الحكامة المالیة بالجماعات الترابية واقع وافاق

1,499

الحكامة المالیة بالجماعات الترابية
واقع وافاق
سعيد سعيد باعوين
طالب باحث بسلك الدكتوراه
جامعة وجدة
التخصص القانون العام

شكلت المالیة العمومية بالمغرب عبر عدة مراحل إحدى الركائز المحورية التي راهنت عليها الدولة لمواجهة التحديات والإكراهات وبلوغ الأهداف الاستراتيجية المسطرة على مستوى الميادين الاقتصادية والاجتماعية بل حتى السياسية.
إذ يتفرع عن المالیة العمومية، القانون المالي والقانون الضريبي ثم مالية المؤسسات العمومية، ومالية الدولة، وكدا مالية الجماعات الترابية، إذ تعتبر هذه الأخيرة إفرازا طبيعيا لممارسة الديموقراطية والممارسة اللامركزية، باعتبارها أسلوب متقدم في تدبير القضايا المحلیة.
إذ تحتل من خلالها الجماعات الترابية المكانة المتميزة باعتبارها الأداة السياسية لتحقيق التنمية المحلیة، وتنظيم أمور ساكنتها، وتدبير شؤونهم، وإشباع رغباتهم، حيث جعلها المشرع من أشخاص القانون العام المتمتعين بالشخصية المعنوية، والاستقلال المالي .
ويعتبر المغرب من الدول التي راهنت منذ السنوات الأولى بعد الاستقلال على الخيار اللامركزي كنمط من أنماط التنظيم الإداري، يهدف من خلالها فتح المجال لوحدات ترابية لا مركزية للاضطلاع بمسؤولية تدبير الشؤون المحلیة بكل تجلياتها السياسة والاقتصادية، إلى جانب السطلة المركزية .
وعلى هذا الأساس أفرد المشرع الدستوري للجماعات الترابية بابا كاملا وهو الباب التاسع،
المعنون بـ” الجهات والجماعات الترابية الأخرى ” بعد ما كان يصطلح عليها “الجماعات المحلیة ” إلى جانب القوانين التنظيمية للجماعات الترابية التي تنظم عمل هذه الجهات والعمالات من والأقاليم والجماعات، إلى جانب كذلك تخصيص المشرع المغربي الباب 12من الدستور تحت تسمية “الحكامة الجيدة”.
وانطلاقا مما سبق تبرز الاشكالية في مدى واقع تجسيد المشرع المغرب للحكامة على مستوى مالية الجماعات الترابية ؟
ولمعالجة هذه الاشكالية سنعتمد التقسيم التالي:
المطلب الأول: واقع الحكامة المالیة بالجماعات الترابية
المطلب الثاني: أفاق الحكامة المالیة للجماعات الترابية
المطلب الأول: واقع الحكامة المالیة بالجماعات الترابية
إن التدبير المالي للجماعات الترابية و عقلنة الموارد، عرف ضعفا و اختلالات
ناتجة عن محدودية موارد الجماعات الترابية، نظرا للارتباط الوثيق بالدولة، وإشكالية الباقي استخلاصه، و ثقل الوصاية، و ضعف الرقابة، كما أن تدبير نفقات الجماعات الترابية تعترضها عدة صعوبات، يمكن ذكر ضعف التدبير المالي للجماعات الترابية (الفرع الأول(،وواقع الاستقلال المالي للجماعات الترابية (الفرع الثاني(.
الفرع الأول: واقع التدبير المالي للجماعات الترابية
تستند الجماعات الترابية، في تدبير شؤونها على مقومات و عناصر بشرية وقانونية
ومالية، تشكل الإطار العام لتدخل هذه الهيئات في الميادين الاقتصادية والاجتماعية، فالجانب المالي يشكل حجر الزاوية، في كل تنظيم ترابي، فمهما تعددت الاختصاصات التي تعطى لجماعة ترابية معینة، ومهما كانت صلاحيتها في مجالات تدخلها، فهي تحتاج للوسائل المالیة اللازمة لبلورة إرادتها و قرارتها، في شكل مشاريع و برامج وخدمات.
– ضعف الموارد الذاتية للجماعات الترابية
تحصل الجماعات الترابية على مواردها المالیة، من مصادر متعددة، منھا ماهو خارجي
كالقروض، والھبات والإعانات، ومنھا ماھو ذاتي، كالرسوم و الضرائب الترابية،
و موارد الممتلكات، إلى جانب الموارد المرتبطة بالتدخلات الاقتصادية للجماعات الترابية
إن وجدت، عن طريق المساهمة في شركات التنمية المحلیة، من أجل تمويل التنمية الترابية
تعتبر مسألة التدبير المالي الترابي حجر أساسي لبلوغ الحكامة المالیة، إلا أن الموارد
الذاتية للجماعات الترابية تبقى ضعيفة ،ودون مستوى تحقيق شروط التنمية الترابية،
وتشكل إحدى مظاهر أزمتھا المالیة على مستوى الموارد الذاتية، فإن هذه الجماعات تلجأ
بشكل كبير لوسائل تمويلية استثنائية، من أجل النهوض بوضعيتها المالیة، وتتمثل الموارد
الاستثنائية أو الخارجية في موارد القروض و الإمدادات، وهي موارد لا يتعارض إقرارها
من حيث المبدأ مع ضرورة دعم الموارد الذاتية، غير أن اللجوء إليها عادة ما تعتريه عراقيل وصعوبات، فضلا إلى كونها وسيلة تفتح المجال للسلطة المركزية للتدخل في النشاط الترابي ،وهو ما يشكل ضربا لمبدأ الاستقلال المالي للجماعات الترابية.
القروض التي تلجأ إليها الجماعات الترابية، هي إحدى الموارد الاستثنائية لتمويل
مشاريعها التنموية ،وهي بذلك مصدر من مصادر التمويل، يتميز عن باقي الموارد المالیة للجماعات الترابية، سواء الذاتية أو المحولة من قبل الدولة، بكونه موردا مؤقتا يخصص لنفقة استثمارية معینة في إطار الميزانية، ولا يدرج في الجزء المخصص للتسيير، ولا يسدد دينا سابقا، عكس الموارد الأخرى، والتدابير المتعلقة بها لا تخص المنتخبين وحدهم، بل الولوج الفعلي لهذا المورد، يتطلب اتفاقا تعاقديا يبرم مع مانح القرض، والمتمثل في صندوق تجهيز الجماعات الترابية الذي يبقى في مع مانح القرض، والمتمثل في صندوق تجهيز الجماعات الترابية ظل غياب أجهزة ومؤسسات مالية تختص بميدان الاقتراض الجماعي هو المؤسسة الوحيدة التي تتولى تقديم القروض للجماعات الترابية وهيئاتها، قصد دعم نشاطها في مجال تمويل مشاريع التجهيز الأساسية
– سوء توزيع الموارد الجبائية بين الوحدات الترابية
من المظاهر السلبية التي كرسها الإصلاح الجبائي المحلي، التفاوت الجبائي بين
الجماعات الترابية. فإذا كان الهدف من وراء هذا الإصلاح الرفع من مردودية الموارد
الجبائية للجماعات الترابية، فإن الأمر يختلف بالنسبة للجماعات القروية، من خلال اللاتوازن على مستوى توزيع الرسوم الترابية بينها وبين الجماعات الحضرية، حيث تعاني من العجز التمويلي الذاتي، خاصة أمام الإكراهات التنموية التي تعرفها هذه الجماعات .ولم تكن العمالات و الأقاليم أحسن حالا من الجماعات القروية، على ضوء الإصلاح الجبائي المحلي، حيث إن ماليتها لا تتعدى بعض الرسوم القليلة و ذات المردودية الضعيفة، وهي نفس الرسوم التي كان معمولا بها في ظل القانون السابق.
تعاني الجهات بدورها من نفس الضعف على مستوى جبايتها، فمن أصل ستة رسوم،
كانت تحظى بمستحقاتها خلال القانون السابق، منحها المشرع بمقتضى القانون رقم 47.06
ثلاثة رسوم فقط، كما أن مردودية هذه الرسوم الممنوحة للجهات، باستثناء الرسم المفروض
على الخدمات المقدمة بالموانئ تتميز بضعف أوعيتها ومردودها . بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك من الرسوم بحكم طبيعة أوعيتها، لا يمكن فرضها بجميع جهات المملكة، كما أن بعض الضرائب الممنوحة للجهات، كالضريبة على الشركات و الضريبة على الدخل، ترتبط بالحصة التي تمنحها الدولة، و بالتالي تكون تابعة لميزانية الدولة ارتفاعا وانخفاضا مما يؤثر على ميزانية برامجها الاقتصادية خاصة المتوسطة و الطويلة الأمد.
الإصلاح الجبائي المحلي لم يأخذ بعين الاعتبار معطيات الظرفية الراهنة، وما يصاحبها من نقاش حول مقترح الحكم الذاتي والجهوية المتقدمة، وكذا الحديث عن فضاء التنمية المجالية في إطار ترابي واسع هو الجهة، حيث كان يفترض بها النهوض بالجهة من
خلال دعمها بالموارد الجبائية.
الفرع الثاني: واقع الاستقلال المالي للجماعات الترابية
أمام عدم قدرة اللامركزية من مواجهة تكاليف تدخلاتها وممارستها اختصاصاتها، فإن
التمويل المركزي يتم وفق تخصيص نسب معینة من موارد الميزانية العامة لتغطية العجز
المالي في الميزانيات الترابية، أو لإعانتها على مواجهة أعبائها المتزايدة بالموازنة مع تطور اختصاصاتها واتساع مجالات تدخلاتها التنموية، وهذا التمويل المركزي يسعى في واقع الأمر إلى إيجاد نوع من التعادل أو الموازنة النسبية أو التناسبية بين تدبير الشؤون ومتطلبات تحقيق التنمية
والواقع أن استقلال الجماعة بميزانية عن ميزانية الدولة هو استقلال شكلي، لأن علاقة
الترابط قائمة بالميزانية بينهما، وكثيرا ما تتغذى الجماعات من ميزانية الدولة، ومن ثم فإن
الطريقة التي تمد بها الموارد هي التي قد تضر باستقلال الجماعة .
إن عدم قدرة الجماعات الترابية على تمويل تكاليفها، يؤدي بالضرورة إلى إضعاف قدرتها التدبيرية، و إذا كان الاعتماد على التمويل المركزي لموازنة التكاليف مع الموارد فإن هذه التبعية عادة ما يصاحبها نوع من التدخل أو التوجيه، المؤثر في النشاط المالي للجماعات الترابية، وبرمجة مضامين الميزانية.
على هذا الأساس یعتبر الحفاظ على استقلالية القرار المالي للجماعات الترابية، أهم
الرهانات التي تقوم عليها الأسس المالیة للتنمية الترابية، فاستقلالية التدبير التنموي تفيد حرية اتخاذ القرار وتنفيذه، بشكل يجعل من تدخل السلطة المركزية يقتصر على رقابة صحة وسلامة العمليات المالیة، وألا يتعداها لمراقبة ملاءمة المشاريع إلا بشكل استثنائي
إن استقلالية القرار المالي، تعتبر من أهم الضمانات للتدبير التنموي، الشيء الذي يتطلب
اعتماد منظومة متوازنة للتمويل، تقوم على تطوير الجباية المحلیة، ومأسسة التمويل
المركزي بشكل يضمن استقلالية القرار الترابي، و حرية الجماعات الترابية و استقلاليتها
على مستوى إعداد الميزانية، وبرمجة المشاريع التنموية وتنفيذها، كما يتطلب تحديد مجال
تدخل السلطات المركزية، في الرقابة النظامية وعدم ربط الآلية الرقابية بالتمويل
المطلب الثاني: أفاق الحكامة المالیة للجماعات الترابية
شهدت مالية الجماعات الترابية مجموعة من الاصلاحات والمستجدات لمواكبة التحديات
التي تواجهها الوحدات الترابية في أفق إرساء متطلبات الحكامة المالیة الترابية لذلك يمكن
الحديث في هذا الاطار عن دور الجهوية المتقدمة في إصلاح مالية الجماعات الترابية
)الفرع الاول) وكذلك عن حكامة مالية الجماعات الترابية عن طريق تجاوز الاختلالات
القانونية (الفرع الثاني(
الفرع الأول: دور الجهوية المتقدمة في إصلاح مالية الجماعات الترابية
إن دور الجهوية في تعزيز اللامركزية وإتمام البناء المؤسساتي يظهر بشكل واضح من
خلال هياكلها ووظائفها وسبل العمل في التسيير اليومي للشؤن الجهوية، وهو ما يمكن
توضيحه من خلال الحديث عن تمويل الجهوية الموسعة في دستور ) 2011أولا) وكذلك
أليات تنمية الموارد المالیة للجماعات الترابية في إطار الجهوية المتقدمة (ثانیا.(
أولا: تمويل الجهوية الموسعة من خلال دستور 2011
لقد حرص دستور ، 2011من خلال الباب التاسع، على دسترة العديد من مقتضيات
التنظيم اللامركزي، خاصة الشق المرتبط بالتمويل. حيث نص في الفصل ، 141على أن
الجهات والجماعات الترابية الأخرى، تتوفر على موارد مالية ذاتية، وموارد مالية مرصودة
من قبل الدولة، كما أن كل اختصاص تنقلها الدولة إلى الجهات والجماعات الترابية الأخرى
یكون مقترنا بتحويل الموارد المطابقة لها.
ونظرا للاختلالات التي طبعت مسار الجهوية ببلادنا، والمتمثلة أساسا في بروز التفاوتات
في المؤهلات والموارد، كان لا بد من البحث عن مصادر تمويل جديدة.
وفي هذا الإطار، نص الفصل 142من دستور ،2011على أنه سيحدث لفترة معینة،
لفائدة الجهات، صندوق للتأهيل الاجتماعي، يهدف إلى سد العجز في مجالات التنمية
البشرية، والبنيات التحتية الأساسية والتجهيزات، كما سيتم أيضا إحداث صندوق للتضامن
بين الجهات، يهدف إلى التوزيع المتكافئ للموارد.
وتعزيزا لمنطق التضامن، الذي يعد أحد مرتكزات مشروع الجهوية المتقدمة، نص الفصل
144على إمكانية تأسيس الجماعات الترابية، لمجموعات فيما بينها، من أجل التعاضد، في
البرامج والوسائل، وهي الية ذات فائدة مهمة، من أجل تمويل المشاريع ذات الأهداف
المشتركة.
وبذلك ستصبح النصوص المتعلقة بخيار اللامركزية مؤطرة بقوانين تنظيمية، حسب
الفصل 142من دستور 2011كما أشار الفصل 138من الدستور، بأن يقوم رؤساء
مجالس الجهات، ورؤساء مجالس الجماعات الترابية الأخرى، بتنفيذ مداولات هذه المجالس
ومقرراتها، في حين حصر الفصل ، 145من الدستور في الفقرة الثانية والثالثة، دور الولاة
و العمال في المراقبة الإدارية ومساعدة رؤساء الجماعات الترابية، خاصة رؤساء المجالس
الجهوية، على تنفيذ المخططات والبرامج التنموية. وفي إطار دستور ،2011نجد التنصيص على مبدأ التدبير الحر للجماعات الترابية، والذي تمت الإشارة إليها، في مجموعة من فصول الدستور، بعضها يؤسس للمبدأ بشكل مباشر، كما هو الحال بالنسبة للفصل 136
، الذي ينص على ما يلي: يرتكز التنظيم الجهوي والترابي، على مبادئ التدبير الحر وعلى
التعاون والتضامن”….، حيث يجعل هذا الفصل، مبدأ التدبير الحر أحد المرتكزات الجوهرية التي يقوم عليها التنظيم الترابي.
كما أن الفصل ، 146ينص على مبدأ التدبير الحر، بشكل صريح، في الفقرة الأخيرة منها، حيث يحيل على قانون تنظيمي للتحديد مبادئ وقواعد وشروط تنظيم وتدبير الجماعات الترابية، بما في ذلك قواعد الحكامة المتعلقة بحسن تطبيق مبدأ التدبير الحر. إضافة على ذلك، فإن فصولا أخرى من الدستور، لا تشير إلى المبدأ مباشرة، لكنها تهم بعض تطبيقاتها أو احدى مقوماتها الأساسية ، وهكذا فإن الفصل 141يتضمن مقتضيات ترتبط بإحدى تطبيقات مبدأ التدبير الحر، ويتعلق الأمر بالاستقلال المالي للجماعات الترابية، حيث ينص الفصل المذكور على أنها :” تتوفر الجهات والجماعات الترابية الأخرى على موارد مالية ذاتية، وموارد مالية مرصودة من قبل الدولة، كل اختصاص تنقلها الدولة إلى الجهات والجماعات الترابية الأخرى یكون مقترنا بتخويل الموارد المطابقة لها.”
كما أن الفصل 135يهم في جزء من أحكامها، قواعد تكوين وتسيير الجماعات الترابية،
التي يحكمها الانتخاب والتسيير الديمقراطي، حيث نصت الفقرتان الثانية والثالثة منها، على
ما يلي: ” الجماعات الترابية أشخاص اعتبارية خاضعة للقانون العام تسيير شؤونها بكيفية ديمقراطية”. وينص الفصل ، 140على اختصاصات الجماعات الترابية وصلاحياتها، وهو ما يشكل تجسيدا لمبدأ التدبير الحر، حيث تنص الفقرة الأولى، على أن الجماعات الترابية، تتوفر على اختصاصات ذاتية، واختصاصات مشتركة مع الدولة، واختصاصات منقولة إليها. في حين تنص الفقرة الثانية، بتوفر الجماعات الترابية على سلطة تنظيمية لممارسة صلاحياتها.
ثانيا : آليات تنمية الموارد المالیة للجماعات الترابية في إطار الجهوية المتقدمة
يتميز تدبير الشأن العام الترابي، بمستجدات غاية في الأهمية، على رأسها القوانين
المنظمة للجماعات الترابية. فعلى غرار التغييرات التي أدخلها المشرع، على مختلف
النصوص القانونية تعززت هذه الترسانة، بالقوانين التنظيمية للجماعات الترابية.
واعتمادا على مبدأ التشاركية، فقد انطلقت مشاورات، حول الترسانة التشريعية المنظمة
لهذا الورش. في هذا الإطار طرحت الوزرة الوصية قانون التنظيمي رقم 111.14المتعلق
بالجهة. والقانون التنظيمي رقم 112.14المتعلق بالعملات والأقاليم والقانون التنظيمي رقم
المتعلق الجماعات والذي عرفا تنوع في مصادر التمويل، كصندوق التأهيل الاجتماعي وصندوق التضامن بين الجهات، ووكالة تنفيذ المشاريع، تحت مراقبة المجلس الجهوي، ومجموعة الجهات، وغيرها من الإجراءات، التي تحاول إخراج مالية الجهة من الأزمة التمويلية التي تعاني منھا على سبيل المثال لا الحصر:
:1صندوق التأهيل الاجتماعي للجماعات الترابية
يهدف هذا الصندوق، الذي تندرج فيها البرامج المعتمدة من قبل القطاعات الوزارية، إلى
الإسراع بتجاوز مظاهر العجز الكبرى، في الجوانب المرتبطة مباشرة بالتنمية البشرية،
والتي تتقاطع مباشرة بشكل واسع مع مجالات اختصاص الجهات.
:2تبويب ميزانيات الدولة بحسب الجماعات الترابية
تم تبويب قانون المالیة، والبرامج المتعددة السنوات لمختلف الوزارات بحسب الجهات،
لإبراز ما يرصد لكل جهة، من الاعتمادات العمومية جملة وتفصيلا، سوآءا في شكل
حصص من العائدات الجبائية للجماعات الترابية، أو في شكل منح أو في شكل تحملات
تتكفل بها إدارة الدولة في مجالي الاستثمار والمرافق العمومية. ويتم تبويب ميزانيات،
المؤسسات العمومية الوطنية والجهوية، على نفس الشاكلة، وتحاط المجالس الجهوية علما
بها.
:3إحداث صندوق عمومي للتضامن بين الجماعات الترابية
يستوجب مشروع الجهوية المتقدمة، ترسيخ مبدأ التضامن بين الجهات، للحد من التفاوتات
الناجمة عن تركيز الثروات، وعن النمو غير المتكافئ، لمجالاتها الترابية، وعن الفوارق
الجغرافية والديمغرافية بينها. ولهذه الغاية، يحتفظ بالنظام الحالي لنقل موارد الدولة،
للجماعات الجهوية والترابية، مع تعزيز نظام التوزيع العادل بينها. لأجل ذلك، يحدث
صندوق للتضامن بين الجهات، تضخ فيها % 10من الموارد الجديدة المرصودة من
طرف الدولة، وتوزع مداخيل هذا الصندوق، بالنظر إلى حاجيات الجهات المحدودة
الإمكانات.
الفرع الثاني: حكامة مالية الجماعات الترابية عن طريق تجاوز الاختلالات القانونية
تعتبر مختلف النصوص المنظمة لمالية الجماعات الترابية، القاعدة والركيزة التي يستند
عليها التدبير، إلا أن هذه النصوص والقواعد تتصف بالتشتت وعدم الانسجام، نظرا لتعدد
النصوص القانونية من جهة ومن كثرة النصوص التنظيمية من جهة ثانية. هذا الوضع
يشكل مصدر شتات للممارسين في مجال التدبير المالي الترابي، وصعوبة الفھم بالنسبة
للأكاديميين
أولا: العمل بمدونة اللامركزية
إن مختلف الإصلاحات، التي مست الجانب المالي للجماعات الترابية، عرفت عدة نواقص
واختلالات على رأسها، عدم شمولها، سواء من زاوية المحاسبة الترابية أو من جهة
الصفقات المحلیة والرقابة المالیة، وثقل الوصاية وتعدد النصوص التنظيمية. اختلالات
تؤدي إلى تشتت النصوص القانونية، مما يعيق التكامل والانسجام على مستوى النصوص
القانونية، لذلك فإصدار مدونة اللامركزية والتعجيل بها، يعد ضرورة لإضفاء نوع من
التناغم والانسجام في النصوص. إضافة إلى أنها تعد آلية للحد من كثرة النصوص التنظيمية
في مجال التدبير المالي للجماعات الترابية.
وبالرجوع إلى المدونة العامة للجماعات الترابية بفرنسا، نجد أنها تنطوي على مختلف
الأنشطة، وتفصل مختلف مجالات تدخل الجماعات الترابية، بالإضافة إلى أنها تحتوي على
مختلف الآليات لتحقيق تلك الأنشطة، منھا الآليات المالیة، فقد كرست الاستقلال المالي،
بالإضافة إلى المقتضيات والتدابير المالیة والحسابية، المتعلقة بالجماعات الترابية، انطلاقا
من المبادئ العامة ، ومرورا بتنفيذ الميزانيات الترابية، زيادة على التدابير المتعلقة
بمحاسبة الجماعات الترابية، وهي مقتضيات تتعلق بكل أصناف الجماعات الترابية، ليتم بعد
ذلك تقديم المقتضيات المالیة والمحاسبية، لكل صنف من أصناف الجماعات الترابية، على
حدة، هذا بخلاف المقتضيات القانونية المنظمة للجماعات الترابية ببلادنا
ثانيا: تفعيل نظام الميزانية التشاركية
يعد نظام “الميزانية التشاركية”، في التجربة البرازيلية المعمول بها في مدينة “بورطو
اليغري ” ،نموذجا فريدا من نوعه في العالم، حيث يقوم على مبدأ المشاركة، لكل
المواطنين في صنع السياسة العامة، التي يتحدد بموجبها النفقات العامة للمدينة. ويقوم هذا
النظام، على أساس التمييز الإيجابي للمناطق، الأكثر فقرا وتهميشا من سكان المدينة، وذلك
من خلال العمل على إعادة توزيع، الموارد والخدمات العامة لصالحهم. فنظام الميزانية
التشاركية ، يستند في عملها على تقسيم المدينة، إلى ستة عشرة منطقة مختلفة، يراعي
فيها المعايير الجغرافية والاجتماعية، للأحياء الموجودة بهذه المناطق، ويتم سير عمل هذا
النظام، في عقد اجتماعات تحضيرية، في كل المناطق الستة عشر المحددة، وذلك من خلال
الشهور الأولى من العام. وتهدف هذه الاجتماعات إلى تمكين المواطنين، من التعبير عن
آرائهم واهتماماتهم المتعلقة بمنطقتهم، بحيث يتمكن كل سكان المنطقة، من التعبير عن
المشاكل الموجودة بها، من حيث نقص الخدمات العامة، وعمل قائمة بالأولويات، للحلول
التي يجب توفيرها لحل المشاكل، الأكثر أهمية من وجهة نظرهم. وتتم هذه الاجتماعات
التحضيرية، دون تدخل من البلديات أو السلطات المحلیة للمدينة. وفي أعقاب تلك
الاجتماعات التحضيرية، والتي تنتهي بحلول شهر أبريل، من كل عام، تبدأ المرحلة الثانية
من نظام الميزانية التشاركية، وهي الخطوة التي تتمثل في الجولة الأولى من اجتماع
المجالس الإقليمية، ومثلها في ذلك مثل الاجتماعات التحضيرية، حيث تكون بدورها مفتوحة
أمام المواطنين جميعا، غير أن حق التصويت، في هذه الاجتماعات تبقى فقط للمواطنين
المسجلين في كل منطقة من المناطق الستة عشرة. وعلى العكس من الخطوة الأولى، تتم
هذه الاجتماعات، بحضور ممثلين من البلدية أو الحكومة المحلیة. وتهدف هذه المجالس
الإقليمية، إلى مراجعة ميزانية السنة الماضية من جانب، ومن جانب آخر إلى التخطيط،
لكيفية تنفيذ العمل، وفقا للميزانية التي تمت صياغتها، وإقرارها من خلال نظام “الميزانية
التشاركية”.
أما المرحلة الثالثة، التي تستمر في الفترة ما بين أبريل ويونيو من كل سنة، فتكون مرحلة
شديدة الأهمية بالنسبة لسكان المدينة. فخلال هذه الفترة، يعود سكان كل من المناطق الستة
عشرة للاجتماع مرة أخرى، من أجل صياغة قائمة نهائية للأولويات كل منطقة، ومن ثم
التصويت عليها من جانب سكان هذه المنطقة. وترجع أهمية هذه الخطوة إلى أن ما يتخذه
اجتماع المناطق من قرارات، سيتم استخدامها لاحقا، من جانب سكان كل المناطق، لوضع
الترتيب النهائي لقائمة المشروعات، أو الأعمال التي سيتم تمويلها من الميزانية العامة للعام
القادم. ويلي هذه المرحلة خطوة رابعة، في الفترة بين يونيو ويوليوز من كل عام، والتي
تجري فيها الجولة الثانية، من ” المجالس الإقليمية “، وتهدف هذه الجولة، في واقع الأمر
إلى انتخاب ممثلين أساسيين، وممثلين آخرين بديلين، عن كل منطقة من المناطق الست
عشرة للمدينة، وذلك من أجل المجلس المحلي للميزانية، كما يتم أبضا انتخاب ممثلين من
كل منطقة من أجل “منتدى الأحياء للميزانية.” وخلال الأشهر التالية، تبدأ الخطوة الخامسة
من نظام “الميزانية التشاركية”، وهي اجتماع المجلس المحلي للميزانية.” ويقوم المجلس
بإعطاء قيم محددة لما يطلق عليها “المعايير العامة”، وهذه المعايير هي التي سيتم استخدامها لاحقا في تحديد كيفية تخصيص الموارد العامة . أو بعبارة أخرى، تقع على عاتق هذا المجلس مسؤولية تحليل واقرار الميزانية العامة، قبل أن يرسلها عمدة المدينة إلى السلطة التشريعية، من خلال توزيع الموارد العامة على المناطق المختلفة، بالإضافة إلى تصميم واقرار خطة الاستثمار، بناء على الأولويات التي تمت صياغتها خلال الخطوات السابقة، كما يراقب أبضا تنفيذ هذه الخطة.
وبعد ذلك، تنعقد اجتماعات ” منتدى الأحياء للميزانية “، وخلالها يتم مناقشة قوائم
الأولويات، الموضوعة من الأحياء والمناطق المختلفة، وترتيبها في قائمة نهائية رسمية،
يتم اعتمادها رسميا أثناء إعداد الموازنة العامة للمدينة، ويطلق عليها ” معايير الاحتياج”.
كما يتم أبضا وضع مكون آخر من مكونات الموازنة العامة، وهو ” المعايير التقنية”،
وتتمثل هذه الأخيرة في مجملها من بيانات كمية، مثل تعداد السكان في كل المناطق
وتجدر الإشارة إلى أن مشاركة المواطنين، لا تنتهي بانتهاء تخصيص الموارد، فخلال
الستة أشهر المتبقية من العام، قبل بدء الدورة من جديد، بواصل المنتدى والمجلس المحلي
للميزانية اجتماعاتهما، كما يعملان أبضا مع المجالس الإقليمية، من أجل إعلامها بسير
عملية صياغة الموازنة، وللدعم تتم مشاركة المواطنين وحشدهم، من أجل الاستمرار فيها
في العام القادم؛ وفي الإطار ذاته يواصل سكان كل منطقة اجتماعاتهم، من أجل تحسين
مشارتكم في النظام للعام القادم.
ويرى الكثير من المحللين أن نظام الميزانية التشاركية، خاضع في مجمله لإدارة الشعب
ومشاركته به، باستثناء ما يدور في المجلس المحلي للميزانية، باعتبار أن هناك ممثلين فقط
عن كل منطقة، ولكن من المهم الإشارة، أبضا إلى أن النظام به الية فعالة لمحاسبة هؤلاء
الممثلين، فقد مكن منتدى الأحياء للميزانية الذي يتكون من عدد أكبر من الممثلين المنتخبين، من عزل أي من ممثلي المجلس المحلي للميزانية، من خلال التصويت بأغلبية الثلثين على ذلك، مما يفسر ما سبق ذكره، عن كون نظام ” الميزانية التشاركية” تعمل بمزيج من آليات الديمقراطية المباشرة، والديمقراطية التمثيلية. فهو نظام خلق مناخا من التفاعلات الصحية بين الحكومة المحلیة، والمواطنين في المدينة. فمشاركة المواطنين في مثل هذه الآلية، تؤدي إلى ضمان توجيه الموارد العامة للمدينة إلى المشروعات والقنوات التي يحتاجها المواطنون بالفعل، كما یعمل على أن يراقب المواطنون أنفسهم التقدم في تنفيذ تلك المشروعات.
ثالثا: إنشاء مراكز محلية للتنمية
إذا كانت بعض النظم المقارنة، قد اقتصرت على التأكيد على البعد الترابي أو الجهوي
للتنمية، كأساس وظيفي للامركزية، فإن نظما أخرى، أولت عناية خاصة لهذا الأساس.
وبهذا الخصوص، أحدثت كندا، مراكز محلية للتنمية(CLD) وهي هيئات متخصصة
مرتبطة بالجماعات الترابية أو مؤسسات تابعة لها، وتختص بالتنسيق بين الجماعات الترابية ومختلف الهيئات والمؤسسات المتدخلة، في مجال التنمية الترابية أو المعنية بها. وهذه الآلية من شأنها أن تؤدي إلى تحديث الدور التنموي للجماعات الترابية، وتنظيم تدخلها، وعقلنة الموارد والإمكانات المتاحة أو المستعملة. فهذه الهيئات من شأنها المساعدة، على وضع الاستراتيجية التنموية للجماعات الترابية، لتجاوز الإكراهات المالیة والتدبيرية .
خاتمة
نخلص إلى أن حكامة مالية بالجماعات الترابية ينبغي أن تشكل فرصة سانحة التحديث وتقوية التدبير المالي المحلي ، بغية تعزيز نجاعة وفعالية التدبير المحلي، وترسيخ ثقافة التقييم والراقية على مختلف أوجه صرف المال العام.