الجهوية المتقدمة والسياسة الجبائية بالمغرب

422

الجهوية المتقدمة والسياسة الجبائية بالمغرب

محمد الصابري: طالب باحث في سلك الدكتوراه

جامعة محمد الخامس السويسي، كلية الحقوق سلا.

ترتب إشكالات “التنظيم الإداري” و “السياسة الجبائية” داخل أنساق مختلف دول العالم، في صدارة اهتمامات وانشغالات هيئاتها وبنياتها، وتكتسي مواضيعها أهمية كبيرة لدى مختلف مكونات المجتمع، من باحثين واقتصاديين وسياسيين ومهتمين بالمجالات القانونية والاقتصادية والاجتماعية، وذلك بالنظر لسعة امتداد وطبيعة قواعدهما، فكل أفراد المجتمع ومؤسساته، على اختلاف أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، هم في علاقة حتمية وجبرية مع الإدارة والضريبة.

ولما كان المغرب قد ولج تحديات الألفية الثالثة بافتتاح عدة أوراش هيكلية كبرى، شملت مختلف القطاعات والمجالات رغبة منه في تحقيق تنميته الذاتية، فقد جعل من ورش الجهوية المتقدمة في موقع الصدارة، فهو يحظى بأولوية واهتمام بالغ من قبل أعلى سلطة في البلاد، باعتباره من أهم الاوراش الاستراتيجية للدولة.

وإذ نحن هنا بصدد إثارة بعض التساؤلات والأفكار المرتبطة بهذا الورش الهام، وذلك في علاقته بالسياسة الجبائية، في إطار ما أضحى يعرف “باللامركزية الجبائية”، خاصة وأن الإصلاح الضريبي يشكل أهم محاور الإصلاحات المالية التي تباشرها المملكة مؤخرا، والتي جاءت بعد تحقيق مجموعة من الأرقام السلبية جعلت المالية العمومية في حرج شديد، خصوصا مع بلوغ عجز الميزان التجاري لمستويات مقلقة في السنوات القليلة الماضية، بعد أن كان يسجل فائض إلى حدود سنة 2008[1]. الشيء الذي استدعى مراجعة السياسة الجبائية للمملكة باعتبارها تغطي 72 % من نفقات الدولة[2].

وقد نظمت في هذا الإطار المناظرة الوطنية الثانية للإصلاح الجبائي يومي 29 و30 أبريل 2013[3]، التي من جملة ما خلصت إليه من توصيات، العمل على استحضار البعد الجهوي في السياسات الجبائية[4]، لما أضحت تحضى به الجهة من مكانة داخل مختلف الأنظمة السياسية[5]، وداخل التنظيم الإداري المغربي خاصة بعد التعديل الدستوري لسنة 2011[6]، ما جعلها قادرة على حمل رهان التنمية[7]، وهي بذلك وسيلة جديدة لفرض جبايات جهوية قادرة على تمويل الميزانية المحلية، والمساهمة في تحمل التكاليف العمومية إلى جانب الدولة المركزية.

ولا تخفى أهمية هذا المقترح وفائدته، فمراجعة السياسة الجبائية بالمغرب وإدخال المقاربة المجالية فيها يمكن أن تشكل دعامة في إطار ضمان الاستقلال الإداري والمالي الحقيقي للجماعات الترابية، إلى جانب دورها كموجه للتنمية للحد من الفوارق الجهوية وتصحيح الاختلالات المجالية. وبالتالي فإن السياسة الجبائية المعتمدة ستحدد بشكل كبير مدى نجاح تجربة الجهوية المتقدمة ببلادنا، كيف ذلك؟ هذا ما سنحاول بحثه من خلال تفكيك عناصر الترابط بين “الجهوية المتقدمة” و “السياسة الجبائية”، ما سيخول لنا فهم حدود تأثير المنظومة الجبائية على التنظيم الجهوي، وذلك أولا بفحص مكانة الجهة داخل المنظومة الجبائية بالمغرب[8] (المحور الأول)، حتى يتسنى لنا ثانيا الوقوف على حدود وإمكانية مساهمة هذه الأخيرة في إنجاح تجربة الجهوية المتقدمة ببلادنا (المحور الثاني).

المحور الأول: مكانة الجهة في السياسة الجبائية بالمغرب

تميزت السلطة الجبائية منذ القدم بكونها إحدى أوجه السيادة، لذلك فهي سلطة مركزية صرفة[9]، فالسياسة الجبائية المطبقة داخل الدولة تتحكم فيها الإدارة المركزية من أولها (بلورة السياسة) حتى نهايتها (تحصيل وتوزيع الجباية)، وإن كانت هذه المقاربة آخذة بالتراجع بالمغرب لصالح إعطاء أدوار أكبر للجماعات الترابية (الفرع الثاني)، لكن ذلك يبقى في حدود ضيقة جدا وبشكل محتشم، إذ يظل الطابع المركزي هو المهيمن على مختلف أوجه السياسة الجبائية (الفرع الأول)، ولعل هذا ما يعيق تطور نظام اللامركزية ويحد من فعاليته.

الفرع الأول: السياسة الجبائية بالمغرب وجه من أوجه السيادة (سياسة مركزية)

إن أول ما يطالعنا بصورة ملحوظة، عند الحديث عن اللبنات الاقتصادية التي تسنِد “المُلكَ” وتكفل قيامه قديما، هو الجباية، وذلك اعتبارا للأهمية التي تحظى بها في تنامي قوة الدولة وتطورها العسكري والاقتصادي. فالجباية وما يترتب عنها من عائدات مالية دافقة تضفي على الملك صبغة الوجود المادي الحقيقي. فالعصبية، وأي عصبية، حسب ابن خلدون لا يمكنها أن تنتقل من الإطار القبلي الضيق إلى مستوى “السلطنة” إذا هي افتقدت إلى إمكانية الاستئثار بالمجابي، التي يعتبر تحصيلها علامة على إذعان القبائل لسلطة نفوذها واعترافا بغلبتها وتفوقها. و”ليس الملك لكل عصبية وإنما الملك على الحقيقة لمن يستعبد الرعية ويجبي الأموال ويبعث البعوث ويحمي الثغور ولا تكون فوق يده، يد قاهرة”[10].

فالسلطة الجبائية قديما كانت تعبر عن ولاء الخاضعين لها، من قبائل وجماعات وأفراد، لسلطة الحاكم الذي يمثل الدولة المركزية[11]، فلم يكن ينازعه عن هذه السلطة إلا من أراد الخروج عن الطاعة أو الانسلاخ عن جسم الدولة[12]. إذ يعتبر حق سلطة التضريب حقا مطلقا للسلطة ذات السيادة في الدولة، وهي تمارس هذا الحق كتعبير عن سيادتها[13]، وكرمز لوحدة ترابها[14].

وقد نتج عن انقسام الفقه في تبريره ومحاولة إيجاد الأسس النظرية لاستفراد السلطة المركزية بالحق في فرض الضريبة، إلى إنتاج نظريتين:

النظرية العقدية: وتتأسس على فرضية وجود عقد ضمني بين الدولة من جهة، والأفراد من جهة أخرى، يلتزم الأفراد بموجبه بدفع أو أداء ما تفرضه عليهم الدولة من ضرائب ورسوم، مقابل ضمان هذه الأخيرة لأمنهم وممتلكاتهم.

نظرية التضامن الاجتماعي: تقضي بوجوب وضرورة مساهمة كل فرد، حسب قدرته، وفي حدود استطاعته، في تحمل الأعباء العامة التي تحددها الدولة، لما لها من سيادة وسلطان، بغض النظر عن المقابل المحصل عليه[15].

ورجوعا إلى الوثيقة الدستورية لسنة 2011 نجد أن المغرب، كدولة حديثة، لا زال يسير على نفس النهج، وإن لم ينص صراحة على أن السلطة الجبائية تعتبر من أوجه السيادة للدولة، فإن القراءة التركيبية لمنطوق فصول الدستور تؤكد ذلك، إذ لما كانت السيادة للأمة[16]، وكانت سلطة إحداث وتوزيع التكاليف العمومية (الأعباء الجبائية) مسندة للقانون وحده[17]، أي البرلمان، وباعتبار هذا الأخير ممثلا للأمة ومفوضا من قبلها لممارسة سلطاتها السيادية في مجال التشريع[18]، فإن السلطة الجبائية تعتبر من أوجه سيادة الدولة.

ونبسط ذلك أكثر وفق الشكل التالي:

  • لما كانت السيادة للأمة تمارسها بصفة غير مباشرة عن طريق ممثليها في البرلمان؛
  • وكان البرلمان صاحب السلطة التشريعية وهو من يشرع القوانين؛
  • وللقانون وحده إحداث وتوزيع الضرائب؛
  • فإن السلطة الجبائية أو التشريع الجبائي وجه من أوجه ممارسة السيادة داخل الدولة.

نفس الشيء نجده في تجارب دول أخرى، ففي فرنسا مثلا وبالرجوع إلى دستور الجمهورية الخامسة لسنة 1958[19]، نجد أن المشرع قد منح بمقتضى المادة 34 سلطة فرض الضريبة للبرلمان، فله تعود صلاحية وضع القواعد المتعلقة بالوعاء، النسب والأسعار، وكذا مساطر تحصيل الضرائب بمختلف أنواعها.

أما في إسبانيا فإن المادة 66 من الباب الثالث من الدستور الإسباني لسنة 1978[20]، تنص على أن الكورتيس العام، الذي يتكون من مجلس النواب ومجلس الشيوخ، يمثل الشعب الاسباني، وهو صاحب السلطة التشريعية في الدولة. ليأتي بعد ذلك وينص في المادة 133 من الدستور على أن الدولة فقط من تختص بالسلطة الأصلية لإنشاء الضرائب، دون سواها، بواسطة القانون.

وفي أمريكا: ينص دستور الولايات المتحدة الأمريكية[21] في الفقرة الثامنة من مادته الأولى على أنه، يتمتع الكونجرس[22] بسلطة فرض وتحصيل الضرائب والرسوم والعوائد والمكوس لتسديد الديون، … وتحقيق الرفاهية العامة للولايات المتحدة، مع مراعاة أن تكون جميع العوائد والرسوم والمكوس موحدة في جميع أنحاء البلاد[23]. قاطعا بذلك الطريق أمام الولايات ومنعها من اتخاذ المبادرة في سن التشريع الجبائي.

إذن فالسمة التي تميز السياسة الجبائية بالمغرب، على غرار تجارب مقارنة أخرى، هي ارتباطها بالسيادة، وما احتكارها من قبل السلطة المركزية المتمثلة في البرلمان[24]، وتحكمها في توجهاتها، إلا تعبيرٌ عن سلطة الدولة ومظهرٌ من مظاهر وحدتها.

والنظرية التي تبناها المشرع المغربي، لإضفاء الشرعية على الضرائب والرسوم التي تفرضها السلطة المركزية على الأشخاص الطبيعية والمعنوية داخل الدولة، كانت نظرية التضامن الاجتماعي، وهذا ما عُبِّر عنه في الفصل 40 من الوثيقة الدستورية لسنة 2011، الذي ينص على أنه: “على الجميع أن يتحمل بصفة تضامنية وبشكل يتناسب مع الوسائل التي يتوفرون عليها، التكاليف التي تتطلبها تنمية البلاد، وكذا تلك الناتجة عن الأعباء الناجمة عن الآفات والكوارث الطبيعية التي تصيب البلاد”.

نفس القواعد ترجمتها المنظومة الجبائية في نصوصها القانونية، وذلك بتكريسها للمبدأ الدستوري المتعلق بمركزية فرض الضريبة، مع أن هذه المنظومة منحت هامشا من الحرية التقريرية للمجالس التداولية[25] الخاصة بالجماعات الترابية، لتسعير وتحديد نسب بعضٍّ من رسومها، عن طريق قرارات جبائية، في إطار ما يسمح به القانون.

الفرع الثاني: محدودية سلطة الجماعات الترابية في اتخاذ القرار الجبائي

تتشكل المنظومة الجبائية المغربية من جباية وطنية، منظمة ومؤطرة أساسا بموجب المدونة العامة للضرائب[26]، وجباية محلية[27] منظمة بالقانون رقم 47.06 المتعلق بالجبايات المحلية[28]، وهذا اعتراف ضمني من المشرع بخصوصية الجباية المحلية، فقد عمل على تمييزها وفصلها عن الجباية الوطنية، ولئن كانت السياسة الجبائية الوطنية، مبدئيا وبصفة عامة، سياسة مركزية، لا تتدخل الجماعات الترابية في تشكلها وتنفيذها، فإن الأمر يختلف عند الحديث عن الجبايات المحلية.

ترسيخا للديموقراطية المحلية وعملا بالمقاربة التشاركية، فقد عمل المشرع المغربي على تخويل المجلس الجهوي ومجالس الجماعات الترابية الأخرى (العمالات والأقاليم والجماعات)، اختصاصات في مجال صناعة السياسة الجبائية وبلورة القرار الجبائي، وإن كانت هذه الاختصاصات غير مطلقة، مقيدة بنص، إذ ومن حيث المبدأ القرار الجبائي اختصاص حصري للجهاز التشريعي، والمجالس التداولية للجماعات الترابية لا يمكن لها أن تتدخل إلا في حدود ما خوله ورسمه لها القانون، وبذلك فإنه وبالرجوع إلى القانون رقم 47.06 المنظم للجبايات المحلية، نجد أن المشرع قد ترك هامشا من الحرية والاختصاص لهذه المجالس في تسعير بعض رسومها وممارسة السلطة التنظيمية[29]، لكن ذلك دائما في حدود ما سمح به القانون.

وبالرجوع الى النصوص القانونية المنظمة للجماعات الترابية بمختلف أصنافها، سواء القديمة منها[30] أو النصوص التنظيمية الجديدة[31] التي دخلت حيز التنفيذ[32] بعد الإعلان الرسمي عن نتائج الانتخابات الجهوية والجماعية ليوم 4 شتنبر 2015، وخاصة تلك المتعلقة بالجهة، نجد أنه من بين الاختصاصات التي اسندت للمجالس التداولية للجهات، دراسة الميزانية والتصويت عليها وكذا تحديد كيفية وضع أساس الرسوم والأتاوى ومختلف الحقوق المحصلة لفائدة الجهة وتحديد تعريفاتها وقواعد تحصيلها[33]، نفس المقتضى حافظ عليه المشرع في القانون التنظيمي الجديد رقم 111.14 المنظم للجهة إذ نص في مادته 98 على أن مجلس الجهة من جملة ما يتداول في شأنه، القضايا المتعلقة بالميزانية، وتحديد سعر الرسوم والأتاوى ومختلف الحقوق التي تقبض لفائدة الجهة في حدود النسب المحددة، عند الاقتضاء، بموجب القوانين والأنظمة الجاري بها العمل. وما استجده المشرع في هذا الإطار أنه مكن المجلس التداولي للجهة من إحداث أجرة عن الخدمات المقدمة وتحديد سعرها، الشيء الذي لم يكن متوفرا في إطار القانون رقم 47.96 المنسوخ[34].

غير أن هذا الاختصاص لا يمارس بإطلاقيته، كما أشرنا إلا ذلك قبلا، إذ يجب أن يراعي المجلس الجهوي الحدود الموضوعة له ولا يتجاوزها، كما يجب عليه استيفاء المسطرة المحددة قانونا. فما هي هذه الحدود وما هي الإجراءات المتبعة في ذلك؟

أولا: حدود ممارسة المجلس الجهوي لسلطة اتخاذ القرار الجبائي

حدد المشرع المغربي الرسوم المستحقة لفائدة الجهات في المادة الرابعة من القانون رقم 47.06 المنظم للجبايات المحلية وحصرها في ثلاثة رسوم وهي:

  • الرسم على رخص الصيد؛
  • الرسم على استغلال المناجم؛
  • الرسم على الخدمات المقدمة في الموانئ.

ولا يمكن للجهة (المجالس التداولية) أن تحدث أي رسم آخر[35]، فهي تستفيد فقط مما حدده لها القانون، إذ تنحصر سلطتها في تسعير الرسوم الغير محددة السعر من قبل المشرع. فباستثناء الرسم المطبق على رخص الصيد، الذي تم تحديد سعره بشكل نهائي[36]، فإن الرسمين الباقيين لم يقم المشرع بتحديد السعر والنسبة الخاصة بكل واحد منهما، وترك بذلك المجال للمجلس الجهوي أن يقوم بتحديد سعرهما وفق مقررات تتوافق وسياسة كل جهة على حدة.

وتستمد المجالس الجهوية، ومجالس الجماعات الترابية الأخرى، سلطة التدخل وشرعية اتخاذ المقرر الجبائي، من منطوق المادة 168 من القانون رقم 47.06، التي تنظم كيفية تحديد الأسعار بقرار (أي تسعير الرسوم)، إذ تنص مقتضيات فقرتها الأولى على أنه إذا لم ينص هذا القانون على أسعار أو تعريفات ثابتة للرسوم الواردة فيه، يتم تحديد هذه الأسعار والتعريفات بقرار يصدره الآمر بالصرف للجماعة الترابية المعنية بعد مداولة مجلسها. ذلك دون إغفال لمقتضيات القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية، التي تشترط لنفاذ المقررات مجلسها، المرتبطة بممارسة السلطة الجبائية، أن تخضع للمصادقة في إطار المراقبة الإدارية التي تمارسها السلطة المركزية[37].

إذن فسلطة التسعير هذه غير مطلقة وهي مقيدة بـ :

  • وجود إذن قانوني يسمح للجماعات الترابية باتخاذ المقرر الجبائي؛
  • التقيد بمعدلات التسعير الدنيا والقصوى التي حددها القانون[38]؛
  • مصادقة السلطة المكلفة بالمراقبة الادارية[39].

ثانيا: مسطرة إعداد واعتماد القرار الجبائي الترابي

يتم إعداد مسودة القرار الجبائي من طرف الآمر بالصرف، (المتمثل في رئيس المجلس الجهوي[40] على مستوى الجهة بعد التعديل الدستوري الأخير لسنة 2011، بعدما كان يضطلع بهذا الدور العامل مركز الجهة في ظل القوانين السابقة)، في حدود النسب القصوى والدنيا المحدد بالقانون، ثم يتم إيداع مشروع القرار لدى المجلس المعني بعد إدراجه في جدول الأعمال لتتم المصادقة عليه من طرف أعضاء المجلس التداولي، وبعد أن يحظى مشروع القرار هذا بقبولهم والتصويت عليه بالإيجاب، يتم إحالة المشروع على سلطة المراقبة الادارية قصد المصادقة عليه طبقا لمقتضيات المادة 115 من القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، فيصير المقرر نافذا.

أذن فما يلاحظ على السياسة الجبائية بالمغرب، أنها سياسة مركزية، وإن حاولت في إطار الإصلاحات الأخيرة مراجعة بعض من آلياتها، في أفق الانفتاح أكثر على الهيئات الترابية وإشراك ممثلي السكان بشكل حقيقي في صناعة السياسة الجبائية المحلية[41]، خاصة وأن المغرب قد أقبل على تجربة جديدة في إطار الجهوية الموسعة، ما يقتضي العمل على توفير سبل نجاحها.

المحور الثاني: نجاح الجهوية المتقدمة رهين بتحديث السياسة الجبائية بالمغرب

آمن مغرب الاستقلال بنظام اللامركزية منذ السنوات الأولى، قناعة منه بضرورة إشراك المواطنين والمواطنات في تدبير شؤونهم اليومية، عن طريق ممثليهم داخل مجالس الجماعات الترابية التي ينتمون إليها، وقد عرفت هذه الأخيرة عدة تطورات كان آخرها تبني نظام الجهوية المتقدمة كاختيار استراتيجي للبلاد يهدف النهوض بالتنمية المحلية ومنها الوطنية، وهو ما لن يستقيم دون تحقيق الاستقلال المالي والإداري لهذه الوحدات (الفرع الأول) وكذا معالجة إشكالية الفوارق الجهوية والتوزيع العادل للثروة (الفرع الثاني).

الفرع الأول: استقلال إداري ومالي حقيقي أساس نهوض الجهة بدورها التنموي

إن نهوض المجالس المنتخبة بأدوارها التنموية رهين باستقلاليتها الإدارية المرتبطة بالاستقلال المالي، إذ لا يمكن للجهة أن تشتغل بدون أن تتوفر على سلطة التصرف القانوني والوسائل المالية اللازمة لقيام هذا التصرف، فإذا كانت السلطات المحلية تعتمد على الإعانات والتحويلات من الإدارة المركزية، فإن هذا يجعل من اللامركزية والاستقلالية الممنوحة لها شكلية فقط.

ولتحقيق الاستقلالية الإدارية الحقيقية للمجالس الجهوية يتعين مراعاة المعايير الاقتصادية عند إنشاء هذه الوحدات الترابية، من أجل عدم خلق هيئات عاجزة ماليا تعتمد على إعانات الدولة المركزية، فتحديد اختصاصات وصلاحيات السلطات المحلية دون تحديد مصادر التمويل بشكل يضمن استقلاليتها المالية يبقى هذه الاختصاصات فارغة، ذلك أن النظم اللامركزية الأكثر فعالية هي التي تتمتع فيها هيئاتها الترابية بالموارد المالية الذاتية اللازمة لتمويل احتياجاتها، أي استقلالية التمويل المحلي.

والمثير للانتباه حسب الفقيه محمد اليعقوبي، أن الوسيلتين مرتبطتين بطريقة وثيقة. فالجهة التي تتوفر على الكفاءة القانونية للتصرف بدون وسائل مالية تصبح شخصا “قاصرا”، وإذا توفرت على الوسائل المالية الكافية دون سلطة التدخل القانوني ستصبح شخصا فاقدا للكفاءة، ويضيف الأستاذ أنه وفي إطار الجهوية المتقدمة، التي تبناها المغرب في الإصلاح الدستوري لـ 29 يوليوز 2011 بشكل رسمي، والتي تقتضي توسيع الجهوية بالتدقيق والتفصيل في الاختصاصات والنقل الإضافي لمهام أخرى ومنح صلاحيات جديدة إلى الجهات، يقضي، بقوة الأشياء، الرفع من الموارد المالية وإلا ستصبح الجهوية الموسعة مجرد كلام فارغ، وكل الملاحظين يتفقون على أن قضية الموارد المالية تعد أساس وجوهر الجهوية[42].

فما يعاب على التجربة المغربية هذا الازدواج والتناقض في النصوص، إذ من جهة نجد أن مختلف الوثائق الدستورية التي عرفتها المملكة (منذ الاستقلال مع دستور 1962 إلى غاية دستور 1996)، وكذا النصوص القانونية المنظمة لمختلف الهيئات الترابية، تعترف بالشخصية الاعتبارية للجماعات الترابية[43]، بمعنى توفرها على الاستقلال الإداري والمالي، غير أن نفس هذه النصوص والقوانين من جهة أخرى ترجع وتضع قواعد وأليات تحد من هذه الاستقلالية بل وتفرغها من محتواها، خاصة الشق المتعلق بالاستقلال المالي[44]، الذي بدونه ينتفي الاستقلال الإداري أيضا، فهما كمثل ركيزتين يقوم عليهما جسد اللامركزية ككل، ولن يتأتى له الوقوف على واحدة، وقطعا لن يتقدم.

إن استقلال المجالس الترابية في ممارسة اختصاصاتها، ليس استقلال عرضيا، لكنه استقلال أصيل يجد مصدره في القانون الدستوري[45]، غير أنه لا يكمن أن يكون هناك استقلالا حقيقيا، إلا إذا كان محميا ضد كل مس خاصة من قبل أجهزة الدولة، ومدافعا عنه ضد كل إضرار به سواء كان ذا طبيعة تشريعية أو تنفيذية، ومن تم يمكن حمايته سياسيا، من خلال ممثلي الجماعات الترابية في البرلمان، بحيث يمكنهم التعبير عن وجهات نظرهم، وما يتطلعون إليه خلال الجلسات والمناقشات البرلمانية، خاصة خلال اعتماد قوانين تهم الجماعات الترابية[46].

هذا ما يقتضي ضرورة العمل على توفير هامش حقيقي للجماعات الترابية للممارسة السلطة الجبائية، ومنحها المكانة الملائمة لها في السياسة الجبائية للدولة، باعتبارها الضامن لاستقلالية الجماعات الترابية في المستقبل المنظور، الشيء الذي سيمكنها من المساهمة في دفع عجلة التنمية، وفق مقاربة تشاركية تساهم فيها الدولة والجماعات الترابية جنبا إلى جنب.

وقد كانت اللجنة الاستشارية حول الجهوية المتقدمة قد أوصت في هذا الباب، بضرورة تنويع الجبايات المحلية وتعبئة الرسوم شبه الضريبية، والرفع من مداخيل الجبايات المحلية وتحسينها وملائمتها مع الجبايات الوطنية، من أجل التغلب على ضعف موارد الجهات[47].

ما يوحي بأن المشرع المغربي قد عمل بهذه المقترحات، في إطار القانون التنظيمي الجديد المتعلق بالجهة، فبمطالعة المادتين 188 و189 من القانون التنظيمي رقم 111.14، لا يسعنا إلا أن نتفاءل بمستقبل الجهوية بالمغرب، فيما يتعلق بالموارد المالية المخصصة لها، إذ تصت على أنه سترصد الدولة للجهات، بموجب قوانين المالية، بصفة تدريجية، نسبا محددة في 5 % من حصيلة الضريبة على الشركات، و5 % من حصيلة الضريبة على الدخل[48]، و%20 من حصيلة الرسم على عقود التأمين، تضاف إليها اعتمادات مالية من الميزانية العامة للدولة في أفق بلوغ سقف 10 ملايير درهم سنة 2021[49].

هذا بالنسبة لضرائب الدولة المخصصة للجهة، فإلى جانبها، ستستفيد الجهة من موارد أخرى جبائية وغير جبائية وهي:

  • حصيلة الضرائب والرسوم المأذون للجهة في تحصيلها طبقا للتشريع الجاري به العمل؛
  • حصيلة الأتاوى المحدثة طبقا للتشريع الجاري به العمل؛
  • حصيلة الأجور عن الخدمات المقدمة، طبقا لمقتضيات المادة 98 من هذا القانون التنظيمي؛
  • حصيلة الغرامات طبقا للتشريع الجاري به العمل؛
  • حصيلة الاستغلالات والأتاوى وحصص الأرباح، وكذلك الموارد وحصيلة المساهمات المالية المتأتية من المؤسسات والمقاولات التابعة للجهة أو المساهمة فيها؛
  • الإمدادات الممنوحة من قبل الدولة أو الأشخاص الاعتبارية الخاضعة للقانون العام؛
  • حصيلة الاقتراضات المرخص بها؛
  • دخول الأملاك والمساهمات؛
  • حصيلة بيع المنقولات والعقارات؛
  • أموال المساعدات والهبات والوصايا؛
  • مداخيل مختلفة والموارد الأخرى المقررة في القوانين والأنظمة الجاري بها العمل[50].

نية المشرع واضحة التوجه هنا، فهو يسعى إلى تنمية الموارد المالية للجهة، توسيعا وتنويعا، لكن القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهة، وإن أشار إلى ممارسة المجلس الجهوي للسلطة الجبائية، في إطار تسعير وتحديد نسب الرسوم والأتاوى التي تقبض لفائدة الجهة، فإن حدود ممارسة هذه السلطة تبقى مرتبطة بالقانون رقم 47.06 المنظم للجبايات المحلية حاليا، ويبقى التساؤل المطروح، مدى استعداد المشرع المغربي لتخويل المجالس الترابية المنتخبة لسلطة حقيقية في اتخاذ القرارات الجبائية؟ هذا ما سيجيبنا عنه الإصلاح الجبائي المحلي المرتقب.

إن السياسة الجبائية الترابية أو “اللامركزية الجبائية”، لا تنصرف فقط إلى ممارسة السلطة الجبائية وتوفير الموارد المالية للجماعات التربية، بتحقيق استقلاليتها المالية والإدارية، فهي بالإضافة إلى ذلك، تعمل على تصحيح الاختلالات المجالية ودعم المناطق الهشة للحد من الفوارق الجهوية، فلم بعد من الممكن في القرن 21 فصل السياسة الضريبية عن السياسات العمومية، المتعلقة بمواضيع التضامن ودعم الساكنة المعوزة واستراتيجية التغطية الاجتماعية[51]، فكيف يوظف المغرب سياسته الجبائية للحد من الفوارق الجهوية وتحفيز التنمية الترابية؟

الفرع الثاني: السياسة الجبائية وسيلة لتحفيز التنمية الجهوية وتوجيهها

تلعب الموارد المالية دورا مهما في تنظيم النشاط الجهوي وتدعيم تدبير الشأن العام، إذ تعد وسيلة لتمويل النفقات وإنتاج الموارد وتقديم الخدمات العامة[52]، وهي أساس التنمية، التي أضحى المستوى المحلي الحيز الأمثل لها، بعد ثبوت فشل التسيير المركزي للسياسات الاقتصادية في تنمية كافة الجهات بنفس الوتيرة وعلى قدم المساواة[53]، هذا ما جعل التفكير يتجه نحو منح حرية المبادرة للفاعلين المحليين باعتبارهم الأكثر فهما لخصوصيات الشأن المحلي والأكثر اطلاعا على هموم المواطنين والمواطنات والأقدر على خدمتهم.

ولهذا فقد أضحى اعتماد البعد الجهوي للسياسات العمومية، وتبني المقاربة الترابية في إنجاز البرامج والمخططات التنموية، الرهان الوحيد الكفيل بإدماج كافة الشروط التنموية، لتحقيق التنافسية الجهوية[54] والجاذبية اللازمة لجلب للاستثمارات، سواء الوطنية منها أو الأجنبية، خاصة مع الدور الذي تقوم به هذه الأخيرة في تحديد البنية الاقتصادية التي تأثر على الإنتاج والاستهلاك والتوزيع، فهي الركيزة الأساسية في البناء الاقتصادي للدولة[55].

وقد جاء رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وهو بصدد تقييمه للنظام الضريبي المغربي متبنيا لنفس التوجه، إذ أوصى بأنه: “يجب إعادة النظر في النظام المتبع لدينا في خلق الثروات وإعادة توزيعها، وفي قدرتنا على تنمية الطبقة المتوسطة والرفع من قدرتها الشرائية، وذلك بطريقة تضمن المزيد من الفعالية، ومن العدالة والانصاف الاجتماعيين. ولا شك أن النظام الضريبي يعد أحد أهم مكونات هذه الآلية، وأن أي تشخيص لحالته ولتطوره ينبغي أن يقاس بهذا المقياس”[56].

وتتعدد الوسائل والطرق التي يتم توظيفها للحد من اللامساواة على مستوى الاستفادة من ثروات الوطن بين مختلف مناطقه وجهاته، فاختلاف مستويات التطور والامكانيات الاقتصادية، من جهة إلى جهة ومن جماعة إلى أخرى، يؤثر على مستوى نمو هذه الاخيرة، ويبقى دور الدولة التدخل للحد من الفوارق التي تنتج عن هذا الاختلاف وتصحيحها، ولتلك الغاية، فإن السياسة الضريبية تعتبر أهم وسيلة في يد السلطة لتحقيق ذلك.

ورجوعا إلى التجربة المغربية في هذا الصدد نجد أن الدولة قد نوعت من أساليب تدخلها، عن طريق تبني سياسة جبائية متطورة، ذات تدخلات متنوعة لا يمكن حصرها جميعا في صدر هذا المقال، إذ سنشير إلى بعضها فقط وذلك وفق الترتيب التالي:

  • اعتماد سياسة التحفيزات الجبائية[57]؛
  • انشاء المناطق الحرة[58]؛
  • تبني سياسة جهوية في إنجاز الاستثمارات العمومية؛
  • اعتماد صناديق التضامن الجهوي، والتأهيل الاجتماعي[59]؛
  • إحداث مؤسسات ووكالات تنمية الأقاليم…

إذن فالسياسة المعلنة للدولة تروم إعادة توزيع الثروة قبل وبعد تحصيل العائدات الجبائية، بشكل متمايز، بحيث تستفيد المناطق الأكثر احتياجا بشكل أكبر من المناطق الأخرى وذلك عن طريق:

  • منح تحفيزات جبائية خاصة، استثنائية ومؤقتة، لبعض المناطق الأكثر فقرا وهشاشة، بغرض تطوير الأنشطة الاقتصادية والتجارية فيها ودفع النشاط الصناعي والخدماتي والفلاحي والسياحي … نحو مزيد من التطور، وذلك وفق استراتيجية مدروسة واضحة التصور والأهداف، تراعي الإمكانيات والاحتياجات الاقتصادية والبشرية والمجالية لكل منطقة وجهة مستهدفة.
  • اعتماد إجراءات أخرى بعدية، أي بعد استخلاص العائدات الجبائية، وذلك بتوظيف نسب من هذه الأخيرة لتحفيز وتوجيه التنمية الى المناطق الأكثر احتياجا وهشاشة، عن طريق انجاز استثمارات عمومية فيها، تستهدف بالأساس توفير البنى التحتية من طرق، وموانئ، ومطارات، وسدود، ومد لشبكة المياه والكهرباء، وبناء المرافق العمومية وتجهيزها، ما سيساعد المنطقة المستهدفة على الاندماج في التنمية، في إطار التضامن الترابي.

لكن التجربة أبانت عن عدم كفاية هذه الإجراءات إذ ظلت مجموع التدخلات التي تم تسجيلها دون تحقيق النتائج المرجوة، وهذا ما عبر عنه الخطاب الملكي الأخير بمناسبة عيد العرش[60] حيث ورد على لسان عاهل البلاد قوله: “رغم التطور الذي حققته بلادنا، فإن ما يحز في نفسي، تلك الأوضاع الصعبة التي يعيشها بعض المواطنين في المناطق البعيدة والمعزولة، وخاصة بقمم الأطلس والريف، والمناطق الصحراوية والجافة والواحات، وببعض القرى في السهول والسواحل.

إننا ندرك حجم الخصاص المتراكم، منذ عقود، بهذه المناطق، رغم كل المبادرات والمجهودات”.

خاتمة

إن التأسيس الدستوري للجهوية المتقدمة يعد رهانا استراتيجيا لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، واعتمادا لما للنظام الجبائي من ارتباط وثيق بتمويل السياسات العمومية ورسم معالم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فإنه لا بد من العمل بشكل موازي على مراجعة السياسة الجبائية وتطويرها، بهدف تمكين الجهة من الموارد المالية المستقلة اللازمة لإنجاز مشاريعها وبرامجها التنموية، أولا، وتوجيه التنمية إلى المناطق الأكثر احتياجا والأقل نموا في إطار التوازن والتضامن المجالي ثانيا، وذلك بهدف التقليص من الفوارق المجالية لتحقيق التنمية الجهوية المتوازنة وعبرها التنمية الوطنية الشاملة.

وقد عبر المغرب على رغبته في مباشرة إصلاح شامل وعميق لتنظيمه اللامركزي، ترجمه بتوفير بنية قانونية جديدة أكثر تقدما سواء من حيث الاختصاصات أو الموارد المالية والبشرية، في أفق استكمال باقي الإصلاحات، خاصة منها المتعلقة بالجبايات المحلية، والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الإطار حول مدى استعداد السلطات المركزية التنازل الفعلي عن اختصاصاتها لصالح الوحدات الترابية ومدى كفاءة أو قدرة الفاعل المحلي على تحمل المسؤولية؟ وبالتالي مدى كفاية هذه الاجراءات لضمان نجاح تجربة الجهوية المتقدمة؟

[1]  – وصل عجز الميزان التجاري لمستويات مقلقة بعد أن كان يسجل فائض بلغ إلى حدود سنة 2008 نسبة 0,4 % من الناتج الداخلي الخام، إذ تحول الوضع إلى تسجيل عجز متنامي منذ ذلك التاريخ ووصل إلى نسبة 6 % سنة 2011 ونسبة 7,3 % سنة 2012 ونسبة 5,4 % سنة 2013. ونتيجة لذلك ارتفعت نسبة المديونية من 41,1 % من الناتج الداخلي الخام سنة 2009 إلى حوالي 59,6 % سنة 2012 و63,5 % سنة 2013، أنظر التقرير الاقتصادي والمالي المصاحب لمشروع قانون المالية لسنة 2015، منشورات وزارة الاقتصاد والمالية، صفحات 89-90-97.

[2] – “النظام الضريبي المغربي: التنمية الاقتصادية والتماسك الاجتماعي”، تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي، إحالة الذاتية رقم 9/2012، ص 20.

[3]  – نظمت وزارة الاقتصاد والمالية المناظرة الوطنية حول الجبايات يومي 29 و30 أبريل 2013 بقصر المؤتمرات بالصخيرات.

[4]  – تم نشر توصيات المناظرة الوطنية الثانية حول الجبايات، المنظمة يومي 29 و30 أبريل 2013 بالمجلة المغربية للتدقيق والتنمية، عدد 36، طبعة 2013، صفحات من 34 إلى 51.

[5]  – معظم دول العالم في عصرنا الحالي يزداد اهتمامها بالمؤسسة الجهوية، كإطار ملائم للمساهمة في بلورة استراتيجية جديدة للتنمية، حيث نجد ألمانيا قد تبنت سياسة الجهة لتنظيم إداري وسياسي، في دستورها لسنة 1949، أما إيطاليا فقد تبنتها في دستور 1948، وإسبانيا في دستور 1978، حيث جعلت من الجهة العنصر الأساسي في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

[6] – نص الدستور المغربي لسنة 2011، صادر بتنفيذه الظهير رقم 1.11.91 بتاريخ 29 يوليوز 2011، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر بتاريخ 30 يوليو 2011.

[7]  – تزايد الاهتمام بنظام الإدارة المحلية (اللامركزية) بشكل ملحوظ في جميع الدول، وذلك لما له من خصائص ومميزات ضرورية للتنمية الاقتصادية المحلية. وقد أصبح هذا النظام مظهرا من مظاهر الدولة الحديثة، يهدف إلى توزيع بعض المهام على الإدارات اللامركزية، حتى يتسنى لها الجمع بين أسلوبي المركزية واللامركزية، هذا الجمع الذي يحقق التكامل والتوازن المنشود للحد من مخاطر المركزية من جهة، ويصحح مسار المركزية بإنشاء أشخاص قانونية محلية لامركزية، لها سلطة اتخاذ القرار في قضايا المواطنين، دون انسلاخ عن الإطار العام للدولة، أو الخروج عن الخط السياسي والقانوني المحدد لها من جهة أخرى.

[8] – سنكتفي في ثنايا هذا البحث بدراسة “للسلطة الجبائية” للجماعات الترابية، فيما يتعلق بصناعة القرار الجبائي الترابي، على أن تكون هناك دراسات أشمل تتناول السلطة الجبائية للجماعات الترابية ككل في قادم الابحاث.

[9] – راجع في ذلك توفيق الطاهر: “اتخاذ القرار الجبائي والعدالة الجبائية”، أطروحة دكتوراه في القانون العام، جامعة محمد الخامس كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال – الرباط، السنة الجامعية 2008-2009، ص 19.

[10] – الفقيه الإدريسي: “الجباية والمشروعية السياسية للدولة: التجربة السعدية نموذجا”، مقال منشور على الرابط الالكتروني: http://www.startimes.com/?t=6174655

[11]  – للمزيد من التوسع راجع في هذا الصدد أطروحة الدكتور فراج عادل، “القرار العام وبلورة السياسات العامة: مقاربة لسلطة الفاعلين في بلورة السياسة الضريبية”، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون العام، جامعة القاضي عياض – كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمراكش، السنة الجامعية 2005 -2006، خاصة صفات من 49 إلى63.

[12]  – فراج عادل، مرجع سابق، صفحات 60 و61.

[13]  – أنظر في ذلك، محمد شكيري، “القانون الضريبي المغربي، دراسة تحليلية ونقدية”، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مؤلفات وأعمال جامعية، الطبعة الثانية، عدد 59، طبعة 2005، ص 63.

[14] – راجع في ذلك: محمد على أدبيا: “إشكالية الاستقلال المالي للجماعات المحلية بالمغرب نحو مقاربة أكثر واقعية”، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة، عدد 29، الطبعة الأولى 2001، ص 229.

[15]  – راجع في ذلك، حماد حميدي، “المالية العامة”، الطبعة الأولى، مطبعة بني يزناسن وجدة، طبعة 2000، صفحات 213-2014-2015. عن حسن بريح – المصطفى خطاب، “مسلسل الإصلاح الجبائي المحلي وإشكالية الاستقلال المالي للجماعات الترابية”، سلسلة أريد أن أعرف 11، مطبعة النجاح الجديدة – الدار البيضاء، طبعة 2014، ص 51.

[16]  – ينص الفصل الثاني من الدستور المغربي في فقرته الأولى على أن: “السيادة للأمة، تمارسها مباشرة بالاستفتاء، وبصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها”.

[17]  – بنص الفصل 39 من الدستور على أنه: “على الجميع أن يتحمل، كل على قدر استطاعته، التكاليف العمومية، التي للقانون وحده إحداثها وتوزيعها، وفق الإجراءات المنصوص عليها في هذا الدستور”.

[18] – تنص الفقرة الأولى من الفصل 70 على أنه: “يمارس البرلمان السلطة التشريعية”.

[19]  – الدستور الفرنسي الصادر في 4 أكتوبر 1958 مع التعديلات التي لحقته، منشور في الموقع التالي مع نسخ مترجمة للغات الحية المختلفة (زيارة بتاريخ 3 يوليوز 2015):

http://www.conseil-constitutionnel.fr/conseil-constitutionnel/francais/la-constitution/la-constitution-du-4-octobre-1958/la-constitution-du-4-octobre-1958.5071.html

[20]  – الدستور الإسباني كما اعتمده الملك خوان كارلوس الأول أمام البرلمان يوم 27 دجنبر 1978، الجريدة الرسمية رقم 311-1 يوم 29 دجنبر 1978. مع التعديل الذي لحق مادته 13 في 27 غشت سنة 1992 (جريدة رسمية عدد 207 يوم 28 غشت 1992). ترجمه إلى اللغة العربية الحكومة الذاتية لقشتالة وليون.

[21]  – The Constitution of the United States of America, Done in Convention by the Unanimous Consent of the States present the Seventeenth Day of September in the Year of our Lord one thousand seven hundred and Eighty seven (17-09-1787).

[22]  – الكونجرس هو السلطة التشريعية في الولايات المتحدة الأمريكية ويتألف من مجلسين: أحدهما للشيوخ والآخر للنواب، أنظر الفقرة الأولى من المادة الأولى للدستور الأمريكي.

[23] – Article I, Section 8: « The Congress shall have Power To lay and collect Taxes, Duties, Imposts and Excises, to pay the Debts and provide for the common Defence and general Welfare of the United States; but all Duties, Imposts and Excises shall be uniform throughout the United States”.

[24]  – البرلمان وإن لم يكن وحده من الفواعل المتدخلة في صنع السياسات الجبائية، الا أن أمر إضفاء الشرعية على هذه الأخيرة يبقى ضمن اختصاصاته وسلطته المنفردة، وذلك عبر آلية التصويت التي تمر عبرها النصوص القانونية قبل شروع العمل بمقتضياتها.

[25]  – حسن بريح – المصطفى خطاب، مرجع سابق، ص 50.

[26]  – المدونة العامة للضرائب الصادر بتنفيذها الظهير رقم 1.06.232 بتاريخ 31 دجنبر 2006، الجريدة الرسمية عدد 5487 بتاريخ فاتح يناير 2007، مع التعديلات التي لحقتها بموجب قوانين المالية.

[27]  – عرف المغرب أول نظام جبائي محلي بعد الاستقلال في مطلع الستينيات من القرن الماضي وذلك بمقتضى الظهير رقم 1.60.121 الخاص بالرسوم المحلية في 23 مارس 1962، الجريدة الرسمية عدد 1580 في 6 ابريل 1962.

[28]  – قانون رقم 47.06 بتعلق بجبايات الجماعات المحلية، صادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.07.195 بتاريخ 30 نونبر 2007، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5583 بتاريخ 3 دجنبر 2007، ص 3734.

[29]  – من مستجدات دستور 2011 في المجال المتعلق بالجماعات الترابية أنه اعترف لهذه الأخيرة بممارسة -السلطة التنظيمية- بشكل صريح لأول مرة، على أن يكون ذلك في حدود مجالات اختصاصاتها، وداخل دائرتها الترابية، راجع الفقرة الثانية من الفصل 140.

[30] – المقصود هنا: القانون رقم 47.96 المنظم للجهة؛ القانون رقم 79.00 المنظم للعمالات والأقاليم؛ القانون رقم 78.00 كما تم تعديله بالقانون رقم 17.08 المتعلق بالميثاق الجماعي.

[31] – يتعلق الأمر بالقوانين التنظيمية التالية:

– القانون التنظيمي رقم 111.14 يتعلق بالجهات، صادر بتنفيذه الظهير رقم 1.15.83 صادر في 20 من رمضان 1436 (7 يوليو 2015) منشور بالجريدة الرسمية عدد 6380 بتاريخ 23 يوليو 2015، ص 6585؛

– القانون التنظيمي رقم 112.14 يتعلق بالعملات والاقاليم، صادر بتنفيذه الظهير رقم 1.15.84 صادر في 20 من رمضان 1436 (7 يوليو 2015) منشور بالجريدة الرسمية عدد 6380 بتاريخ 23 يوليو 2015، ص 6625؛

– القانون التنظيمي رقم 113.14 يتعلق بالجماعات، صادر بتنفيذه الظهير رقم 1.15.85 صادر في 20 من رمضان 1436 (7 يوليو 2015) منشور بالجريدة الرسمية عدد 6380 بتاريخ 23 يوليو 2015، ص 6660.

[32] – أنظر المادة 252 من القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات؛ المادة 222 من القانون التنظيمي رقم 112.14 المتعلق بالعمالات والاقاليم؛ والمادة 280 من القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات.

[33]  – أنظر البند الأول والرابع من المادة 7 القانون رقم 47.96.

[34] – تم نسخ القانون رقم 47.96 المنظم للجهة بموجب الفقرة الثالثة من المادة 252 من القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات.

[35] – لا يمكن إحداث أي رسم أو ضريبة إلا بالقانون وذلك تبعا لما ينص عليه الفصل 39 من الدستور المغربي لسنة 2015، ومجال القانون محفوظ للسلطة التشريعية.

[36] – حددت المادة رقم 115 من القانون رقم 47.06 سعر الرسم المفروض على رخص الصيد في مبلغ 600 درهم عن كل سنة.

[37] – حددت المادة 115 من القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهة السلطة الإدارية المختصة بالمراقبة الإدارية على الجهات في “السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية”؛

وفيما يخص العمالات والاقاليم فقد حددت المادة 109 من القانون التنظيمي رقم 112.14 سلطة المراقبة المختصة في “عامل العمالة أو الإقليم”؛

أما المادة 118 من القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات فقد حددتها في “عامل العمالة أو الإقليم أو من ينوب عنه”.

ونشير هنا إلى التعديل الذي أورده المشرع المغربي بخصوص الجماعات الترابية حيث تم الاستغناء عن مصطلح “الوصاية” وتعويضه “بالمراقبة الإدارية” وذلك لما يحمله الأول من انتقاص للأهلية القانونية التي تتمتع بها المجالس الترابية في تدبير صلاحياتها، هذا من حيث القاموس المفاهيمي المدرج إذ إن ذلك لم يغير في شيء بالنسبة لوجوب خضوع أعمال المجالس الترابية للمراقبة المركزية التي لا تزال قائمة.

[38] – يحدد سعر الرسم على استغلال المناجم ما بين درهم واحد وثلاثة دراهم عن كل طن مستخرج، حسب المادة 119 من القانون رقم 47.06.

أما بالنسبة للرسم عن الخدمات المقدمة بالموانئ فقد حدد المشرع نسبته الدنيا والقصوى في إطار المادة 123 من القانون رقم 47.06، والمتراوحة بين 2 % إلى 5 % من رقم الاعمال دون احتساب الضريبة على القيمة المضافة.

[39] – هذا فقد نص المشرع المغربي في البند السادس من الفقرة الأولى من المادة 115 من القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات على أنه لا تكون مقررات المجلس ذات الوقع المالي على النفقات والمداخيل، ولا سيما تحديد سعر الرسوم والأتاوى ومختلف الحقوق ..، قابلة للتنفيذ إلا بعد التأشير عليها من قبل السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية داخل أجل عشرين يوما (20) من تاريخ التوصل بها من رئيس المجلس. نفس المقتضى تنص عليه المواد 109 من القانون التنظيمي رقم 112.14 التعلق بالعمالات والاقاليم، والمادة 118 من القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجهات إذ لا تكون مقررات مجالسها المتعلقة بممارسة سلطة التسعير الجبائي قابلة للتنفيذ إلا إذا صادقت عليها سلطة المراقبة الادارية المختصة.

[40] – أنضر الفصل 138 من دستور 2011. والمادة 101 من القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات.

[41] – يبقى انتظار التعديل المرتقب الذي سيمس القانون المنظم للجبايات المحلية والاصلاحات التي يمكن أن يحدثها في مجال تخويل هامش أكبر للجماعات الترابية لممارسة السلطة الجبائية، خاصة فيما يتعلق بتحديد أسعار ونسب رسومها المحلية.

[42] – للاستزداد راجع في ذلك: محمد علي أدبيا، مرجع سابق.

[43] – أنظر الفقرة الثانية الفصل 135 من الدستور المغربي لسنة 2011؛ المادة الثالثة من القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات؛ المادة الثانية من القانون التنظيمي رقم 112.14 المتعلق بالعمالات والاقاليم؛ والمادة الثانية من القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات.

[44] – خاصة في ظل ما كان يعرف بالوصاية الإدارية التي أضحت في القوانين التنظيمية الجديدة للجماعات الترابية ترد تحت عبارة “المراقبة الإدارية”.

[45] – تنص الفقرة الثانية من الفصل 135 من دستور 2011 على أن: “الجماعات الترابية أشخاص اعتبارية، خاضعة للقانون العام، تسبر شؤونها بكيفية ديمقراطية”. كما ينص فصله 136 على أنه: “يرتكز التنظيم الجهوي على مبادئ التدبير الحر ..”.

[46]  – محمد علي أدبيا، مرجع سابق، ص 48.

[47] – أنظر تقرير اللجنة الاستشارية للجهوية، الكتاب الثالث: “الجهوية المتقدمة في خدمة التنمية الاقتصادية والاجتماعية”، صفحات من 52 إلى 57.

[48] – سترتفع نسبة الجهة من الضريبتين في إطار القانون التنظيمي الجديد للجهة إلى نسبة 5 % بعد أن كانت لا تتجاوز نسبتها 1 % في ظل القوانين السابقة.

[49] – أنظر المادة 188 من القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات.

[50] – أنظر المادة 189 من مشروع القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهة.

[51] – النظام الضريبي المغربي: التنمية الاقتصادية والتماسك الاجتماعي، تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي في إطار الإحالة الذاتية رقم 9/2012، ص27.

[52]  – الغيوبي الشريف، “الأسس القانونية والمقومات المالية للتنمية الجهوية”، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون العام، جامعة محمد الخامس-اكدال، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالرباط، السنة الجامعية 2002-2003، ص 154.

[53]  – نادية النحلي، “الجهوية المتقدمة في الدستور المغربي الجديد لسنة 2011″، مداخلة في إطار ندوة وطنية نظمتها التنسيقية الدولية لدعم الحكم الذاتي بالصحراء المغربية بجهة دكالة عبدة يوم 17 نوفمبر 2012 بالجديدة، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 107، نونبر – دجنبر 2012، ص13.

[54]  – Abderrazak Elhiri, « Attractivité et compétitivité des territoires, un impératif locale pour une performance globale », REMALD, N 104, mai-juin 2012, pp 115-134.

[55]  – أنظر في ذلك: عزيز صميم: “التحفيزات الجبائية بالمغرب”، منشورات السلسلة المغربية للعلوم والتقنيات الضريبية، العدد 3، مطبعة طوب بريس – الرباط، الطبعة الأولى 2013، ص 89.

[56]  – “النظام الضريبي المغربي: التنمية الاقتصادية والتماسك الاجتماعي”، تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي، مرجع سابق، ص 16.

[57] – ميثاق الاستثمار لسنة 1995.

[58] – يعتبر المغرب من الدول السباقة إلى تبني فكرة المناطق الحرة، إذ تم خلق أول منطقة حرة بمدينة طنجة سنة 1962 بموجب ظهير رقم 1-61-462 لسنة 1961.

[59] – الفصل 142 من دستور 2011.

[60] – الرباط 30 يوليو 2015.