الحق في الحصول على المعلومات والمجتمع المدني: أية علاقة؟

300

الحق في الحصول على المعلومات والمجتمع المدني: أية علاقة؟

عبد العزيز دحماني

باحث بجامعة محمد الخامس

كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية

سلا الجديدة

 

تقديم عام:

يعتبر الحق في الوصول إلى المعلومة حقا أساسيا للتمتع بمجموعة من الحقوق الأخرى، خاصة الحق في حرية التعبير وحق المشاركة في الحياة العامة. وتكمن أهمية هذا المبدأ في كونه يقيد شرعية الادارة بمدى التزامها باحترام القانون والحريات الفردية، ويساهم في دمقرطة المجتمع وضمان مساواة المواطنين أمام القانون، ويرفع من مستوى المواطنة إلى المفهوم الحداثي المتعارف عليه عالميا، وهو أيضا قرينة لمدى النضج السياسي لأية دولة في العالم المتحضر. كما يساهم الحق في الحصول على المعلومة في إرساء ثقافة جديدة مبنية على علاقة تسودها الشفافية والوضوح والمسؤولية.

         انطلاقا من كل هذا فإنه يتعين على الحكومات التي تطمح للوصول الى مستوى من التطور الديمقراطي والسوسيواقتصادي، أن تضمن مبدأ الشفافية وتربط المسؤولية بالمحاسبة انطلاقا من تمكين كافة المواطنين من خلال مدهم بالمعلومات للمراقبة والمشاركة في تدبير الشأن العام.

         وهو الأمر الذي ظلت دولنا المغاربية والعربية تفتقد إليه طوال هذه السنين، ما جعلها تبقى حبيسة منطق التدبير البيروقراطي والفردي، متحكمة بذلك في كل دواليب الدولة لتفوت الفرصة للالتحاق بركب الدول السائرة نحو النمو أو السائرة نحو الديمقراطية، وتحديث مؤسسات الدولة من خلال فتح المجال أمام المواطنين للمشاركة في تدبير الشأن العام الذي هو في الأساس يهم المواطنين ولأجلهم، وبالتالي فإن فتح الباب أمامهم لتقديم مقترحاتهم ورأياهم وكذا تمكينهم من تتبع كيفية تدبير الشأن العام هو الكفيل بسير الدولة نحو الأفضل.

         وفي هذا السياق، تفعيلا للنقاش القانوني والفقهي والمجتمعي من أجل النهوض بثقافة الحقوق والحريات في كل مكونات المجتمع المغربي، يكون من اللازم النبش في معطيات الفقه القانوني حول الديمقراطية التشاركية، وآليات إعمالها، وارتباطها بمبدأ الحق في الحصول على المعلومات، على اعتبار أن هذا الأخير ضرورة أساسية لممارسة مجموعة من الحقوق الأخرى.

         ويكون التساؤل مشروعا عندما نتحدث عن هذا المفهوم (الديمقراطية التشاركية) ونحن بصدد مناقشة موضوع لا يقل أهمية وهو الحق في الحصول على المعلومة. فهل هذا الأخير يعتبر من آليات تفعيل الديمقراطية التشاركية؟ أو بعبارة أخرى، ما هي العلاقة بين الحق في الحصول على المعلومة والمجتمع المدني؟

         للإجابة على هذا السؤال تقتضي مني الضرورة المنهجية تقسيم الموضوع إلى محورين، استحضر في الأول أهمية الحق في الحصول على المعلومة، لأتناول بعدها في محور ثاني أهمية هذا الحق في تفعيل الأدوار الدستورية للمجتمع المدني.

 

المحور الأول: أبعاد و أهداف الحق في الحصول على المعلومات

إن حرية المعلومات المفهوم بشكل عام على أنه الحق في الحصول على المعلومات التي تحتفظ بها الجهات العامة، يتم الاعتراف به الآن بشكل واسع النطاق على أنه حق إنساني أساسي.  كما أن هناك توجه عالمي كبير نحو الاعتراف القانوني بهذا الحق، فالدول التي تتوق في مختلف أرجاء العالم إلى الديمقراطية إما قد تبنت قوانين حول حرية المعلومات أو هي في خضم عملية الإعداد لذلك.

وتأتي أهمية الحق في الحصول على المعلومات وتداولها من اعتباره أحد أهم آليات تعزيز ودعم ممارسة الحقوق الأخرى على اختلاف أنواعها. فهو عامل أساسي لتهيئة سياق وبيئة عامة تحترم وتحمي وتؤدي الحقوق، سواء على مستوى الفرد الطامح لأن يكون مواطنا كاملا بدون تعنيف أو تميز أو تهميش، أو على مستوى مجتمع طامح لتنمية إنسانية حقيقية ومناخ يحترم الحقوق والحريات، ويقوم على أساس ديمقراطي يحترم معايير الشفافية والحكم الرشيد[1].

ذلك أن الحق في الحصول على المعلومة ليس حاجة للمواطن فحسب، بل هو أيضا حاجة أساسية لأي حكومة ترغب في إثبات صلاحها. فإصلاح مؤسسات الدولة وجعلها أكثر شفافية يعتبر ركنا أساسيا من أركان الحكم الرشيد، ولن يتأتى هذا إلا من خلال توفير المعلومات وتسهيل الوصول إليها[2].

إنه كما قامت بوصفه منظمة المادة 19 التي تقود الحملة العالمية لحرية التعبير، بأنه أكسجين الديمقراطية. ذلك أن المعلومات ضرورية للممارسة الديمقراطية على مختلف مستوياتها. وبدونها لن يتسنى ممارستها على أحسن وجه[3].

ويستمد هذا الحق أهميته من مختلف المواثيق الدولية التي حرصت على التأكيد عليه مبكرا، بوصفه مدخلا لممارسة باقي الحقوق الأساسية.

وفي هذا السياق، فإن الاعتراف الدولي بهذا الحق انطلق أواسط القرن الماضي، فمنذ سنة 1946 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرار يحمل الرقم 59/1 مبدأ حرية المعلومات، حيث أكدت على أن “حرية المعلومات من حقوق الإنسان الأساسية، وهي المعيار الذي على تقاس به جميع الحريات التي تكرس الأمم المتحدة جهودها لحمايتها”[4].

ليأتي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان[5] سنة 1948 الذي اعتبر بمثابة الأساس القانوني لحرية تداول المعلومات، حيث أكد في المادة 19 منه على كون حرية المعلومات وتلقيها ونقلها. حيث نصت على أنه ” لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأي وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية”[6].

إن أهم ما يميز هذه المادة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، هو عدم تقييدها لممارسة هذا الحق بأية قيود، وهو ما تجاوزته المواثيق الدولية التي تلته[7].

حيث أقر العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية[8] في مادته 19 نفس ما تضمنته المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، مؤكدة بدورها على حق الحصول على المعلومات دونما اعتبار للحدود الجغرافية ونوع الوسيلة المستخدمة، لكن قيد هذا الحق بضرورة احترام حقوق الآخرين وسمعتهم وحماية الأمن القومي والنظام العام والصحة العامة والآداب العامة، شريطة أن تكون قيود منصوص عليها بموجب القانون، وأن تكون ضرورية[9].

كما ركز المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحرية الرأي والتعبير[10]،على إعطاء تعريف دقيق للحق في حرية الحصول على المعلومات، خاصة تقريره الصادر عام 2000، حيث اعتبر هذا الحق ذات أهمية قصوى بالنسبة للديمقراطية، وللحرية والمشاركة، ولتحقيق الحق في التنمية. وفي هذا السياق أوصى بضرورة قيام الدول بكل الإجراءات اللازمة لضمان كامل للحق في الوصول إلى المعلومات[11].

أما على مستوى القارة الإفريقية، فقد تبنت اللجنة الإفريقية المعنية بحقوق الإنسان والشعوب سنة 2002 إعلان مبادئ حرية التعبير في إفريقيا، والذي أكد بدوره على أن: “المؤسسات العامة تحوز المعلومات ليس لنفسها، ولكن تلعب دور خادم للمصلحة العامة، ويكون من حق كل شخص الوصول إلى هذه المعلومات، والتي تكون بدورها موضوع قواعد واضحة يحددها القانون”[12].

هذه إذن بعض من المواثيق الدولية التي لا يتسع المقام لاستحضارها كاملة [13]، غير أن ما يهمنا في هذا الصدد هو تأكيدها جميعا على أهمية الحق في الحصول على المعلومات باعتبارها ركنا أساسيا لممارسة باقي الحقوق الأخرى، وباعتبارها كما أكد على ذلك المقرر الخاص للأمم المتحدة بكونها ضرورة لا محيد عنها للديمقراطية، خاصة فيما يتعلق بالموضوع الذي نحن بصدده، وهو الديمقراطية التشاركية التي لا تستقيم في غياب المعلومات، باعتبارها عنصرا أساسيا للمشاركة في صناعة السياسة العمومية ومراقبة تدبير الشأن العام وتقييمه وربط المسؤولية بالمحاسبة. وهي العناصر الأساسية للحكامة الجيدة، والتي تعتبر من أهم غايات الحق في الحصول على المعلومة.

أولا: غايات الحق في الحصول على المعلومة وأهدافه

يعد الحق في الحصول على المعلومات في حد ذاته حقا من حقوق الإنسان، كما أنه حاسم لإعمال كافة الحقوق الأخرى وشرطا أساسيا للمشاركة النشيطة والحرة والهادفة، ولا يمكن تعزيز الحكامة والمساءلة إلا من قبل الجمهور المطلع القادر على محاسبة الدولة على القرارات المتخذة والخدمات المقدمة، فالانفتاح هو أحد أفضل مضادات الفساد[14].

فالمعلومات ضرورية للممارسة الديمقراطية على مختلف مستوياتها. ذلك أن هذه الأخيرة لا تختزل فقط في العملية الانتخابية واختيار المواطن لمن يمثله ويحكم باسمه، بل هي عملية قائمة على تدبير الشأن العام وفق مقاربة تشاركية، يتاح فيها لمختلف فعاليات المجتمع المساهمة في بلورة القرارات العمومية. كما ترتكز بالأساس على الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهذه كلها من المبادئ الأساسية للحكامة الجيدة التي لا تستقيم الديمقراطية بدونها، كما أن الحكامة بدورها لا تستقيم في ظل السرية وحجب المعلومات.

فمن الضروري أن يطلع المواطن على المعلومات المتوفرة لدى مؤسسات الدولة لتعزيز الشفافية في عملية صنع القرار ولبناء نظام النزاهة الوطني للتصدي لظاهرة الفساد ونتائجه المدمرة للمجتمع، بما يساعد في بناء ثقة المواطن في أعمال الحكومة[15]. وقد ثبت أن القوانين المتعلقة بحرية المعلومات ذي أهمية بالغة ليس فقط بالنسبة للمواطن، بل هي ذي أهمية أيضا للدولة من أجل ترسيخ ثقافة الديمقراطية في تدبير الشأن العام المبني على مبادئ الحكامة الجيدة، وفي هذا الصدد نستحضر النص الدستوري الذي جعل من النظام السياسي المغربي يقوم على أساس فصل السلط وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة[16].

فالاطلاع على المعلومات يسمح للمواطن بتتبع أعمال المؤسسات العمومية والمنتخبة، وهي تعد شرطا مسبقا لتزايد قدرة الشعب على المشاركة في العملية الديمقراطية، وتؤدي إلى تزايد الوعي بالأسباب الكامنة وراء القرارات المتخذة، بما يخفف من سخط الشعب، ويعزز الثقة في الحكومة، زيادة على تحسين فعالية الحكومة وتنسيق السياسات من خلال حرية تدفق المعلومات[17].

على هذا الأساس، يمكن تحديد أهداف وأهمية حق إتاحة المعلومات في جانين[18]:

الجانب الأول: علاقة إتاحة المعلومات بالحكامة الجيدة وزيادة الثقة بين المواطن والحكومة، ويتمثل في:

  • المشاركة الفعالة لكل أفراد المجتمع باعتبارها ركيزة أساسية للحكم الجيد سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة؛
  • سيادة القانون: حيث أن التطبيق العادل للقانون بحيادية على كافة أفراد المجتمع هو أساس بناء المجتمع المتقدم في إطار احترام حقوق الانسان؛
  • الشفافية: من خلال الإفصاح عن المعلومات ذات الصلة بإدارة التنمية والتصرف في موارد الدولة باعتبار حق تداول المعلومات حق من حقوق الإنسان؛
  • الاستجابة: حيث أن تلبية مطالب المواطن هو جزء من مهمة مؤسسات الدولة؛
  • التوافق: من خلال الوصول إلى حد مقبول من إجماع قوى المجتمع الفاعلة حول أساليب وآليات تحقيق المصالح المشتركة؛
  • الإنصاف: وهو التوزيع العادل لموارد وعائدات التنمية؛
  • الفعالية والكفاءة: وتعني أن تكون الخطط والبرامج قادرة على تحقيق أهداف التنمية بالتوظيف الأمثل للموارد المتاحة؛
  • المساءلة: وتعني ضرورة خضوع كل مؤسسات الدولة للمحاسبة سواء كانت مؤسسات وطنية أو خاصة أو منظمة من منظمات المجتمع المدني من قبل المستفيدين من خدماتها.

أما الجانب الثاني: فيتمثل في علاقة إتاحة المعلومات بمقياس تقدم الأمم ورفاهية المواطنين، بحيث يتضح أن هناك علاقة تبادلية وتفاعلية بين مدى إتاحة البيانات والمعلومات حول أوضاع الاقتصاد الوطني، ومدى جودة الخدمات الحكومية وإدراك الفساد الإداري على المستويين الوطني والدولي. فإذا وجد المواطن فجوة معلومات وبيانات بين المؤشرات التي تقدمها الحكومة والمؤشرات التي تقدمها التقارير الدولية، وإذا اختلفت نسبة معدلات النمو الاقتصادي ومستوى أسعار السلع والخدمات وجودتهما بين الاثنين، وإذا تنامت الفجوة في الثقة بالحكومة، ومن البديهي أن تتسع إذا لم تتوفر المعلومات المحلية، فإن كل ذلك ينعكس على تقييم المواطن لأداء الحكومة، وعلى مستوى التفاعل والمشاركة، مما يخلق تغذية عكسية.

هذين الجانبين من أهداف وأهمية إتاحة المعلومات يمكن تلخيصهما أو جمعهما في هدف ثالث وأساسي، وهو المتعلق بالشفافية وتكريس الحكومة المنفتحة.

حيث أصبح كل من الانفتاح والشفافية من السمات المحددة للنظم الديمقراطية حول العالم، فالحكومات المنفتحة والتي يتسم أداؤها بالشفافية وهي حكومات تخضع للمساءلة بشكل أكبر من قبل مواطنيها كما يقل فيها الفساد. فضلا عن ذلك فإن الانفتاح يخلق الثقة في الحكومة، كما يفسح الطريق لمشاركة حقيقية من قبل المواطنين علاوة على سياسات أفضل وأكثر وعيا[19].

ويكمن أساس الحكومة المنفتحة في حرية الوصول إلى المعلومات، الذي يعتبر بمثابة الخطوة الأولى لأي حكومة في طريق الانفتاح والمصارحة، ذلك أن من مميزات الحكومة المنفتحة المكرسة لمبدأ الشفافية، فسح المجال أمام المساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة. وبالتالي التقليل من الفساد في تدبير الشأن العام، من خلال إتاحة المعلومات لعموم المواطنين.

وفي هذا الصدد فإن هذا الحق يساهم في تدعيم الجهود الرامية إلى الكشف عن الفساد العام، ذلك أن هذا الأخير يزدهر في العتمة والظلام، ومحاربته تقتضي فتح أروقة الإدارة للاطلاع العام، لكي يتمكن المواطنين من معرفة ما تقوم به حكوماتهم من أعمال وما تتخذه من قرارات، وبالتالي إمكانية مساءلتها ومحاسبتها عن تلك الأعمال والقرارات[20].

وذلك انسجاما مع ما أكدته اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد[21]، حيث نصت في مادتها الخامسة على أن “تقوم كل دولة طرف وفقا للمبادئ الأساسية لنظامها القانوني بوضع وتنفيذ وترسيخ سياسات فعالة لمكافحة الفساد، تعزيز مشاركة المجتمع، وتجسيد مبادئ سيادة القانون وحسن إدارة الشؤون والممتلكات العامة، والنزاهة والشفافية والمساءلة”.

وفي نفس السياق تؤكد الاتفاقية على التدابير الكفيلة بتعزيز وتوفير سبل مثلى أمام الشعب للحصول على المعلومات العامة، حيث أكدت في المادة العاشرة منها على أن: “تتخذ كل دولة طرف وفقا للمبادئ الأساسية لقانونها الداخلي، ومع مراعاة وضرورة مكافحة الفساد، ما يلزم من تدابير لتعزيز الشفافية في إداراتها العامة بما في ذلك ما يتعلق بكيفية تنظيمها واشتغالها، وعمليات اتخاذ القرارات فيها، ويجوز أن تشمل هذه التدابير على ما يلي:

ـ اعتماد اجراءات ولوائح تمكن عامة الناس من الحصول على المعلومات عن كيفية تنظيم الادارات العامة، واشتغالها وعمليات اتخاذ القرارات فيها، وعن القرارات والصكوك القانونية التي تهم الناس، مع إيلاء المراعاة الواجبة لصون حرمتهم وبياناتهم الشخصية …”.

تظهر هذه الاتفاقية إذن الحق في الحصول على المعلومات بأنه من الوسائل الهامة لمكافحة الفساد، وتكريس الشفافية في تدبير الشأن العام، ذلك أن الديمقراطية والحكامة الجيدة تحتاج إلى حكومات منفتحة على مواطنيها، وهو أمر يتوقف على مدى توفر سياسات تشريعية وتطبيقية تقر بحق الأفراد في الحصول على المعلومات، وتحث على المشاركة الشعبية في إدارة الشؤون العامة. وبغير ذلك لن يتحقق مبدأ الانفتاح والشفافية في الحكومة، كما يكون من الصعب على المواطنين ممارسة حقهم في مساءلة ومحاسبة الحكومة، وهنا تظهر العلاقة العكسية بين الحق في الحصول على المعلومات والفساد العام. فكلما تقلصت فرص الأول زادت فرص الثاني وتوسعت، والعكس صحيح[22].

هذه إذن من بين أهم غايات وأهداف الحق في الحصول على المعلومات، والتي كما رأينا تدور كلها في فلك تعزيز البناء الديمقراطي لأي بلد، وتكريس مبادئ الحكامة الجيدة في تدبير شؤون البلاد. بالإضافة إلى هذه الاهداف فإن الحق في الحصول على المعلومة ينطوي على مجموعة من الأبعاد، يمكن تلخيصها في أربعة نقط أساسية[23]:

  • بعد سياسي يقيد شرعية الادارة ويعزز مبدأ المساواة بما يساهم في دمقرطة المجتمع، ويكرس البعد الحداثي للمواطنة؛
  • بعد ثقافي يتجلى في إرساء ثقافة الوضوح والشفافية والمسؤولية؛
  • بعد اقتصادي يكمن في تحسين مناخ الأعمال؛
  • بعد دولي من خلال ملاءمة التشريعات الوطنية مع المواثيق والعهود والاتفاقيات الدولية.

إن ما يمكن أن نخلص إليه بخصوص الحق في الحصول على المعلومات، أنه حق لا محيد عنه لممارسة باقي الحقوق الانسانية الأخرى، باعتباره المدخل الأساسي للبناء الديمقراطي لأي بلد، خصوصا في بلداننا الأفريقية والعربية التي تكرست فيها ثقافة السرية واحتكار الدولة لمصادر المعلومات، التي بدونها لا تستقيم الديمقراطية التي تقتضي فتح المجال لتدفق المعلومات تحقيقا لمبادئ الحكامة، المبنية أساسا على المشاركة الفاعلة لمختلف فعاليات المجتمع في تدبير شؤون البلاد والعباد، وتمكين المواطن من آليات تتبع القرارات الحكومية التي بالأساس يجب أن تنطلق منه وإليه.

ثانيا: المعايير الدولية لحق الحصول على المعلومات

         تختلف قوانين وسياسات حرية الحصول على المعلومات في كافة أنحاء العالم من حيث مضمونها ومنهجيتها، وفي الوقت نفسه فإنها تشترك جميعا في هدف واحد هو تعزيز الحصول على المعلومات التي تحتفظ بها الجهات الحكومية والعامة[24].

وفي هذا السياق، عملت منظمة المادة 19[25] على بلورة عدد من المبادئ المتعلقة بحرية تداول المعلومات، كمعايير أساسية يمكن الاسترشاد بها حال صياغة التشريعات المنظمة لحرية تداول المعلومات، من حيث حدود الإتاحة والاستثناءات ودور الحكومة في تعزيز الحق في الحصول على المعلومات، وتستند هذه المبادئ إلى قوانين وقواعد إقليمية ودولية، وتطور ممارسة الدولة، إضافة إلى المبادئ العامة للقانون التي تعترف بها دول عديدة. كما تستند هذه المبادئ على ـ نتيجة دراسات طويلة وتحاليل واستفسارات تشرف منظمة المادة 19 عليها ـ الخبرة الواسعة والعمل الشامل مع منظمات حقوقية في عدد من بلدات العالم. وقد تبنى المقرر الخاص للأمم المتحدة هذه المبادئ في تقريره لعام 2000، كما صادق عليه المقرر الخاص لحرية الرأي والتعبير التابعة لمنظمة الدول الأمريكية في تقريره لعام 1999[26].

هذه المبادئ هي على الشكل التالي:

ـ مبدأ حد الكشف الأقصى:

يستند هذا المبدأ إلى أن القاعدة العامة هي لكل فرد الحق في الحصول على المعلومات التي تحوزها الجهات الحكومية، إلا إذا كانت هذه المعلومات واردة ضمن نطاق الاستثناءات المقيدة لهذا الحق، كما يفترض مبدأ الكشف الأقصى أنه ليس بالضرورة أن يتمتع طالب المعلومة بحيثية معينة أو اهتمام معين بالمعلومات حتى يتمكم من الحصول عليها. وأن على الحكومة إذا رفضت الإفصاح عن معلومات معينة أو اهتمام معين أن تبرر رفضها بطريقة واضحة في كل مرحلة من مراحل إجراءات طلب الحصول على المعلومات.

ـ مبدأ الالتزام بالنشر:

بحيث تلتزم الجهات الحكومية بموجب هذا المبدأ ليس فقط بالإفصاح عن المعلومات عند طلبها، ولكن أيضا بالنشر الروتيني والتلقائي لأصناف معينة من المعلومات الموجودة في حوزتها، من قبيل بنيتها التنظيمية وكيفية الاستفادة من خدمات الإدارة ونوع الوثائق المطلوبة إلى غير ذلك…

 

ـ مبدأ تعزيز الحكومة المفتوحة:

والمقصود بهذا المبدأ أن هناك التزام يقع على عاتق الجهات الحكومية بضرورة الترويج لثقافة الإفصاح عن المعلومات، والترويج لأهداف التشريع المتعلق بحرية المعلومات من خلال استخدام الوسائل الأسرع والأكثر انتشارا في الوصول إلى الجماهير.

كما تلتزم الجهات الحكومية بمكافحة ثقافة السرية الرائجة بين الموظفين العموميين، من خلال تدريبهم على ثقافة الإفصاح عن المعلومات وضوابط السرية ومقتضياتها.

ـ مبدأ مجال استثناءات محدود:

بحيث أن تكون الاستثناءات واضحة ومحدودة وخاضعة لاختيارات الضرورة والمصلحة العامة، ووضعت مجموعة من القيود التي تفترض أن هذا المنع يعتبر ضروريا لحماية مصالح المجتمع، وهي:

  • الأمن القومي والعلاقات الدفاعية والدولية؛
  • منع التحقيق في النشاطات الإجرامية وملاحقتها؛
  • المصالح التجارية والاقتصادية الأخرى، خاصة كانت أم عامة؛
  • الخصوصية وأية مصالح مشروعة أخرى؛
  • مساواة الأفراد فيما يتعلق بإجراءات المحاكم؛
  • عمليات التفتيش والضبط والمراقبة من قبل السلطات العامة؛
  • سياسة الدولة الاقتصادية والنقدية والخاصة بسعر الصرف؛
  • سرية المداولة ضمن أو بين السلطات العامة أثناء الاستعدادات الداخلية لمسألة ما.

كما أن الجهات العامة ليست ملزمة بتلبية طلب معلومات منشورة أو إذا كان الطلب مزعجا ومتكررا.

ـ مبدأ تسهيل عمليات الوصول:

بحيث يجب معالجة طلب المعلومات بسرعة ونزاهة، ويجب أن تتوفر مراجعة مستقلة لأي رفض من طرف هيئة مستقلة.

ـ مبدأ التكاليف المبسطة:

بحيث لا تحول التكاليف المفروضة دون التقدم بطلب الحصول على المعلومات.

 

ـ مبدأ الاجتماعات المفتوحة:

حيث يجب أن تكون اجتماعات الهيآت والجهات العامة مفتوحة لعموم المواطنين والفاعلين الاجتماعيين في حدود القانون، ذلك أن حرية الحصول على المعلومات لا ينطبق فقط على المعلومات التي تكون في شكل وثائق، بل أيضا على اجتماعات الجهات العامة.

 

ـ مبدأ أولوية الكشف:

ويقتضي هذا المبدأ ضرورة تفسير جميع القوانين الوطنية والقرارات الادارية في ضوء التشريع المتعلق بحرية تداول المعلومات، حيث يجب أن تخضع جميع التشريعات السابقة على تشريع الحق في الحصول على المعلومات إلى المبادئ الواردة في هذا التشريع، المتعلق بالإفصاح والاستثناءات الواردة فيه.

ـ مبدأ حماية المبلغ عن المعلومات:

حيث يجب حماية كل فرد من أية عقوبات قانونية أو تأديبية لكونهم أفشو معلومات حول مخالفات تتعلق باقتراف جرم أو عدم الالتزام بالقانون أو احقاق الحق، أو تلقي رشوة وفي حال عدم الأمانة والاساءة في استعمال السلطة، إلى غير ذلك.

هذه إذن أهم المعايير كما حددتها منظمة المادة 19 والتي يجب أخذها بعين الاعتبار من طرف المشرع عند اقدامه على صياغة قانون الحق في الحصول على المعلومات، حيث استمدت هذه المعايير من أسمى الممارسات في هذا المجال، والتي على أساسها يمكن قياس أي قانون يتعلق بمجال الحق في الحصول على المعلومات ومدى امتثالها لأهم شروط ممارسة هذا الحق.

ويمكن من خلال هذه المعايير القيام بقراءة في مشروع القانون رقم 31/13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات الذي أعدته الحكومة والموجود في قبة البرلمان لحدود كتابة هذه الأسطر.

 

المحور الثاني: دور الحق في الحصول على المعلومة في تفعيل الأدوار الدستورية للمجتمع المدني

        سأحاول من خلال هذا المحور استحضار أهمية الحق في الحصول على المعلومات بالنسبة لعمل مؤسسات المجتمع المدني وتكريس الديمقراطية التشاركية التي أصبحت من مرتكزات النظام الدستوري المغربي، الذي يسعى كما أكد على ذلك في ديباجة الدستور إلى بناء دولة حديثة قائمة على المشاركة والتعددية، حيث جعل من المجتمع المدني فاعلا أساسيا لا محيد عنه في تكريس الاختيار الديمقراطي الذي أصبح من ثوابت الدولة ومقدساتها. وتمكينه من آليات المساهمة إلى جانب الفاعلين الرسميين في اعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتقييمها.

هذه الأدوار الأساسية التي منحت للمجتمع المدني، يلزمها مدخلات أساسية لتفعيها، وهو ما يجعلنا نتساءل عن العلاقة بين المجتمع المدني والحق في الحصول على المعلومة؟

وهو السؤال الذي سنجيب عنه من خلال عنصرين، يتعلق الأول بمشاركة الفاعل المدني وإشكالية النفاذ إلى المعلومات، في حين ساخصص الثاني لهيئات الحكامة وآليات تكريس الديمقراطية التشاركية.

       

         أولا: مشاركة الفاعل المدني وإشكالية النفاذ إلى المعلومات

أتاحت الدينامية التي يعرفها المغرب في الوقت الراهن توسعا متواصلا لفضاءات المشاركة السياسية لهيئات المجتمع المدني، وذلك بتوافق مع الرهانات الاستراتيجية للدولة، واستكمالا للبناء الديمقراطي للمجتمع المغربي. فإذا كانت مؤسسات المجتمع المدني عموما، تشكل إحدى الحلقات الرئيسية والفعالة التي لا محيد عنها لإحداث التغيير في المجتمع، فإن مشاركتها في صنع وتنفيذ القرار يساهم في ترسيخ دورها بشكل فعلي في عملية التحول الديمقراطي.

فالمجتمع المدني اليوم، أصبح إلى جانب الدولة فاعلا أساسيا في تدبير الشأن العام بمختلف أبعاده الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. حيث لم يعد يقتصر دوره على الطابع الاستشاري، أي مجرد تقديم المطالب والتعبير عن ردود الأفعال، بل أصبح مؤسسة ضمن المؤسسات التي تضطلع بدور تقريري عبر تقديم اقتراحات مكتوبة وعرائض وتظلمات.

وفي هذا السياق أستحضر تأكيد الوثيقة الدستورية على أن النظام الدستوري للمملكة يقوم على أساس فصل السلط وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة[27].

فالنص الدستوري هنا يضع الأسس التي يقوم عليها النظام الدستوري للمملكة حيث جعل من بين مقوماتها الديمقراطية التشاركية، والتنصيص هنا على التشاركية يتيح استعمال كل الآليات التي تمكن من إشراك المواطنين والمواطنات فرادى وجماعات في تدبير الشأن العام وتتبعه وتقييمه.

ووعيا منه بأهمية منظمات المجتمع المدني وإشراك المواطنين في تدبير الشأن العام وتقييم السياسات العمومية، وجعل منظمات المجتمع المدني شريكا فعليا في عملية التنمية، سواء الاقتصادية أو الاجتماعية. فقد نص المشرع الدستوري في فصول متفرقة على إشراك المواطنين والمواطنات ومنظمات المجتمع المدني في تدبير الشأن العام من خلال[28]:

  • دسترة وظيفة المجتمع المدني كمساهم في إعداد قرارات ومشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية[29]؛
  • إحداث السلطات العمومية لهيئات التشاور، قصد إشراك الفاعلين الاجتماعيين في إعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتنفيذها وتقييمها[30]؛
  • إقرار المساهمة الممكنة في تقديم المقترحات في مجال التشريع[31]؛
  • دسترة تقنية عرائض المواطنين الموجهة للسلطات العمومية[32]؛
  • إقرار آليات لمساهمة المواطنين في تدبير الشأن العام المحلي عبر التشاور والحوار والمقاربة التشاركية والعرائض الموجهة للجماعات المحلية[33].

إذن فالمشرع الدستوري من خلال هذه الفصول مجتمعة، جعل من المجتمع المدني شريكا فعليا وطنيا وجهويا على مجموعة من المستويات، سواء فيما يتعلق بالتشريع أو له علاقة بتدبير الشأن العام من مساهمة في إعداد السياسات العمومية وتنفيذها وتقييمها.

وقبل الدستور المغربي لسنة 2011، فقد نص الميثاق الجماعي الصادر سنة 2002 كما تم تعديله بالقانون رقم 17.08 سنة 2009 على مجموعة من المقتضيات تقضي بإشراك المجتمع المدني في عملية التنمية المحلية، ونص في مواده على إشراك المجتمع المدني في إعداد مخططات التنمية الجماعية، والتشاور معه وإشراكه في تدبير الشأن المحلي[34].

غير أن الإشكال يكمن في أنه لم يتضمن من بين بنوده ما يضمن للمجتمع المدني الحصول على المعلومات قصد تحقيق مساهمة فاعلة في هذا المجال، وبالتالي فإن ذلك حال دون إنجاح هذه التجربة التشاركية، ذلك أنه لا تنمية بون ديمقراطية تشاركية، ولا ديمقراطية تشاركية دون الحق في الحصول على المعلومة.

ففتح كل هذه الأبواب أمام المجتمع المدني وتمكينه من كل هذه الآليات، وجب بالضرورة إقرانه بفتح المجال لتدفق المعلومات، وتجنب الارتجالية والإلتقاطة.  فمن غير الممكن توفير مدخلات مفيدة لأي سياسة دون الوصول إلى السياسة في حد ذاتها، بالإضافة إلى مسبباتها التي اقترحت من أجلها[35].

وهنا نطرح السؤال حول أهمية الحق في الحصول على المعلومات بالنسبة للديمقراطية التشاركية؟

الإجابة عن هذا السؤال تقودنا لطرح سؤال آخر حول آليات إعمال الديمقراطية التشاركية كما نص عليها الدستور المغربي. فكيف يمكن التقدم بملتمسات أو عرائض وكذا تتبع ومراقبة العمل الحكومي والتشريعي من قبل المواطنين دون النفاذ إلى قلب هذه المؤسسات؟  خصوصا إذا علمنا أن بعض القطاعات الحكومية وكذا المؤسسة البرلمانية تفرض إجراءات جد معقدة قصد الولوج إليها، وما بالك طلب المعلومات منها[36].

زد على ذلك وجود بعض المقتضيات القانونية التي تقيد حق تصريف المعلومات والتبليغ عن الفساد في بعض الإدارات، كما هو الشأن بالنسبة للمادة 18 من النظام الأساسي للوظيفة العمومية الذي يجعل كل موظف ملزما بكتمان السر المهني[37].

وبالتالي فإن مبدأ الديمقراطية التشاركية الذي أصبح من مرتكزات النظام الدستوري المغربي لا يستقيم دون حق آخر، وهو الحق في الحصول على المعلومة، فهما وجهان لعملة واحدة لن يتحقق أحدهما دون الآخر.

ولأجل هذا نجد أن المشرع الدستوري المغربي كان أكثر ذكاء ووعيا بأهمية هذا المبدأ لمساهمته في إشاعة قواعد الانفتاح والشفافية وتعزيز الثقة في علاقة الإدارة بالمتعاملين معها وترسيخ الديمقراطية التشاركية، وإرساء إجراءات كفيلة بتخليق الممارسة الإدارية وضمان المصداقية والمساهمة في تدبير الشأن العام. حيث أكد في الفصل 27 من الدستور على حق الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارة العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام[38].

ليكون بذلك قد وضع أولى اللبنات لنجاح الديمقراطية التشاركية، وأقول هنا أولى اللبنات لأنه لا يكفي وضع قانون من أجل الحصول على المعلومات وحده لتكريس هذا الحق، بل إن الأمر يتعداه إلى ضرورة وضع مجموعة من الآليات الأخرى لضمان سهولة الولوج إلى المعلومات باعتبارها مدخلا لتكريس الديمقراطية التشاركية.

فالتنزيل السليم للفصل 27 الذي من الدستور يقتضي بالضرورة القيام بإصلاحات جوهرية على مستوى مجموعة من القوانين الأخرى، من أجل فتح الباب أمام منظمات المجتمع المدني قصد النفاذ إلى جوهر المعلومات (مع مراعاة الاستثناءات التي يتضمنها القانون[39]) تكريسا لمبدأ الحكومة المفتوحة التي تضمنته المعايير الدولية[40].

من ذلك على سبيل المثال القوانين المنظمة لعمل المؤسسة البرلمانية، حتى يتم تسهيل الولوج إليها من طرف منظمات المجتمع المدني تفعيلا لأدواره الدستورية للمساهمة في صناعة السياسات العمومية وتفعيلها وتقييمها.

وفي هذا الصدد نستحضر تجربة جد متقدمة في هذا المجال، وهو ما سلكه كل من البرلمان الكندي والأسكتلندي[41]. حيث يسمح لجمهور عريض ومنظمات المجتمع المدني بتتبع مناقشات مجلس العموم والمجالس التشريعية الإقليمية بوسائل عدة، وتحفظ البرلمانات الاتحادية والاقليمية أماكن للمواطنين الراغبين في متابعة المداولات، كما تحجز لهم أماكن في صالات الاجتماعات المخصصة للجان الدائمة.

ويضع البرلمان الكندي رهن إشارة الجمهور كافة أنشطة المجالس التشريعية الاتحادية، فضلا عن جلسات اللجان في وثائق خطية وإلكترونية، كما أن مراسلات الحكومة ومستنداتها توضع رهن تصرف العموم بناء على القانون المنظم لحق النفاذ إلى المعلومات، وكذا القوانين المنظمة لهذه المجالس التشريعية[42]. تماشيا مع مبدأ حد الكشف الأقصى والاجتماعات المفتوحة الذي تضمنه القانون النموذجي الذي تقاس عليه قوانين الحق في الحصول على المعلومة كما وضعته منظمة المادة 19[43].

هذا إذن نموذج من البرلمان المفتوح الذي يعزز ولوج الفاعل المدني إلى قلب المؤسسة التشريعية قصد الحصول على المعلومات التي لا تكون بالضرورة في شكل وثائق، بل تتطلب أحيانا الحضور ومتابعة بعض الاجتماعات.

وبالتالي وانسجاما مع الفصل 27 من الدستور قامت الحكومة بإعداد مشروع قانون يخص الحق في الحصول على المعلومات أحيل على البرلمان الذي لم يصدره إلى حدود كتابة هذه الأسطر. وهذه مناسبة لإثبات فعالية المؤسسة البرلمانية وانسجامها مع مقتضيات الدستور، وكذا متطلبات المرحلة الراهنة التي تقضي بتكريس مزيدا من الانفتاح، لتخوض أول امتحان لها في فتح المجال أمام منظمات المجتمع المدني قصد المساهمة بمقترحاتها لإغناء مواد القانون الذي هو بالأساس يهمها بالدرجة الأولى.

 

ثانيا: مؤسسات الحكامة وآليات تكريس الديمقراطية التشاركية

انطلاقا من الفصل الأول من الدستور المغربي الذي جعل من النظام الدستوري للمغرب يقوم إلى جانب فصل السلط على الديمقراطية المواطنة والتشاركية وعلى مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

ولتدعيم الديمقراطية التشاركية كرديف للديمقراطية التمثيلية، أكد الدستور على مساهمة جمعيات المجتمع المدني في إعداد قرارات ومشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية وتفعيلها وتقييمها وفق شروط يحددها القانون[44].

وانطلاقا من هذا النص، فإن منضمات المجتمع المدني أنيط بها دور المساهمة بمقترحاتها في النقاش المجتمعي حول تدبير الشأن العام، الذي يعتبر محط نقاش وتشاور بين جميع الفاعلين تكريسا لمبادئ الحكامة الجيدة المبنية على المقاربة التشاركية.

فهذه الأخيرة تنبني على المسؤولية المتبادلة، والمصلحة العامة والاستمرارية والحكامة، مما يتطلب الاعداد المشترك والاستشارة والتشاور، ذلك أن المجتمع المدني يستمد مشروعيته من القرب. ففي فرنسا حسب قانون 2002 المتعلق بالقرب، يعطي الحق للمجتمع المدني بالطعن بعدم مشروعية القوانين التي لم يتم استشارة السكان والمجتمع المدني حولها[45].

ومن هذا المنطلق، فإن دور المجتمع المدني يعتبر محوريا وأساسيا للمساهمة في أدوار هيئات الحكامة كما أكد عليها الدستور في الباب الثاني عشر تحت مسمى مؤسسات وهيئات حماية الحقوق والحريات، والحكامة الجيدة والتنمية البشرية والمستدامة والديمقراطية التشاركية.

حيث نص على مجموعة من الهيئات، في صيغة مؤسسات وطنية واستشارية تهدف إلى خلق فضاءات مؤسسية ومستقلة عن السلطة التنفيذية، منفتحة ومتعددة من حيث تكوينها. مما يسمح بإمكانية التداول والحوار بين الفاعلين الاجتماعيين والخبراء وممثلي الحكومة لتقديم الرأي والمشورة للسلطة التنفيذية أو السلطة التشريعية[46]، منها المجلس الوطني لحقوق الانسان وكذا مؤسسة الوسيط، مجلس الجالية المغربية المقيمة بالخارج، الهيأة المكلفة بالمناصفة ومكافحة جميع أشكال التمييز بالإضافة إلى الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري وكذا الهيأة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها.

وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى إفراد محور خاص لهيآت النهوض بالتنمية البشرية والمستدامة والديمقراطية التشاركية، يضم المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي وكذا مجلس استشاري للأسرة والطفولة ثم مجلس استشاري للشباب والعمل الجمعوي[47].

هذه المؤسسات الوطنية والاستشارية كما أكد عليها الدستور المغربي، الغاية منها دعم انفتاح السياسات العمومية على فضاءات جديدة لديمقراطية المشاركة والحوار العمومي[48]، وتكريس الأدوار الدستورية للمجتمع المدني من خلال تمكينه من المساهمة في إعداد تقاريرها وممارسة أدوارها كل في مجالها، على اعتبار أنها هيئات سواء وطنية أو استشارية تبقى اجتماعية في طابعها الغاية منها النهوض بدور المواطن وتمكينه من المساهمة الفاعلة في المجتمع وحماية حقوقه وحرياته.

هذه الآليات المهمة، لا يمكن بأي حال من الأحوال قراءتها بمعزل عن الفصل 27 الذي يؤكد على حرية المعلومات، واستحضار هذا الفصل جد مهم في اشتغال هذه المؤسسات والهيئات، باعتبارها دعامة للحكامة الجيدة ببلادنا، وبالتالي وجب الحرص في اشتغالها على تكريس الانفتاح وضمان الشفافية وتدفق المعلومات.

خاصة وأن عملها مرتبط بالدرجة الأولى بالمواطن وحماية حقوقه وحرياته، وبالتالي وجب بالضرورة تمكينه من المعلومات الأساسية، وأيضا انسجاما مع مبدأ حد الكشف الأقصى، بالتزامها بتوفير المعلومات على اشتغالها وآليات عملها. وكذلك تسهيل مساهمة جميع الفاعلين الاجتماعيين في عملها وفق مقاربة تشاركية.

ومن هنا تأتي أهمية تمثيل المجتمع المدني في جميع هذه الهيآت، حتى يكون بمثابة عين المجتمع الحارصة.

 

 

 

خاتمة:

انطلاقا مما تمت الاشارة إليه يتضح لنا أهمية الحق في الحصول على المعلومة باعتباره حقا أساسيا من حقوق الإنسان، وأهميته تكمن في تعزيز مبادئ الحكامة الجيدة والديمقراطية التشاركية التي أصبحت من مرتكزات النظام الدستوري المغربي حسب الفصل الثاني من الدستور.

كما يساهم هذا الحق في تكريس الخيار الديمقراطي للملكة وحماية حقوق الانسان. انسجاما والتوجه الذي سار فيه المغرب كما أكد على ذلك في ديباجة الدستور من خلال العمل على بناء دولة ديمقراطية يسود فيها الحق والقانون، ومواصلة مسيرة توطيد وتقوية مؤسسات دولة حديثة مرتكزاتها المشاركة والتعدد والحكامة الجيدة، وإرساء دعائم مجتمع متضامن يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة، وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية ومقومات العيش الكريم، وفي نطاق التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة.

هذه الغاية التي يسعى إليها المغرب، يلزمها إرادة سياسية حقيقية وفعلية قصد تحقيق أهدافها على أرض الواقع، وضمان المشاركة الفعلية لمختلف فعاليات المجتمع في إرساء دعائم الدولة الديمقراطية.

وفي هذا السياق يمكن اعتبار التنصيص على حق الحصول على المعلومات، من بين أهم المقتضيات التي جاء بها الدستور لارتباطها الوثيق بجميع الحقوق الانسانية الأخرى، وتكريس الشفافية والمشاركة في تدبير الشأن العام التي تعتبر من المبادئ الأساسية للحكامة الجيدة كما رأينا.

وكخلاصة لما تم ذكره، حرصت على وضع مجموعة من التوصيات التي ارتأيت فيها أساسا للتعبير على الارادة السياسية لتكريس دعائم الدولة الديمقراطية، وهي على الشكل التالي:

  • أولا: يجب التسريع بإخراج قانون الحق في الحصول على المعلومات الذي لا زال حبيسا في المؤسسة البرلمانية، وكذا القوانين المنظمة لعمل المجتمع المدني والديمقراطية التشاركية إلى حيز الوجود. بعيدا عن المزايدات أو الحسابات السياسوية الضيقة، لأن هذه القوانين تهم المجتمع بمختلف تلاوينه.
  • ثانيا: جعل هذه القانون يتلاءم والمبادئ التي وضعتها منظمة المادة 19.
  • ثالثا: انفتاح المؤسسات العامة على فعاليات المجتمع المدني بشكل يسهل على هذا الأخير الولوج إليها، وتضمين ذلك في النصوص المنظمة لها.
  • رابعا: تعديل واستبدال كل القوانين المتعارضة مع الحق في الحصول على المعلومات وفضح الفساد، تعزيزا لمبدأ الشفافية واسترجاع الثقة في العلاقة بين الادارة والمتعاملين معها.

[1]– أحمد عزت، “حرية تداول المعلومات: دراسة قانونية”، مؤسسة حرية الفكر والتعبير، القاهرة،الطبعة الثانية، 2013، ص 7.

[2]– بلال البرغوثي، “الحق في الاطلاع أو حرية الحصول على المعلومات”، سلسلة مشروع تطوير القوانين، رام الله، أيلول 2004، ص 6 ـ 7.

[3]– توبي منديل، “حرية المعلومات: مسح قانوني مقارن”، منظمة التربية والعلوم والثقافة التابعة للأمم المتحدة، جمع طبع بواسطة ماكو للرسم البياني الخاصة المحدودة، اليونيسكو 2003، ص 11.

[4]– بلال البرغوثي، مرجع سابق، ص 7.

[5]– اعتمد ونشر بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 218 أ ( د.3) في 10 ديسمبر 1948.

[6]– أنظر المادة 19 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان.

[7]– أحمد عزت، مرجع سابق، ص 20.

[8]– تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في ديسمبر 1966 بموجب قرار رقم 2200 أ ( د. 21).

[9]– أنظر المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي نصت على أنه: “1ـ لكل إنسان الحق في اعتناق الآراء دون مضايقة. 2ـ لكل انسان الحق في حرية التعبير، ويشمل هذا الحق حرية التماس مختلف ضروب المعلومات والافكار وتلقيها ونقلها إلى الاخرين دونما اعتبار للحدود، سواء في شكل مكتوب أو مطبوع أو في أي قالب فني أو بأية وسيلة يختارها. 3 ـ يتطلب ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة الثانية من هذه المادة واجبات ومسؤوليات خاصة، وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية لـ: أـ احترام حقوق الآخرين وسمعتهم، ب ـ حماية الأمن القومي/ الوطني أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة”.

[10]– هيئة أسست تحت إشراف لجنة حقوق الانسان في عام 1993 بهدف مراقبة وضعية حرية الرأي والتعبير حول العالم وإعداد تقارير بشأنها.

[11]– لجنة حقوق الإنسان، الدورة 56 ـ 63/ 2000/ CN 4/E، 18 يناير 2000.

[12]– أحمد عزت، مرجع سابق، ص 24.

[13]– راجع في هذا الصدد: توبي منديل: مرجع سابق، ص 14 ـ 23.

[14]– كاترينا دي ألبوكارك، المبادئ: عدم التمييز والمساواة، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحق الحصول على مياه الشرب وخدمات الصرف الصحي، ص 34.

[15]– اسماعيل سراج الدين، حرية تداول المعلومات في مصر، مكتبة الاسكندرية، 2009، ص 22.

[16]– أنظر الفقرة الثانية من الفصل الأول من الدستور المغربي لسنة 2011.

[17]– إسماعيل سراج الدين، مرجع سابق، ص 22.

[18]– نفس المرجع، ص 24 ـ 25.

[19]– ريبيكا زاسمر، “نحو حكومات منفتحة تتسم بالشفافية: خبرات دولية وأفضل الممارسات”، جلوبال بارتنرز أند أسوسييتس، 2011، ص 3.

[20]– مارينا عادل وآخرون، “آليات إتاحة وتداول المعلومات: دراسة مقارنة”، مركز دعم لتقنية المعلومات، 2013، ص 13.

[21]– اعتمدت من طرف الجمعية العامة بموجب قرارها رقم 58/4 المؤرخ بـ 31 أكتوبر 2003، صادق عليها المغرب في ماي 2007.

[22]– مارينا عادل وآخرون، مرجع سابق، ص 15.

[23]– التقرير العام للقاء الذي نظمته جمعية ترانسبارنسي المغرب بدعم من منظمة اليونيسكو حول موضوع ” أية قراءات لمشروع القانون 31/13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات؟، 30 أكتوبر 2014، الرباط:WWW.transparencymaroc.ma

[24]– محمد حسين أبو عرقوب، “التجربة الفلسطينية في مجال قانون الحق في الحصول على المعلومات: دراسة وطنية تحليلية”، المركز الفلسطيني للسياسات والمصادر الاعلامية، 2012، ص 15.

[25]– منظمة المادة 19 هي منظمة دولية غير حكومية تدافع عن الحريات العامة وحق الحصول على المعلومات، وتتخذ من لندن مقرا لها، يمكن الاطلاع على مزيد من التفاصيل حول المنظمة عبر موقعها الالكتروني: www.article19.org

[26]– أحمد عزت، مرجع سابق، ص22.

[27]– أنظر الفقرة الثانية من الفصل الأول من دستور 2011.

[28]– حسن طارق، “الربيع العربي والدستورانية قراءة في تجارب: المغرب، تونس ومصر”، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مؤلفات وأعمال جامعية، عدد 105، 2014، ص35ـ36.

[29]– الفصل 12.

[30]– الفصل 13.

[31]– الفصل 14.

[32]– الفصل 15.

[33]– الفصل 139.

[34]– راجع في هذا الصدد: عبد الرحمان الماضي، “الحكامة الترابية التشاركية: منظور تشاركي لدور المجتمع المدني في التدبير الترابي”، مجلة دراسات السياسية والاجتماعية، سلسة أطروحات وأبحاث، طبعة 2014، ص 260 ـ 265.

[35]– توبي منديل، مرجع سابق، ص 11.

[36]– في هذا الصدد أتذكر واقعة منعنا من الولوج إلى مجلس النواب سنة 2011 خلال اجتيازنا فترة تدريبية في هذه المؤسسة بالرغم من توفرنا على ترخيص، زد على ذلك منعنا في كثير من الحالات من الولوج إلى مجلس المستشارين لحضور بعض الندوات بالرغم من أن الدعوة عامة.

[37]– عبد العزيز النويضي، “الحق في الحصول على المعلومات في المغرب والقانون الدولي”، أشغال ندوة وطنية حول الحق في الحصول على المعلومات بين القانون والادارة والقضاء، منشور من طرف جمعية عدالة، ص 10.

[38]– أنظر الفصل 27 من الدستور المغربي لسنة 2011 الذي نص على أنه ” للمواطنات والمواطنين الحق في الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارة العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام. لا يمكن تقييد الحق في المعلومة إلا بمقتضى القانون …”.

[39]– بلال البرغوثي، مرجع سابق، ص 14.

[40]– توبى منديل، مرجع سابق، ص 136.

[41]– العلاقة بين المجتمع المدني والبرلمان والحكومة، المديرية العامة للدراسات والمعلومات، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في مجلس النواب، سلسلة الدراسات والمعلومات، الملف الثاني عشر، 2006، ص 29 ـ 34.

[42]– نفس المرجع، ص 32.

[43]– توبي منديل، مرجع سابق، ص 135 ـ 142.

[44]– الهيئة المركزية للوقاية من الرشوة، “الحكامة الجيدة بين الوضع الراهن ومقتضيات الدستور الجديد 2011″، منشور على الموقع الالكتروني للهيئة: www.icpc.ma

[45]– دينامية إعلان الرباط، المناظرة الجهوية الثالثة حول: “الحركة الجمعوية والمقتضيات الدستورية الجديدة: الرهانات والتحديات”، مراكش 30 يونيو 2013.

[46]– حسن طارق، مرجع سابق، ص 42.

[47]  ـ أنظر الفصول 168 و169 و170 و 171 من الدستور المغربي لسنة 2011

[48]– حسن طارق، مرجع سابق، ص 42.