أحدث التدوينات

الحدث الجانح من آليات الحماية إلى متطلبات التأهيل و الإدماج

الحدث الجانح من آليات الحماية إلى متطلبات التأهيل و الإدماج

رضوان الخضر

باحث في سلك الدكتوراه

جامعة محمد الخامس/ الرباط

مقدمة:

حفلت الندوات والمؤتمرات وكذلك الإعلام في العقدين الأخيرين بالحديث عن حقوق الطفل وما يجب أن تتمتع به من رعاية وتأهيل وإعادة إدماج وحماية فائقة، ونظرا لأن هذه الحقوق لا يكون لها أثر، ما لم تحظ بحماية جنائية وكان لابد من توضيح المقصود بالحماية الجنائية وإعادة إدماج الطفل.

وما يمكن قوله في هذا الصدد، أن الحماية تتسع لتشمل نوعين: حماية موضوعية وأخرى إجرائية ؟. وتستهدف الحماية الجنائية الموضوعية تتبع الأنشطة ذات العلاقة بالمصلحة المراد حمايتها، وذلك بجعل صفة الطفولة عنصرا تكوينيا في التجريم، أو بجعلها ظرفا مشددا في العقاب.[1]

بينما تستهدف الحماية الجنائية الإجرائية تقرير ميزة إجرائية تأخذ بشكل استثناء على انطباق كل أو بعض القواعد الإجرائية العامة في حالات خاصة، يستلزم تحقيق المصلحة فيها تقرير تلك الميزة. وذلك إما باستبدال قاعدة إجرائية أخرى أو بتعليق انطباق القاعدة الإجرائية على قيد أو شرط، وإما أخيرا بتعديل مضمون القاعدة الإجرائية.[2]

والطفل لغة كما ورد في مختار الصحاح يعني المولود، والولد يقال له كذلك حتى البلوغ[3]، وذلك تطبيقا لما جاء في القرآن الكريم: “وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا” سورة النور الآية 59.

أما اصطلاحا فسنكتفي بالتعريف الذي جاءت به اتفاقية حقوق الطفل، حيث نصت المادة الأولى منها بأنه: “كل إنسان لم يتجاوز  18 سنة ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المطبق عليه”.

أما إعادة الإدماج يقصد به تأهيل الأفراد بشكل يسمح بإمكانية إحداث التكييف المطلوب مع المجتمع أي تتطلب علاوة على ذلك إحداث التغيرات على بنية الفرد ومحيطه لتحقيق التكييف الاجتماعي.[4]

ومنه فهذا الاهتمام بالطفولة باعتباره استثمارا استراتيجيا للمستقبل، وبداية صحيحة لتقدم المجتمعات، هذا التوجه اهتم به المجتمع الدولي منذ بداية القرن العشرين، أي منذ ظهور اتفاقية عصبة الأمم لسنة 1929 اقتراح من الاتحاد العالمي لإغاثة الأطفال، أعقبتها جهود الأمم المتحدة التي تشخصت في إنشاء صندوق دولي لتقديم العون للطفل، والتصريح العالمي لحقوق الطفل الذي صادقت عليه الجمعية العامة بتاريخ 20 نونبر 1959.

ونظرا للوضعية الصعبة التي كانت تعيشها الطفولة خلال الحربين العالميتين، حيث خلفت أطفالا مشردين ولاجئين مهملين، تواصلت الجهود والمشاورات لإعداد اتفاقية دولية بمنح حماية خاصة وناجعة للطفل، تتوفر على آليات للمراقبة وهذا ما نصت عليه اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل بتاريخ 20 نونبر 1989، وبعدها جاءت اتفاقيات أولت العناية الخاصة بالحماية الجنائية للطفل منها قواعد الأمم المتحدة الدنيا النموذجية لإدارة شؤون قضاء الأحداث والبروتوكولين الملحقين باتفاقية حقوق الطفل.

 وتتجلى أهمية هذا الموضوع في البحث عن مدى إقرار المواثيق الدولية حماية جنائية خاصة للطفل، من شأنها أن تقوي الطفل الضعيف جسمانيا وعقليا في ردع من تسول له نفسه الاعتداء، وكذا في القواعد التي تنظم الإجراءات الواجب إتباعها عند ارتكاب الحدث للجريمة، وأيضا في إقرارها لمبادئ إعادة إدماج الحدث وتأهيله.

ويثير هذا الموضوع إشكالية هامة، تتمثل فيماهية مظاهر وتجليات الحماية الجنائية في الأوفاق والصكوك الدولية، سواء كان ضحية أم جانح، وكيفية إعادة إدماجه وتأهيله؟ 

ولمعالجة هذا الموضوع نرى تناوله وفق التصميم التالي:

المحور الأول: مظاهر الحماية الجنائية للطفل في الاتفاقيات الدولية

المحور  الثاني: إعادة تأهيل وإدماج الحدث في ضوء بنود المواثيق الدولية

المحور الأول : مظاهر الحماية الجنائية للطفل في الاتفاقيات الدولية

إن الشعور الكوني بخطورة ظاهرة استغلال الأطفال والاعتداء عليهم، والذي يعتبر استغلال الأطفال في البناء جزءا هاما منه، أسس لوعي المنتظم الدولي بضرورة وقاية الطفولة وحمايتها من مثل هذه الاعتداءات، وذلك باتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة لتحقيق هذه الغاية انطلاقا من المرجعية الدولية، سواء على المستوى الدولي أو الإقليمي (الفرع الأول)، ولقد تولت قواعد الأمم المتحدة الدنيا لإدارة شؤون قضاء الأحداث تفعيل الإجراءات الواجب إتباعها في التحقيق مع الأحداث ومحاكمتهم وتنفيذ التدابير الصادرة في حقهم (الفرع الثاني).

الفرع الأول : الجهود الدولية لحماية الطفل الضحية

لقد اعترف المجتمع الدولي لفائدة الأطفال بالحاجة إلى معايير تتجاوز تلك المعايير المحددة في حقوق الإنسان الدولية، وذلك للتصدي لأنواع محددة من الظلم والاعتداءات التي تهدد حياة وسلامة جسم الأطفال، كما تبرز هذه الحماية من خلال بعض المبادئ التي جاءت بها الاتفاقيات الإقليمية فيما يخص الأطفال ضحايا الاستغلال وسوء المعاملة، ولذلك أحاطته بسياج من الرعاية والحماية ومنعت تعرضهم للمعاملات القاسية التي تعيق نموه.

الفقرة الأولى: على الصعيد الدولي

تعتبر اتفاقية حقوق الطفل[5]، أهم وثيقة خرج بها المجتمع الدولي من أجل تأمين حقوق الطفل ووضع حد لانتهاك هذه الحقوق، إذ تهدف إلى وضع معايير دولية لحماية الأطفال من كافة صور الاستغلال ومن أهم صور الاستغلال التي جاءت الاتفاقية للقضاء عليها، هناك الاستغلال الجنسي للأطفال، حيث نصت المادة 19 على: “إلزام الدول باتخاذ جميع التدابير التشريعية والإدارية والاجتماعية والتعليمية الملائمة لحماية الطفل من كافة أشكال العنف أو الضرر أو الإساءة البدنية أو العقلية بما في ذلك الإساءة الجنسية.

وإذا كانت المادة المذكورة تؤسس لمفهوم عام لحماية الطفل من جميع صور الإساءة، فإن المادة 34 تؤسس لحماية خاصة للأطفال من الاستغلال الجنسي فقط. ولهذا الغرض تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير الملائمة الوطنية والثنائية والمتعددة الأطراف لمنع حمل أو إكراه الطفل على تعاطي أي نشاط جنسي غير مشروع أو الاستخدام الاستغلالي للطفل في الدعارة أو غيرها من الممارسات الجنسية غير المشروعة واستغلالهم في العروض والمواد الإباحية.

إلا أن الملاحظ أن اتفاقية حقوق الطفل لم تلزم الدول بملاحقة مرتكبي هذه الجرائم وإحالتهم على المحاكم الدولية أو الوطنية لمعاقبتهم جزاء لما يرتكبونه من جرائم في حق الطفولة، خاصة وأن بعض العصابات الدولية تقوم بخطف الأطفال بهدف توظيفهم في السياحة الجنسية والدعارة القسرية.

إن إقرار هذه الاتفاقية لم يقلص من عدد الأطفال الذين يسقطون ضحايا الدعارة القسرية والسياحة الجنسية، لذلك بعد مرور حوالي 10 سنوات من إقرارها، أصدر المجتمع الدولي عبر جهاز منظمة العمل الدولية الاتفاقية رقم 182 بخصوص حظر أسوأ أشكال عمل الأطفال والإجراءات الفورية للقضاء عليها سنة 1999، وقد حددت المادة الثالثة أخطر هذه الأشكال التي تهدد الطفولة من بينها: استخدام الطفل أو تشغيله أو عرضه لأغراض الدعارة، أو لإنتاج أعمال إباحية أو أداء عروض إباحية. وتتجلى أهمية هذه الاتفاقية في حماية ووقاية الطفل من الوقوع في قبضة عصابات استغلال الأطفال جنسيا تحت غطاء استخدامهم وقوة هذه الاتفاقية تنبع من كونها صادرة عن منظمة العمل الدولية.

إن تنامي ظاهرة استغلال الأطفال في البغاء أو الاستغلال الجنسي بصفة عامة، جعل القضاء عليها غاية المجتمع الدولي، ولبلوغ هذا الهدف فقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 25 مايو 2000 البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية حقوق الطفل بشأن بيع الأطفال واستغلالهم في البغاء وفي المواد الإباحية.

ويلزم هذا البروتوكول الدول الأطراف بتغطية جرائم الاستغلال التجاري للأطفال في قوانينها الجنائية، سواء تم ارتكابها من طرف شخص واحد أو عصابات منظمة.

بالإضافة إلى ما سبق ذكره نجد نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الذي أدرج منذ سنة 1999 الجرائم المرتكبة ضد الأطفال ضمن الجرائم التي تختص بها المحكمة، وقد أدرجت الاغتصاب أو الاستبعاد الجنسي أو الإكراه على البغاء، أو العمل القسري، أو أي شكل آخر من أشكال العنف الجنسي على مثل هذه الدرجة من الخطورة، ضمن الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية متى ارتكبت في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين.[6]

نستخلص أن المجتمع الدولي قد راهن على آلية التعاون الدولي من أجل مكافحة الجرائم السالفة، باعتبارها من الجرائم المنظمة عبر الحدود الوطنية التي تقتضي مكافحتها تجنيد كافة وسائل التعاون الدولي عن طريق تقوية الترتيبات الثنائية والإقليمية والمتعددة الأطراف من جهة والتنسيق بين الحكومات والمنظمات غير الحكومية من جهة أخرى.

الفقرة الثانية: على الصعيد الإقليمي

يشكل استغلال الأطفال في المواد الإباحية على شبكة الإنترنت معضلة عالمية، فقد كان من آثار تطور الوسائل التكنولوجية الجديدة بمضاعفتها إلى حد كبير لإمكانيات الحصول على هذه المواد الإجرامية ونشرها وبيعها، تشجع نمو هذه الظاهرة. وتتمثل المواد الإباحية الإلكترونية في إنتاج صور مركبة على شبكة الإنترنت لأطفال غير حقيقيين يمارسون نشاطا جنسيا وبغض النظر عن واقعية هذه الصور فهي توهم بأن الفاعلين أطفال.

واستغلال الأطفال في المواد الإباحية على شبكة الإنترنت شكل من أشكال الاستغلال الجنسي بينة حقيقية او محاكاة، أو تكشف بعض أجزاء جسمه بشكل فاحش، يجعله يثير الرغبة أو اللذة

الجنسية، وقد يتعلق الأمر بطفل أو عدة أطفال يقومون بأنشطة جنسية بمشاركة بالغين أو بدونها.

وتشكل اتفاقية مجلس أوربا بشأن الجريمة الإلكترونية “185” التي دخلت حيز التنفيذ في العام 2004، أول معاهدة تعالج مسألة الجرائم المرتكبة عبر الشبكات المعلوماتية والإعلام الإلكتروني، وتعرف الفقرة الفرعية “أ” من الفقرة الثانية من المادة 9 منها مصطلح “المواد الإباحية المستغلة للأطفال” بأنه: “أي مواد إباحية تصور بطريقة مرئية قاصرا يسلك سلوكا جنسيا واضحا”، وفي المادة ذاتها يعرف مصطلح “القاصر” بأنه: “كل شخص يقل عمره عن 18 سنة”، (الفقرة 31).

وحسب ما ورد في الاتفاقية المتعلقة بالجريمة الإلكترونية، تندرج الصور التي تظهر فيها شخص يشتبه بقاصر يسلك سلوكا جنسيا فادحا (المادة 9 الفقرة 2 ب) أيضا ضمن إطار المواد الإباحية المستغلة للأطفال، وبالتالي ضمن نطاق السلوك غير المشروع.

وفي نفس الاتجاه طلب مجلس حقوق الإنسان في قراره 8/13 إلى المقررة الخاصة[7]، أن تقدم إليه تقريرا بشأن تنفيذ ولايتها وفقا لبرنامج عمله السنوي، ويعالج هذا التقرير مسألة استغلال الأطفال في المواد الإباحية على شبكة الإنترنت. ويتوخى التقرير حيز الإنجازات المتحققة والتحديات التي لا يزال ينبغي التغلب عليها، واقتراح توصيات ملموسة لمنع استغلال الأطفال من المواد الإباحية على شبكة الإنترنت ومكافحته بشكل أفضل.[8]

وفي سنة 2005 جاءت اتفاقية المجلس الأوربي للعمل ضد الاتجار بالأشخاص التي تعتبر في المادة الرابعة استغلال الأطفال اتجارا، ولو لم تكن هناك أي أساليب غير قانونية واعتبرت أيضا الاتجار بالأطفال ظرفا مشددا يستدعي عقوبة قصوى. وعلى مستوى الحماية أقرت المادة 10/3 أنه إذا لم يتم التأكد من سن الضحية يتم اتخاذ تدابير حماية خاصة إلى حين التأكد من السن، وحين يتم التعرف على طفل ضحية، يجب معرفة هويته وجنسيته ويكون من مصلحة الطفل حينها تعيين حارس قانوني ليتكفل بتمثيله، ‘لى حين يتم إعلام عائلته. وينبغي عدم السماح بإعلان هوية الطفل للعموم عدا في حالة التقصي عن أحد أفراد أسرته أو من أجل ضمان وضع أفضل له (المادة 11/2).

وعلى مستوى ميثاق الطفل في الإسلام فقد عالجت المادة موضوع حماية الطفل من الإيذاء وإساءة المعاملة وغير ذلك مما يمس كرامته، سواء وقعت عليه من الوالدين أو ممن يتعهده أو يقوم برعايته. ولمواجهة ظاهرة العنف ضد الأطفال، عالجت المادة 27 موضوع حماية الطفل من العنف وإساءة المعاملة وغير ذلك مما يمس كرامته[9]. وأوردت المادة 28 الفقرات “أ” و “ب” و “ج” أقوالا تعتبر من المعاصي والجرائم التي تجرمها الشريعة الإسلامية وتفرض عليها عقابا دنيويا وأخرويا، تحقيقا لمقصد من المقاصد الأساسية في الشريعة الإسلامية وهو حفظ العرض والنسل والعقل، وتتضمن الفقرتان “د” و “هـ” إجراءات وتدابير تحفظية ووقائية لوقاية الطفل وحمايته من الوقوع في الجرائم سواء كان جانيا أو مجنيا عليه. وقد أوصى “صلى الله عليه وسلم” قادة الجيوش قائلا: “انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ولا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا ولا صغيرا ولا امرأة…”، بعد أن تم التذكير بمختلف مظاهر وتجليات الحماية الجنائية للأطفال ضحايا الجريمة في الأوقاف والصكوك الدولية والإقليمية، سننتقل إلى معالجة الحماية الإجرائية للحدث الجانح خاصة في إطار قواعد بكين ومبادئ الرياض التوجيهية.

الفرع الثاني: الحماية الإجرائية للحدث الجانح

تولت قواعد الأمم المتحدة الدنيا لإدارة شؤون قضاء الأحداث تفعيل الإجراءات الواجب إتباعها في التحقيق مع الأحداث ومحاكمتهم وتنفيذ التدابير الصادرة في حقهم، والنظرة العامة لهذه الإجراءات تشير إلى الرغبة في تمييز التشريع الجنائي الخاص بالأحداث الجانحين بذاتية خاصة تراعي ما يحتاجه الحدث في هذه المرحلة المبكرة من عمره. وتبعا لذلك سوف نتطرق للحماية الجنائية للطفل في مرحلة ما قبل المحاكمة في الفقرة الأولى على أن نعمل على تبيان الحماية الجنائية للطفل في مرحلة المحاكمة وما بعدها في الفقرة الثانية.

الفقرة الأولى: الحماية الجنائية للحدث في مرحلة ما قبل المحاكمة

تتمثل الحماية الجنائية للأطفال في هذه المرحلة بتوفير عدة حقوق وضمانات له أثناء البحث التمهيدي وعند التحقيق الإعدادي يعد فصل الأحداث عن البالغين من الضمانات الضرورية التي تهدف إلى وقاية الأحداث الجانحين من خطر العدوى الجرمية لكونهم عرضة للتأثيرات السلبية من جانب المحتجزين البالغين ومراعاة أيضا لاحتياجاتهم الخاصة، فحسب نص المادة 10 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تؤكد ضرورة فصل المتهمين الأحداث عن البالغين.

كما نصت القاعدة 12 من قواعد بكين على أن ضباط الشرطة الذين يتعاملون كثيرا مع الأحداث أو الذين يخصصون للتعامل معهم أو الذين يتناولون بالدرجة الأولى مهمة منع جرائم الأحداث يجب أن يتلقوا تعليما وتدريبا خاصين لكي يتسنى لهم أداء مهامهم على أفضل وجه، كما نصت الاتفاقية على ضرورة إنشاء وحدات خاصة لذلك الغرض في المدن الكبيرة، وهذا معناه ضرورة توفير تدريب متخصص لجميع الموظفين الرسميين الذين يطلعون بمهمة إدارة شؤون قضاء الأحداث.[10]

ومن الضمانات المخولة للحدث أثناء القبض عليه خلال هذه المرحلة هي ضرورة إخطار والده أو الوصي على الفور، فإذا كان هذا الإخطار الفوري غير ممكن وجب العمل عليه في غضون أقصر مدة ممكنة من إلقاء القبض على الحدث “القاعدة 10 من قواعد بكين”.[11]

أولت قواعد الأمم المتحدة لإدارة شؤون الأحداث عدة ضمانات وصلاحيات للحدث أثناء التحقيق الإعدادي، من أهمها حق الحدث المتهم في التزام الصمت أثناء مثوله أمام القاضي المكلف بالأحداث فالحدث هنا له كامل الصلاحية في الإجابة على أسئلة القاضي أو الامتناع عن ذلك والتزام الصمت. وتطبيقا لذلك لا يجوز تحليف المتهم اليمين عند استجوابه، فإذا حلف اليمين ترتب عن ذلك بطلان الاستجواب، والتزام الصمت حق للحدث المتهم فلا يفسر سكوته على أنه اعتراف بالتهمة المنسوبة إليه، لأن السكوت عدم لا يترتب عليه أي أثر بالنسبة للحدث المتهم.

ومن الضمانات التي أتت بها قواعد بكين هي الحق المخول للحدث والمتمثل في ضرورة إبلاغه بالتهم الموجهة إليه أثناء امتثاله أمام سلطة الحكم.[12]

ومن السلطات التي منحتها قواعد بكين للقاضي أثناء التحقيق مع الحدث إمكانية التحول خارج النظام القضائي حيثما كان ذلك مناسبا للعمل على معالجة قضايا الأحداث الجانحين دون اللجوء إلى محاكمة رسمية من قبل السلطة المختصة، فلهيئة التحقيق التي تعالج قضايا الأحداث سلطة الفعل في هذه القضايا حسب تقديرها حول عقد جلسات محاكمة رسمية وهذا ما نصت عليه القاعدة 11 من قواعد بكين.[13]

الفقرة الثانية: الحماية الجنائية للطفل في مرحلة المحاكمة وما بعدها

مراعاة لحالة الطفل الخاصة لم تكتفي الاتفاقيات الدولية بضمان الحماية للطفل أثناء مرحلة المحاكمة بل تجاوزتها لمرحلة ما بعد المحاكمة.

يشكل مبدأ المصلحة الفضلى للطفل ركنا جوهريا في فلسفة المبادئ للاتفاقيات الأممية لحقوق الطفل، لذلك أوكل واضعوها للسلطة القضائية وجوب مراعاة هذه المبادئ ومن ضمنها مبدأ افتراض البراءة كما اكدتها المادة 40 من اتفاقية حقوق الطفل باعتبارها قاعدة أساسية من قواعد الإجراءات الجنائية تحقق مصلحة المتهم ومصلحة المجتمع في آن واحد. وقرينة البراءة ولأن قرينة البراءة تمثل ضمانة من أ÷م الضمانات الإجرائية وتجدر الإشارة على أنه تم التنصيص عليها أيضا في المادة 11 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كما أكدته المادة 14/2 من الاتفاقية الدولية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية.[14]

كما نصت قواعد بكين على مجموعة من المبادئ التوجيهية في إصدار الأحكام والتصرف في القضايا من خلال القاعدة 17، حيث تسترشد السلطة المختصة بالمبادئ التالية:

  • يتحتم دائما أن يكون رد الفعل مناسبا ليس فقط مع ظروف الجرم وخطورته بل كذلك مع ظروف الحدث وحاجاته وكذلك احتياجات المجتمع.
  • لا يفرض الحرمان من الحرية الشخصية إلا إذا أدين الحدث بارتكاب فعل خطير يتضمن استخدام العنف ضد شخص آخر أو بالعودة لارتكاب الأعمال الإجرامية الخطيرة ما لم يكن هناك أي إجراء مناسب آخر.
  • لا يحكم بعقوبة الإعدام على أية جريمة يرتكبها الأحداث
  • لا توقع على الأحداث عقوبات جسدية
  • للسلطة المختصة حق وقف إجراءات الدعوى في أي وقت.[15]

والجديد الذي جاءت به قواعد بكين هو ضرورة توسيع هذه السلطات التقديرية لتشمل جميع مراحل الإجراءات، وعلى مختلف مستويات إدارة شؤون الأحداث.

يعتبر الطعن في الأحكام القضائية هو السبيل الوحيد لإصلاح ما يشوب هذه القواعد من أخطاء وتجيز القوانين للخصوم أن يطعنوا في الأحكام بالطرق والإجراءات التي تحددها، وليس هناك ما يبرر حرمان الأحداث المحكوم عليهم من هذه الضمانة الهامة بحجة كونهم صغار السن، من أجل ذلك قررت قواعد بكين هذه الضمانة الإجرائية الأساسية بنصها في القاعدة 7/ الفقرة الأولى على: “أن للأحداث الحق في الاستئناف أمام سلطة أعلى”.

ومن الضمانات أيضا التي جاءت بها قواعد بكين في مرحلة ما بعد المحاكمة حماية الحدث في الخصوصية فقد نصت القاعدة من قواعد بكين على: “يحترم حق الحدث في خصوصياته في جميع المراحل تفاديا لأي ضرر قد يناله جراء دعاية لا لزوم لها، كما علمت القاعدة 8 في فقرتها الثانية على تأكيد هذه الحماية حيث نصت: “لا يجوز من حيث المبدأ نشر أية معلومات يمكن أن تؤدي إلى التعرف على هوية المجرم الحدث”، كما قررت كذلك المادة 21 ضرورة المحافظة على سجلات الأحداث الجانحين في سرية تامة لا يطلع عليها غير الأشخاص المعنيين بمعاملة الحدث خلال مرحلة الإجراءات.[16]

كما ينبغي فصل الأحداث الموضوعين في المؤسسات الإصلاحية عن البالغين ويحتجزون في مؤسسة منفصلة أو في جزء منفصل عن المؤسسة تحتجز البالغين، وينبغي أن توفر هذه المؤسسات الرعاية والحماية وجميع ضروب المساعدة الضرورية الاجتماعية منها والتعليمية والمهنية والنفسية والطبية.

المحور الثاني : إعادة تأهيل وإدماج الحدث في ضوء بنود المواثيق الدولية

شكل موضوع إعادة إدماج الحدث وتأهيله داخل الكيان الاجتماعي أهم المواضيع التي اهتم بها المشرع الدولي، مما جعله يبادر إلى سن العديد من الصكوك الدولية التي تعرض لهذا الموضوع.

حيث أن منع جنوح الأحداث جزء جوهري من منع الجريمة[17]، ولاشك أن إفراد الأحداث المنحرفين بقواعد خاصة موضوعية أو إجرائية، يجد سنده ومبرراته في اختلاف إجرام الصغار عن إجرام البالغين، وهو اختلاف لا يقتصر على أسباب الجريمة بل يمتد إلى القابلية للإصلاح والتأهيل[18]، إلا أن هاته المواثيق الدولية لم تكرس اهتمامها الشديد بتأهيل الحدث مرتكب الجريمة فقط (مطلب أول)، بل امتد كذلك بالحدث الضحية (المطلب الثاني).

الفرع الأول : إعادة تأهيل الحدث الجانح

تعنى التشريعات الجنائية الدولية بحماية الحدث ولا تقتصر هذه الحماية على مجرد التخفيف من المسؤولية الجنائية للحدث، بل أنها تمتد إلى القواعد التي تنظم الإجراءات الواجب إتباعها عند ارتكابه الجريمة، لذلك لا غرابة في أن فقرات القواعد الخاصة بالحماية الإجرائية للأحداث أصبحت تمثل مجموعها استثناءا من القواعد العامة للإجراءات.

هذه الحماية التي يحظى بها الحدث من لدن المشرع الدولي تكون في بعض الأحيان وقائية، أي قبل ارتكاب الجريمة (الفقرة الأولى)، إلا أن الإشكال يطرح في سبيل الإدماج وإنجاح سياسة إصلاح الحدث الجاني (القرة الثانية).

الفقرة الأولى: مظاهر السياسة الوقائية لتأهيل الحدث

المقصود بالسياسة الوقائية: سياسة تقرر قبل ارتكاب الجريمة بشكل سليم في المجتمع خصوصا من خلال الأسرة التعليمية والمجتمع المدني ووسائل الإعلام.

أولا: دور الأسرة في إدماج الحدث

الأسرة لغة تعني القيد، وفي الاصطلاح يطلق على أصل العشيرة والجماعة التي يربطها أمر مشترك[19]، وفي بعض الفقه هي جماعة من الأفراد تربط بينهم القرابة الشرعية ويعيشون في منزل مستقل ويتواصلون فيما بينهم عبر تفاعل مستمر[20]، وللأسرة دور مهم في تكوين الناشئ وتأهيله تحول دون اقتراف الحدث للجريمة، حيث نجد المبدأ السادس من إعلان حقوق الطفل والتي أوجبت تنشئة الطفل داخل الأسرة.[21]

وتنص المادة 18 من اتفاقية حقوق الطفل على مسؤولية الأسرة نحو الطفل في تربيته ونموه وضرورة توفير حماية ورعاية خاصة للطفل المحروم من أسرته، ونصت مبادئ الرياض التوجيهية على تعزيز التدابير الكفيلة بتماسك الأسرة، وعدم تشجيع الأطفال للانفصال عن الأبوين[22]، وفي نفس السياق يقر الميثاق الإفريقي لحقوق الطفل ورفاهية أوجب الحق للطفل في التمتع برعاية وحماية والديه، والحق في الاحتفاظ بالعلاقات الشخصية والاتصال بكليهما في حالة الانفصال، بل أوجب الميثاق أيضا مساعدة الآباء والأشخاص الآخرين المسؤولين على تربية الأطفال وضمان تطوير المؤسسات المسؤولة عن توفير الرعاية.[23]

وهو نفس التوجه الذي يكرسه الميثاق العربي لحقوق الطفل العربي لسنة 2001، من خلال المادة الخامسة.[24]

ثانيا: دور التعليم في تأهيل الحدث

التعليم حق لأن عالم اليوم والغد هو عالم العلم والمعرفة، هذا شيء نعرفه وتلوكه ألسنتنا فلنستحضر النتائج ولنتحمل مسؤوليتنا[25]، وبما أن التعليم من أهم العوامل المؤدية لتأهيل الحدث وإدماجه في المجتمع وهكذا أولت الصكوك الدولية اهتماما بالغا بالتعليم وبالمدرسة، بحيث أوجب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الحق لكل شخص في التعليم مجانيا في المرحلة الابتدائية والأساسية، ومنح الآباء حق اختيار نوع التعليم الذي يدرس لأولادهم.[26]

وأوجبت مبادئ الرياض التوجيهية توفير التعليم للأحداث لأجل تعزيز وتنمية شخصياتهم ومواهبهم وقدراتهم العقلية والبدنية، مع إشراكهم في العملية التربوية وإبلاء اهتمام خاص لإتباع سياسات شاملة تؤهله لوقاية الأحداث من إساءة استعمال الكحول والمخدرات، وينبغي أن يكون المدرسون من الفنيين مجهزين لمنع هذه المشاكل ومعالجتها.[27]

وفي العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من خلال المادة 13 توجب ضرورة توفر التعليم وبالمجان وإتاحته للجميع وتحسين الأحوال التعليمية، وذلك لأهميته في تطوير الجانب الروحي والأخلاقي للحدث وتكوين شخصيته، وبالتالي العمل على منع الحدث من ارتكاب الجريمة ومن الجنوح.[28]

وتطرقت اتفاقية حقوق الطفل لدور المدرسة من خلال مقتضيات المادة الرابعة، وأيضا نص ميثاق الطفل العربي على حق الطفل في التعليم المجاني والتربية في مرحلتي قبل المدرسة والتعليم الأساس كحد أدنى[29]، وفي نفس التوجه خص الميثاق الإفريقي لحقوق الطفل ورفاهيته من خلال المادة 11 ضرورة التعليم لدرئ جنوح الحدث وتأهيله.

ثالثا: دور المجتمع والإعلام في تأهيل الحدث

  • دور المجتمع:

الوسط الاجتماعي له دور مهم في التأثير على سلوكيات الأفراد، ومع تصاعد دور المجتمع المدني بحكم أن هذه الأجهزة فرضت نفسها على الساحة، نجد أن المشرع الدولي أولى لها اهتمام خاص، ففي مبادئ الرياض التوجيهية نصت على ضرورة استحداث خدمات وبرامج يرعاها المجتمع المحلي وتلبي احتياجات الأحداث من خلال معالجة الصعوبات وحل المشاكل[30]، مع ضرورة إشراكهم عند وضع الخطط وينبغي أن يعهد إليهم بدور داخل المجتمع وألا ينظر إليهم على أنهم مجرد كائنات يجب أن تخضع للتنشئة الاجتماعية أو للسيطرة.

ومن المهم أن تضع المدارس سياسات تتسم بالعدل والإنصاف وتمثيل التلاميذ في أجهزة وضع السياسات المدرسية، وهو نفس المبدأ الذي كرسته اتفاقية حقوق الطفل ذلك بوضع برامج اجتماعية.[31]

وخص الميثاق الإفريقي على ضرورة التخلص من الممارسات الاجتماعية الضارة للطفل.[32]

  • دور وسائل الإعلام:

لوسائل الإعلام دور مهم في الدفع بالحدث نحو تربية متوازنة، وبناء لشخصية كما قد تسهم في انحرافه، وفي ضوء بعض الدراسات تبين أن التلفزيون ونوادي الإنترنت من أكثر الأنشطة التي يلجأ إليها الطفل، من خلال اتفاقية حقوق الطفل نجده يركز على الوظيفة الهامة لوسائل الإعلام التي تزود الطفل بالمعلومات والمواد الوطنية والدولية، خاصة تلك التي تستهدف رفاهيته الاجتماعية والروحية والمعنوية.[33]

وخصت مبادئ الرياض على ضرورة تشجيع وسائل الإعلام للقيام بالدور المنوط بها لتأهيل الحدث.[34]

الفقرة الثانية: سبل الإدماج وإنجاح سياسة إصلاح الحدث

إن صياغة الإنسان السوي أملا غاليا تتطلع إليه الإنسانية وترى فيه القيمة السامية لما ترجوه من سعادة، وهذه العملية تحتاج إلى العناية الفائقة التي تنطلق بشخصية الفرد التكاملية في جوانبه العقلية والنفسية والجسدية والروحية، وبما أن الإنسان مدني بطبيعته قابل للتقويم والتوجيه، فإن هذا اوجب على أهل الاختصاص العناية بإعداد آليات وأجندة لدمج هذا الإنسان في المجتمع في مراحله الأولى حفظا له من الانحراف أو تصحيح ما وقع من انحراف ليعيش في المجتمع بصورته الطبيعية الفاعلة ذات الإنتاجية والتطوير[35]. فعملية الإدماج ليست من السهولة بمكان خصوصا مع تنامي المشاكل المرتبطة بالحدث والصعوبات التي تواجهها عملية الإدماج.

فالإدماج هو: إدخال الحدث في المجتمع واستحكامه فيه ليكون جزءا منه، أما تدابير الإدماج فهي الإجراءات التي تتخذ لإدخال الحدث في المجتمع، ولاشك أن المراد بالإدخال واستخدامه في المجتمع الإيجابي الفاعل المعزز للمجتمع بإضافة ما ينفع أو إزالة ما يضر.

نجد الفقه الإسلامي ينص على أن التدابير محل عناية واهتمام في توجيه الحدث وإصلاحه يؤخذ به بالتدرج على سبيل المثال التدابير التعزيزية..

فما الاندماج المعبر عنه في الفقه الإسلامي “الخطة” حيث قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “… أما المخالطة إن كان فيها تعاون على البر والتقوى فهي مأمور بها، وإن كان فيها تعاون على الإثم والعدوان فهي منهي عنها فالاختلاط بالمسلمين من جنس العبادات… وكذلك للاجتماع الذي يزداد العبد به إيمانا إما لانتفاعه وإما لنفعه له..”.

وفي مجمل ما أوصت به المواثيق الدولية بخصوص تدابير الإدماج اعتمادها على:

  1. الواقعية في تدبير الإدماج الموجه للحدث
  2. أن تتضمن تلك التدابير إتباع حاجة الحدث في الجوانب التالية:

الجانب الروحي، والجانب العقلي والجانب الجسدي والجانب الاجتماعي.

  • أن تفعل الطاقات الكامنة ذات النفع الخاص والعام في نفس الحدث مراعيا في ذلك طبيعة المعطيات المؤثرة في المحيط الاجتماعي الذي يعيش ويتماشى معه الحدث.
  • إعداد جهات سواء فردية أو جماعية تقوم بمتابعة تلم التدابير.
  • التوعية المناسبة للأحداث لأهمية تلك التدابير على وضعهم الاجتماعي والاقتصادي والفكري التربوي.
  • ربط هذه التدابير بالقيم العليا للمجتمع السوي
  • أن تركز تدابير الإدماج على تربية الذات، فغياب تربية الذات في التعايش الاجتماعي قد يصير تلك التدابير في أكثر الأحيان مشروعا شكليا لا جوهريا.[36]

نخلص أن مجمل المواثيق الدولية، التي عالجت مسألة إعادة تأهيل الحدث الجاني هدفت في الإجمال إلى السعي نحو تحقيق الحدث ـ حيث نجد القاعدة الأولى من قواعد بكين تضع على عاتق الدول أن يكون الهدف لكل السلطات التي تنفذ كافة الإجراءات المتعلقة بالأحداث المجرمين منذ ارتكاب الجريمة وحتى تنفيذ الأحكام، السعي إلى تحقيق رفاه الحدث.[37]

وتجد الفقرة الثانية من المادة 14 تنص: “يتوجب أن تساعد الإجراءات على تحقيق المصلحة القصوى للحدث، وأن يتم في جو من التفاهم يتيح للحدث أن يشارك فيها وأن يعبر عن نفسه بحرية.[38]

أوجبت في نفس التوجه الحاجة إلى التخصص المهني والتدريب حسب المادة 22 من اتفاقية بكين، وأيضا العلاج خارج المؤسسات الإصلاحية حسب المادة 23 أما المادة 25 فنصت بضرورة تعبئة المتطوعين والخدمات الاجتماعية بصورة فعالة لتأهيل الحدث.[39]

الفرع الثاني: إعادة إدماج الحدث الضحية

الحدث الضحية إنسان صغير يعاني في صمت ويتألم من جراء اعتداء تعرض له بسبب فعل الغير، سبب له ألما واضطرابا نفسيا الشيء الذي جعل علماء الضحية والاتفاقيات الدولية لا يقتصر على تعويض الحدث فقط، بل تلزم الدول الأطراف على اتخاذ التدابير المناسبة، لإعادة التأهيل البدني والنفسي والاجتماعي، لأن من شأنها إعادة الثقة والطمأنينة لنفسية الطفل وتجنبه الوقوع في براثين الإحباط، والعقد النفسية وتساعده على تجاوز وقائع الاعتداء الذي تعرض له، فيشب إنسانا متوازنا محبا خاليا من الكراهية والعدوانية.[40]

لقد أدى الاهتمام الشديد بالضحية إلى ظهور فرع جديد في المنظومة الجنائية هو علم الضحية خاصة بعد صدور كتاب “المشهور المجرم وضحيته”، لسنة 1948.

وقد أحدث هذا الكتاب ثورة في الفكر الجنائي، حيث انصب اهتمام علماء الإجرام على دراسة السلوك السيكولوجي للضحية.

فما هي مظاهر وتجليات إدماج الحدث الذي تعرض لاعتداء وفق الصكوك الدولية (الفقرة الأولى)، وهل هي كافية لجبر الضرر الذي لحق به أم أنها تتسم بالمحدودية والنقصان (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: مظاهر إعادة إدماج الحدث الضحية وفق الاتفاقيات الدولية

تعتبر تدابير العلاج والإصلاح من أبرز التدابير التي يقوم عليها حق الحدث في التأهيل خاصة وأنه يمكن أن يساعده على تجاوز آثار الصدمة النفسية وآلام الجراح التي ألمت به جراء الاعتداء الذي لحق به.[41]

لقد شهد العالم عبر السنوات الماضية بداية تغير جذري وحاسم في الكيفية التي يتم بها النظر والتعامل مع الطفل الذي يتعرض لعنف واعتداء، حيث وجه الاهتمام لحماية مباشرة نحو هذه الشريحة وذلك من خلال إقرار معاهدة دولية خاصة بحقوق الطفل وباقي المعاهدات التي تعرضت لنفس الموضوع.

أولا: اتفاقية حقوق الطفل

تناولت اتفاقية حقوق الطفل والتي جاءت كثمرة جهود المجتمع الدولي العديد في المسائل التي لم تطرح من قبل في الصكوك الدولية السابقة، مثل الحق في إعادة تأهيل الأطفال الذين عانوا من أشكال الوحشية والاستغلال، حيث أصبح لزاما على الدول المصادقة على الاتفاقية. اتخاذ كل التدابير المناسبة لتشجيع التأهيل البدني والنفس[42]، وإعادة الإدماج الاجتماعي للطفل الذي يقع ضحية أي شكل من أشكال الإهمال أو الاستغلال أو التعذيب أو أي شيء آخر من أشكال المعاملة، أو العقوبة القاسية ويجرى هذا التأهيل والإدماج في بيئة تعزز صحة الطفل واحترامه لذاته وكرامته[43]، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على رغبة المشرع الدولي في تأهيل وإدماج الضحية الصغير الذي تعرض لاعتداء وتبقى اتفاقية حقوق الطفل من أبرز وأهم الاتفاقيات التي عالجت ظاهرة إعادة تأهيل الحدث الضحية، وإن كانت هذه المسألة تم التطرق لها من خلال الإعلان العالمي لحقوق الطفل الصادر بتاريخ 20 نونبر 1959 من خلال البند السابع والذي تحدث بشكل ضمني على إمكانية تأهيل الحدث الضحية.

ثانيا: قواعد الأمم المتحدة بشأن الأحداث المجردين من حريتهم

تطرقت هذه الاتفاقية لموضوع إعادة تأهيل الحدث الضحية من خلال ما تم التنصيص عليه في المادة السابعة والتي أوجبت على الدول الموقعة عليها أن يتم إدراج هذه القواعد في تشريعاتها، وأن تعدلها وفقا لها، وأن تهيئ سبل إنصاف فعالة في حالة خرقها، بما في ذلك دفع التعويضات عندما يلحق الأذى بالأحداث.[44]

وهو نظام حديث أتت به هذه الاتفاقية، يقوم على أساس جبر الضرر اللاحق بالحدث الذي تعرض لاعتداء عن طريق تعويض عما لحق به من ألم واعتداء.

ثالثا: قواعد بكين النموذجية

عالجت هذه الاتفاقية موضوع إعادة إدماج الحدث الضحية من خلال المادتين 24 و26، حيث دعت الدول الأعضاء إلى توفير المسكن والتعليم والتدرب المهني والمساعدة بغية تيسير عملية إعادة تأهيل الأحداث سواء كانوا جانحين أو ضحايا اعتداء.

رابعا: الاتفاقيات الإقليمية

أهم هذه الاتفاقيات التي عالجت موضوع إعادة إدماج الحدث الضحية، نجد الميثاق الإفريقي الخاص بحقوق الطفل ورفاهيته لسنة 1990، الذي يدعو الدول الأعضاء إلى تقديم المساعدة اللازمة للطفل الضحية من جراء الاعتداء الذي تعرض له، بغية إصلاح ما ألم به جراء الجريمة التي تعرض لها.[45]

وفي نفس التوجه أكد ميثاق الطفل العربي لسنة 2001 الذي دعا إلى توفير الرعاية الصحية من الجانب الوقائي والعلاجي منها لكل طفل عربي.[46]

إلا أن السؤال الذي يبقى مطروحا حول ماهية التدابير المتحدث عنها بخصوص كفايتها لتأهيل الحدث (المجني عليه) أم أنها تتسم بالنقصان والمحدودية، وهذا ما سنحاول الحديث عنه من خلال الفقرة الثانية.

الفقرة الثانية: محدودية التدابير في إعادة إدماج الحدث الضحية

إن المواثيق الدولية عندما منحت القضاء دور إعادة تأهيل الحدث الضحية فقد أمنت منذ البداية بأنه لن يستطيع الوفاء لهذا الدور في غياب أجهزة اجتماعية وتربوية ومن تم سمحت للقضاء الاستعانة بالمساعدة الاجتماعية، وذلك من اجل الإحاطة بوضعية الضحية بشكل مفصل وتحديد التدابير المناسبة لإعادة تأهيله، كما وفرت له بنيات مؤهلة لاستقبال الأحداث الضحايا سواء كانت علاجية أم تربوية[47]، إلا أن هذا لا يكفي لترميم الصدع الذي أحدثته آثار الجريمة لدى الطفل ويمكن إرجاع هذا النقص إلى مجموعة من المعوقات أهمها:

  • عدم مسايرة التشريعات الجنائية الوطنية للدول للواقع الاجتماعي الذي يتحول باستمرار وبوثيرة سريعة أمام ما يعرفه المشهد الحقوقي العالمي في جميع المجالات لصالح جميع الفئات الاجتماعية وكذلك عدم مراعاة هذه التشريعات لخصائص الحدث الضحية، لا من حيث تأهيله اجتماعيا ونفسيا ولا من أجل تشديد العقاب على المجرم، مما يبرز أن حالة الضحية بعد ارتكاب الجريمة لا تهم المشرع الوطني إلا أثناء وقوع الفعل الإجرامي من حيث هل هو قاصر أم راشد؟!

ولا يهتم بعد ذلك بالآثار الجانبية التي خلفتها الجريمة على نفسية الضحية، تلك الآثار التي لا تظهر أعراضها إلا على المدى البعيد وبالأساس حين بلوغ سن الرشد الجنائي.[48]

فكثيرا ما يعمد بعض الأشخاص إلى ارتكاب بعض الجرائم التي سبق لهم أن تعرضوا لها في مرحلة الطفولة، ولعل أبرز مثال على ذلك قضية سفاح تارودانت الذي تعرض بدوره للاغتصاب في صغره.

ولتوضيح مدى محدودية التشريعات الجنائية لإعادة تأهيل الحدث الضحية نورد على سبيل المال، القرار الاستئنافي في عدد 8/2009 الصادر بتاريخ 3/3/2009 في الملف عدد 48/2008 من غرفة الجنايات الاستئنافية بفاس، بحيث تعرض قاصر لهتك عرضه بالعنف ولم تأمر المحكمة بأي إجراء من الإجراءات التي من شأنها إعادة تأهيل الضحية والمنصوص عليها في المواثيق الدولية خاصة اتفاقية حقوق الطفل، التي صادق عليها المغرب، وكذا باقي الاتفاقيات الأخرى وهو ما يشكل حيف في حق الطفل الضحية.

خاتمــة:

إن تحقيق الحياة الصحيحة والسليمة بما في ذلك تحقيق الكرامة المرتجاة للطفل، وتوفير البيئة الآمنة من تغذية جيدة وصحة وتعليم ورعاية من الإيذاء والاستغلال والعنف والصراعات المسلحة… هي أهداف قابلة للتحقيق… وفي متناول المجتمع العالمي…

ومنه فالمسؤولية الأساسية التي تقتضيها حسن الرعاية هي على عاتق الجميع في كل بلد وهيئة ومنظمة، وحتى على الأفراد أي توفير موارد جديدة وإضافية على كل الأصعدة.

ويعد التقييم المتواصل لاحتياجات الأحداث وكذا الاتجاهات ومشاكل الجناح من أجل إقامة نظام أكثر فعالية وإنصافا، وكذلك استفادة الأحداث من الترتيبات التي تستهدف مساعدتهم على العودة والاندماج في المجتمع.

هنا تبرز أهمية استخدام البحوث كأساس لانتهاج سياسة متنورة لقضاء الأحداث الذي يعتبر آلية هامة لضمان جعل الممارسات المتبعة في هذا المجال مواكبة لخطوات تقدم المعارف، ومواصلة تطوير وتحسين حماية الأحداث وحسن تأهيلهم وإدماجهم.


[1] محمد عبد الشافي إسماعيل: “الحماية الجنائية للحمل المستكن” دار المنار 1996، ص 9.

[2] محمد عبد الشافي إسماعيل: مرجع سابق، ص 9.

[3] مختار أبي بكر الرازي: “مختار الصحاح”، مطبعة الكلية بالسكة الحديدية، مصر الطبعة الأولى 1329هـ، ص 89.

[4] حنان واطسي: “إعادة إدماج الحدث الجانح مؤسسة محمد السادس نموذجا”، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المتخصصة في القانون الخاص، ص 5.

[5] اتفاقية حقوق الطفل اعتمدت وعرضت للتوقيع والتصديق بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 44/25 المؤرخ في 20 نونبر 1989 تاريخ بدء التنفيذ 2 شتنبر 1990.

[6] كما صنف نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية جريمة نقل أطفال الجماعة عنوة إلى جماعة أخرى ضمن جرائم الإبادة الجماعية، وأعطى للمحكمة ولاية قضائية على جرائم تمس الأطفال خاصة وهي: الإبادة الجماعية عن طريق نقل الأطفال وجريمة الاتجار بهم وتجنيد الأطفال أو استخدام الجنود الأطفال في الصراعات المسلحة.

[7] تقرير مقدم من السيدة نجاة معلا مجيد، المقررة الخاصة المعنية بمسألة بيع الأطفال وبغاء الأطفال واستغلالهم في المواد الإباحية، إلى مجلس حقوق الإنسان الدورة 12، بتاريخ 21 يوليوز 2009.

[8] محمد يحيى مطر: “الجهود الدولية في مكافحة الاتجار بالبشر”، الجزء الأول، الرياض، 2010، ص 228.

[9] تقر المادة27 من ميثاق الطفل في الإسلام على أنه: “للطفل الحق في الحماية من جميع أشكال الاستغلال أو الانتهاك الجنسي، أو أي مساس غير قانوني بشرفه أو سمعته… وله الحق الحماية من الاختطاف والبيع والاتجار فيه”.

[10] مركز التوثيق والإعلام والتكوين في مجال حقوق الإنسان، المعايير الدولية لحماية الأحداث الجانحين، مارس 2002 مطبعة فضالة المحمدية، ص 35.

[11] مرجع سابق، ص 36.

[12] فتوح عبد الله الشاذلي: “قواعد الأمم المتحدة لتنظيم قضايا الأحداث”، دراسة مقارنة الأحداث العمرية، مؤسسة الثقافة الجامعية 1997، ص 97 وما بعدها

[13] مركز التوثيق والإعلام والتكوين في مجال حقوق الإنسان: مرجع سابق، ص 30.

[14] فتوح عبد الله الشاذلي: مرجع سابق، ص 75.

[15] مركز التوثيق والإعلام والتكوين في مجال حقوق الإنسان: مرجع سابق، ص 41.

[16] فتوح عبد الله الشاذلي: مرجع سابق، ص 87.

[17] المادة الأولى من مبادئ الرياض التوجيهية.

[18] فتوح عبد الله الشاذلي: “قواعد الأمم المتحدة لتنظيم قضايا الأحداث”، دراسة مقارنة الأحداث العمرية، مؤسسة الثقافة الجامعية 1997، ص 13.

[19] ابن منظور: “لسان العرب”، الجزء 1، دار المعارف، ص 77.

[20] توما جورج الخوري: “سيكولوجية الأسرة”، طبعة أولى دار الجيل بيروت، ص 18.

[21] المبدأ السادس من إعلان حقوق الطفل الصادر بتاريخ 20 نونبر 1959.

[22] المادة 17 من مبادئ الرياض التوجيهية.

[23] المادة 20 من الميثاق الإفريقي لحقوق ورفاهية الطفل لسنة 1990.

[24] المادتين الخامسة والسادسة من الميثاق العربي لحقوق الطفل لسنة 2002.

[25] محمد عابد الجابري: “قضايا التعليم بالمغرب” مجلة فكر ونقد العدد 24 سنة الثالثة، ص 28.

[26] المادة 26 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

[27] المادة 25 من اتفاقية الأمم المتحدة التوجيهية لمنع جنوح الأحداث.

[28] كوثر كيزى: “الحماية الدولية للطفل”، يحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة، سنة 2002/2003، ص 22.

[29] المادة 11 ميثاق الطفل العربي لسنة 2001.

[30] المادة الثالثة من مبادئ الرياض النموذجية.

[31] المادة 19 من اتفاقية حقوق الطفل.

[32] المادة 21 من الميثاق الإفريقي لحقوق ورفاهية الطفل لسنة 1990.

[33] المادة 17 من اتفاقية حقوق الطفل.

[34] المادة 32 من مبادئ الرياض التوجيهية.

[35] الشيخ بن عبد الله بن محمد البحبي: “قضاء الأحداث بين التدبير والعلاج”، منشورات وزارة العدل، جمعية نشر المعلومات القانونية والقضائية، ندوة السياسة الجنائية في الوطن العربي العدد الخامس 2006، ص 51.

[36] محمد عبد الله بن محمد اليحيى: مرجع سابق، ص 52.

[37] فتوح عبد الشاذلي: “قواعد الأمم المتحدة لتنظيم قضايا الأحداث”، مرجع سابق، ص 55.

[38] المادة 22 من اتفاقية بكين.

[39] المادة 25 من اتفاقية بكين.

[40] سعاد التيالي: “دور القضاء في حماية الأحداث دراسة مقارنة”، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، كلية الحقوق جامعة سيدي محمد بن عبد الله، بفاس، ص 348-349..

[41] نظيرة بوطابة: “حماية الحدث الضحية في إطار تشريعات دول المغرب العربي، تونس- الجزائر نموذجا”، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المتخصصة في قضاء الأحداث، بكلية الحقوق بفاس تحت إشراف ناصر المتيوي المشكوري، ص 64.

[42] محمد عبد الجواد محمد: “حماية الأمومة والطفولة”، م س، ص 76.

[43] المادة 39 من اتفاقية حقوق الطفل.

[44] المادة السابعة من اتفاقية الأمم المتحدة بشأن حماية الأحداث المجردين من حريتهم.

[45] المادة 17 من الميثاق الإفريقي لحقوق الطفل ورفاهيته لسنة 1990.

[46] سعاد التيالي: م س، ص 352.

[47] سعاد التيالي: م س، ص 352.

[48] نظيرة بوطابة: م س، ص 79-80.

إقرأ أيضاً

تأثير السجناء المرضى النفسيين على المؤسسات السجنية

تأثير السجناء المرضى النفسيين على المؤسسات السجنية The impact of mentally ill prisoners on prison …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *