الحسابات الخصوصية: قواعد الاشتغال وطرق التدبير

2,247

الحسابات الخصوصية: قواعد الاشتغال وطرق التدبير

 

 

الهبري الهبري

أستاذ المالية العامة بكلية الحقوق بوجدة

 

 

 

مقدمة:

إذا كانت مبادئ الميزانية واضحة ولا تحتاج إلى تفصيل على المستوى النظري، فإن تطبيقاتها على المستوى العملي تجد الكثير من الصعوبات، خصوصا فيما يتعلق بالاستثناءات الواردة عليها.هذه الاستثناءات القانونية المقبولة والمؤطرة، يمكن أن تكون ظرفية ومؤقتة أو تكون بنيوية ودائمة.في الحالة الأولى تتخذ شكل أعمال قانونية يرجى منها تنفيذ عمليات لم تكن مدرجة ضمن القانون المالي السنوي (القانون المالي التعديلي ومراسيم التسبيق)، وأيضا منح ترخيص ميزانياتي متعدد السنوات (ترخيصات البرامج).في الحالة الثانية تتخذ شكل إجراءات لبعض التدبيرات (gestions) ذات الطبيعة المنفردة، ويمكن أن تكون لها في هذه الحالة ميزانيات ملحقة، إذا لم تكن تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي.

لكن يمكن لهذه المرافق الحكومية أن تقوم ببعض العمليات الخاصة، وتكون طبيعتها مختلفة عن تلك الموجودة في الميزانية العامة، نظرا لوجود علاقة بين المورد والنفقة. وهو ما يسمى بالحسابات الخصوصية للخزينة. ولإعطاء تعريف ملائم للحسابات الخصوصية للخزينة غالبا ما نلجأ إلى خصوصية العمليات المنجزة خارج إطار الميزانية العامة[1].

إن الأصل التاريخي للحسابات الخصوصية يرجع إلى القرن التاسع عشر (حوالي 1836)، حيث كانت تعتبر إلى جانب الميزانيات الملحقة بمثابة مرافق خاصة في الخزينة.لقد منحت لهذه الحسابات خلال تلك الفترة طبيعة خاصة، لأن المرافق الخاصة للخزينة كانت تضع تمييزا بين المرافق المرتبطة بالميزانية العامة والمتعلقة بالميزانيات الملحقة، وبين المرافق الموجودة خارج الميزانية العامة التي كانت تتعلق بالحسابات الخصوصية للخزينة. هذه الأخيرة تطورت مع الوقت بانفصالها عن الميزانيات الملحقة لتحصل على نظام خاص ينظمها[2]، وستؤطر فيما بعد ذلك بنصوص قانونية خلال المنتصف الأول من القرن العشرين، إلى أن تم التأكيد عليها في القانون التنظيمي للمالية الفرنسي لسنة 1959 الذي أكمل عملا تشريعيا ابتدأ منذ 1947.

الحسابات الخصوصية في فرنسا منظمة اليوم بالقانون رقم 692-2001 لفاتح غشت لسنة 2001، وقد أخذ المغرب بنفس التدابير الموجودة في فرنسا بما في ذلك التقليص من عدد الحسابات ودمج أخرى بعضها مع بعض[3]. تظهر الحسابات الخصوصية – من خلال الطريقة التي تقدم بها- وكأنها وضعت كي لا تخضع لقواعد الميزانية. بالتأكيد أن مرونة تسييرها (رقابة برلمانية مخففة، ترحيل الاعتمادات) تعرضها للتجاوزات والتأويلات المتضاربة.

تختلف الحسابات الخصوصية للخزينة من حيث طبيعتها عن العمليات المتعلقة بالميزانية العامة، نظرا لطبيعتها المؤقتة، والتبرير في ذلك أن عملياتها تجري خارج وثيقة الميزانية.

الفكرة التي أدت إلى نشوء الحسابات الخصوصية هي أن كل المداخيل ليست بالضرورة عبارة عن مورد، وكل المخرجات ليست بالضرورة في شكل نفقات. ومن هنا فإن حركة الاعتمادات المؤقتة لا بد أن تخضع لنظام المحاسبة بشكل منفصل، وذلك من أجل إعطاء وضوح أكثر لوثيقة الميزانية[4].

فأين تكمن خصوصية الحسابات الخصوصية؟ وما الذي يميز هذه العمليات عن غيرها؟ والجواب عن هاذ التساؤل يعود بداهة إلى طبيعتها:  فإما أنها غير نهائية وبالتالي لا يمكننا حسابها كنفقات أو كمداخيل حقيقية،  وإما أن المداخيل والنفقات في حالة ترابط فعلي يجعل تخصيص الأولى للأخيرة حتميا .

في جميع الأحوال، فهذا الاختلاف بين الحسابات الخصوصية للخزينة وبين عمليات الميزانية العامة ناتج عن بعض الأسباب التي تعود إلى قواعد الاشتغال، لأن لها خصوصيات مختلفة (مبحث أول)، أو ترجع إلى طريقة تدبيرها (مبحث ثاني).

 

 

المبحث الأول : خصوصية قواعد الاشتغال

تستند الحسابات الخصوصية للخزينة على مجموعة من القواعد التي تشكل في نفس الوقت مجال التعريف والإطار القانوني. وترتكز هذه القواعد على خصوصية هذه الأخيرة ما دام أنها تحددها في عموميتها وتفردها[5].

توجد إذن قواعد مشتركة بين جميع الحسابات الخصوصية للخزينة (مطلب أول) والتي تميزها عن باقي الحسابات والقواعد الخاصة بكل صنف (مطلب ثاني) لها انفرادية والتي تقوي خصوصية الحسابات الخصوصية للخزينة مقابل الميزانية العامة وأيضا اختلافات بعضها عن بعض .

المطلب الأول : القواعد المشتركة للحسابات الخصوصية للخزينة

إذا استثنينا الحظر المفروض على التكاليف الخاصة كي لا تكون متضمنة في الحسابات، فإن كل حساب للخزينة يؤهل لأن يكون خصوصيا على الأقل بسببين: أولا، من المفروض أن ينجز عمليات ذات طابع استثنائي (فقرة أولى)،وثانيا اشتغاله على قاعدة الترابط بين المداخيل والنفقات (فقرة ثانية).

الفقرة الأولى: شرح العمليات ذات الطابع الاستثنائي

يمكن أن يأخذ الطابع الاستثنائي لهذه العمليات شكلين مختلفين: حيث يمكن أن يكون ناتجا عن اختلاف في الطبيعة التي تكون بينها وبين العمليات الناتجة عن الميزانية العامة، علما بأنها مؤطرة بقواعد استثنائية (أولا). كما يمكن أن تقوم الحسابات الخصوصية للخزينة بعمليات ذات طبيعة نهائية (ثانيا)، وفي هذه الحالة تتجلى الخصوصية في البحث عن وسائل التمويل.

أولا : شرح العمليات ذات الطبيعة المؤقتة

إن السبب الأساسي الذي كان وراء ظهور الحسابات الخصوصية للخزينة، خلافا لقواعد الميزانية، هو الضرورة التي تحتاجها الدولة لتنفيذ بعض العمليات، وهذا التفرد يجعلها “فوق السطر” [6]، أي مؤقتة.

تتأسس المقاربة المهمة لمفهوم الحسابات الخصوصية المقترحة من طرف أغلبية الفقه، على هذا المظهر، وهذا ما يؤكده العميد موريس دوفيرجيDUVERGER: “بعض النفقات العمومية لها طابع ظاهري بحت، لا يتعلق الأمر بنفقات حقيقية وإنما مصاريف مؤقتة موجهة لأن تعود من تلقاء نفسها إلى خزائن الدولة. وبالمقابل فإن بعض الموارد هي أيضا ظاهرية ومؤقتة” [7] ماعدا بعض الاستثناءات القليلة. وتنجز جميع الحسابات الخصوصية هذا النوع من العمليات خارج التسبيقات للجماعات الترابية[8]. ويوضح موريس دوفيرجيهDUVERGERأن: “هذه الحسابات الخاصة موجهة لكي تغلق من تلقاء نفسها عندما تدخل الأموال الخارجة مـؤقتا، أو تخــرج الأمــوال الداخــلة مؤقتا[9].

وتجدر الإشارة إلى أن الطبيعة المؤقتة ليست ثابتة دائما كما نظن، وكما جاء على لسانP.M.Gaudemet  و  J.Molinierفإن: “الطابع المؤقت لخروج الأموال مشكوك فيه، في بعض الأحيان نفترض أن الأمر يتعلق بتسبيق سيتبعه تسديد، ولكن إن لم يتم التسديد فإن التسبيق يعتبر نفقات حقيقية[10] شكل هذه الحالة كالقبول بدون قيمة.

ليس من المتوقع أن تؤثر العمليات في توقعات الميزانية، ولكن إن كنا نولي اهتماما وثيقا لحساب العملات المعدنية، فالدولة تشتري القطع المصنعة بثمن الإنتاج وتعيد بيعها لمؤسسة الإصدار بقيمتها الإسمية. ويمكن أن يشكل هذا الفرق عائدات للدولة، وهي إيرادات حقيقية مبدئيا كان ينبغي إدراجها في الميزانية. نفس الملاحظة تبقى صالحة بالنسبة للقروض التي تمنحها الدولة للخواص لأن فيها نسبة فائدة.

باختصار هذه العمليات ذات الطبيعة الخاصة، خصوصا مع وجود محاسبة خاصة فإن عمليات الحسابات الخصوصية للخزينة هي بكل بساطة لا تشكل مداخيل ونفقات فعلية بالنسبة للميزانية. وهذا هو السبب في عدم إدراجها فيها. ومع ذلك فإن اعتبار هذه الحسابات خاصة لا يمكن اختزاله في هذا الصنف فقط، وإنما يمكن أن تظهر أيضا في العمليات النهائية .

ثانيا : العمليات ذات الطبيعة النهائية

لا يقتصر دور الحسابات الخصوصية في إنجاز عمليات ذات طابع مؤقت،  وإنما يمكن أن تعمل على تدبير أموال ذات طبيعة مطابقة لعمليات الميزانية. إذن أين تكمن خصوصيتها؟ وما المانع من  خضوعها لنظام القانون العام؟ يمكن أن نستحضر نموذجين للدفاع عن خصوصية هذه الحسابات في بعض الحالات .

الحالة الأولى: تجد قاعدتها في التمويل عن طريق موارد خاصة ويتعلق الأمر بالحسابات المرصدة لأمور خصوصية، وهذا الصنف يشبه الميزانيات الملحقة من خلال طريقة العمل، حيث تبين فيها المداخيل المرصدة لتمويل صنف معين من النفقات والاستعمال المخصص لهذه النفقات. تزود هذه الحسابات بحصيلة رسوم أو موارد مخصصة[11].

الحالة الثانية  : نبحث عن أساسيات هذه الخصوصية في إدارة الأنشطة الصناعية والتجارية تماما، كما هو الشأن بالنسبة للميزانيات الملحقة، الفرق الوحيد هو أن التدبير هنا تابع. وقد استخدمت تركيبة الحساب الخاص لتفادي القواعد الصارمة للمحاسبة العمومية لتسجيل عمليات ذات طبيعة صناعية وتجارية منجزة جانبيا من طرف مصالح عمومية لا تتمتع بالشخصية المعنوية.[12] ويحدد قانون المالية للسنة الاعتماد الأصلي والمكشوف المأذون فيه لكل حساب، كما يميز في محاسبتها بين العمليات النهائية وعمليات الخزينة؛ وتستخلص نتيجة كل تصرف سنوي وفقا للقوانين والأعراف التجارية.[13]

إلى جانب العمليات المؤقتة تأخذ بعض العمليات النهائية مكانا خاصا في الحسابات الخصوصية للخزينة، وميزة هذه الأخيرة ليس بطبيعة هذه العمليات، وإنما بسبب مصدر الموارد الاستثنائية بالموازاة مع المهمة الأساسية للمصالح التي تديرها أو الخاصة لأنها معروفة مسبقا.

الفقرة الثانية: الارتباط بين الموارد والنفقات

خصوصية أخرى للحسابات الخصوصية تتمثل في إقامة رابط مباشر بين المداخيل والنفقات إما عن طريق عملية التخصيص (أولا) وإما عن طريق تمويل ذاتي للحساب أي نظام الدورة البنكية (ثانيا).

أولا : تخصيص بعض المداخيل لبعض النفقات

بغض النظر عن مبدأ شمولية الميزانية، الذي ينص على أن مجموع مداخيل الدولة هي التي تمول مجموع نفقاتها،فإن الحسابات الخصوصية للخزينة في النفقات التي تنجزها، لها طابع التصرف في موارد مصادرها معروفة ومخصصة حصريا لهذه النفقات.وقد أشار الأستاذ بوفييه (Michel Bouvier)أن ” مسطرة الحسابات الخصوصية للخزينة مسيئة للحق العام لاسيما أن تخصيص وترحيل الاعتمادات هي القاعدة[14].

تقريبا في جل النصوص التأسيسية والتطبيقية لحساب يعتبر خاص،يتم تحديد لائحة الموارد الموجهة للاستعمال الحصري وفقط لتسوية النفقات المتوقعة من نفس الحساب. في الواقع فخصوصية الحسابات الخصوصية للخزينة دعت إليها الضرورة مادام أن الدولة لا تستطيع إدراجها بطريقة ملائمة في الميزانية[15]؛ التي هي وثيقة لتقدير مجموع الموارد تمكن الدولة من تمويل أي نفقة مقررة في قائمة التحملات؛  وصفة لايمكن الاعتماد عليها لأنها أصلا موجهة، وكذلك فان محاولة تسوية نفقة عن طريق المداخيل الخارجة عن الميزانية آجلا أم عاجلا ستبدو بشكل محتمل كمظاهر احتيالية للبرلمانيين الذين سيفحصون قانون المالية. ويتطلب هذا الإشكال إذن -لكي لا تشوه وثيقة الميزانية- أن تغطي وتنجز هذه المداخيل وأيضا النفقات في حسابات مخصصة. لقد استخدمت طريقة الحساب الخصوصي لتخليص برنامج الميزانية من نتائج الأنشطة العمومية الخاصة وليوفر للدولة موارد خاصة أو تنفيذ مشروع معين. إذن بالنظر من زاوية المداخيل فهذا الارتباط هو إعطاء الدولة سلطة تقديرية لتخصيص موارد باستعمال قانوني فقط لنفقات نشاط معين، وسيكون من المثير تحليلها من وجهة نظر النفقات.

ثانيا : تمويل الحسابات عن طريق نظام الدورة البنكية

تتضمن حسابات العمليات البنكية والتجارية العمليات ذات الصبغة الصناعية أو التجارية أو البنكية المنجزة من طرف مصالح عمومية للدولة[16]. ونظام الدورة مصطلح مأخوذ من المصطلحات البنكية حيث يُحدث ائتمانا يظهر كاحتياط نقدي دائم، والذي يتجدد جزئيا عن طريق تسديدات مشتركيها، ويتم تحديد مقدار هذا المبلغ الأخير وفقا لاحتياجاتها وقدرتها على التسديد.

نفس المفهوم عند محاسبي الخزينة فهو يعطي نفس المعنى، والفرق الوحيد هو أن مفهوم القرض والتسديد يستبدل على التوالي بالنفقات والمداخيل. وبالتالي فإن النفقات هي التي تتكلف بإنتاج مداخيل. تعمل حسابات التسبيقات وحسابات القروض في مجملها على قاعدة هذا النظام. في فرنسا فإن الصندوق الوطني للتقاعد يخضع لنفس المبدأ ولكن مع بعض الأصالة، بعكس باقي الحسابات التي فيها  يسبق المنح عمليات الاسترداد. ففي إطار هذا الصندوق فالموظفون النشطاء يساهمون في الواقع للمتقاعدين ولكن في العمق فإنهم يوفرون لأنفسهم مادامت هذه المبالغ ستعود إليهم كرواتب في نهاية حياتهم المهنية، أهمية المبلغ الذي سيجمعونه لا يعتبر كعائدات محتملة ولكنها عائدات هي لهم في الأصل.إذن فالكلمة المفتاح التي تلخص هذه الحالة هي الملاءمة المالية أو قدرة النفقات على إنتاج مداخيل على الأقل متوازنة.

في الجانب الثاني من الترابط نستطيع أن نؤكد على إن كل نفقة لم تنجز إلا ويشترط رجوعها على شكل مداخيل في صناديق الحسابات الخصوصية. إذن مادام هناك إمكانية استعمال المداخيل لانجاز النفقات فكذلك يمكن انجاز نفقات لإنتاج موارد.

باختصار فالحسابات الخصوصية للخزينة في عموميتها تتمتع بخصائص خالصة لها، وهذا ما يدفعنا لإضافة جرعة من الخصوصية بارزة من وجهة نظر مادية -العمليات المنجزة- ومن وجهة نظر رسمية -إمكانية تقديم المحتوى على قاعدة تخصيص المداخيل للنفقات-.

بالإضافة لخصوصية النظام القانوني لعمل الحسابات الخصوصية للخزينة توجد قواعد تمكن من تمييز بعضها عن البعض والتي تعود لتصنيفاتها.

 

 

المطلب الثاني: القواعد الخاصة لكل حساب خصوصي للخزينة

كل حساب خصوصي بالإضافة للعمليات الاستثنائية والترابط بين الموارد والنفقات،له خصائص تميزه عن الميزانية العامة سواء تعلق الأمر باعتمادات النفقات(فقرة أولى) أو ترخيص السحب المكشوف (فقرة ثانية)[17].

الفقرة الأولى : الحسابات الخصوصية المتعلقة باعتمادات النفقات

تنقسم إلى خمسة أصناف: يتعلق الأمر بالحسابات المرصدة لأمور خصوصية وحسابات التمويل وحسابات الانخراطات في المنظمات الدولية وحسابات العمليات النقدية وحسابات النفقات من المخصصات.

أولا-الحسابات المرصدة لأمور خصوصية:

هي تلك الحسابات التي تبين فيها المداخيل المرصدة لتمويل صنف معين من النفقات، وتزود هذه الحسابات بحصيلة رسوم أو موارد مخصصة وعند الاقتضاء، بمبالغ مدفوعة من الميزانية العامة[18]. وتعتبر أرصدة هذه الحسابات دائنة على الدوام، أما حسابات نفقاتها تصفى في السنة الثالثة إذا لم يترتب عليها تكاليف طيلة هذه المدة، وأن يدرج رصيدها في مداخيل الميزانية العامة. وهي إلى حد ما تشبه حسابات المهام الخاصة في فرنسا، إذ تنجز العمليات الخاضعة للقانون المالي وتوضع في عُهدة الحكومة وتمول من خلال موارد محــددة.هذه الفئة تتفرد بوجود سببين: لأنها تهتم من جهة بعمليات معينة مشابهة لعمليات الميزانية العامة، أي نهائية؛ ومن جهة أخرى لأنها تعمل بتخصيص بين المداخيل والنفقات. في فرنسا يتم دعم هذا التخصيص بوجود رابط مباشر منصوص عليه في المادة 21 من القانون التنظيمي 692ـ2001. وحسب بعض الفقه الفرنسي”فهي ليست إلا تكريسا لواقع موجود حيث كان المشرع يهدف إلى الحد من إمكانية الخروج من قاعدة عدم تخصيص المداخيل ضمن ميزانية الدولة دون عرقلة متطلبات التدبير الجيد للموارد “[19].

عنصر آخر يميز الحسابات الخصوصية، والتي يجب أن تنفذ في توازن وهو ما أشارت إليه  المادة 28 من القانون التنظيمي للمالية في المغرب بتأكيدها على أن: تقرر عمليات الحسابات الخصوصية للخزينة ويؤذن بها وتنفذ طبق نفس الشروط المتعلقة بعمليات الميزانية العامة. نفس الشيء نجده في فرنسا حيث أكدت الفقرة الثانية من المادة 26 على أنه لا يجب أن يتجاوز ” مجموع النفقات المعتمدة أو المأذون بها باسم حساب المهام الخاصة مجموع مداخيل نفس الحساب”  باستثناء الثلاثة أشهر الأولى من إنشائه، ولا يمكن للسحب المكشوف أن يتجاوز ربع النفقات المسموح بها في السنة.

ويجب أن نشير بأنه رغم هذه القيود فهذه الحسابات نادرا ما تكون متوازنة، غير أنه إذا ظهر خلال السنة أن مداخيل الحسابات المرصدة لأمور خصوصية تفوق التقديرات (بما في ذلك المبالغ المنقولة) أمكن فتح اعتمادات جديدة بموجب قرار لوزير المالية في دائرة هذا الفائض من المداخيل[20] والشيء نفسه بالنسبة للمشرع الفرنسي، حيث إذا حدث وأن كانت مداخيل حساب المهام الخاصة أكبر من المتوقع فإن وزير المالية باستطاعته زيادة الاعتمادات حتى الحد الأقصى لهذا الفائض.

إن حسابات المهام الخاصة باعتبارها استثناء وتقوم بتسجيل عمليات مؤقتة[21]، مما يزكي خصوصيتها. فإن هذا التفرد لا يخصها وحدها، بل يخص أصناف أخرى للحسابات المؤقتة يتميز بعضها عن بعض، وضمن هذه الأخيرة يجب تصنيف حسابات التسبيقات والقروض.

ثانيا : حسابات التسبيقات والقروض

تتضمن حسابات التسبيقات والقروض الدفعات التي تنجزها الدولة من موارد الخزينة بشرط إرجاع مبالغها، وتمنح تسبيقات وقروض الخزينة لحاجيات المصلحة العمومية، إذا لم يتمكن المستفيدون من الحصول في الأسواق النقدية أو المالية لدى منظمات القروض أو بوسائل أخرى على موارد كافية لإنجاز عملياتهم[22]. ولا يمكن أن تتعدى مدة التسبيقات سنتين[23]، في حين أنه بموجب القانون التنظيمي للمالية في فرنسا فإن” تسبيقات وزارة المالية يمكن أن تستفيد منها مدة سنة قابلة للتجديد مرة واحدة الهيئات التالية: المؤسسات العمومية ــ الجماعات المحلية ــ مختلف الهيئات ــ الخواص وأيضا الميزانيات والحسابات[24].

ويقع إرجاع التسبيقات حسب الكيفيات المحددة عند منحها، ويمكن أن يتم هذا الإرجاع بكامله عند انتهاء المدة المقررة.وكل تسبيق لا يقع إرجاعه في الأجل المحدد يتم بشأنه ما يلي:

  • إما إصدار مقرر للاستيفاء العاجل طبقا للشروط المعينة في الفصل 34
  • وإما تثبيت فيى شكل سلف مصحوب بتحويل إلى حساب قرض؛
  • وإما إثبات خسارة محتملة تقيد في الميزانية العامة للسنة؛

وبالرجوع إلى الفصل 34 المذكور أعلاه نجده ينص صراحة على أن: ” كل مبلغ يجب أداؤه برسم قرض أو تسبيق من الخزينة ولم يدفع في التاريخ الواجب فيه أداؤه، تترتب عنه بحكم القانون ابتداء من هذا التاريخ فائدة بمقدار فائدة التسبيق أو القرض مع زيادة نقطتين.

ويعهد إلى العون القضائي للخزينة باستيفاء كل مبلغ يجب أداؤه برسم تسبيق أو قرض ولم يقع تسديده في السنة الموالية لتاريخ حلول أجل التسبيق أو القرض.

وكل مبلغ لم يستخلص في ظرف الخمس سنوات الموالية لحلول الأجل يدرج في نفقات الميزانية العامة وتقيد في مداخيل هذه الميزانية المبالغ التي يمكن استخلاصها فيما بعد.”

الفقرة الثانية: الحسابات الخصوصة للخزينة المرتبطة بترخيص الكشوفات

هي حسابات يكون فيها توقع النفقات ذات طابع تقديري، ولعلاج ذلك،يتم سنويا تحديد سحب مكشوف ذو طابع محدود، ويتلعق الأمر بالحسابات التجارية (أولا) حسابات التسوية مع الحكومات والهيئات الأجنبية (ثانيا) حسابات العمليات المالية (ثالثا).

 أولا : الحسابات التجارية

تتضمن حسابا العمليات البنكية والتجارية، العمليات ذات الصبغة الصناعية أو التجارية أو البنكية  المنجزة من طرف مصالح عمومية للدولة، وعند عدم وجود مقتضيات خصوصية لقوانين المالية فإن تسيير الحسابات الخصوصية  المذكورة يكون كما يلي:يمكن أن تكون حسابات العمليات البنكية والتجارية مدينة أو دائنةّ،ويحدد قانون المالية للسنة الاعتماد الأصلي والمكشوف المأذون فيه لكل حساب، وعند الاقتضاء قواعد إرجاع مبالغها أو تصفيتها[25].

نظرا لطابعها الغير مستقر والغير متوقع، فإن توقعاتها للمداخيل والنفقات لا تعدو أن تكون مجرد مؤشر فقط لجعل الإدارة أكثر مرونة. ومع ذلك هناك بعض القيود المرتبطة بالعمليات المسجلة، ولا يمكنها أن تتضمن استثمارات مالية أو تسبيقات أو قروض ما عدا الاستثناء الصريح لقانون المالية حسب المادة 27. هذا الصنف يتميز بالخضوع للنتائج السنوية المحددة لكل حساب وفق بيان حسابي عام. كما أكد ذلك السيد جاك بروفونسال(Provensal):” الحسابات التجارية تنحرف عن مبدأ تخصيص النفقات بالطبيعة[26]“.

عمليات الحسابات التجارية لها إذن هذه الخصوصية، فهي تنجز عبر حساب خصوصي للخزينة مما يعرضها للمخاطر لأنها ” تعتمد إلى حد كبير على الظروف[27]” وهي تحتل مكانا ثانويا للمهمة الرئيسية للمصلحة المكلفة بها ( وهذا أيضا ما يميزها عن الميزانيات الملحقة). هذا الصنف ليس الوحيد المأذون له بترخيص السحب على المكشوف فهناك إلى جانبه حسابات التسوية مع الحكومات والهيئات الأجنبية.

ثانيا : حسابات التسوية مع الحكومات وباقي الهيئات الأجنبية

حسب مقتضيات الفصل 28 من المرسوم الملكي المتعلق بالمحاسبة العمومية،تتضمن حسابات التسديد مع الحكومات الأجنبية العمليات المنجزة بين الحكومات عملا  بالأوفاق المعمول بها بصفة قانونية. وتراعى في مسكها الاتفاقات المبرمة وإدماج نتائجها النهائية المحتملة في الميزانية.

وتتضمن  حسابات الانخراط في المنظمات الدولية واجبات الانخراط المدفوعة أو رؤؤس الأموال المستثمرة لانخراط المغرب في منظمات دولية[28]، هذا ويمكن أن تدرج وحدها في هذه الحسابات المبالغ المقرر إرجاعها في حالة الانسحاب، أما المداخيل التي يحتمل الحصول عليها من هذه المبالغ فتدرج في مداخيل الميزانية العامة للدولة برسم المتحصل من المساهمات المالية.

حسابات الانخراط في الهيئات الدولية تبين فيها المبالغ المدفوعة والمبالغ المرجعة برسم مشاركة المغرب في الهيئات الدولية. ولا يجوز أن تدرج في هذه الحسابات إلا المبالغ المقرر إرجاعها في حالة الانسحاب[29].

حسابات التسوية مع الحكومات وباقي الهيئات الأجنبية لها نفس الخصوصية كباقي الحسابات الخصوصية للخزينة فيما يخص الاستفادة، بالنظر لتقدير التدبير الجيد كما ذكر بعض الكتاب: ” هناك منطقة غير معلنة تبرر بالأساس بدواعي ضرورة العمل الدبلوماسي أو العسكري مما يصعب المراقبة البرلمانية[30]“. وهي الآن تقترب من وجهة نظر نظامها إلى حسابات العمليات النقدية.

ثالثا : حسابات العمليات النقدية

طبقا للفصل 30 من المرسوم الملكي”تتضمن حسابات العمليات النقدية حركات الأموال النقدية غير الناجمة عن عملية تجارية، ويحدد مكشوفها  في قانون مالية السنة. ويباشر مسكها بكيفية تبرر النتائج النهائية المحتملة لهذه العمليات”. كما يباشر مسكها بكيفية تبرر النتائج النهائية المحتملة لهذه العمليات.

وتدرج هذه النتائج في حسابات الميزانية أو تتحملها على أبعد تقدير في السنة الثانية الموالية للسنة الجارية التي استخلصت منها.

في فرنسا، تهتم حسابات العمليات النقدية بالموارد والنفقات ذات الطابع النقدي. وتكون لهذه الفئة من الحسابات تقديرات للموارد وتوقعات للنفقات ذات طابع تقديري وليس تقييدي،ما عدا كشف الحساب المحدد لكل واحد منها[31].

وفي الأخير يجب أن نؤكد على أن إنشاء حسابات العمليات النقدية، تترك للدولة هامشا ضيقا للحركة بسبب الطابع المحدد لموضوعها، وهو ما يمثل خصوصيتها الفريدة خارج نظامها كحساب خاص. وعلى خلاف الحسابات التي تضم اعتمادات النفقات، فإن هذه الأصناف من الحسابات، تكمن خصوصيتها في موضوعها أكثر مما تكمن في أسلوبها أو طريقتها.وتبقى الآثار متشابهة، لدرجة أننا لا نستطيع أحيانا تمييزها عن الميزانية العامة،وقد نجد أنفسنا أمام وثائق ذات عمليات وقواعد غير متجانسة. وإذا ما اكتفينا بقواعد التسيير فإن الحسابات الخصوصية تزخر فعلا بخصوصية ثابتة سواء في مجملها أو فيما يخص كل صنف منها.

المبحث الثاني : خصوصية طريقة تدبير الحسابات الخصوصية

هذه الخصوصية ليست سوى نتيجة للأولى، في الواقع ونظرا لوجود اختلاف في حجم العمليات المنجزة من طرف الحسابات الخصوصية،وتلك العمليات المحددة في الميزانية العامة، فمن المقبول جدا أن يتم تسيير هذان النوعان من الحسابات بطريقة مختلفة. ومع ذلك ورغم هذا الاختلاف فلا يجب أن يغيب عن أذهاننا بأن الحسابات الخصوصية تنجز أموالا عمومية، ولهذا السبب وبمقتضى المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواطن أكد بأن هذه الحسابات تخضع في الوقت نفسه للمراقبة الإدارية والسياسية وهو ما يقربها من الميزانية العامة. وبالتالي يمكن تكييف هذه الخصوصية بأنها قطعية (مطلب أول) لكن هذا النعت ليس وصفا مطلقا ما دام أن هذه الخصوصية تبقى نسبية (مطلب ثاني).

 

 

المطلب الأول: المظاهر الاستثنائية للحسابات الخصوصية

كما هو الحال بالنسبة لقواعد الاشتغال فخصوصية طريقة التدبير لايمكن أن يتم تقييمهاإلا على ضوء الميزانية،التي تشكل القاعدة والإطارالمرجعي في مجالتوقعات العمليات المالية للدولة.من هذا المنظور، يمكن القول أن الحسابات الخصوصية هي موضوع تدبير يخالف قواعد الميزانية (فقرة أولى) وخارج وثيقة الميزانية (فقرةثانية) .

الفقرة الأولى: تدبير خارج قواعد الميزانية

للحسابات الخصوصية مميزات تتمثل في التحرر من بعض مبادئ الميزانية[32]، خاصة مبدأي الشمولية والسنوية. ويتجلى عدم احترام المبدأ الأول في ارتباط المداخيل بالنفقات (أولا) في حين يتجلى تجاهل المبدأ الثاني في ترحيل الاعتمادات (ثانيا) .

أولا : الارتباط بين المداخيل والنفقات

يجب التأكيد أولا أنه ليس كل الحسابات الخصوصية تخرج عن المبدأ الكلاسيكي لقانون الميزانية[33]، فالحسابات التجارية وحسابات التسوية مع الحكومات وباقي الهيئات الأجنبية وحسابات العمليات النقدية يرخص لها لتقديم مداخيلها ونفقاتها كمخصصات صافية. بالنسبة لهذه الأصناف من الحسابات، لا يؤذن لها إلا بالسحب المكشوف[34]ارتباطا بنتائج التعويض بين النفقات والمداخيل. وهذا يناقض قاعدة الناتج الإجمالي الذي يعتبر أحد مكونات مبدأ الشمولية ــ كذلك عدم التخصيصــ والذي يقتضي ألا يكون هناك أي ارتباط بين بعض الموارد ببعض التكاليف. هذه الأصناف لها خاصية ربط النفقات والمداخيل لدرجة أنها لا تظهر بتفصيل في قانون الميزانية،ويبقى تقييم المداخيل والنفقات اختياريا. وفي الاتجاه نفسه يؤكد الأستاذ دي مالطاDIMALTA أنه “بالنسبة لكل صنف من هذه الأصناف من الحسابات، المعطى الوحيد المرقم والمدرج على قائمة التوازن العام من قانون المالية، يتشكل من رصيد صاف لمجموع عمليات حسابات هذا الصنف. هذا الرصيد  المقيد في خانة ‘سقف التكاليف ذات الطابع المؤقت’[35]“.

خلف وصف العمليات ذات الطابع الاستثنائي يحتل التعويض بين المداخيل والنفقات مكانة اختيارية، في الأسباب التي دفعت المشرع لاختيار عرض هذه الحسابات خارج إطار الميزانية، وهو ما أشار إليه أحد الفقه الفرنسي بقوله “أن الحاجة هي التي دعت إلى ضرورة عرض هذه الحسابات خارج الميزانية دون احترام لمبدأ الشمولية[36]“.

ثانيا : ترحيل الاعتمادات

إذا كان مبدأ السنوية من القواعد العامة للميزانية،فإن الحسابات الخصوصية تقوم على مبدأ التدبير المتعدد السنوات. فعمليات الحسابات الخصوصية للخزينة منصوص عليها ومرخصة وتنفذ وفق نفس الشروط التي تحكم عمليات الميزانية العامة، وعلى هاذ الأساس يتضمن قانون المالية سنويا قائمة لكل العمليات المنسوبة لكل حساب خاص. هناك إذن “تلقائية الترحيل” حسب تعبير الأستاذ أورسونيORSONI. يشكل ترحيل الاعتمادات عائقا رئيسيا لممارسة الرقابة البرلمانية على مداخيل ونفقات الحسابات الخصوصية للخزينة[37]،وذلك لأنه لا يوجد تفويض سنوي مسبق،كما أن المراقبة البعدية للتدبير المتعدد السنوات تبقى صعبة.خارج استثناءات مبادئ الميزانية العامة المقبولة من طرف المشرع، هنا كإرادة لإقامة نظام مرن للحسابات الخصوصية للخزينة بالنظر للعمليات التي تنجزها. ومع ذلك وكلما تم التأكيد على خصوصيتها فإن البرلمان يفقد نسبيا سلطته في المراقبة.

الفقرة الثانية : تدبير خارج وثيقة الميزانية

كما هو الشأن بالنسبة للميزانيات الملحقة، يتم تدبير الحسابات الخصوصية بطريقة منفصلة عن وثيقة الميزانية العامة (أولا) ونظرا للأموال العامة التي تنجزها هذه الحسابات لا يمكن أن تكون فعالة إلا من خلال ميزانيات مستقلة (ثانيا).

أولا:  تدبير خاص بعيدا عن الميزانية العامة.

لقد سبق أن ذكرنا عدم احترام مبادئ الميزانية، ولكن المبدأ الأول الذي تحيد عنه الحسابات الخصوصية هو مبدأ وحدة الميزانية. لهذا يتم اللجوء إلى مفهوم قانون المالية لإلحاق هذه الحسابات بالميزانية العامة، وحسب قول الأستاذ ORSONI :” كل عملية خاصة خارج إطار الميزانية تهدف إلى :

ــ تحقيق التوازن الميزانياتي والتحكم في النفقات .

ــ الإفلات من الرقابة البرلمانية بالنسبة لبعض العمليات [38]“.

إن الخصوصية الأولى المرتبطة بالمراقبة البرلمانية، تعطي للحسابات الخصوصية مرونة في التدبير لا نجدها في الميزانية العامة،رغم أنها أسست مع إدخال الحسابات الخصوصية في قانون المالية.

إن تدبير الحسابات الخصوصية خارج إطار الميزانية يشكل بعض الخصوصيات غير القابلة للجدل ونفس الملاحظة يمكن أن نجدها عند إجراء المقارنة مع الميزانيات المستقلة.

ثانيا : تدبير خاص بعيدا عن الميزانيات المستقلة

تدمج حسابات الهيئات ذات الشخصية المعنوية التي تقوم بمهمة المرفق العام في ميزانيتها الخاصة ولا تظهر في قانون المالية. في الواقع تعتبر هذه الميزانيات مستقلة،فالحسابات الخصوصية ليس لذيها استقلال ذاتي فقط وإنما استقلال تام عن وثيقة الميزانية،وذلك على غرار الميزانيات المستقلة. إلا أنه وعلى خلاف الحسابات الخصوصية للخزينة، فإن هذه الأخيرة تضم العمليات التي تقوم بها الهيئات العمومية مثل المقاولات العمومية أو الخاصة التي تتمتع بالشخصية المعنوية وتتكفل بمهمة المرفق العام، والتي لا تدمج حساباتها في قانون المالية، لأنها تتوفر على ميزانيتها الخاصة. وبالتالي فإن منح عمليات الحسابات الخصوصية للخزينة وصفا خارج قانون المالية لن يكون فقط تعديلا لمبدأ الوحدة بل استثناء حقيقيا لا يتماشى مع العقلنة المبحوث عنها في النظام القانوني للحسابات الخصوصية للخزينة. وبالفعل فإن إدراج هذه الأخيرة في ملحق قانون المالية يبقيها في حقل المراقبة البرلمانية، مما يساعد على التوفيق بين خصوصيتها ومتطلبات الشفافية في المالية العمومية. وقد أكد الأستاذ لالومييرLALUMIERE في هذا الاتجاه إلى أن الإصلاح الذي تم إجراؤه: يتجلى أولا في ”ميزنة”الحسابات الخاصة والتي أدمجت في وثيقة الميزانية مع احتفاظها بخصوصيتها[39]“.

فيما يتعلق بالتدبير السليم، فان أخذنا مثال المقاولات العمومية، فهي تخضع لتدبير مالي مشابه لتقنيات القانون الخاص[40]ــ رغم أن نظامها مرتبط ببعض قواعد القانون العام ــ وذلك بسبب الصناعة والتجارة التي تعتبر من صميم أنشطتها. لا تستفيد الحسابات التجارية التي تعتبر الصنف الأقرب لهذه المقاولات العمومية من هذا التدبير المرن[41]،رغم أن الحسابات الخصوصية تتوفر على نظام استثنائي، وهذا لا يعني عدم خضوعها للقواعد المطبقة على المالية العامة.

باختصار فان درجة استقلالية الحسابات الخصوصية هي موضوع اختبار، ويمكننا أن نؤكد بادئ ذي بدأ،بأنها استقلالية منفصلة عن الميزانية العامة، غير أنها لا تعني الانفصال التام عن قانون المالية، مقارنة مع الميزانيات المستقلة التي لا تخضع للمراقبة البرلمانية، ولكن في كلا الحالتين فإن خصوصية الحسابات الخصوصية ظاهرة للعيان بالنظر للقواعد التي تنظمها التي ليست لا صارمة ولا مرنة.وتحمل هذه الاستقلالية الناتجة عن إدخال الحسابات الخصوصية في قانون المالية بعض النتائج التي تجعلها نسبية.

المطلب الثاني : خصوصية نسبية

ينص القانون التنظيمي على أن إعداد وتنفيذ الحسابات الخصوصية يخضع لنفس القواعد التي يخضع لها إعداد وتنفيذ الميزانية العامة[42]. من هذا النص يمكن أن نستنبط أن تدبير الحسابات الخصوصية يخضع لمسطرة الميزانية (فقرة أولى) وللمراقبة البرلمانية (فقرة ثانية) .

الفقرة الأولى : تدبير يخضع لقواعد الميزانية

طبقا للمادة 28 فإن تنفيذ الحسابات الخصوصية للخزينة يخضع لمسطرة مطابقة لمسطرة تنفيذ الميزانية العامة (أولا) ويتم تخصيصها وفق مبدأ الفصل بين الآمرين بالصرف والمحاسبين العموميين (ثانيا).

أولا : مسطرة التنفيذ مطابقة لمسطرة الميزانية العامة

في ميدان النفقات يمر تنفيذ الميزانية بأربعة مراحل ضرورية، وهي الالتزام بالنفقة، وتصفيتها، ثم الأمر بصرفها الموجه من طرف الآمر بالصرف، وأخيرا دفع النفقة التي يتكلف بها المحاسب العمومي؛ وثلاثة مراحل متعلقة بالموارد ( آمر بالصرف ينشئ مداخيل ويحدد مصادرها ومحاسب يتكلف بعمليات التحصيل) وهي نفس الطريقة التي يتم بها تنفيذ الحسابات الخصوصية.

فيما يتعلق بالنفقات حدد القسم الأول من الباب الثالث من المرسوم الملكي بمثابة نظام المحاسبة العمومية المتعلق بالقواعد الخاصة بعمليات النفقات؛ القواعد التنظيمية والتطبيقية لتنفيذ النفقات وأعطانا فكرة حول المقاربة بين مسطرة تنفيذ نفقات الحسابات الخصوصية وتلك الخاصة بالميزانية العامة، حيث نص الفصل 32 على أن :” يباشر دفع جميع النفقات وتصفيتها والأمر بدفعها بمسعى من الآمر بالصرف ما عدا في حالة ترخيصات بالمخالفة الواردة في النصوص”.

ولا يمكن أداء الأوامر بالصرف أو الحوالات إلا بعد التأشير عليها من طرف المحاسب المكلف بالنفقة[43].

فيما يخص المداخيل، فإن المرسوم الملكي المذكور سالفا،يجعل من الآمرين بالصرف سلطات مختصة بإصدار أوامر التحصيل.

فيما يتعلق بالتنفيذ، فإن الحسابات الخصوصية ليس لها أية خصوصية مقارنة مع الميزانية العامة، ومع ذلك إذا كان هذا التشابه يرتبط بالمسطرة فإنه في الواقع أكثر اتساعا، على اعتبار أن هذا التنفيذ سواء بالنسبة للحسابات الخصوصية أم عمليات الميزانية، يخضع لمبدأ الفصل بين الآمرين بالصرف والمحاسبين العموميين.

 

 

ثانيا : تنفيذ مطابق لمبدأ الفصل بين العمليات الإدارية والمحاسبية[44]

حسب الأستاذ دس مالطا DIMALTAفإن:”التنفيذ يتم في إطار الميزانية العامة باحترام قاعدة الفصل بين الآمرين بالصرف والمحاسبين العموميين”[45].

يعتبر آمرا عموميا بالصرف للمداخيل والنفقات كل شخص مؤهل باسم منظمة عمومية لرصد أو إثبات أو تصفية أو أمر باستخلاص دين أو أدائه[46].

مع الفصل بين مهام الآمرين بالصرف والمحاسبين العموميين في الحسابات الخصوصية للخزينة، خطى المشرع المغربي خطوة مهمة في محاولته التوفيق بين خصوصية الحسابات وضرورات التدبير الآمن للمالية العامة. وهذا ما نتج عنه تقارب الميزانية العامة بالرغم من خصوصيتها.وفي نفس السياق فقد ذهب المشرع إلىأبعد من ذلك بتكريس رقابة برلمانية فعالة على تدبير الحسابات الخصوصية .

الفقرة الثانية : تدبير يخضع للرقابة البرلمانية

يخضع تدبير الحسابات الخصوصية للخزينة للرقابة البرلمانية، وهي رقابة تتم عن طريق الترخيص القبلي (أولا) كما تتم من خلال المراقبة البعدية (ثانيا).

أولا: أسبقية الترخيص البرلماني

إن وضع توقعات عن التكاليف يتيح رؤية واضحة ومتكاملة للمالية العمومية[47]،فالبرلمان  له الحق في إبداء رأيه حول توقعات الحسابات الخصوصية كما هو الحال في الميزانية العامة. بل يمكن التأكيد  بأن الحسابات الخصوصية في هذا المجال تخضع لنظام أكثر صرامة ما دام أنه في اللحظة التي تكون فيها الميزانية موضوع ترخيص إجمالي؛ فإنها تتوفر على ترخيص لكل صنف من أصنافها. كما تنص الفقرة الأولى من المادة 26 من القانون التنظيمي للمالية على أنه: “يمكن منح ترخيصات بالالتزام مقدما لفائدة الحسابات المرصدة لأمور خصوصية وحسابات النفقات من المخصصات بموجب قانون المالية للسنة في حدود مبلغ أقصى يحدده قانون المالية المذكور”.

غير أنه يجوز في حالة الاستعجال والضرورة الملحة وغير المتوقعة، أن تحدث خلال السنة المالية حسابات خصوصية للخزينة بموجب مراسيم طبقا للفصل 70 من الدستور. ويتم إخبار اللجنتين المكلفتين بالمالية بالبرلمان مسبقا بذلك. ويجب عرض هذه المراسيم على البرلمان بقصد المصادقة عليها في أقرب قانون للمالية.

إن إنشاء الحسابات الخصوصية للخزينة يخرج من المجال التنظيمي ليصبح من حق المشرع، ذلك أن المادة 26 من القانون التنظيمي للمالية أكدت أن الحسابات الخصوصية للخزينة لا يمكن أن تفتح إلا بموجب قانون للمالية. هذا النص يقطع الطريق أمام كل وزير له نية الاحتفاظ بأموال عمومية عبر حساب خاص دون علم البرلمان.

وإذا كانت مراقبة الحسابات الخصوصية للخزينة اليوم لا زالت تثير العديد من الإشكاليات،  فإن السلطات التشريعية لها سلطات فعلية فيما يتعلق بالترخيص. فهو ترخيص يرتبط قبل كل شيء بتدبير إنشاء الحسابات الخصوصية.ولكي يكون لهذا الترخيص هدف معين أو أكثر فعالية، فيجب أن تكون للبرلمان القدرة على التحقق من أن مسيري الحسابات لا يخالفون هذا الترخيص، وهذا ما يفسر ضرورة وجود المراقبة البعدية.

ثانيا : الرقابة البعدية

هي إمكانية تقوي سلطات البرلمان على الحسابات الخصوصية وتعطي في نفس الوقت للرقابة القبلية كل معانيها.في الواقع من الطبيعي تماما في نهاية التنفيذ لقانون المالية أن تعرف السلطة التشريعية ما إذا التزمت الحكومة بالتعليمات الأولى، فهي عملية تحقُق ومراقبة نظامية ينفذ بموجبها قانون التصفية.

وهكذا سيتضمن قانون التصفية-من أجل المراقبة- النتائج النهائية للحسابات الخصوصية للسنة المنصرمة والملحقات التوضيحية عن طبيعة تجاوزات الخسائر والفائض. ومن جانب أخر،للبرلمانيين إمكانية من التحقق من مشروعية العمل المنجز بواسطة قانون التصفية مادام أن هذا الأخير يكون مرفوقا ” بتقرير للمجلس الأعلى للحسابات والتقرير بالمطابقة بين أذونات الآمرين بالصرف وكشوفات المحاسبين العموميين.

وهكذا يمكننا أن نصل إلى نفس نتيجة العميد أمسلك AMSELEKالذي أكد أن نصوص 1959 و1956 قد غيرت ما كان ممارسة مشكوك فيها وفوضوية إلى أسلوب تقني منظم يسمح بالوصول في ظل بعض الشروط إلى تحقيق بعض النتائج ” [48].

[1]– P M. GAUDMET et J.MOLINIER, Finances Publiques (Budget Trésor), 7e éd., Paris, Montchrestien, 1996, p.285.

[2]– Loi n 47-520 décembre 1890 ouvrant un compte spécial du Ministère de la marine en France.

[3]– عرف تطور عدد الحسابات الخصوصية للخزينة بالمغرب منذ سنة 2000 انخفاضا ملحوظا، إذ تراجع من 156 حسابا سنة 2001 إلى 71 حسابا سنة 2018. ويعزى هذا الانخفاض أساسا إلى تبني التوجه نحو عقلنة ونجاعة تدبير هذه الحسابات. تقرير حول الحسابات الخصوصية للخزينة، وزارة الاقتصاد والمالية 2019، ص:1

[4]-P M. GAUDMET et J.MOLINIER, op.cit., p.285

[5] Jacques LAUZ, Le Compte d’Avances sur imposition Locale, in RFFP n : 32, les comtes spéciaux du Trésor, Paris, LGDJ, 1990, p. 11 et suiv.

[6] Christian BIGAUT, Finances Publiques- Droit Budgétaire : Le Budget de l’Etat, Paris, ELLIPSES, 1995, p.34

[7]-Maurice Duverger, Finances publiques, PUF ,7 éd.,1971,p.274.

[8] -Pierre Di malta,Finances publiques,(Le budget),Paris,PUF,1999,p.33.

[9] -Maurice Duverger, Op cit, p.274

[10] -P.M.GAUDMETet J.MOLINIER,Op Cit,1996,p.285

[11]– المادة 27 من القانون التنظيمي رقم 130.13 الصادر في 14 من شعبان 1436 (2 يونيو 2015) ج.ر عدد 5810

[12]– Mamadou DIOP, Finances Publiques Sénégalaises, NEA, 1977, p.35

[13]– الفصل 27 من المرسوم الملكي رقم 330.66 بتاريخ 10 محرم 1387 (21 أبريل 1967) بسن نظام عام للمحاسبة العمومية. ج.ر عدد 2843

[14] -Michel Bouvier, Finances publiques,4éd. Paris, LGDJ,1998,p.213.

[15]– المادة 25 من القانون التنظيمي رقم 130.13

[16]– الفصل 27 من المرسوم الملكي بسن نظام المحاسبة العمومية

[17]– هذا التصنيف تم تجسيده ضمنيا في القانون التنظيمي لقوانين المالية وتؤكد عليه صراحة وزارة المالية في فرنسا، حيث تقدم غالبا الحسابات الخصوصية للخزينة على أساس هذا التصنيف في مشاريع قوانين المالية. راجع:

Pierre DiMALTA , Le régime juridique des comptes spéciaux du trésor, in RFFP N°32 , Les comptes spéciaux du trésor, LGDJ, Paris,1990, p.23.

[18]– المادة 27 من القانون التنظيمي رقم 130-13

[19] – Raymond MUZELLEK, Finances publiques, 14 éd, Sirey,2006, p.296.

[20]– الفصل 26 من المرسوم الملكي مرجع سابق.

[21] -M.Laurent RABATE, Du bon usage des comptes d’affectation spéciale, RFFP ,n° 32, p.35

[22]– الفصل 32 من المرسوم الملكي مرجع سابق

[23]– الفصل 33 من المرسوم الملكي

[24]– محددة على ضوء المادة 29 من القانون التنظيمي لقوانين المالية رقم 09ــ2001 في فرنسا

1- الفصل 27من المرسوم الملكي، مرجع سابق

[26] -Jacques PROVENSAL, Les comptes de commerce, RFFP n°32.,p.57.

[27] -Pierre Di Malta, op cit, p.313

[28]– الفصل من المرسوم الملكي29

[29]– الفقرة (ب) من المادة 27 من القانون التنظيمي رقم 130-13

[30] – Michel BOUVIER, op.cit, p.08

[31]– المادة 23 من القانون التنظيمي الفرنسي رقم 692-2001 بتاريخ فاتح غشت 2001.

-[32] هناك أيضا مبدأ وحدة الميزانية الذي لم تتم معالجته في هذه الفقرة لأنه لا يدخل ضمن خصوصية تدبير الحسابات الخصوصية للخزينة، رغم أنه يكشف عن استقلالية تسييرها.

[33]– Pierre Di Malta, RFFP, revue précité, p.23.

[34] Voir, André PAYSANT, Finances publiques, 5em éd, paris, Dalloz, 1999,p.12

[35] –Pierre Di Malta, op.cit.,p31.

[36] -André PAYSANT, op cit,p.114.

[37]– رغم أن هذا الأسلوب يخص الميزانية العامة فإنه يبقى استثنائيا، إذ أنه في إطار الحسابات الخصوصية للخزانة فإن الترحيل هو المبدأ.

[38] -Gilbert Orsoni, Science et législation financière, paris, ECONOMICA, 2005, p.246.

[39] -Pierre LALUMIERE, Les Finances publiques, paris, Armand colin,1970,p.61.

[40] -Moustapha Souranc, « Les biens et les finances des entreprises publiques », Encyclopédie juridique de l’Afrique, NEA, Tome7,1982, p.281 et s.

[41]– أصبحت طرق تدبير المقاولات العمومية مشابهة لطرق تدبير المقاولات الخاصة من أجل الفعالية والمردودية

[42]– المادة 28 من القانون التنظيمي لقوانين المالية رقم 130-13

[43]– الفصل 33 من المرسوم الملكي المتعلق بالمحاسبة العمومية، مرجع سابق

[44]-Pierre Di Malta, op.cit., p.15.

[45] -ibid, p.37.

[46]– الفصل 3 من المرسوم الملكي المتعلق بالمحاسبة العمومية

[47]-Hervé Message, « Le contrôle parlementaire des CST »,RFFP ,n°32,p.153.

[48] -Paul Amselek, Le budget de l’Etat sous la V°République, 1967,p.86.