاء، المغرب.

– فؤاد معلال، محاضرات في مادة الملكية الصناعية والتجارية، ألقيت على طلبة السنة الثانية من الدراسات العليا المعمقة، شعبة القانون الخاص، كلية الحقوق بفاس، غير منشورة، خلال العام الجامعي سنة 2006-2007، المغرب.

– محمد محبوبي، النظام القانوني للعلامات في ضوء التشريع المغربي المتعلق بحقوق الملكية الصناعية والاتفاقيات الدولية، ط 2، سنة 2011، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط، المغرب.

 

المراجع بالفرنسية :

– Alain Gallochat, “Critères de brevetabilité : où sont les limites ?”, conférence sur les systèmes de brevet, Genève, 25/03/2002, non publié.

– Angéla Furlanetto: “l’affaire de la souris de Harvard, Réflexions sur la brevetabilité des formes de vie”, Revue la science en Québec, 23/12/2002.

– Commission Fédérale d’éthique pour la génie génétique dans le domaine non humain: “Brevetabilité des animaux et des plantes” Berne – Suisse, 31/12/2003, non publié.

– Frédéric Pollaud Dulian, Droit de la propriété industrielle, Montchrestien, Paris 1999.

– Ulrich Schatz: “Les brevets des vivants et l’éthique”, intervention au colloque organisé par l’école polytechnique de Paris sur le thème : Brevetabilité du vivant, décembre 2000.

مواقع على الأنترنيت:

www.wipo.net

–  www.ompi.org

www.oapi.wipo.net

 

[1] – محمد محبوبي، النظام القانوني للعلامات في ضوء التشريع المغربي المتعلق بحقوق الملكية الصناعية والاتفاقيات الدولية، ص. 7، ط 2، سنة 2011، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط، المغرب.

[2] – فؤاد معلال، محاضرات في مادة الملكية الصناعية والتجارية، ص 26، ألقيت على طلبة السنة الثانية من الدراسات العليا المعمقة، شعبة القانون الخاص، كلية الحقوق بفاس، غير منشورة، خلال العام الجامعي سنة 2006-2007، المغرب.

[3] – Frédéric Pollaud Dulian, Droit de la propriété industrielle, Montchrestien, Paris 1999, p 61 et s.

[4] – ADPIC (l’accord sur les Aspects de Droit de Propriété Intellectuelle liés au Commerce): هي اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة، ولقد جاءت هذه التسمية انطلاقا من مفاوضات الأروغواي حيث أن الدول النامية دافعت من أجل أن لا تشمل تلك المفاوضات مناقشة حقوق الملكية الفكرية لكونها من تخصص المنظمة العالمية للملكية الفكرية التابعة للأمم المتحدة، مما حدا بالدول المتقدمة بالتمسك بأن هناك جوانب تجارية تتصل بتلك الحقوق، والتاركان لزاما مناقشتها في محادثات الأروغواي لكونها توطد قواعد تحرير التجارة العالمية، ومن هنا نوقشت حقوق الملكية الفكرية من منظور تجاري خالص، وهو مصدر التسمية. انظر : www.wipo/ip/uni/amm/04/Doc.4 (10/08/2006)

– [5]  سواء كان شخصا طبيعيا او معنويا.

[6] – هذا الحق الذي يمثل ملكية خاصة للمخترع يتركب من العناصر الثلاثة لحق الملكية والتي تتجسد في حق الإستعمال أي استغلال الاختراع، وحق استثماره لكسب الربح منه، وحق التصرف كالبيع والرهن… المواد 498 ، 499 من ق.ا.ع المغربي.

[7] – فؤاد معلال، مادة الملكية الصناعية والتجارية، ص 25-26-27، ألقيت على طلبة السنة الثانية من الدراسات العليا المعمقة، شعبة القانون الخاص، كلية الحقوق بفاس، غير منشورة، سنة 2006-2007، المغرب.

[8] – صلاح زين الدين، الملكية الصناعية والتجارية، ص 24 وما بعدها، ط 1، دار الثقافة والنشر والتوزيع، سنة 2000، عمان، الأردن.

[9] – فؤاد معلال، الملكية الصناعية والتجارية، دراسة في القانون المغربي والاتفاقيات الدولية، ص. 79،  ط 1، دار الآفاق المغربية للنشر والتوزيع،  سنة 2009، الدار البيضاء، المغرب.

[10] – انظر صلاح زين الدين، المدخل إلى الملكية الفكرية، ص 23، ط 1، مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع 2004، الأردن، حيث تقوم دولة الإمارات باستنساخ نخيلا عالي الجودة، إذ استنسخت مختبراتها زراعة الأنسجة النباتية في مدينة العين الإماراتية وحصلت علي الآلاف من فصائل النخيل تتميز بخلوها من الأمراض ومقاومتها للحشرات ونجاح زراعتها بنسبة 100% في كل مواسم العام وسرعة نمو ثمارها ومجموعها الجذري القليل، وتسنى للباحثين من خلال استخدام تقنية الإكثار عن طريق زراعة الأنسجة النباتية إنتاج نبات “ذات نواة” حية لها القدرة على إنجاب نبتة كاملة مشابهة تماما للأصل مؤكدين أن إنجاب فسائل كبيرة لنخيل يحمل نفس مواصفات الأم التي تتميز بجودة ثمارها وسرعة إنتاجها للتمر هي عملية ميلاد حقيقية على طريقة الاستنساخ.

[11] – هي مجموع التقنيات العلمية والطبية الهادفة إلى القيام بتعديلات جينية في جسم حي، سواء كان نبات أو حيوان أو إنسان.

[12] -خالد مداوي، حقوق الملكية الصناعية في القانون الجديد رقم 17-97، ط 2، ص 240، دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، سنة 2005، المغرب.

[13] – Angéla Furlanetto: “l’affaire de la souris de Harvard, Réflexions sur la brevetabilité des formes de vie” Revue la science en Québec, 23/12/2002, p.2.

[14] – Commission Fédérale d’éthique pour la génie génétique dans le domaine non humain: “Brevetabilité des animaux et des plantes” Berne – Suisse, 31/12/2003, p.5, non publié.

[15] – Angéla Furlanetto: “l’affaire de la souris de Harvard, Réflexions sur la brevetabilité des formes de vie”, Revue la science en Québec, 23/12/2002, p.3.

[16]  – Alain Gallochat, “Critères de brevetabilité : où sont les limites ?”, conférence sur les systèmes de brevet, Genève, 25/03/2002, p.7, non publié.

[17]  – Ulrich Schatz: “Les brevets des vivants et l’éthique”, intervention au colloque organisé par l’école polytechnique de Paris sur le thème : Brevetabilité du vivant, décembre 2000, p.2.

[18] – انظر صلاح زين الدين، المدخل إلى الملكية الفكرية، ص 21، ط 1، مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2004، الأردن، لقد مضى عقد من الزمن على نجاح أول عملية استنساخ حيواني المتمثل ب (النعجة دولى) 1996، وقيل إنها تعرضت إلى مرض وظهر عليها الهرم المبكر، وأصبحت أقرب للموت منها للحياة.