الجهـوية المتـقدمـة بالمـغـرب بين التصور والدسترة والقانون

328

الجهـوية المتـقدمـة بالمـغـرب

بين التصور والدسترة والقانون

د. سعيد جفري

يطرح ورش الجهوية المتقدمة بالمغرب جملة من التساؤلات سواء على مستوى مساره العام الذي يجد مرجعيته السياسية في “الإرادة الملكية”، أو من خلال تطوره المرحلي من خلال التأطير التصوري بواسطة أعمال وتوصيات اللجنة الاستشارية للجهوية، أو من خلال التأطير الدستوري انطلاقا من المقتضيات الدستورية لدستور فاتح يوليوز 2011، أو من خلال التأطير القانوني بواسطة القانون التنظيمي المتعلق بالجهات.

  • الجهوية المتقدمة في تصور اللجنة الاستشارية للجهوية:

يقتضي التعرض لتصور اللجنة الاستشارية للجهوية، تناولا أوليا لصيغة ومكونات هذه اللجنة، ولعناصر التصور العام للجهوية المتقدمة التي وضعت أهم معالمه، وأيضا تناولا مواكبا للمقترحات الكبرى للتصور العام للجنة، في ارتباط ذلك مع ورش الجهوية المتقدمة.

  • اللجنة الاستشارية للجهوية

يمكن ربط إحداث اللجنة الاستشارية للجهوية بصورة مباشرة بالخطاب الملكي لثالث يناير 2010، والذي بالإمكان اعتباره الخطاب المؤسس للفلسفة العامة للجهوية المتقدمة بالمغرب، وللأهداف والمبادئ والمرتكزات المحددة لها. وهكذا، فإن ذات الخطاب سيعتد بداية بأهمية الورش الكبير للجهوية “الموسعة” ليس باعتبارها مجرد إجراء تقني وإداري، بل توجها حاسما لتطوير هياكل الدولة والنهوض بالتنمية المجتمعية.[1]

وقد تم الحرص في اختيار الأعضاء المشكلين للجنة على الخيار الوطني، كما تم الاعتداد في ذات الخيار بمبادئ الغيرة الوطنية على المصلحة العامة، والتنوع في المشارب والتكامل في الاختصاصات، والخبرة الواسعة بالشأن العام وبالخصوصيات المحلية، موكلا إليها مهمة إعداد تصور عام لنموذج وطني لجهوية متقدمة تشمل كل جهات المملكة، مع دعوة اللجنة للاجتهاد في إيجاد “نموذج مغربي- مغربي للجهوية” نابع من الخصوصيات الوطنية.[2]

وقد حدد الخطاب الملكي بمناسبة تنصيب اللجنة الاستشارية للجهوية، أربعة مرتكزات للتصور العام المزمع بناؤه للجهوية المتقدمة في نموذجها المغربي، وهي:

  • التشبث بمقدسات الأمة وثوابتها، في وحدة الدولة والوطن والتراب؛
  • الالتزام بالتضامن؛
  • اعتماد التناسق والتوازن في الصلاحيات والإمكانات، وتفادي تداخل الاختصاصات أو تضاربها بين مختلف الجماعات المحلية والسلطات والمؤسسات؛
  • انتهاج اللاتمركز الواسع.

واعتبر الخطاب السياسي أن الغاية المؤطرة للطموح الوطني بالنسبة لورش الجهوية، ستظل الارتقاء من جهوية ناشئة إلى جهوية متقدمة ذات جوهر ديمقراطي وتنموي؛ وهذه الغاية بقدر ما تضع السقف الأقصى لخيار الجهوية المتقدمة في نموذجها المغربي، بقدر ما تدفع إلى مساءلة العناصر الكبرى للتصور العام للجنة الاستشارية للجهوية.[3]

  • التصور العام للجنة الاستشارية للجهوية

بالإمكان الكشف عن الخاصيات العامة للتصور العام للجهوية المتقدمة في خلاصات تقرير اللجنة الاستشارية للجهوية، انطلاقا من الاستهلال الذي وضعته ذات اللجنة بخصوص المشروع المقدم؛ إذ ستعترف الخلاصات بأن مشروعها “يتطلع إلى بلورة الإرادة الملكية الرامية لتمكين المغرب من جهوية متقدمة، ديمقراطية الجوهر مكرسة للتنمية المستدامة والمندمجة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وبيئيا، تكون مدخلا لإصلاح عميق لهياكل الدولة من خلال السير الحثيث المتدرج على درب اللامركزية واللاتمركز الفعليين النافذين، والديمقراطية المعمقة، والتحديث الاجتماعي والسياسي والإداري للبلاد والحكامة الجيدة”.[4]

ومع استحضار الهدف العام للتصور والمبادئ الديمقراطية والحكامة الجيدة المتحكمين في مقاصده ومقوماته، فإن ثمانية عناصر ستشكل الخاصيات الكبرى للنموذج المغربي للجهوية وهي كالتالي:

نموذج جهوي ديمقراطي الجوهر؛ يعمل على التدبير الديمقراطي للجهة، لا من حيث تدعيم الديمقراطية التمثيلية، وتوسيع المشاركة النسائية ومشاركة المواطنين، وتطوير علاقات الشراكة مع النسيج الجمعوي والقطاع الخاص، وأيضا تقوية الاختصاصات التقريرية والتنفيذية للمجالس المنتخبة.

نموذج جهوي متناسق ومندمج؛ يبرز الجماعة الجهوية كشريك مميز للدولة، بإقرار صدارتها في ترسيخ ودمج تصورات ومخططات وبرامج باقي الجماعات الترابية الأخرى.

نموذج جهوي مدعم للاختصاصات؛ يعمل على تمكين الجماعات الجهوية وباقي الجماعات الترابية الأخرى من الاضطلاع بالاختصاصات المخولة لها.

نموذج جهوي مجدد للعلائق بين الدولة والجماعات الترابية؛ مبنية على الشراكة وعلى الإشراف والمراقبة المرنة عوض الوصاية.

نموذج جهوي مؤهل ومتضامن؛ عن طريق الدعوة إلى إحداث صندوق للتأهيل الاجتماعي وصندوق للتضامن الجهوي مع تقوية موارد الجهات بشكل ملموس.

نموذج جهوي وظيفي ومؤسساتي؛ يكرس للتنمية المندمجة على مستوى التقطيع الجديد لجهات المملكة؛ معتدا باعتبارات موضوعية مثل الوظائف الاقتصادية وأقطاب التنمية المندمجة والعلاقات والتفاعلات الحيوية الآنية والمستقبلية بين الساكنة المحلية، ومراعيا أيضا للإكراهات البيئية والتحديات المرتبطة بها.

نموذج جهوي تجميعي وبين-جماعي؛ وذلك بغرض تجنب الازدواجية العضوية للمجالس المنتخبة ولتطوير التجمع البيني للجماعات الترابية.

نموذج جهوي وطني في خياراته السياسية والمجتمعية؛ لا من حيث التدرج في المسار العام للامركزية والديمقراطية المحلية، ولا من حيث الفاعلين، وعلى قاعدة الاستشارات الموسعة لمختلف المعنيين.[5]

إن نموذج الجهوية المتقدمة كما جاء في التصور العام للجنة الاستشارية للجهوية، هو أنه نموذج ديمقراطي الجوهر، متناسق ومندمج، وداعم للاختصاصات ومجدد للعلاقات، ومؤهل ومتضامن، ووظيفي ومؤسساتي، يعتد بالأبعاد الذاتية الوطنية في خياراته السياسية والمجتمعية، وهي خاصيات بقدر ما تهدف إلى التكامل والتناسق في مكوناتها الذاتية والموضوعية، بقدر ما ستحاول تجسيد ذات الخاصيات من خلال مقترحات اللجنة الاستشارية للجهوية.

  • مقترحات التصور العام للجنة الاستشارية للجهوية

في ارتباطه بالخاصيات الثمانية الكبرى للتصور العام للجنة الاستشارية للجهوية، فإن المقترحات العامة لنموذج الجهوية المتقدمة ستحافظ على نفس التعداد الكمي مع تعديل في التراتبية الشكلية. وستهم المقترحات على التوالي الحياة الديمقراطية الجهوية، وتوزيع الاختصاصات وتمفصلها، وأدوار الجهات في التنمية المندمجة والموارد المرتبطة بها، والحكامة والمراقبة من طرف الدولة واللاتمركز الإداري، والتقطيع الجهوي الجديد، ثم التدابير الدستورية والتشريعية المواكبة لتفعيل المشروع المقترح. وهكذا، فإن مقترحات الجهوية المتقدمة في عرف اللجنة الاستشارية للجهوية ستنبني في محاورها الثمانية على العناصر التالية:

جهوية ديمقراطية الجوهر؛ تقوم على تقوية مبدأي التمثيلية والمشروعية الديمقراطية للمجالس الجهوية، وعلى اعتماد مقاربة النوع تشجيعا للنساء على ولوج الوظائف التمثيلية والمشاركة في تدبير شؤون الجهة، وعلى تنظيم مشاركة المواطنين والمجتمع المدني والقطاع الخاص في النقاش العمومي حول قضايا الجهة وكيفية تدبيرها.

جهوية موسعة ومتمفصلة الاختصاصات؛ تنبني على مقاربة منفتحة ومتدرجة وأحسن تمفصلا لاختصاصات الجهة في مجال التنمية المندمجة.

جهوية مكرسة للتنمية المندمجة؛ تنبني على مخطط ينهض بالمستوى الاجتماعي للجهات ولشروط تنميتها. ولهذه الغاية، يقترح إحداث صندوق للتأهيل الاجتماعي وآخر للتضامن الجهوي، مع قيام الدولة برصد المزيد من الموارد المالية للجهات.

جهوية بحكامة جيدة الأداء؛ تنبني على تعزيز القدرات التنفيذية والتدبيرية للجماعات الترابية، عن طريق تمكين المجالس الجهوية من “وكالات لتنفيذ المشاريع”، تكون تحث مراقبتها كفيلة بإمدادها بالدراسات التقنية وبإنجاز مشاريع الاستثمار الجهوية.

جهوية بنظام فعال للمواكبة والمراقبة البعدية؛ تنبني على إعادة النظر في المفهوم التقليدي للوصاية، وذلك بالحد من المراقبة القبلية ومن مراقبة الملاءمة، وتقوية التقييم والمراقبة البعدية، مع الحفاظ على المراقبة القضائية للشرعية.

جهوية مسندة بورش اللاتمركز الواسع؛ تنبني على ضرورة وضع ميثاق وطني للاتمركز بإمكانه تعزيز المجالس الجهوية ومجالس باقي الجماعات الترابية الأخرى بأجهزة إدارية حكومية، تتمتع على كل مستوى من هذه المستويات بهامش واسع من المبادرة والسلطات التقريرية الفعلية.

جهوية بتدابير دستورية وتشريعية مواكبة؛ تنبني على مبدأ التدرج.

جهوية بجهات جديدة ذات طابع مؤسساتي ووظيفي؛ تنبني على إبراز جهات “قابلة للاستمرار” متماسكة ومستقرة تقام على معايير الفعالية والتراكم والتجانس الوظيفي والقرب والتناسق والتوازن.

إن المقترحات الخاصة بالجهوية المتقدمة لم تخرج عن التصور العام للجنة الاستشارية للجهوية، باعتماد توجه مرجعي يجعل الجهوية المقترحة جهوية ديمقراطية الجوهر، موسعة ومتمفصلة الاختصاصات، ومكرسة للتنمية المندمجة، وبحكامة جيدة الأداء، وبنظام فعال للمواكبة والمراقبة البعدية، ومسندة بورش اللاتمركز الواسع، وبتدابير دستورية وتشريعية تعتد بمبدأ التدرج، وبجهات جديدة ذات طابع مؤسساتي ووظيفي. هذه المقترحات بالإمكان اعتبارها تجسيدا للتصور المرجعي الناظم لمشروع الجهوية المتقدمة، والذي سيستدعي إيجاد أهم عناصره المؤطرة في الوثيقة الدستورية المعتمدة، أي دستور فاتح يوليوز 2011.

  • الجهوية المتقدمة في دستور فاتح يوليوز 2011

انطلاقا من التصور العام للجهوية المتقدمة كما وضعته اللجنة الاستشارية للجهوية، فإن دستور فاتح يوليوز 2011 سيعمل من جانبه على التأطير الدستوري لهذه الأخيرة، من خلال المرجعية العامة التي ستدخل المصطلح في التنظيم الإداري اللامركزي المغربي، ومن خلال المقتضيات الدستورية الواردة في الباب التاسع من الدستور، والتي ستحاول التعاطي مع الجهوية المتقدمة من خلال المنظومة العامة للجماعات الترابية.

  • الجهوية المتقدمة ومرجعية دستور 2011[6]

بالإمكان الإقرار بأن دستور فاتح يوليوز 2011، قد عمل على دسترة الجهوية المتقدمة لا كمصطلح مرجعي بالنسبة للتنظيم الترابي الجديد إلى جانب كل من العمالات والأقاليم والجماعات، ولا كتنظيم مؤطر لذات الوحدات الترابية، بل سيعطي للجهات مكانة الصدارة بالنسبة لباقي الجماعات الترابية الأخرى.

كما أن التأطير الدستوري الجديد للجهوية المتقدمة، يجد أصوله المرجعية ليس فقط في المبدأ العام الموجه المنصوص عليه في الفصل الأول من الدستور، والذي يقضي بأن “التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لا مركزي يقوم على الجهوية المتقدمة”، وإنما أيضا وبالأخص في مقتضيات دستورية أخرى ومتعددة منصوص عليها في الباب التاسع من الدستور، والتي ستحظى فيه الجهات بالأولوية سواء على مستوى البنية والتسمية أو على مستوى المضمون والدور.

وهكذا، فإن حضور وأولوية المفهوم المرجعي للجهوية المتقدمة، سيطال البنية العامة للجماعات الترابية ومكوناتها وأصنافها، ولطريقة انتخاب مجالسها والمبادئ المؤطرة لها، ولدورها والاختصاصات المسندة إليها والموارد المالية المخصصة لها، وتبوؤها مكانة الصدارة بالنسبة للجماعات الترابية الأخرى خاصة في المجالات المعنية بذلك.

2-2-الجهوية المتقدمة ومقتضيات دستور 2011

تجد الجهوية المتقدمة مرجعيتها الدستورية في المقتضيات الواردة في الباب التاسع من الدستور المعنون “بالجهات والجماعات الترابية الأخرى”، وهو باب بالإمكان اعتباره الإطار الدستوري الناظم للتنظيم الجهوي الجديد، والذي يروم الدفع بنظام الجهات بشكل أكبر سواء على مستوى تكوين المجالس الجهوية أو تنظيمها أو الدور والاختصاصات الموكولة لها، أو آليات العمل والاشتغال الداخلي أو الخارجي الخاص بها.

وهكذا، وعلى المستوى التنظيمي، ومع الإقرار بمبدأ التصنيف الثلاثي للجماعات الترابية (جهات، عمالات وأقاليم وجماعات)، فإن الدستور سيقر بمستجد قاعدة انتخاب هذه الأصناف الثلاثة بالاقتراع العام المباشر. وهو توجه سيكرس لجانب من خيار الجوهر الديمقراطي للجهوية كما وضعه تصور اللجنة الاستشارية للجهوية، خاصة على مستوى طريقة الانتخاب بواسطة الاقتراع العام المباشر.[7]

أيضا، ومن أهم المستجدات المدخلة على التنظيم الجهوي والترابي الجديد، مبادئ قوية في التنظيم الإداري اللامركزي من قبيل التدبير الحر، الذي يدفع في اتجاه دعم حرية الجماعات الترابية، ومبدأ التعاون والتعاضد والتي سيعمل الدستور على تكريس آلياتها بواسطة صندوق للتأهيل الاجتماعي وآخر للتضامن بين الجهات، وأيضا مبدأ المشاركة من خلال تأمين مشاركة السكان في المواكبة العامة للتدبير المحلي، خاصة من خلال وضع آليات تشاركية للحوار والتشاور لتيسير مساهمة المواطنين والجمعيات في إعداد برامج التنمية وتتبعها.[8]

وإلى جانب تكريس دور الجهات في تفعيل السياسات العمومية وإعداد السياسات الترابية، فإن الدستور أدخل مستجدا على جانب كبير من الأهمية، وهو تعميم الصلاحيات التنفيذية على رؤساء مختلف أصناف الجماعات الترابية ومنحها للجهات، وهو وضع سيشكل تحولا نوعيا في التنظيم الجهوي الجديد قياسا بالوضع الذي كان عليه تنظيم الجهات في ظل القانون رقم 47.96، والذي كان ينيط هذه الصلاحيات بممثل الدولة على مستوى الجهات.[9]

على مستوى الاختصاصات، فإن الدستور اعتد بمبدأ على جانب كبير من الأهمية في توزيع وتوضيح الاختصاصات سواء بين الدولة والجماعات الترابية، أو بين المكونات الثلاثة لهذه الأخيرة وهو مبدأ “التفريع“، وهو مبدأ يعتد في إحدى مرجعياته الدلالية بأنه لا يجوز منح اختصاص معين للدولة، إلا إذا كان ذلك وبالنظر لخصائصه وإلى المصالح التي يهدف إليها، يمكن أن يمارس بشكل أفضل من طرف الجماعات الترابية وبحرية.[10] وبناء على ذات المبدأ، سيتم تمفصل اختصاصات الجهات إلى اختصاصات ذاتية واختصاصات مشتركة مع الدولة واختصاصات منقولة إليها من هذه الأخيرة.[11]

في الجانب المالي، فإن المقتضيات الدستورية ستقر بأن الجهات والجماعات الترابية الأخرى تتوفر على موارد مالية ذاتية وموارد مالية مرصودة من قبل الدولة. كما سيتم التنصيص دستوريا على أن كل اختصاص تنقله الدولة إلى الجهات والجماعات الترابية الأخرى، يكون مقترنا بتحويل الموارد المطابقة له.[12]

بالنسبة للمستوى الإداري الخاص بالتراتبية، فإن المقتضى الدستوري لم يسمح بجواز ممارسة جماعة ترابية الوصاية على جماعة أخرى، إلا أنه أقر في المقابل بمبدأ تبوأ الجهة مكانة الصدارة بالنسبة للجماعات الترابية الأخرى، خاصة في العمليات المتعلقة بإعداد وتتبع برامج التنمية الجهوية والتصاميم الجهوية لإعداد التراب، وهي مجالات يعترف تقليديا بأولويتها في الاختصاص الترابي الجهوي.[13]

هناك المستوى التعاوني ومستوى التعاضد، والذي إلى جانب الإطار المؤسساتي المنصوص عليه في الدستور بواسطة إحداث كل من “صندوق التأهيل الاجتماعي” و”صندوق التضامن بين الجهات”، فإن هذا المستوى تسمح المقتضيات الدستورية بخصوصه، بإمكانية تأسيس الجهات والجماعات الترابية الأخرى لمجموعات فيما بينها لتحقيق هدفي التعاون والتعاضد.[14]

  • الجهوية المتقدمة وورش اللاتركيز الإداري

في اطار المسعى الخاص بتطوير ورش اللاتركيز الإداري، عمد المشرع الدستوري خاصة بواسطة الفصل 145 من دستور 2011 إلى توزيع رباعي لصلاحيات ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم، أولاها صلاحية تمثيلية السلطة المركزية في الجماعات الترابية، وثانيها صلاحية العمل على تأمين تطبيق القانون وتنفيذ النصوص التنظيمية للحكومة ومقرراتها وسلطة المراقبة الإدارية، وثالثها صلاحية مساعدة رؤساء الجماعات الترابية وخاصة رؤساء المجالس الجهوية على تنفيذ المخططات والبرامج التنموية، ورابعها صلاحية القيام تحث سلطة الوزراء المعنيين بتنسيق أنشطة المصالح اللاممركزة للإدارة المركزية والسهر على حسن سيرها.[15]

وكما هو الشأن بالنسبة للتدبير الترابي الذاتي خاصة على مستوى الجهات، فإن التدبير الترابي الخارجي على مستوى مصالح اللاتركيز الإداري، يظهر أنه قد حقق تحولا نوعيا على مستوى الصلاحيات التمثيلية والتنفيذية والرقابية لممثلي الدولة. إلا أن هذا التحول النوعي سيؤطر من الناحية الدستورية صلاحيتي الولاة والعمال في علاقتهم المباشرة بموضوع اللاتركيز الإداري، وهما صلاحية المساعدة المقدمة لرؤساء الجماعات الترابية وخاصة رؤساء المجالس الجهوية، وصلاحية التنسيق المتعلقة بأنشطة المصالح اللاممركزة للإدارة المركزية، والتي يظهر أن اعتماد المصطلح الخاص بها قد يفتح المجال مجددا لتطوير ورش اللاتركيز الإداري بالمغرب.

ٳن الخاصية العامة للتأطير الدستوري للجهوية كما كرسته مقتضيات دستور 2011، ستعمل في المجمل على ايجاد المرجعية الدستورية لهذه الاخيرة ولأهم توجهات النموذج المغربي في المنظومة الجهوية؛ لا من حيث البنية والتسمية خاصة من خلال مقتضى الفصل الأول من الدستور، الذي سيعمل على الدسترة الفعلية لمصطلح الجهوية المتقدمة في التنظيم الإداري المغربي، ولا من حيث المكونات والأدوار والصلاحيات والإمكانات التي سيعترف بها دستوريا للجهات المغربية الجديدة، ليس في علاقة هذه الأخيرة بالدولة ولكن في علاقتها أيضا بالوحدات الترابية الأخرى.

  • الجهوية المتقدمة في القانون التنظيمي المتعلق بالجهات

كما أن دسترة الجهوية المتقدمة قد حاولت الوفاء لتصور واقتراحات اللجنة الاستشارية للجهوية، فإن تنظيمها القانوني سيسعى هو الآخر إلى تنزيلها الدستوري من خلال القانون التنظيمي حول الجهات، والذي حدد محاور ثمانية لعملية التنزيل، سنعمل على تجميع أهم عناصرها في محاور ثلاثة كبرى.[16]

3-1- القانون التنظيمي وتسيير شؤون الجهة: يكاد هذا الجانب في القانون التنظيمي المتعلق بالجهات يشكل أحد مداخل الأجرأة العملية للنموذج الجهوي الديمقراطي الجوهر، كما وضعت تصوره اللجنة الاستشارية للجهوية، وذلك من خلال اعتماد قاعدة الاقتراع العام المباشر والتصويت العلني بخصوص انتخاب وتنظيم وتسيير المجلس الجهوي والطرق الخاصة بعمل الهياكل المكونة له.

من جانب ثان، فقد تم العمل أيضا على تكريس مبدأ التدبير الحر في تسيير مجلس الجهة، وهو مبدأ يخول بمقتضاه لكل جهة في حدود اختصاصاتها سلطة التداول بكيفية ديمقراطية، وسلطة تنفيذ مقررات مداولاتها وقراراتها طبقا لأحكام النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل. إلى جانب ذلك، تم الحرص على الاعتداد بمقاربة النوع وإيلاء أدوار قانونية للمعارضة، كما تم الحرص أيضا على إيلاء القضاء الإداري والقضاء الاستعجالي حق التدخل والبت في الحالات التي تستدعي التدخل بما في ذلك حالة حل المجلس الجهوي.

3-2- القانون التنظيمي واختصاصات الجهة: بالاستناد ٳلى مبدأ التفريع تم التنصيص بخصوص اختصاصات الجهة على اختصاصات ذاتية واختصاصات مشتركة بينها وبين الدولة، واختصاصات منقولة إليها من هذه الأخيرة. وإذا كان الهدف العام من التنصيص على مثل هذه الاختصاصات هو العمل على تحقيق شروط التنمية الجهوية وإعداد التراب، فإن القانون عمل في ذات الآن على تبيان مجالات الاختصاص الذاتي للجهة خاصة في مجالات التخطيط والتنمية الجهوية وإنعاش الأنشطة الاقتصادية ومنها دعم المقاولات، وتطوير السياحة، وإحداث مناطق للأنشطة الاقتصادية، والتكوين المهني، وتنظيم النقل داخل الجهة، وبناء وتحسين وصيانة الطرق القروية غير المصنفة.

أما بخصوص الاختصاصات المشتركة والمنقولة، فقد تم اعتماد مبدأي التدرج والتمايز لبلورتهما في مجالات حددها القانون، سواء كمجالات مشتركة الاختصاص بين الجهة والدولة، أو كمجالات اعتد في تحديدها على آلية مبدأ التفريع بخصوص الاختصاصات المنقولة من الدولة إلى الجهة. وقد تمت الإحالة على مبدأ التعاقد كقاعدة لممارسة هاتين الطائفتين الأخيرتين من الاختصاص.

3-3- القانون التنظيمي ووسائل تدخل الجهة: لقد عمل القانون التنظيمي حول الجهات على تمكين الجهة على المستوى الإداري من هياكل وآليات للإدارة والتدبير، تتمثل في جانب أولي منها في “إدارة الجهة” التي ستتألف وجوبا من “مديرية عامة للمصالح” و”مديرية للشؤون الرئاسية والمجلس”؛ وفي جانبها الثاني فيما يعرف “بالوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع“، وهي عبارة عن شخص اعتباري خاضع للقانون العام يتمتع بالاستقلال الإداري والمالي، يختص بالأساس بتنفيذ مشاريع وبرامج التنمية التي يقرها مجلس الجهة؛ وفي جانبها الثالث “بشركات التنمية الجهوية“، وهذه عبارة عن شركات مساهمة يمكن للجهة ومجموعاتها ومجموعات الجماعات الترابية إحداثها أو المساهمة في رأسمالها مع شخص أو عدة أشخاص اعتبارية خاضعة للقانون العام أو الخاص. وتناط بهذه الشركات ممارسة الأنشطة ذات الطبيعة الاقتصادية التي تدخل في اختصاصات الجهة؛ وفي جانبها الرابع بصيغ “لآليات التعاون والشراكة” من قبيل “مجموعة الجهات” أو “مجموعة الجماعات الترابية“، وذلك إما بغرض إنجاز مشروع أو نشاط ذي فائدة مشتركة أو تدبير مرفق ذي فائدة عامة لمثل هذه المجموعات.

على المستوى المالي، وإلى جانب التنظيم القانوني لشروط إعداد وتنفيذ وحصر ومراقبة ميزانية الجهة، فقد عمل القانون على تمكين الجهة – وبصفة تدريجية – من موارد مالية جديدة، ستهم بالأخص تعديل نسب الاستفادة من  حصيلتي كل من الضريبة على الشركات والضريبة على الدخل (من 1% إلى 5% )، وإقرار نسبة استفادة في حدود 20% من حصيلة الرسم على عقود التأمين، إضافة ٳليى الاستفادة من اعتمادات مالية من الميزانة العامة للدولة في أفق بلوغ سقف مالي قد يصل إلى 10 ملايير درهم بحلول سنة 2021.[17]

ثلاث محطات أو بالأحرى ثلاث مقاربات أمكن رصدها في التأطير العام لورش الجهوية المتقدمة بالمغرب؛ أولاها التأطير التصوري لهذه الأخيرة، والذي انبنى من حيث المنطلق على مرتكز مرجعي سياسي رباعي الأبعاد – ممثلا في مبادئ الوحدة، التضامن، التناسق واللاتمركز الواسع-، من خلال الإرادة الملكية لخيار الجهوية المتقدمة، وانبنى من حيث المضمون على أبعاد ثمانية لذات الورش والمعتمدة بالأخص في اقتراحات اللجنة الاستشارية للجهوية على أساس مسعى يروم بناء جهوية ديمقراطية الجوهر، وموسعة ومتمفصلة الاختصاصات، ومكرسة للتنمية المندمجة، وبحكامة جيدة الأداء، وبنظام فعال للمواكبة والمراقبة البعدية، ومسندة بورش اللاتمركز الواسع، وبتدابير دستورية وتشريعية تعتد بمبدأ التدرج، وبجهات جديدة ذات طابع مؤسساتي ووظيفي.

أما التأطير الدستوري للجهوية المتقدمة، فإنه سيعمل على دسترة هذه الأخيرة من خلال إدخالها كمصطلح مرجعي في التنظيم الترابي اللامركزي المغربي، وأيضا إعطاء الجهة مكانة الصدارة بالنسبة لباقي الجماعات الترابية الأخرى. وقد اعتدت الوثيقة الدستورية باثني عشر عنصرا في المسعى التأطيري للجهوية المتقدمة، وذلك من خلال دسترة آليات وطرق تكوين المجالس الجهوية وتنظيمها والاعتداد بقاعدة الاقتراع العام المباشر؛ أو من خلال آليات التدبير والاعتداد بمبادئ التدبير الحر والتعاون والتضامن ومشاركة السكان؛ أو من خلال آليات التدخل في السياسات العمومية والترابية، أو آليات التنفيذ من خلال جعل رؤساء الجهات والمجالس الترابية الأخرى أجهزة تنفيذية لقراراتها ومقرراتها؛ أو من خلال الآليات التشاركية الخاصة بالحوار والتشاور لتيسير مساهمة المواطنين والجمعيات في إعداد برامج التنمية وتتبعها؛ أو من خلال آليات التدخل والاختصاص القائم على مبدأ التفريع، وكذا آليات التأهيل والتضامن بين الجهات؛ أو من خلال الآليات العلائقية بين الجماعات الترابية والجهة وتبوأ هذه الأخيرة مكانة الصدارة بالنسبة لها؛ أو آليات التعاون والشراكة، والدور الموكول لأجهزة اللاتمركز الإداري ممثلة في ولاة الجهات وعمال الأقاليم والعمالات.

التأطير القانوني للجهوية المتقدمة، حاول من جانبه أجرأة المقتضيات الدستورية الواردة في الفصل (146) من الدستور، من خلال هيكلة ثمانية الأبعاد تروم تنظيم الشروط الديمقراطية لتدبير الجهة لشؤونها، واختصاصات هذه الأخيرة، وصلاحيات مجلس الجهة ورئيسه، وإدارة الجهة وأجهزة تنفيذ المشاريع وآليات التعاون والشراكة، والنظام المالي للجهة ومصادر مواردها المالية، وصندوق التأهيل الاجتماعي وصندوق التضامن بين الجهات، وقواعد الحكامة المتعلقة بحسن تطبيق مبدأ التدبير الحر. هذه العناصر بقدر ما عملت على التنزيل الدستوري للمقتضيات الخاصة بالجهوية المتقدمة من حيث الشكل، بقدر ما قد تطرح إلى جانب ذلك جملة من الإشكالات الخاصة بمضمون الأسس العامة المرجعية للجهوية المتقدمة في ارتباطها بعنصري الديمقراطية والتنمية الجهوية، وأيضا المبادئ والعناصر الكبرى المشكلة لذات الورش كما هو الشأن بالنسبة لمبادئ التدبير الديمقراطي والتدبير الحر لشؤون الجهة، ووسائل العمل المادية والبشرية، وبالأخص ورش نظام اللاتركيز الإداري.

 

 

[1] – الخطاب الملكي ل 3 يناير 2010 بمناسبة تنصيب اللجنة الاستشارية للجهوية، “..واعتبرت الجهوية المبتغاة تحولا نوعيا في أنماط الحكامة الترابية، نتوخى منه أن يكون انبثاقا لدينامية جديدة للإصلاح المؤسسي العميق..”

[2] – الخطاب الملكي ل 3 يناير 2010، م س.

[3] – الخطاب الملكي ل 3 يناير 2010، م س.

[4] – اللجنة الاستشارية للجهوية، تقرير حول الجهوية المتقدمة، الكتاب الأول، التصور العام، ص 13.

[5] – اللجنة الاستشارية للجهوية، م س، ص ص 15-18.

[6] – ظهير شريف رقم 1.11.91 صادر في 27 من شعبان 1432 (29 يوليوز 2011) بتنفيذ نص الدستور، ج ر عدد 5964 مكرر، بتاريخ 28 شعبان 1432ه، (30 يوليو 2011)، ص ص 3600-3627.

[7] – الفصل 135 من دستور فاتح يوليوز 2011.

[8] – الفصل 136 والفصل 139 من دستور فاتح يوليوز 2011.

[9] – الفصل 138 من دستور فاتح يوليوز 2011.

[10] – تفسير صادر عن المجلس الدستوري الفرنسي، وذلك بمناسبة قراره الشهير.

-Décision du conseil constitutionnel 7 juillet 2005, n°2005-516 DC.

[11] – الفصل 140 من دستور فاتح يوليوز 2011.

[12] – الفصل 141 من دستور فاتح يوليوز 2011.

[13] – الفصل 143 من دستور فاتح يوليوز 2011.

[14] – الفصل 144 من دستور فاتح يوليوز 2011.

[15] – الفصل 145 من دستور فاتح يوليوز 2011.

[16] – ظهير شريف رقم 831.15. صادر في 20 رمضان 1436 (07 يوليو 2015) بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، الجريدة الرسمية عدد 6380 ، بتاريخ 6 شوال 1436ه، (23 يوليو 2015)، ص ص 6585-6625.

[17] – المادة 188 من ظهير شريف رقم 831.15. صادر في 20 رمضان 1436 (07 يوليو 2015) بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، م س.