الثورات العربية ما بين النظرية والتطبيق

210

الثورات العربية ما بين النظرية والتطبيق

بدر علي محمد الرمضاني

باحث في سلك الدكتوراه

جامعة عبد المالك السعدي

كلية الحقوق- طنجة

مقدمة

 

تمثل الظاهرة الثورية أحد الموضوعات التي شغلت تفكير العالم على مدى الزمان فقد عرف تاريخ البشرية نماذج متعددة لثورات مختلفة فرضتها ظروف الاستبداد والظلم والانحراف بأشكال متعددة؛ وأدت بشكل أو بأخر إلى تغيير معالم البناء السياسي والإجتماعي القائم في البلدان التي انفجرت فيها على نحو جذري وكامل؛ بيد ان الأمر اللافت هو انتشار هذه الظاهر التي تكررت كثيراً في عصور التاريخ المختلفة [1].

إن المداخل النظرية المفسرة لظاهرة الثورة بما هي موضوع يمكن أن يخضع للتحليل الابستمولوجية المتعدد، كل مدخل يقاربها من زاوية معين بحسب الموقع الأيديولوجي أو التخصص العلمي الذي يحتكم إليه؛ خاصة أنها تمثل نقطة تقاطع بين حقول علمية عديدة وانشغالات فكرية مختلفة[2].

أصبحت ظاهرة الثورة موضع اهتمام جل الباحثین في مجالي التاریخ والعلوم الإنسانیة، الذین قاموا بدراسة التجارب الثوریة، ابتداء من الثورة الفرنسیة سنة1789 ، باعتبارها نموذجا كلاسیكیا للثورة، وانتهاء بالثورات الدیمقراطیة في أوروبا الشرقیة والاتحاد السوفیتي في أواخر الثمانینیات وأوائل التسعینیات من القرن العشرین، مرورًا بالثورة الروسیة 1917 ، والثورة الإیرانیة 1979[3]  .

وبالنظر إلى التطورات التي تشهدها المنطقة العربیة نجد إنها تستدعى مجموعة من المفاهیم النظریة مثل مفهوم الثورة، ومثل هذه المفهوم بحاجة إلى مراجعة ومناقشة لدلالته وقیمته التحلیلیة.

ومن خلال المتابعة الدقیقة لحالة بعض دول الحراك العربي، التي نضج فیها هذا الحراك، نجد أن عملیة الثورة فيها تستهدف بالدرجة الأولى انهیار نظم سیاسیة قائمة وإعادة بناء نظم أخرى،  فالهدف هو إحداث تغییر ثوري في النظم السیاسیة وعدم قبول أي تجمیل للنظام، وفي هذا الإطار یحاول هذا الجزء معالجة ماهية الثورة باعتباره أحد طرق انهیار النظم السیاسیة، مع توضيح ما جاء به الفكر السياسي سواء الغربي أو الإسلامي في هذا المجال .

و عليه فإشكالية هذه الدراسة تتمثل ما هو الإطار النظري والواقعي لثورات الحراك العربي؟

ولمعالجة الإشكالية سنقوم بتفكيك هذه الدراسة إلى نقطتين:

أولا: ماهية الثورات

ثانيا: واقع الثورات العربية-اليمن وسوريا -نمودجا

أولا:مـاهية الثورات

تمركزت ظاهرة الثورة في مقدمة القضايا السياسية والاجتماعية التي لاقت اهتماما واسعا ضمن أجندة الأولويات في العديد من الدراسات العلمية، وعقب اندلاع ما عرف بالثورات العربية.غير أن “الثورة” كلفظ كلمة كثيرة الاستعمال ما جعل مسألة التحديد العلمي الدقيق لمفهومها أمرا  صعبا بالنظر إلى مختلف الإشكالات التي يطرحها هذا الأخير

وإن ضبط مفهوم للثورة أمر صعب جدا ، بسبب تنوع الفهم للمصطلح وتنوع إقترابات المفكرين منه ، كل حسب إيديولوجيته وحسب اختصاصه وسنسعى في هذا الاتجاه إلى عرض أغلب وجهات النظر . فنجد من يستخدمه للدلالة على تغييرات فجائية وجذرية تتم في الظروف الاجتماعية والسياسية، أي عندما يتم تغيير حكم قائم وتغيير النظام الاجتماعي والقانوني المصاحب له بصورة فجائية ، وأحيانا  بصورة عنيفة.

فنجد من يستخدمه للدلالة على تغييرات فجائية وجذرية تتم في الظروف الاجتماعية والسياسية، أي عندما يتم تغيير حكم قائم وتغيير النظام الاجتماعي والقانوني المصاحب له بصورة فجائية، وأحيانا بصورة عنيفة [4].

كما يستخدم المصطلح للتعبير عن تغييرات جذرية في مجالات غير سياسية كالعلم والفن والثقافة لأن الثورة تعني التغيير، واسُتخدم مفهوم الثورة بالمعنى السياسي في أواخر القرون الوسطى، كما يستخدم في علم الاجتماع السياسي للإشارة إلى التأثيرات المتبادلة للتغييرات الجذرية والمفاجئة للظروف والأوضاع الاجتماعية والسياسية [5].

فكلمة ثورة في اللغة العربیة، جاءت من الفعل یثور، ثار، ثورة. وتعني في الأصل الهیجان، أو اشتداد الغضب والاندفاع العنیف: ثار أي هاج، ثارت أعصابة أي فقد السیطرة على أفعاله. ومصطلح الثورة في اللغات الأجنبیة، مستعار من الفلك ویقصد به الدورة الكاملة لجسم متحرك حول محورة.

ولعل استخدام المصطلح في المجال السیاسي والاجتماعي، أكسبه معاني جدیدة، تفید التطور والنمو متضمناً الحركة والنشاطEvolution ، وإضافة  Re إلى ،Evolution جعلها تشیر إلى تجدد النمو والتطور والنشاط والحركة، وهذا یعني أن المصطلح صار یشیر إلى حالة تحدث ضد السكون وتوقف الحركة والتطور[6].

وللثورة تعریفات معجمیة تتلخص في تعریفین ومفهومین، التعریف التقلیدي القدیم الذي وضع مع انطلاق الشرارة الأولى للثورة الفرنسیة وهو قیام الشعب بقیادة نخب وطلائع من مثقفیه لتغییر نظام الحكم بالقوة. وقد طور الماركسیون هذا المفهوم بتعریفهم للنخب والطلائع المثقفة بطبقة قیادات العمال التي اسماهم البرولیتاریا.[7]

وعلى جانب أخر تعرف الموسوعة العربیة الثورة، بأنها “تغیر جوهري في الأوضاع السیاسیة والاجتماعیة في بلد معین، لا یتبع في أحداثه الوسائل المقررة لذلك في النظام الدستوري لذلك البلد”.

وتعرفها موسوعة علم الاجتماع بأنها: “التغییرات الجذریة في البني المؤسسیة للمجتمع، تلك التغییرات التي تعمل على تبدیل المجتمع ظاهریا وجوهریا من نمط سائد إلى نمط جدید یتوافق مع مبادئ وقیم وإیدیولوجیة وأهداف الثورة، وقد تكون الثورة عنیفة دمویة، كما قد تكون سلمیة، وتكون فجائیة سریعة أو بطیئة تدریجیة.[8]

والثورة – كما یتم تعریفها في قاموس شامبر الموسوعي للغة الإنجلیزیة- هي “تغییر شامل وجذري بعید المدى في طرق التفكیر وفعل الأشیاء.[9]

و قدم “أرسطو” مفهوم للثورة في كتابه “السیاسیة” أي أعطى “تصور مسبق” وهو أن النظام القائم نفسه هو الذي أدى لهذه الثورة، وهذا ما حدث في دول الربیع العربي، ویقول: “إن أنماط الحكم كلها معرضة للثورة، بما فیهما نمطا الحكم الأساسیان وهما: الأولیجارشیة والدیمقراطیة وأنهما عناصر من العدالة ولكن كلا منهما یصبح معرضاً لخطر الثورة عندما لا یتلائم نصیب الحكام أو الشعب من الحكم ، مع أي من عوامل أخرى لقیام الثورة، ویرى بأن تصورهم المسبق عنه…”[10].

ویعرف مایكل روسكن وروبرت كورد – في كتابهما مقدمة في العلوم السیاسیة- الثورة بأنها عملیة ستؤدي إلى تغيير جذري للنظام السیاسي، بما یؤدي للإطاحة بالنظام القدیم والنخبة التابعة له[11].

ویقول خیر الدین حسیب أن المعنى الدقیق للثورة یصف مجمل الأفعال والأحداث التي تقود إلى تغیرات جذریة في الواقع السیاسي والاقتصادي وأیضا الاجتماعي لشعب أو مجموعة بشریة ما، وبشكل كامل وعمیق، وعلى المدى الطویل، ینتج منه تغییر في بنیة التفكیر الاجتماعي للشعب الثائر، وفي إعادة توزیع الثروات والسلطات السیاسیة. [12]

وتعرف ناهد عز الدین الثورة، على إنها مقدمة لعملیة تغییر جذریة شاملة، تستتبع إعادة صیاغة كاملة لكل العلاقات والتوازنات التي سادت بین فئات المجتمع وطبقاته وشرائحه، بما یسفر عن صعود جماعات، وهبوط أخري، وإعادة رسم الخرائط المجتمعیة، وتصحیح الاختلالات لمصلحة البعض الذین قامت الثورة من أجل إنصافهم واسترداد حقوقهم، أو حتى فرز خریطة ومساحات جدیدة تماما لانتشار القوة السیاسیة، وإعادة التوزیع لمصادرها وركائزها علي نحو مختلف.[13]

وكما ترى أمل حمادة أن الثورة عملیة تحول مجتمعي وسیاسي واقتصادي، وترى في نخبتها الجدیدة غیر المركزیة وغیر الأیدیولوجیة وغیر المؤسسة فرصا أكبر في مشاركة الجماهیر في اختیار نظامها الجدید[14].

ولذلك من الصعوبة أن نضبط مفهوم للثورة، بسبب تنوع الفهم للمصطلح وفق تصور المفكرین كل حسب إیدیولوجیته أو اختصاصه ولذلك سنسرد عدة وجهات نظر. فنجد من یستخدمه للدلالة على تغییرات فجائیة وجذریة تتم في الظروف الاجتماعیة والسیاسیة، أي عندما یتم تغییر حكم قائم وتغییر النظام الاجتماعي والقانوني المصاحب له بصورة فجائیة، وأحیانا بصورة عنیفة[15].

ویعرف “كرین برینتن” الثورة في كتابه “دراسة تحلیلیة للثورات ” بقوله: “إنها عملیة حركیة دینامیة تتمیز بالانتقال من بنیان اجتماعي إلى بنیان اجتماعي آخر”، وأن الثورة فیما تتضمنه من معان أصبحت، عادة لا تعني شیئا أكثر من مرادف مؤكد “للتغییر” ویؤكد على التغییر المفاجئ الهائل[16].

ونجد “بیتر أمان” یقترب من المفهوم اقترابا آخر إذ یرى أنها: ” انكسار مؤقت أو طویل الأمد لاحتكار الدولة للسلطة یكون مصحوباً بانخفاض الطاعة [17]” .

وعرفها البروفسور “هاري ايكشتاين” في مقدمته عن الحرب الداخلية بأنها “محاولات التغيير بالعنف أو التهديد باستخدامه ضد سياسات في الحكم أو ضد حكام أو ضد منظمة”، ويراها برنتون أنها تغيير في الحكومة القائمة يتجاوز الحد القانوني ويكون عنيف عادة.

أما “يوري كرازين” فينظر لها بمنظار الأدبيات الماركسية في تحليل التطور الاجتماعي ويقول “إن معنى الثورة الاجتماعية ووظيفتها لا يمكن فهمها إلا حينما ننظر إلى تاريخ المجتمع على حقيقته كسلسلة متصلة من التشكيلات الاقتصادية – الاجتماعية، والثورة شكل من أشكال الانتقال من تشكيل إلى آخر، كما أنها قفزة من التشكيل الاقتصادي والاجتماعي البالي إلى تشكيل أكثر تقدماً، تكون الخاصية المميزة السائدة له ومضمونه السياسي هو انتقال السلطة إلى الطبقات الثورية ” [18].

وعرفها محرري مجلة فورشن في كتابهم الأخیر “أنه التغییر الدائم من نوع طیب أو “التقدم” أو النمو” بل یقصدوا ما كان “جیفرسون” یعنیه في رسالته إلى “صمویل كیرشیفال” سنة 1816: “أن تصحیح الأوضاع كل تسعة عشرة عاما أمرا مرغباً فیه”[19] .

والثورة أیضا كما یعرفها عزمي بشارة، تحرك شعبي واسع خارج البنیة الدستوریة القائمة، أو خارج الشرعیة، یتمثّل هدفه في تغییر نظام الحكم القائم في الدولة. والثورة بهذا المعنى هي حركة تغییرٍ لشرعیةٍ سیاسیةٍ قائمةٍ لا تعترف بها وتستبدلها بشرعیةٍ جدیدةٍ.[20]

ویرى البعض ان الفهم المعاصر والأكثر حداثةً للثورة هو التغییر الذي یحدثه الشعب من خلال أدواته “كالقوات المسلحة” أو من خلال شخصیات تاریخیة لتحقیق طموحاته لتغییر نظام الحكم العاجز عن تلبیة هذه الطموحات ولتنفیذ برنامج من المنجزات الثوریة غیر الاعتیادیة.والمفهوم الدارج أو الشعبي للثورة فهو الانتفاض  ضد الحكم الظالم. وقد تكون الثورة شعبیة مثل الثورة الفرنسیة سنة 1789 وثورات أوروبا الشرقیة سنة 1979 وثورة أوكرانیا المعروفة بالثورة البرتقالیة في نوفمبر 2004 أو عسكریة وهي التي تسمى انقلابا مثل الانقلابات التي سادت أمریكا اللاتینیة في حقبتي الخمسینیات الستینات من القرن العشرین، أو حركة مقاومة ضد مستعمر مثل الثورة الجزائریة. أما الانقلاب العسكري فهو قیام أحد العسكریین بالوثوب للسلطة من خلال قلب نظام الحكم، بغیة الاستئثار بالسلطة والحصول على مكاسب شخصیة من كرسي الحكم.[21]

إذن؛ كل التعريفات التي حاولت الاقتراب من مفهوم الثورة اتفقت على أنها نوع من التغيير الجذري والعميق؛ يستهدف اكتشاف الأخطاء وبناء علاقات سليمة مكانها، تشيع العدل وتصنع التقدم [22].

وهناك أربعة مفاهيم للثورة: مفهوم الثورة العلمية، مفهوم الثورة الصناعية، مفهوم تثوير الأخلاق والتقاليد، وأخيراً مفهوم الثورة السياسية.

يقول مؤرخ العلوم Dominque le Court ولد مفهوم الثورة العلمية مع تاريخ العلوم نفسها في القرن 18. عندئذ نزل مصطلح الثورة المستخدم في الفلك من السماء إلى الأرض (…). استخدم لأول مرة سنة 1727. إنها حقبة ثورة شاملة تقريباً في الهندسة، ثم انتشرت الكلمة بسرعة للحديث عن فيزياء نيوتن. وغدا شائعاً في دائرة معارف فلاسفة الأنوار. وأصبح لكل علم ثورته. يضيف: Le Court  الأصل الفلكي للمصطلح ظل راسخاً لأن الثورات أحداث قابلة للتكرار؛ بل هي دورية ترسم وتحقّب تاريخ العلوم وتاريخ الشعوب”. ويضيف لوكور مستعرضاً مفهوم الثورة العلمية في كتاب مؤرخ العلوم الألماني T. Kuhn في كتابه:   “بنية الثورة العلمية”، التغيير العلمي هو قطيعة بين نموذجين علميين وليس تقدماً تدريجياً وتراكمياً للمعرفة: الثورة العلمية هي تغيير الباراديجم Paradigme. (…)  الذي يحمل بعدين معرفي واجتماعي. علمياً؛ هو حلول المشاكل في علم ما، واجتماعياً يغطي مجموع المعتقدات والقيم المتعارف عليها والتقنيات التي تستخدمها مجموعة ما. والأزمات هي شرط مسبّق لظهور نظرية علمية جديدة كما يقول لوكور ؛ وسنرى عند الحديث عن الثورة السياسية أن الأزمة هي أيضاً شرط ضروري ولكن غير كاف للثورة [23].

مفهوم الثورة السياسية: إذا كان مفهوم الثورة في اللغات الأوروبية مستعاراً من دورة الكواكب حول نفسها بما فيها كوكبنا الذي ينجز ثورة كل 24 ساعة، فإنه في اللغة العربية مستعار من ظواهر الطبيعة والسلوك الانفعالي اليومي للإنسان نفسه. يقول “لسان العرب” في مادة ثار: ثار الشيء هاج، ثورة الغضب حدته، والثائر الغضبان. ويقال للغضبان أهيجَ ما يكون: وقد ثار ثائره وفار فائره إذا غضب وهاج غضبه. وثار إليه وثب. الثورة هي الهَيْج. ثار الغبار وثارت نفسه، إذا فارت واهتاجت [24]، واضح أن مفهوم الثورة في اللغة العربية هو وصف للتمرد الفردي أو الجمعي الانفعالي اليائس غير الحامل لأي مشروع مجتمعي، ولا لأي أمل في مستقبل أفضل. ومفهوم الثورة بهذا المعنى في لسان العرب، قاصر حتى عن وصف الثورة العباسية التي نقلت الحكم من تحالف القبائل القيسية، واليمنية الذي شكل القاعدة القبلية للخلافة الأموية، إلى تحالف الأرستقراطيتين العربية والفارسية والذي في ظله ازدهرت الحضارة العربية الإسلامية. لكن خارج هذا المثال اليتيم أو يكاد في المشرق لم تكن “الثورة إلا الهيج” كما وصفها ابن منظور[25] وهو وصف ينطبق أيضاً إلى حد كبير على جل تمردات الفلاحين الأوروبيين في القرون الوسطى التي لم تُسفر عن تغيير النظام القديم بنظام أكثر تقدماً وعدلاً؛ وإن كانت أحياناً جعلت ملوك الاستبداد، يخففون من الضرائب ومن وطأة استبدادهم السياسي. [26]

حدث تغيير نوعي في المفهوم النظري للثورة في عصر الأنوار، فغدا يعني التجديد السياسي والاجتماعي والديني والفكري وإلغاء الرق، لكن ليس ضد الملك بل أحياناً بالتحالف معه. وهو الاتجاه الذي قاده فيلسوف الأنوار كوندرسيه. ويبدو أنه عاد في القرن الـ 20 في “الثورة بلا ثوريين”. فالثورة عنده مرادفة للإصلاح، وهي ليست إلا قراراً شجاعاً يتخذه الملك المسنود من الرأي العام ومن هيئات تشريعية موثوقه. يبدو أن هذا المفهوم الإصلاحي للثورة حيث يكون الملك الفاعل الرئيسي للثورة، وليس ضحيتها، ظل متداولاً إلى عشية ثورة سنة 1789. كما تشهد دفاتر الشكوى التي كان الفرنسيون يناشدون بها الملك لويس السادس عشر لرفع المظالم عنهم بالقيام بـ “ثورة يرغب فيها كل الرغبة شعبك”. لكن المفهوم الثاني الذي ساد في فلسفة الأنوار، والذي كان فولتير رائده، والذي يعرّف الثورة بأنها إطاحة بالنظام القديم الذي فقد جميع إمكانياته الخلاقة لوضع أسس أكثر رسوخاً وعدلاً لنظام جديد يحل محله واعد بالتقدم. هذا هو المفهوم الجديد الذي أدخلته فلسفة الأنوار للحقل الفلسفي لأول مرة في التاريخ. في هذا المفهوم الراديكالي للثورة، لم يعد الملك صانع الثورة، بل بات ضحيتها. فهو لا يمثل التقدم أو يرمز إليه، بل الماضي الذي يعيق التقدم المنشود [27].

أنصار هذا المفهوم الثوري من المنورين تأثروا ولا شك بالثورة الإنجليزية “المجيدة” (1688 ـ 1689) والتي نال فيها الإنجليز “إعلان الحقوق” السياسية التي نظمت علاقة الملك بالشعب إلى الآن. وهكذا كانت “الثورة المجيدة” هي آخر ثورة عرفتها إنجلترا حتى الآن. وكان هذا سبب استقرارها الذي جعلها تتقدم اقتصادياً على فرنسا أم الثورات.

في هذا الإطار شهدت غالبیة المجتمعات عبر التاریخ انهیار العدید من أنظمة دكتاتوریة مختلفة، وأثبتت عدم قدرتها على تحدي الشعوب السیاسي والاقتصادي والاجتماعي على الرغم من أنه كان ینظر إلیها على أنها أنظمة وطیدة.

ونستخلص هنا أن التغییرات الشاملة للهیئة الحاكمة في أي بلد ما، وفي التكوین الأساسي وإلى حد ما في العادات الاجتماعیة والاقتصادیة والثقافیة والأنظمة، وجمیعها التي تعیش في ظلها الشعوب، والثورة الفرنسیة خیر دلیل على ذلك. إذن كل المفاهیم التي حاولت الاقتراب من تعریف الثورة اتفقت على أنها نوع من التغییر الجذري والعمیق یستهدف اكتشاف الأخطاء وبناء علاقات سلیمة مكانها، تشیع العدل وتصنع التقدم. وأما سبب الاختلاف في فهم المصطلح فیكون إما للاختلاف العقائدي أو لتباین التخصص العلمي.

وبعد أن طرحنا مجموعة من التعاریف المختلفة واستخدمنا لفظ “الثورة” والتي الصفة منها “ثوري” للدلالة على مجموعة من التغیرات المتباینة تصل لمعنى واحد لا یتغیر وهو الانقلابات الكبیرة التي حدثت في الماضي في مجتمعات سیاسیة كانت الأقرب للاستقرار وهي: الثورات الانجلیزیة في1688 ، والأمریكیة في1773 ، والفرنسیة 1789 وما تلاهم من ثورات. ونرى أن الثورة أداة تطور تاریخي للمجتمعات الإنسانیة، فهي حد فاصل بین النظام القدیم والجدید، وتحدث تغیيرا جذریا للبناءات السیاسیة والاجتماعیة والاقتصادیة وحتى الثقافیة، ویستهدف هذا التغییر إفراز منظومة تجسد مطالب الثوار وتحققها[28] .

إن مفهوم الثورة لا یقتصر على الجانب السیاسي مع التطور التاریخي، فقد أصبح من الشائع أن یطلق على أنماط أخرى كالثورة التكنولوجیة، أو ثورة الاتصالات، ثورة المعلومات، وعلى الرغم من كونها ثورات مادیة لكن معیار الثورة ینطبق علیها بدلالة النقلة العمیقة التي تحدثها على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والمعرفي للمجتمعات، وهي لا تقل أهمیة في تقدم وازدهار حیاة بعض الشعوب، والدلیل الثورة الفرنسیة والثورة الصناعیة اللتان كانتا من العوامل الحاسمة في تكوین المجتمع الأوروبي الحدیث. و یرى بشارة أن الثورات الحدیثة لا تشترك بشئٍ  يذُكر مع ما كان یسمى في التاریخ الروماني القدیم بأنه “الخصام الأهلي” كما لایمكن تشبیه الثورات وفق تعریف أفلاطون بأنها تحول شبه طبیعي في شكل  من أشكال الحكومة إلى شكل آخر، فهو تغیر تكراریا دائریا لا یأتي بجدید، وأن التغییر السیاسي یصاحبه العنف، والتغیر والعنف لیس من شأنهما الاتیان بشئ جدید، بید أن الثورات بحسب المفهوم القدیم یتقاطع مع التعربف الحدیث في الدور الكبیر الذي أدته القضیة الاجتماعیة في الثورات كلها[29] .

كما في الأدب السیاسي یشیر الاستعمال المعاصر لمفهوم الثورة (Revolution) هي حركة لا تقاوم  وهذا المعنى سهل على فلاسفة القرن 19 إدخالها في إطار الضرورات التاریخیة والقوانین، وهو فعل أیدیولوجي ولا علاقة له بالمنهج العلمي وكان النموذج الأول في أوروبا الثورة الفرنسیة، وعلى مراحلها ومصطلحاتها سار وفكَر الثوار اللاحقون في الثورات كافة. وكانت الثورة لها جمهورها من الفقراء والمحرومین والمهمشین التي قامت علیه حركات لها موقف طبقي ضد الارستقراطیة والذین انتجوا –  في الأصل- مفهوم الثورة بالمعنى الحدیث والتي بنیت علیه مفاهیم المواطنة[30].

فیما تقَدْم یشیر استعمال مفهوم الثورة إلى شقین، یتعلق الشق الأول: بنمط التغییرات الكبرى والجذریة التي تحصل في المجتمع نتیجة انتقال السلطة من طبقة اجتماعیة إلى أخرى، أو نشوء طبقات جدیدة كدلالة على وجود ثورة حقیقیة. في حین ینطبق الشق الثاني: من الاستعمالات المعاصرة لمصطلح الثورة على التغییر الجزئي -على نطاق صغیر- الذي یطال قشرة السلطة السیاسیة، حیث تتم الإطاحة بالحكام من مناصبهم واستبدالهم بآخرین، دون أن یتبع ذلك تغییر جذري على المستوى الاقتصادي، أو على مستوى منظومة القیم الاجتماعیة التي تسود المجتمع[31].

وینطبق ذلك على وصف طرد أسرة “آل ستیوارت” سنة 1688 من الحكم ونقل السلطة إلى ولیام وماري، جاء الاستخدام للمفارقة في وصف عودة السلطة إلى عائلةٍ كانت حاكمة، وبهذا المعنى فإن كلمة “ثورة”ب استخدامها هذا دل لت على تغییر انقلابي هو عودة السلطة إلى عائلة أي مجرد عملیة استبدال لحكام فقط. ویوصف التغییر الكبیر في الشق الأول -غالبا- بأنه ثورة مستوفیة للشروط، في حین یعتبر نطاق التغییر في الشق الثاني في حدود “الانقلاب”. كما یمكن قیاس المد الثوري بمدى التغییر الحاصل على ثلاث مستویات، سیاسیا ، واقتصادیا ، واجتماعیا ، وكثیرا ما یختزل مصطلح الثورة في شقها السیاسي بعملیة استبدال طاقم الحكم بآخر “التغییر السیاسي. [32]

وغالبا ما یقف النمط الأول من الثورات خلف “النقلات” التاریخیة الكبرى في حیاة الشعوب، وهي تحدث عبر آلیتین، إما عن طریق انعطافات حادة كالانتفاضات والكوارث والحروب، ویقول لینین في مقالته “انهیار الأممیة الثانیة” إن الثورة غیر ممكنة من دون حالة ثوریة تؤدي إلى ثورة ومن أهم عناصرها ازدیاد معاناة الطبقات المضطهدة حدة بشكل استثنائي وطبعا هذا الاعتبار كان قائما في روسیا بعد الحرب العالمیة الأولى، فهو یحصل غالبا بعد الحروب، وفي حالات الجفاف والمجاعات أو أن هذه الشعوب .أو الأزمات الاقتصادیة الحادة وبعد الكوارث الطبیعیة .

تكتسب المضمون الثوري لتطوره تدریجیا عبر تبنیها مناهج وأفكاًرا خلاقة، ترسم للمجتمع خطواته اللاحقة بصورة مدروسة، تتسم بالعقلانیة والواقعیة، تفضي عبر خاصیة التراكم إلى تقدم المجتمع وازدهاره عبر ترسیخ منظومة قیم جدیدة.[33]

وعند دراسة هذا النمط من التغییرات في المجتمعات المزدهرة حالیا نجد أن الطبقة المتوسطة تقف وراء هذا الإنجاز، فهي الطبقة الأكثر تأهیلا لإحداث نقلة حقیقیة نوعیة وكبرى في حیاة المجتمعات، ولكن بطریقة هادئة وتدریجیة. أما قدیما فتعود نظریة الطبقیة إلى “أفلاطون” و “أرسطو” بوصفها منهجا من مناهج الحكم. بینما ذهب المفكرون أمثال “ماركس” و “سمیث” و “فیبر” إلى استخدام الطبقة في تفسیر الصراع والتنافس الاجتماعي والاقتصادي، و “ماركس” أول من ربط الطبقة بالأیدیولوجیا عندما استند على أن الطبقة ركیزته للأیدیولجیة الماركسیة، وكان اهتمامه بالثورة والتغییر من خلال وسائل الانتاج، معتمدا على الفجوة بین طبقة من یملك ومن لا یملك في إحداث الثورة، وبذلك جعل “ماركس” من الطبقة أداة رئیسیة للتغییر والانتقال من مجتمع إلى آخر، حیث شكل مفهوم الطبقة المفهوم الرئیسي في عملیة التغییر على اعتبار أنها المحرك الأساسي للمجتمع[34] .

في الوقت ذاته، فإن الثورات والانقلابات التي تقوم بها قلة سواء من ضباط الجیش أو المناوئین، ورغم كل الشعارات الجذابة والبراقة التي یرفعونها في بدایة الأمر- كثیرا ما تنتهي إلى العكس، وتتحول هذه الأقلیات الأولیغاشیة إلى طغم حاكمة ومستبدة ودكتاتوریة. فإذا وصفنا النمط الأول من الثورات بالثورات العفویة والعاطفیة، والنمط الثاني بالانقلابات التي لا تتعدى استبدال نظام سیاسي بآخر، فبالإمكان أن نطلق على نمط الثورة التي تنجزها الطبقة المتوسطة “الثورة من الوسط أو الثورة العاقلة”[35].

وعلیه فإن الثورة كواقعة لا یمكن أن تحصل بصورة رومانسیة ما لم تستكمل عناصرها الحاكمة، فمن العبث أن نطلق علیها صفة ثورة، لأن الثورة تقوم على ثلاث ركائز أساسیة مهمة هي:[36]

أولا: الجدیة من خلال خطط عقلانیة لتجسید الفكر الخلاق للمفك رین. والتنظیم الناتج من المركزیة فهم یمثلون عصارة وضمیر شعوبه،م حیث أن الثورات تدشن تاریخا جدیدا .

ثانیا: نخبة تمتلك من المقدرات ما یمكنها من صنع القرار والتأثیر على الآخرین.

ثالثا: الارادة الواعیة والإلتزام بأهداف ومعتقدات الثورة والوضع المعنوي الممتاز للجماهیر .

إن من شأن توافر هذه العناصر أن یرتقي بإرهاصات الشعوب ومخاضها الثوري إلى مصاف الثورات الحقیقیة، فالفكرة والتنظیم والحاضنة كفیلة بصناعة الوقود الثوري اللازم، الذي لن تنفذ طاقته إلا بتحقیق الأهداف النهائیة والكبرى للشعوب الثائرة على واقعها الفاسد[37]. ومثال ذلك: الجماهیر في ظل الأولیغاركیة تقوم بالثورات عندما تتملكها فكرة أنها لا تعامل بشكل عادل، وتتملكها الفكرة كأفراد متساویین لأن لدیها شعورا مسبقا بأنها مأساوية ویفترض بالتالي أن یعامل أفرادها كأفراد متساوین[38].

 

ثانيا:واقع الثورات العربية-اليمن وسوريا -نمودجا

شهد العالم العربي؛ مجموعة من الثورات والاحتجاجات الشعبية، مطالبة بالإصلاح والتغيير. ولقد رفعت حركات الاحتجاج في الوطن العربي، شعاراً واحداً هو “التغيير”، وأصرت عليه؛ وتقدمت بسرعة كبيرة فاجأت بها الطبقة السياسية، وفاجأت بها كذلك الرأي العام العربي والعالمي.

ولا يمكن لأحد أن ينكر دور العوامل المادية والاقتصادية والاجتماعية، والوضع الإقليمي والدولي، في تحديد شروط إنفجار الثورات بالعالم العربي، وكيفية تطورها وما تنطوي عليه من نتائج. ولا شك أن استشراء الفساد، وتكريس الثروات بطرق غير مشروعة، والإيغال في سياسة الخصخصة تأتي في مقدمة العوامل.

فعلى مدار عقود طوال، نجحت نظم الحكم القمعية العربية في محاصرة وتفتيت قوى المعارضة السياسية التقليدية، وكذا القوى الاجتماعية المؤثرة كالنقابات المهنية والعمالية، والاتحادات الطلابية والجمعيات التمثيلية، وسط هيمنة شاملة وفاعلة على سلطتي البرلمان والقضاء، وهو ما أدى إجمالاً إلى إفقاد المجتمعات العربية طلائعها السياسية المحتملة، والتي كان يمكن لها أن توجه المد الثوري والاحتجاج الشعبي الذي تجاوزها. وقد اختلف الحراك العربي من قطر عربي إلى أخر؛ حيث أن بعض الدول وصل فيها الحراك إلى مرحلة الثورة بينما دول أخرى لم يخرج هذا النطاق عن حيز الاحتجاجات.

وعلى سبيل الحصر وللوقوف على أثر المتغيرات الإقليمية والدولية لموجة الثورات ، سنتناول الحالات الثورية في كل من سوريا واليمن كنموذجين.

  1. قراءة في الحالة السورية بين القاعدة والاستثناء

ضمن سلسلة الانتفاضات التي شهدتها الدول العربية ضد الأنظمة الدكتاتورية التي عانت منها لعدة عقود، شهدت سوريا في مارس 2011 انطلاق احتجاجات تقودها الأحزاب السياسية اليسارية والنشطاء والمثقفين الذين يعارضون السياسيات الاجتماعية والاقتصادية المتبعة والتي أدت إلى تدهور الأوضاع المعيشية[39].

فقد قام حزب البعث في ظل نظام الرئيس الراحل حافظ الأسد باحتكار الحياة السياسية ومصادرتها بالكامل واعتمد على أجهزة الاستخبارات، ونتج عن هذا الواقع انتشار الفساد والمحسوبية على نطاق واسع في السلطة. لكن حافظ الأسد استطاع ضبط عمل أجهزة الاستخبارات هذه في شكل لا يجعلها تتجاوز حدودها لرسم السياسة الخارجية التي بقيت حكرا عليه في إدارة التوازنات الإقليمية والدولية لمصلحة سورية.[40]

ولقد بدأت الأزمة في سوريا نتيجة تفاعل تراكمي لعوامل متعدد بعضها سياسي وبعضها الأخر اقتصادي واجتماعي، فقد بدأت الاحتجاجات الجماهيرية في سوريا كرد فعل عفوية على واقع محتقن بسبب جمود البنية السياسية والاستبداد الممنهج، من أجل تحقيق التغير في شكل السلطة من سلطة استبدادية إلى دولة تعددية لضمان تحقيق العدالة والمساواة وحق الأقلية في المشاركة السياسية الفاعلة[41] وتتمثل تلك العوامل في:

  1. شمولية النظام السياسي:

شهدت سوريا حصر السلطة بشخص الرئيس الذي منع التداول السلمي للسلطة نتيجة التعديلات التي أجريت على الدستور، فنرى أن الرئيس الراحل حافظ الأسد تمكن من الانفراد بالسلطة خلال ثلاثة عقود، وحكم سوريا حكماً فردياً مطلقاً معتمداً على الجيش والأمن بالدرجة الرئيسة، كما سيطر على مؤسسات الدولة وضم جميع الأحزاب السياسية باستثناء حزب البعث إلى الجبهة الوطنية التقدمية، كما عمل على تهميش الطبقة الوسطى من خلال ربطها بالأجهزة الأمنية المختلفة، الأمر الذي أسهم في تهميش الحياة السياسية، وتضخم دور الأجهزةً الأمنية التي أصبحت تصوغ الحياة السياسية، وكذلك تفشي الفساد وغياب دولة القانون الضامنة للحريات العامة[42] .

  1. غياب التوازن بين السلطات وهيمنة السلطة التنفيذية وشخصنتها:

إن أحد أبرز العوامل التي أسهمت في خلق وتعميق الأزمة البنيوية التي يعاني منها النظام السياسي السوري تتمثل في غياب التوازن بين السلطات، حيث تهيمن السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية، كما تقوم بدور واضح في تقليص استقلال السلطة القضائية، كما يمثل التفرد والاستبداد بالسلطة أحد الملامح الرئيسة للنظام السياسي؛ وذلك بسبب السلطات الدستورية الواسعة التي يتمتع بها رئيس الجمهورية سواء في ظل الظروف العادية أو الاستثنائية بحكم رئاسته لحزب البعث الذي يحتكر الحياة السياسية في سوريا، فإن الرئيس يسيطر على السلطتين التنفيذية والتشريعية ناهيك عن صلاحياته القضائية التي يخولها الدستور والقانون[43].

 

  1. توريث السلطة:

لقد طالب الشعب السوري إلغاء نظام توريث السلطة والتغير الجذري للنهج السياسي في السيطرة على الحكم، خاصة بعد أن أعد الرئيس الراحل حافظ الأسد جيداً لسيناريو توريث السلطة لابنه باسل أولا ثم بشار بعد مقتل أخيه باسل مبتدعا بذلك في العالم العربي تقليد تحويل الجمهوريات التداولية إلى جمهوريات وراثية، ونفذ ذلك بحكم سيطرة الدولة الأمنية التي يسيطر عليها من يلوذون به وذلك من خلال تدريبه ومنحه صلاحيات واسعة ومكرسا له سلطة الدولة وأجهزتها للترويج له وفرضه رئيسا، وقد قبل السوريون نظام التوريث بقوة ، أملين في أن يكون الابن مختلفا عن والده، لكن تولى بشار السلطة لم يشكل أي تغير ذي قيمة في مجمل الأوضاع التي رتبها الرئيس حافظ الأسد[44] .

  1. الاختناق المؤسساتي:

رافق الاختناق المؤسساتي استنزاف الحياة السياسية والحزبية وتهميش قطاعات كبيرة من المجتمع ومختلف القوى الفاعلة على الساحة السياسية وحرمانها من المشاركة بفاعلية في الحياة السياسية والاقتصادية بعد فقدان هذه المؤسسات قدرتها على التطور لتعبر عن تطلعاتها وإمكانياتها[45] ومما أسهم في تحقيق ذلك غياب الديمقراطية والحريات العامة والتوغل الأمني في تفاصيل حياة المواطن السوري وغياب قانون أحزاب ينظم الحياة السياسية والمشاركة المجتمعية في سوريا يترافق ذلك مع غياب قانون للانتخابات التشريعية، وكذلك الاعتماد على مبدأ الاستفتاء في الحياة الانتخابية[46].

  1. قوانين أنظمة الطوارئ:

طالب الشعب السوري إلغاء حالة الطوارئ المعمول بها بعد تولى حزب البعث السلطة منذ الثامن من 8 مارس 1963 ، والذي تم بموجبه تعليق العمل بالدستور وما رافقه من تفرد وسيطرة مطلقة على مؤسسات الدولة والمجتمع والعمل على إخضاعها وتطويعها لاستتباب نظامه. وفى سبيل ذلك لجأ إلى إسناد الوظائف المهمة في المؤسسات والوزارات إلى الأعضاء الموثوقين في حزب البعث دونما النظر لأهليتهم وكفاءتهم، كما جعل أجهزة الأمن وصية على أجهزة الدولة ومؤسساتها بما فيها التشريعية والتنفيذية ومؤسسات المجتمع المدني، الأمر الذي أدى إلى تدني كفاءة الإدارة وفاعليتها وحفز على الفساد وتجاوز القوانين والأنظمة، وتكريس ثقافة الولاءات والتماهي مع من يملك السلطة وكذلك  شكل عائقا أمام تطور هذه المؤسسات والمشاركة المجتمعية، وأدى إلى غياب الحريات وافتقاد المبادرة في المجتمع وعطل آلية الحوار المجتمعي، وساد ركود على حركة المجتمع وقدراته التطويرية[47].

كما تم المطالبة بإلغاء الماد الثامنة من دستور 1973 التي كرست دستوريا مبدأ الحزب القائد للدولة والمجتمع الذي يقوده جبهة تقدمية يوجهها حزب البعث وتدور في فلكه[48].

 

  1. تدهور الأوضاع الاقتصادية :

عانت القطاعات الاقتصادية كافة من الاضطرابات الإدارية بعد تحول حزب البعث للعمل بآليات السوق دون الاهتمام بتوفير شبكات الضمان الاجتماعي المرافقة لهذا التحول، الأمر الذي أفضى إلى تراجع في دور القطاع الاقتصادي العام وتقليص الإنفاق العام، ووقف الاستثمار الإنتاجي الحكومي. وتفويضه إلى القطاع الخاص، الأمر الذي أدى الى انتشار الفقر والبطالة المقنعة وضعف الإنتاجية، وارتفاع معدلات التضخم وعدم وجود عدالة في توزيع الثروة خاصة في المناطق الريفية [49].

وفق تقديرات سنة 2010 فإن حوالي 7مليون نسمة(34.3 %)  من إجمالي السكان أصبحوا تحت خط الفقر، كما انخفضت القدرة الشرائية بحوالي 28 بالمائة خلال العشر أعوام الماضية، وتدنت نسبة استهلاك القوى العاملة 16 ) مليون سوري ( إلى 24 % من الدخل الوطني، ويتبين من ذلك أن سوريا أصبحت مقسمة إلى قسمين؛ الأول قلة من الناس تسيطر على مقدرات الدولة الاقتصادية، والثاني هم معظم الشعب الذي يعاني الفقر ويعجز عن توفير المتطلبات الأساسية[50].

وحافظ معدل البطالة في سوريا والذي يقع دون المعدل الوسطي للمنطقة العربية، على مستوى مستقر يبلغ ما يقارب 8 % خلال الفترة الواقعة بين سنوات 2003 و 2010 بالمقابل احتل معدل البطالة بين الإناث في العالم سنة 2010 والذي كان بحدود 22 % المرتبة الثانية أعلى المستويات في الدول العربية كما بين تقرير التحديات التنموية في الدول العربية سنة 2010، غير أن البطالة المستقرة ترافقت بانخفاض هام في معدلات المشاركة في قوة العمل، وبضعف في معدلات خلق فرص عمل جديدة.[51]

  1. تراكم الفساد:

تراكم أخطاء النظام وعجزه عن تبني المشاريع الإصلاحية اللازمة للمحافظة على بنيته، ونجاح الطبقة المتوسطة في ترشيد السخط الشعبي، وتشكيل خطاب وطني يحقق المصلحة العامة بعد إلغاء دورها على مدار عقود في مجال التنمية السياسية، وأصبحت بلا وزن أو تأثير في الحياة السياسية[52] .

أما الجانب الآخر من الأحداث فكان له بعد إقليمي ودولي، إذ دفعت الأحداث في مصر، الولايات المتحدة إلى إعادة ترتيب الأوراق في المنطقة[53]، ما يحد من الضرر الذي يمكن أن يلحق بمصالحها الإستراتيجية في المنطقة.[54] فلم تتوضح أهداف الثورة السورية ) في إطار ما يسمى بالحراك العربي) في الأسابيع القليلة لانطلاقها، إذ طغت عليها آنذاك مطالب الإصلاح والمطالبة بالتغيير الديمقراطي بقيادة النظام نفسه، فغابت المواقف الدولية في الأشهر الأولى وتوحدت حول دعوات ” وقف القمع والعنف والبدء في العملية الإصلاحية[55]“. إلا أن هذه الاحتجاجات سرعان ما تحولت إلى مواجهات عسكرية بين النظام السوري والمعارضة التي كانت تتلقى دعمها من دول عربية مجاورة ودول غربية سعت إلى إسقاط النظام القائم بأي طريقة خدمة لمصالحها، وبذلك انتقلت الانتفاضة من دائرة الحراك السلمي إلى نزاع مسلح.

فتنوع سياسات الممولين ومحاولتهم شراء نفوذهم على الأرض لا يجعل فصائل المعارضة عرضة للضغوط فحسب، بل ينقل الاستقطاب الإقليمي والدولي إلى الداخل السوري ويحولها إلى حرب بالوكالة بين القوى الإقليمية والدولية المتنافسة على النفوذ في سورية، حيث تسعى بعض الحكومات لصنع أدوات تأثير ونفوذ لها في الصراع ومن أبرز الحكومات التي تقدم تمويلا للمعارضة المسلحة السورية حكومات دول الخليج وبريطانيا وفرنسا وتركيا[56].

وهنا نذكر التحقيق الذي نشرته صحيفة الغارديان البريطانية حول استعداد المسؤولين السعوديين لدفع رواتب عناصر الجيش السوري الحر المعارض في محاولة لتشجيع انشقاق الجنود عن الجيش النظامي وزيادة الضغوط على نظام الرئيس السوري بشار الأسد.[57]

وفي هذا الإطار يمكن رصد عدة عوامل رئيسية تحكم عملية التغيير في النظام السياسي السوري من أهمها: تركيبة النظام والتي تقوم على تشابك المصالح الطائفية والحزبية البيروقراطية ورجال الأعمال والأقليات، إضافة إلى أن القاعدة الاقتصادية والاجتماعية لمؤدي النظام هم من الخلفيات الريفية والمدنية الحديثة وكثير منهم من أبناء الأقليات وبشكل خاص من الطائفة العلوية التي ينتمي إليها الرئيس السوري [58].

ويعتمد التوصل لفهم واقع الأزمة في سوريا على تحديد الأطراف المؤثرة في هذه الأزمة والدور الذي يضطلع به كل طرف لإنهاء هذه الأزمة لصالحه.

ويعتبر النظام السياسي هو أحد الدعائم الأساسية للدولة و هو الجهة المسؤولة عن حفظ الأمن و السلم لشعبه، غير أن النظام السوري كانت لديه قناعة بأن الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها سوريا والمطالبة بإسقاطه، هي مؤامرة خارجية تحركها مخططات الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة من خلال الدعم المالي الذي كانت تقدمه لمنظمات حقوق الإنسان في سوريا في السنوات الماضية، سعيا منها للقضاء على النظام المعادي لإسرائيل والداعم للمقاومة الفلسطينية و الحليف المقرب لإيران. لذا كانت ردة فعل النظام السوري إزاء هذه الاحتجاجات عنيفة حيث أفرطت الأجهزة الأمنية في استخدام القوة ضد المتظاهرين رغم أن بدايتها كانت سلمية. نتيجة للضغوط الخارجية التي كانت تمارسها الدول على النظام السوري للتخلي عن استخدام العنف ضد شعبه، سارع الرئيس السوري إلى اتخاذ جملة من القرارات لاستيعاب حركة الاحتجاج الداخلية، فأعلنت مستشارته بثينة شعبان في 19 مارس 2011 عن عزمه القيام بإصلاحات سياسية تتضمن إنهاء حالة الطوارئ القائمة في سوريا منذ سنة 1963 ومحاربة الفساد وإصدار قانون جديد للأحزاب يسمح بالتعددية الحزبية. وتشريع قانون للإعلام يسمح بحريات إعلامية أكبر إضافة إلى زيادة رواتب موظفي القطاع العام و استيعاب العاطلين عن العمل تلا ذلك إطلاق السلطات السورية عدد كبير من المعتقلين السياسيين بينهم أعضاء في الإخوان المسلمين، ثم إصدار قرار بحل مشكلة الأكراد المطالبين بالجنسية منذ سنة 1960 وتشكيل حكومة جديدة برئاسة عادل سفر ما عكس نية لتغيير نهج اللبرالية الاقتصادية وإصدار قرار بإلغاء محكمة أمن الدولة العليا وآخر بالسماح بالتظاهر السلمي. [59]غير أن وجود تقاطع بين استمرار الاحتجاجات ومصالح القوى الإقليمية والدولية نقل هذا الحراك الشعبي السلمي إلى دائرة الصراع المسلح بين الجيش النظامي السوري وبين فصائل المعارضة المسلحة.

لقد اعتمد الرئيس السوري بشار الأسد في مواجهة هذه التطورات على وحدات موالية رئيسية مثل الحرس الجمهوري والفرقة المدرعة الرابعة وقيادة القوات الخاصة، ولإضافة المزيد من العناصر عادة ما يقوم الجيش السوري بإلحاق وحدات فرعية من تشكيلات أقل تدريبا تحت قيادة مكونات موالية للنظام. كما تمكن حزب الله الذي يشارك ما بين 3500 و 7000 من عناصره في هذه الأحداث، من اكتساب دور قيادي بارز بشكل متزايد في قيادة قوات الجيش السوري أثناء هجمات القوات الحكومية الأساسية في سوريا.

صعدت الحكومة السورية وأجهزتها العسكرية بشكل مطرد تكتيكاتها لمكافحة المعارضة. فقد تبنى الجيش إستراتيجية لا تعتمد على قوات كبيرة فبعد القصف المتواصل والغارات المتفرقة غالبا ما يتم نشر أفراد قوات الدفاع الوطنية للسيطرة على الأراضي وطرد المتمردين المتبقين وفي الغالب يتم هدم المناطق المسيطر عليها لمنع عودة مقاتلي المعارضة كما حدث في كثير من الأحيان في يونيو 2012 ويوليو 2013 حول دمشق وفي حمص[60] .

في مقابل الدور الذي يلعبه النظام السوري والجيش النظامي في الأحداث التي تشهدها سوريا، نجد قوى المعارضة على اختلاف توجهاتها وأطيافها، التي اعتبرت نفسها الممثل الشرعي والوحيد للشعب السوري وسعت إلى إسقاط النظام عن طريق التحرك السياسي وتحقيق الدعم الإقليمي والدولي لها، إضافة إلى التنظيمات المسلحة التي كانت تسعى لفرض سيطرتها على سوريا والقضاء على رموز النظام بالدخول في معارك مع الجيش النظامي السوري ونستطيع أن نصفها بأنها الجناح العسكري للمعارضة.

لقد كانت بداية توحد المعارضة بعقد اجتماعات مكثفة في اسطنبول نتج عنها الإعلان عن تأسيس” المجلس الوطني السوري” في أكتوبر 2011 الذي دعا في بيانه التأسيسي إلى إسقاط النظام بكافة أركانه ورموزه بمن فيهم رئيس الدولة، وشكل هذا المجلس قيادة سياسية وأمانة عامة واعتبر نفسه العنوان الرئيس للثورة السورية في الداخل والخارج. وضم هذا المجلس طيفا واسعا من المعارضة الحزبية والمنظمة مثل حركة الإخوان المسلمين و إعلان دمشق والتيار الإسلامي المستقل ومجموعة العمل الوطني وشخصيات سياسية حزبية مستقلة، وانتخب المجلس برهان غليون رئيسا له[61].

رغم الترحيب الأمريكي بتأليف المجلس الوطني والاعتراف به باعتباره” ممثلا شرعيا للشعب السوري” خلال مؤتمر أصدقاء سورية2. الذي عقد في اسطنبول في أبريل 2011 إلا أن عمل المجلس تعطل بسبب الخلافات و التباينات المستمرة بين كتله خصوصا في ما يتعلق بانتخابات قادته والتعامل مع المبادرات السياسية والتنسيق مع أطياف المعارضة الأخرى في خارج المجلس. وارتفعت التصريحات الأمريكية التي انتقدت دور المجلس الوطني وطالبت بتأليف قيادة جديدة للمعارضة السورية [62].

كانت المبادرة التي قدمها النائب السابق رياض سيف من أجل تأليف جسم سياسي يكون بديلا عن المجلس الوطني، ويضم قوى وشخصيات تتقاطع مع التوجهات الأمريكية وبتنسيق معها ومع سفارات دول غربية أخرى. وجرى تأسيس الائتلاف في 11 نوفمبر 2011 فضم معظم تكتلات المعارضة السورية (ما عدا هيئة التنسيق الوطنية (وجميع التيارات السياسية، إضافة إلى قوى الحراك الثوري والمجالس المحلية في المحافظات وممثل عن المنشقين السياسيين عن النظام، وانتخب معاذ الخطيب رئيسا له[63].

وقد كان أحد أهم أهداف إنشاء الائتلاف في الدوحة هو تأليف حكومة تدير المناطق التي خرجت من سيطرة النظام وتمنع حدوث فراغ في السلطة يؤدي إلى الفوضى، إلا أن الخلافات داخل الائتلاف وتضارب مواقف الدول الداعمة حالت دون تحقيق هذا الهدف منذ تأسيس الائتلاف إلى أن تم عقد اجتماع في اسطنبول بين 18 و 19 مارس 2013 نجح خلاله الائتلاف الوطني في اختيار غسان هيتو عضو المجلس الوطني رئيسا للحكومة المؤقتة[64] .

وظهرت بوادر التسلح في سوريا منذ الأشهر الأولى للاحتجاجات، وكان طابعها في البداية بدائيا تقليديا متولدا من واقع البنى الاجتماعية العشائرية والتقليدية التي في إطارها جرى حمل السلاح الموجود في المنازل باعتباره جزءا من الواقع الاجتماعي القائم في أوساط العشائر وكذلك الريف والحالات العشائرية في المدن الجهوية والحدودية بشكل خاص[65].  بعدها شكل المقدم المنشق حسين الهرموش تنظيما عسكريا أطلق عليه اسم ” لواء الضباط الأحرار” لكن هذه المبادرة ظلت في إطار رمزي لقلة عدد المنشقين، قبل أن تأخذ الأمور منحى تنظيمي مختلف مع الإعلان عن تشكيل ما أصبح يعرف ب” الجيش السوري الحر[66]“.

حيث أعلن العقيد المنشق رياض الأسعد تأسيس الجيش السوري الحر في 16 يوليو 2013 لاعتباره إطارا جامعا للضباط والجنود المنشقين عن الجيش النظامي، وأناط بكتائبه التي انتشرت في معظم المدن السورية” حماية التظاهرات السلمية والتصدي للاقتحامات الأمنية والعمليات العسكرية” وأصبح هذا الجيش غطاءا عريضا لأشكال التسلح وأنواعه الفردية والأهلية كلها في مواجهة القوات الحكومية وتنامت مظاهر العسكرة في عدد من المدن مع زيادة عدد الراغبين في حمل السلاح في الداخل[67] .

ووفقا لتقييم تم تقديمه إلى وزارة الخارجية الأمريكية من مصادر سورية تعمل مع الجيش السوري الحر في يناير 2013 فإن هناك المئات من المجموعات الصغيرة ) تضم ما بين 10 و20 مقاتلا) تنتشر في جميع أنحاء منطقة حلب. وبذلك أصبح الجيش السوري عبارة عن جماعات متمردة غير منظمة تخترقها أعدادا كبيرة من المجرمين وأوضح التقييم أن انتهاكات المتمردين أصبحت ظاهرة طبيعية يومية وخاصة ضد المدنيين بما في ذلك نهب المصانع العامة و الخاصة والمستودعات و المنازل والسيارات[68] .

إضافة إلى وجود قوى مسلحة “ذات توجه إسلامي مثل جبهة النصرة “لأهل الشام التي تم تصنيفها من قبل الولايات المتحدة على أنها جماعة إرهابية، حيث أعلنت الجبهة عن نفسها عبر قائدها أبو الفتح محمد الجولاني في 24 يناير 2012 [69]، والذي كان حينها عضوا في” الدولة الإسلامية” في العراق والتي تأخذ من العراق مقراً لها. في ذلك الوقت، كان الجولاني ينعم بدعم زعيم” الدولة الإسلامية” في العراق أبو بكر البغدادي[70]، ودعت  الجبهة السوريين إلى الجهاد وحمل السلاح في وجه النظام السوري، وترى أن إسقاطه هو الخطوة الأولى نحو إقامة” دولة إسلامية”.

لكن، وفي وقت لاحق أصبح للبغدادي نفوذاً على جبهة النصرة التي زادت قوتها وأيضاً على الجولاني، من خلال توسيع عمليات الدولة الإسلامية في العراق إلى سوريا، وتشكيل داعش في منتصف أبريل  2013ورغم جذورهم المشتركة، اعتمدت المجموعتان استراتيجيتين مختلفتين تماماً في سوريا[71].

هناك أيضا العديد من التجمعات والجبهات التي تضم عدد كبير من الكتائب الإسلامية مثل الجبهة الإسلامية السورية و تجمع أنصار الإسلام في دمشق وريفها[72].

وتتوزع مصادر تمويل قوى المعارضة العسكرية على التمويل الحكومي الذي تسعى من خلاله بعض الحكومات لصنع أدوات تأثير ونفوذ لها في الصراع، هناك أيضا التمويل الشبكي الذي يعتمد على شبكات منظمة لديها خبرات كبيرة في تأمين المال والسلاح وتمتاز الجماعات الإسلامية خصوصا بامتلاكها شبكات تمويل كبيرة عابرة للحدود، إضافة إلى التمويل الذاتي ولجأت إليه بعض الجماعات لتحقيق درجة من الاستقلالية عن التمويل الخارجي المشروط، وتحولت بذلك الكثير من الجماعات المسلحة إلى استثمار كل ما يقع تحت أيديهم من معامل ومنشآت اقتصادية وغيرها سواء كانت ملكيتها عامة أو خاصة[73].

وجراء الوضع الأمني المتأزم في سوريا والتطورات التي أعقبت ظهور تنظيم “داعش” وإعلان “الدولة الإسلامية” وارتباط الأمن القومي الروسي بأمن واستقرار المنطقة، وأن مكافحة روسيا للإرهاب يتعين أن تبدأ من المناطق الحاضنة له في المنطقة، لا سيما سوريا[74]. هذه العوامل دفعت روسيا باعتبارها حليف تاريخي لسوريا في المنطقة إلى التدخل عسكريا في سوريا، ويعد هذا التدخل إحدى أهم نقاط التحول في مسار تطور الأزمة السورية، إذ يمثل هذا التدخل المعلن في نهاية سبتمبر 2015 تحولا جوهريا في الاستراتيجية العسكرية الروسية[75] . وعلى الرغم من تأكيد القيادة الروسية اقتصار أهداف التدخل العسكري على التصدي لتمدد تنظيم “داعش” في سوريا، وتكبيل قدراته على استقطاب كوادر جديدة، واستباق تهديدات “جهاديي القوقاز”، فإن أغلب التحليلات وأيضا المواقف الإقليمية و الدولية المناهضة للتدخل، أكدت وجود دوافع أخرى للتدخل الروسي و ذلك من أجل الحفاظ على المصالح الاستراتيجية الروسية في المنطقة ، وبناء تحالفات جديدة مع الدول الإقليمية المحورية، للالتفاف حول العزلة المفروضة على روسيا من الدول الغربية[76].

إنّ الصراع في سوريا اليوم معقد للغاية، كما أنه لم يعد محصوراً ضمن الأراضي السورية في 5 سنوات مضت، وها هي الأزمة تزداد سوءاً لا سيما وأن تحقيق انتصاراً عسكرياً حاسماً يبدو صعب المنال بالنسبة لكافة الأطراف . وبهذا، يبدو الحل السياسي الطريقة المعقولة الوحيدة لإنهاء الصراع الداخلي بين المعارضة والحكومة. إلا أنّ انتشار المجموعات المسلحة و تمددها ومن أبرزها تنظيم داعش الإرهابي  وظهور جبهات إضافية في الصراع يشير إلى أن أي اتفاق سياسي مستقبلي بين الحكومات الحاضرة وأي معارضة لن ينهي الصراع تماماً.

  1. الحالة اليمنية بين المد الثوري والتدخل الإقليمي

انطلقت شرارة الثورة اليمنية من جامعة صنعاء في 15 يناير 2011بمظاهرات طلابية متأثرة بالثورة التونسية، ومدفوعة بعوامل داخلية وأخرى خارجية، حملت الشباب اليمني على الانتفاض سعيا لتغيير واقعه السيئ. تمثلت العوامل الداخلية في الجمود السياسي الناجم عن استمرار حكم علي عبد الله صالح لمدة 33 سنة [77]، ومحاولات إجراء تعديلات دستورية تسهل عملية توريث الحكم لنجله أحمد، إضافة إلى سوء الأوضاع الاقتصادية، والاجتماعية، متمثلة في نسبة بطالة تقترب من 35 %، كما أن 45 % من اليمنيين البالغ عددهم 23 مليونا يعيشون تحت خط الفقر)أقل من دولارين في اليوم الواحد)[78]، في حين برزت العوامل الخارجية من خلال النجاح الباهر –في عيون اليمنيين الذي حققته الثورتين التونسية والمصرية، مما أوقد شموع الأمل في نجاح مساعي التغيير الذي طالما تاقت له نفوس اليمنيين، بعد الترهل الذي أصاب النظام، والاستياء الشعبي الناجم عن إخفاق النظام في إدارة شؤون البلاد اقتصاديا وسياسيا، فالبطالة والفقر من جهة، والفشل في إنهاء التمرد الحوثي في الشمال من جهة ثانية، ومطالب الجنوبيين المتزايدة المنادية بالإنفصال من جهة ثالثة، والحرب الأمريكية المفتوحة فوق الأرض اليمنية على بعض أبناء اليمن بدعوى أنهم إرهابيين، وما اقتضته من امتهان لسيادة اليمن كوطن، وكرامة اليمنيين كمواطنين من جهة رابعة.

  • الرجة اليمنية في عهد الرئيس السابق علي عبد الله صالح:

أعلن الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح أمام البرلمان اليمني في جلسة استثنائية عقدها مجلسا الشعب والشورى بتاريخ 2 فبراير 2011 عن تنازلات كبيرة للمعارضة، تمثلت في عبارته الشهيرة “لا للتمديد، ولا للتوريث، ولا لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء” ، في محاولة منه لامتصاص غضب الشارع اليمني ونقمته على النظام، واستباقا لاندلاع احتجاجات عارمة كتلك التي وقعت في تونس ومصر، وتأسيا بالأنظمة العربية الأخرى التي قدمت تسهيلات وتنازلات ومبادرات سياسية واقتصادية، لسحب البساط من تحت أقدام الشباب الذين كانوا يقومون بأعمال احتجاجية ضد أنظمتهم لم تكتسب حينها الزخم الشعبي الكافي في الاحتجاجات السلمية، كما تخلى الجنوبيون عن مطلب الانفصال، وقاموا أيضا بتسيير مظاهرات سلمية تنادي بإسقاط النظام، ولا تتطرق للانفصال[79].

أخذت مكاسب الثورة اليمنية تزداد يوما بعد يوم في تلك الفترة، وأخذت المدن اليمنية تشهد مظاهرات احتجاجية بعشرات الآلاف، وأحيانا بمئات الآلاف من المحتجين المطالبين بإسقاط النظام، وكلما  أمعن النظام في قمع المظاهرات وازدادت أعداد الضحايا، ازدادت أعداد المنضمين للثورة الشعبية، فانضمت قبائل بأكملها، وانشقت ألوية عسكرية ، وأخذت تقوم بحماية المحتجين من اعتداءات الأمن وأعوان النظام، الذين استعملهم لإرهاب المحتجين وتفريقهم[80].

امتازت الحالة اليمنية عن الحالتين التونسية والمصرية بوجود ساحتين في العاصمة اليمنية صنعاء، إحداهما يعتصم بها المحتجون المطالبون بإسقاط النظام، والأخرى يستخدمها أنصار النظام لإظهار تأييدهم ودعمهم لنظام علي عبد الله صالح، ورغم أن أعداد المحتجين كانت تفوق أعداد المؤيدين، إلا أن نظام علي عبد الله صالح نجح في تجميع عشرات آلاف اليمنيين المؤيدين للنظام والداعمين له[81]، والداعين إلى وقف الاحتجاجات والالتفات إلى مبادرات الرئيس السابق علي عبد الله صالح الداعية إلى الوحدة، وإنقاذ اليمن من فتنةٍ أو حرب أهلية – وفق رأيهم -، ولعل “البعض شاركوا في هذه التظاهرات طمعا في إغراءات مالية[82]” ، ومما يجدر ذكره أن أنصار صالح كانوا يتجمعون فقط أيام الجمع وفي ميدان التحرير في صنعاء، في حين أن المحتجين كانوا يتظاهرون معظم أيام الأسبوع وفي مختلف المحافظات، والمدن اليمنية، وبأعداد مليونية أحيانا.

سعى النظام اليمني السابق إلى إفشال التحركات الإحتجاجية، فاستخدم قوات أمنه الموالية في قمع المظاهرات والاحتجاجات، وسلط أنصاره المسلحين للإعتداء على المحتجين، بهدف تفريقهم، وفض اعتصاماتهم، وإفشال احتجاجاتهم.ووقعت العديد من الصدامات التي أسفرت عن آلاف الإصابات والعديد من الوفيات، وتعمد النظام السابق إفساح المجال أمام أنصاره المسلحين للتصدي للمحتجين الذين أكدوا مرارا وتكرارا أن ثورتهم سلمية، رافضين الانجرار لحرب أهلية[83].

وقد امتاز سلوك الرئيس اليمني السابق على عبد الله صالح تجاه الثورة اليمنية بعدم الثبات، حيث أثبت صالح وفي مناسبات عديدة سابقة أنه “مناور بارع يقول الشيء ولكنه يفعل عكسه ونقيضه ” إذ يجد المتابع لمواقف وتصريحات صالح أنها تكتيكية تهدف لكسب الأنصار، وخلخلة جبهة خصومه السياسيين وإرباكهم، إضافة إلى حرصه على قيادة معركته السياسية بنفسه دون الاعتماد على نائب أو معاون، مما أبرزه رأسا للمشكلة اليمنية من وجهة نظر خصومه، وأساسا للحل من وجهة نظر أنصاره[84].

فقد دعا صالح المعارضة اليمنية للجلوس إلى طاولة الحوار، معبرا عن استعداده للاستجابة لمطالب المعارضة ” إذا كانت مشروعة، و لكن في نفس الوقت رفضه التخلي عن السلطة إلا عن طريق صناديق الاقتراع .

و قد عرض الرئيس اليمني في فبراير 2011 على المعارضة تشكيل حكومة وحدة وطنية ، و في مارس 2011 أعلن عن مبادرة لحل الأزمة السياسية، تدعو إلى انتقال الحكم من النظام الرئاسي إلى النظام البرلماني، والاستفتاء على دستور جديد للبلاد[85].

وفي إطار ردود الأفعال الدولية على مبادرات الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، أعلن وزير الخارجية القطري في ابريل 2011 أن دول مجلس التعاون الخليجي أرسلت لصالح وللمعارضة نسخة من المبادرة الخليجية، تضمنت بنودها تنحي الرئيس لمصلحة نائبه، وتقديم ضمانات له ، ولعائلته ونظامه بعدم الملاحقة، ثم تشكيل حكومة وحدة وطنية[86].

وقد أعلن مكتب الرئيس اليمني أنه يرحب بخطة الوساطة الخليجية، إلا أن علي عبد الله صالح عاد وأعلن رفضه أي مبادرة تتضمن تنحيه عن السلطة، حيث تعهد بأن لا يترشح في الانتخابات القادمة عندما تنتهي ولايته في سنة 2013 ، وأعلن أنه لن يقبل أي “مؤامرات أو انقلابات”[87]. في 3 يونيو2011 وقعت محاولة الإغتيال،  التي غيبت صالح عن اليمن قرابة أربعة أشهر، عاد بعدها لليمن في سبتمبر 2011 ، وبفعل استمرار الاحتجاجات والإعتصامات السلمية، وترسخ قناعة لدى كل الأوساط داخل اليمن وخارجة أنه لا مخرج لأزمة اليمن إلا برحيل نظام علي عبد الله صالح، وّقع صالح في23 نوفمبر2011 على إتفاق نقل السلطة إلى نائبه، استنادا للمبادرة الخليجية، التي اُتفق بموجبها على تشكيل حكومة وحدة وطنية خلال 14 يوم وإجراء انتخابات رئاسية خلال 90 يوما.

  • استمرار الأزمات في اليمن في عهد “الرئيس ” عبد ربه منصور هادي:

أدى هادي منصور اليمين الدستورية أمام البرلمان اليمني في 25 فبراير 2012، ليصبح الرئيس الثاني للجمهورية لمدة عامين فقط، وهما عامي المرحلة الانتقالية وفق المبادرة الخليجية، وخاض هادي منصور الانتخابات الرئاسية منفردا، حيث أنه كان مرشحا توافقيا دعمه حزب المؤتمر الشعبي العام وتحالف اللقاء المشترك المعارض، ، فكان انتخابه أشبه بالتزكية، أو بعملية استفتاء على انتقال السلطة من صالح إلى هادي[88].

ووفق الاتفاقية الخليجية، وبإشراف من مجلس الأمن فإن مهام منصور هادي في المرحلة الانتقالية تلك هي إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والعسكرية، ومعالجة مسائل العدالة الانتقالية، وإجراء حوار وطني شامل، والإعداد لصياغة دستور جديد وإجراء انتخابات رئاسية جديدة في 2014.[89]

وبعد عدة تأجيلات، تم عقد الجلسة الأولى للحوار الوطني يوم 18 مارس 2013، برئاسة هادي، وقد أوفد الأمين العام للأمم المتحدة جمال بن عمر مستشاره في الشأن اليمني للإشراف على المرحلة الانتقالية، وبعد 10 أشهر وتحديدا في 25 أبريل 2014 عقدت الجلسة الختامية للحوار الوطني، الذي انبثق عنه وثيقة الحوار الوطني الشامل والتي احتوت على عدة فصول تتناول القضايا العالقة محل الخلاف في اليمن، وأهمها قضية الجنوب، وقضية صعدة، والمصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، وبناء الدولة، والحكم الرشيد، وأسس بناء الجيش والأمن ودورهما، واستقلالية الهيئات ذات الخصوصية، الحقوق والحريات، والتنمية الشاملة والمتكاملة والمستدامة. وقد أفضى الحوار بإعمال النظام الفيدرالي في اليمن، وتقسيم اليمن إلى ستة أقاليم[90].

  • أزمة الحوثين وعاصفة الحزم:

من أهم التطورات الراهنة في منطقة الشرق الأوسط انتشار الحوثيين والذي لا يهدد حسب النظرة الخليجية أمن اليمن فقط بل أمن واستقرار المنطقة ككل ، لذلك سارعت السعودية لإطلاق “عاصفة الحزم” كمبادرة لحل الأزمة.

فلقد قفز الحوثيين إلى واجهة المشهد السياسي والعسكري اليمني منذ2004  عندما خاضوا أولى جولاتهم من الحرب مع الدولة اليمنية برئاسة ” علي عبد الله صالح”.

ومن المعروف أن الحوثيون هم حركة سياسية دينية اجتماعية مسلحة أسست في سنة 1992، وباتت تتخذ رسميا اسم أنصار الله وتمت تسميتهم بالحوثيين نسبة إلى مؤسسهم ” حسين الحوثي” الذي قتل في 2004 ابن المرشد الروحي للحركة ” بدر الدين الحوثي” .

وبدأ الحوثيون في سنة 2014 بحملة توسعية وضعوا يدهم خلالها على معظم معاقل النفوذ للقوى التقليدية في شمالي اليمن[91].

و من أبرز تطورات الحراك الحوثي في اليمن:

  • في سبتمبر 2014 وعلى الرغم من محاولة تسوية الخلافات بين الحوثيين والرئيس عبد ربه منصور هادي والمكونات السياسية اليمنية، والتي نتج عنها اتفاقية السلم والشراكة الوطنية برعاية المندوب الأممي “جمال بن عمرو” ، و التي احتوت 17 بندا، وملحقا أمنيا من 7 بنود، من شأنها إزالة كافة النقاط الخلافية بين الطرفين، إلا أن العالم قد تفاجأ بالحوثيين يدخلون صنعاء في 21 سبتمبر 2014، ثم يوقعون بعدها اتفاقية السلم والشراكة الوطنية. [92].
  • وفي 20 يناير 2015 استولى الحوثيون على القصر الرئاسي وحاصروا مقر إقامة الرئيس “عبد ربه منصور هادي” ورئيس الوزراء ” خالد نجاح” [93].
  • وفي يوم 3 مارس 2015، طالب هادي بنقل الحوار الوطني إلى الرياض، ثم أعلن في 7 مارس “عدن” عاصمة مؤقتة لليمن،وهو الأمر الذي أعتبر حينها ضربة موجهة للحوثيين، وتوغل الحوثي في الجنوب وتمكن من إسقاط لحج بمساعدة صالح، وتم أسر وزير الدفاع الصبيحي والقائد العسكري فيصل رجب[94].
  • وبعد جلسة طارئة لمجلس الأمن يوم 22 مارس 2015 حول الأوضاع في اليمن، أرسل الحوثيون تعزيزات عسكرية جديدة إلى جنوب اليمن، وباتوا يقتربون من مضيق باب المندب الاستراتيجي، وطالبت الحكومة بحظر جوي وتدخل قوات “درع الجزيرة”. وهو ما حدث في 26 مارس 2015، حيث أعلنت المملكة العربية السعودية بدء عملية “عاصفة الحزم” التي تستهدف إعادة الشرعية إلى اليمن، بمشاركة 10 دول عربية، وإعلان أجواء اليمن منطقة محظورة.[95].

 

ومن صفوة القول، فإنه ما بين حرب التحالف الإقليمي ضد الحوثيين واستيلاء الحوثيين على السلطة بالقوة، تبقى أسباب الصراع في اليمن لم تدرس بالقدر الكافي، ويبقى اليمنيون بين مطالب ثورة لم تنجز وقوى سياسية تقليدية معظمها يستعين بالخارج على خصومه، ويقبل تسويات لا تؤدي لاستقرار ولا لتحول ديمقراطي سليم، لتهدأ الأوضاع ثم تنفجر من حين لآخر مهددة لأمن اليمن واستقراره كما لأمن المنطقة برمتها.

الخاتمة

شهدت المنطقة العربية منعطف سـياسي خطـير بات يعـرف بالربيع العـربي ، وقد جاءت إيديولوجيا التغيير في المنطقة العربية لعدة أسباب وعوامل داخلية سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية كان لها دور مهم وحاسـم في تغـيير الأحداث ، هذا بجانب عوامل خارجية لا يمكن إغفالها اختلف الباحثون حول اهميتها في عملية التغيير ، لأن البعض يرى أن الثورات العربية إندلعت من المحيط العربي الداخلي ولم يكن لأي عنصر خارجي دور في ذلك .

ويأتي التغيير السياسي إستجابة لعدة عوامل :

  • الراي العام أو مطالب الأفراد من النظام السياسي ، هذه المطالبة تتحول في كثير من الأحيان إلى مخرجات إذا لم يتم تبنيها من الأحزاب وجمات المصالح والضغط .
  • تداول السلطات في الحالات الديموقراطية أو إعادة توزيع الأدوار في حالات أخرى كالنقابات .
  • تحولات خارجية في الوسط الإقليمي أو في طبيعة التوازنات الدولية قد تؤثر في إعادة صياغة السياسات الداخلية والخارجية في إطار التعامل مع المدخلات الجديدة في السياسة الدولية.

وقد اجتمعت أسباب هذا الحراك من نقط أساسية وهي انتشار الفساد والركود الاقتصاديّ وسوء الأحوال المَعيشية، إضافة إلى التضييق السياسيّ والأمني وعدم نزاهة الانتخابات في معظم البلاد العربية.

ووفقاً لهذه التغيرات التي أحدثتها ثورات الربيع العربي على المستوى الداخلي خصوصا في سوريا واليمن، سوف يكون هنالك تغيير للعلاقات الدولية التي تربط هاته الدول يمحيطها الإقليمي والدولي ، وبالتالي يكون هنالك سياسات خارجية جديدة تتماشي وتتوافق مع المصلحة الوطنية .

 

 

 

[1]– سمير الحمادي، ربيع الغضب: مقاربة أولية، الدار البيضاء، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى، 2012، ص: 57.

[2]– المرجع السابق، ص: 61.

[3]– محمد صفار، إدارة مرحلة ما بعد الثورة…حالة مصر، مجلة السیاسة الدولیة، العدد 184 ، ابریل 2011 ، ص: 20.

[4]– عبد الوهاب الكيالي، موسوعة السياسة، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الجزء الأول، 1979.

[5]– شعبان الطاهر الأسود، علم الاجتماع السياسي: قضايا العنف السياسي والثورة، القاهرة، الدار المصرية اللبنانية ،2003،

ص: 44.

[6] – رجب بودبوس، محاضرات في علم الثورة، المركز العالمي لدراسات الكتاب الأخضر، القاهرة ، 2011 ، ص: 27.

[7] – المرجع نفسه، ص: 29.

[8] – شعبان الطاهر الأسود، علم الاجتماع السیاسي قضایا العنف السیاسي والثورة، القاهرة،  الدار المصریة اللبنانیة، 2003،

ص: 46.

[9] -الحاج ولد إبراهیم، الثورات العربیة والاستشراق عند إدوارد سعید، مركز الجزیرة للدراسات، الخمیس 19 ینایر2012، على الرابط التالي:

http://studies.aljazeera.net/issues/2012/01/2012119112638383380.htm

[10] الحاج ولد إبراهیم، الثورات العربیة والاستشراق عند إدوارد سعید، مركز الجزیرة للدراسات، الخمیس 19 ینایر2012، على الرابط التالي:

http://studies.aljazeera.net/issues/2012/01/2012119112638383380.htm.25

[11]– Michael G. Roskin. Robert L. Cord, James A. Medeiros, Walter S. Jones, Political Science An Introduction, (New Jeresy: Pearson Education , Inc., 2008), p. p359-378.

[12] – خیر الدین حسیب، حول الربیع الدیمقراطي العربي: الدروس المستفادة، مجلة المستقبل العربي، العدد 386، ابریل2011،

ص: 9.

[13] – ناهد عز الدین، خریطة محدودة: ثبات الفاعلین وتغیر الأدوار بعد الثورات العربیة، مجلة السیاسة الدولیة، العدد 188، ابریل 2012 ، على الرابط التالي:

http://www.siyassa.org.eg/NewsContent/3/111/2344

[14]– شعبان الطاهر الأسود، علم الاجتماع السیاسي قضایا العنف السیاسي والثورة، مرجع سابق، ص: 46.

[15]-عبد الوهاب الكیالي، ، الموسوعة السیاسیة ،الجزء الاول، المؤسسة العربیة للدراسات والنشر، بیروت ، 1979 ، ص:  7.

[16]كرين برينتن، دراسات تحليلية للثورات، ترجمة عبد العزيز فهمي، الهيئة العامة لقصر الثقافة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2010، ص: 7.

[17]-الطیب مولود زاید ، علم الاجتماع السیاسي، دار الكتب الوطنیة، لیبیا، 2007 ، ص: 99.

[18]– يوري كرازين، علم الثورة في النظرية الماركسية، مرجع سابق، ص: 41.

[19] – المرجع السابق، ص: 8.

[20] – عزمي بشارة، في مفهوم الثورة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السیاسات، على الرابط التالي:

http://www.dohainstitute.org

[21] -جابر السكران، سیاسیة :الثورة.. تعریفها.. مفهومها.. نظریاتها، على الرابط التالي:

http://www.aljaredah.com/paper.php?source=akbar&mlf=interpage&sid=13274

[22]– شعبان الطاهر الأسود، علم الاجتماع السياسي: قضايا العنف السياسي والثورة، مرجع سابق، ص: 47.

[23]– بوحنية قوى، ثقافة الدديمقراطية كمعبر للعدالة الانتقالية، مجلة الديمقراطية، القاهرة، مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية، العدد 43، يوليو 2011، ص: 81.

[24]– سلمان بونعمان، فلسفة الثورات العربية، مركز نماء للدراسات و البحوث،2012، ص ص: 17- 18.

[25]– المرجع السابق، ص: -2223.

[26]– إبراهيم أبراش، تاريخ الفكر السياسي: من حكم الملوك الآلهة إلى نهاية عصر النهضة، الرباط، دار بابل للطباعة والنشر، 1999، ص: 52.

[27]– إبراهيم أبراش، الثورات العربية في عالم متغير، مرجع سابق، ص ص: 22-23.

[28] – شعبان الطاهر الأسود ، علم الاجتماع السیاسي قضایا العنف السیاسي والثورة، مرجع سابق، ص: 47.

[29] – عزمي بشارة ، في الثورة والقابلیة للثورة، المركز العربي للأبحاث والدراسات، الدوحة2011  ، ص: 3.

[30] -المرجع السابق، ص: 46.

[31] -عبد الوهاب الكیالي،الموسوعة السیاسیة ،مرجع سابق، ص: 890.

[32]– عزمي بشارة ، في الثورة والقابلیة للثورة، المركز العربي للأبحاث والدراسات، الدوحة2011  ، ص: 43.

[33]-الطیب مولود زاید ، علم الاجتماع السیاسي، ، مرجع سابق ، ص: .102

[34]-ظاهر، أحمد ، أبجدیة علم السیاسة، دار الكندي- اربد، 1994 م، ص: 236.

[35]– یوسف فاروق، الثورة والتغیر السیاسي في مصر، مكتبة عین شمس، القاهرة ، 1984 ، ص: 89.

[36] – كمال الأسطل ، محاضرات في النظریة السیاسیة، دار الكتب مزریطة، الاسكندریة، 2000،  ص:. 29

[37]  – فوزیة العطیة،علم اجتماع الثورة وخصائص المجتمع الثوري، مجلة كلیة الآداب العراقیة، العدد الرابع والعشرین، 1979 ، ص: 460  .

[38]  -عزمي بشارة ، في الثورة والقابلیة للثورة، مرجع سابق، ص: 4.

[39]– Angela Joya , ” Syria and The Arab Spring : The Evolution of The Conflict and The Role of The Domestic and External Factors”, Journal of Politics and International Relations , Middle East Studies, Vo 4, No1, Turkey,July 2012, p :31.

[40]– جمال واكيم، صراع القوى الكبرى على سوريا: الأبعاد الجيوسياسية لأزمة 2011 ، بيروت، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 2013، ص: 203.

[41]– توفيق المدني، يوسف الشويري، و أخرون، “الربيع العربيإلى أين؟ أفق جديد للتغيير الديموقراطي”، مركز دراسات الوحد العربية، بيروت، 2011 ،  ص: 45.

[42] – ابتسام الكتيبي ، صالح المانع و آخرون، إلى أين يذهب العرب رؤية 30 مفكر في مستقبل الثورات العربية”، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت. 2014، ص.ص 322-323.

[43]  – كمال أبو شاويش ،”  ثورة 25 يناير في مصر: أسبابها وتداعياتها وانعكاساتها المتوقعة على القضية الفلسطينية”، رسالة ماجستير ، جامعة الأزهر، فلسطين. 2013، ص 24.

[44]  -محمد زاد على، و آخرون، “خلفيات الثورة دراسات سورية“،  المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2013، ص: 105.

[45]  -ربيع نصر، و آخرون،”الأزمة السورية الجذور والأثار الاقتصادية والاجتماعية، المركز السوري للبحوث والسياسات، 2013،ص: 7.

[46] – أسامة عبد القادر،مقاربة الثورات العربية والمصالح الأجنبية نموذجسوريا والبحرين“، لبنان، 2013، ص: 63.

[47]– محمد زاد على، و آخرون، “خلفيات الثورة دراسات سورية“، مرجع سابق،ص: 44-45 .

 -[48]رضوان زيادة ،  التحول الديمقراطي في سوريا سورية نموذجا، رياض الريس للكتب والنشر، 2013، ص: 106.

[49]  – سمير التقي وأخرون، الطريق إلى الثقب الأسود، ورقة بحثية صادرة عن مركز الشرق للبحوث ، 29 مارس 2013، للمزيد أنظر الرابط التالي: http://www.mushakis.net/?p= 62

[50]– محمد جمال باروت، العقد الأخير في تاريخ سوريا جدلية الجمود والاصلاح، المركز العربي ودراسة السياسات، بيروت، الطبعة الأولى،2013 ، ص: 107.

[51]– ربيع نصر، زكي محشي وآخرون، الأزمة السورية: الجذور و الآثار الإقتصادية و الإجتماعية )الجذور التنموية للأزمة، المركز السوري لبحوث السياسات في الجمعية السورية للثقافة و المعرفة، 2013 ، ص: 22.

[52]-بشير زين العابدين، “مرتكزات نظام الحكم السوري ( 1970-2011) وأثرها في الثورة”، التقرير الاستراتيجي التاسع، الجزيرة، 2011، ص: 155.

[53]التوازنات والتفاعلات الجيوسراتيجية والثورات العربية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، أبريل 2012، ص:13.

[54] -عصام عبد الشافي ،الثورة المكبوتة: عوائق التغيير الشامل في السعودية وسوريا، السياسة الدولية، العدد 147، القاهرة، أبريل 2011، ص: 97 .

[55]التوازنات و التفاعلات الجيوسراتيجية والثورات العربية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مرجع سابق، ص: 13.

[56] -مروان قبلان، المعارضة المسلحة السورية: وضوح الهدف وغياب الرؤية، سياسات عربية، العدد 2، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، ماي 2013 ، ص:  56.

[57]السعودية تدفع رواتب الجيش السوري الحر، تاريخ الولوج: 15/12/2015، على الموقع الالكتروني:

_http://www.bbc.co.uk/arabic/inthepress/2012/06/120622_inthepress

[58] -عصام عبد الشافي ،” الثورة المكبوتة: عوائق التغيير الشامل في السعودية وسوريا، ص: 97-98.

[59]  -جمال واكيم، صراع القوى الكبرى على سوريا: الأبعاد الجيوسياسية لأزمة 2011، مرجع سابق، ص: 211-212.

[60]  -تشارلز ليستر، الأزمة المستمرة: تحليل المشهد العسكري في سوريا، مركز بروكنجز، الدوحة ، ماي 2014 ، ص:8-9.

[61]-عزمي بشارة، سورية: درب الآلام نحو الحرية في التاريخ الراهن، بيروت، المركز العربي للأبحاث، 2013، ص: 404-405.

[62]–  نفس المرجع، ص: 407.

[63] – شمس الدين الكيلاني، عام على تأسيس الإئتلاف الوطني السوري: بين رهانات الولادة و عسر المهمة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، يناير 2014 ، ص: 6.

[64]– عزمي بشارة، سورية: درب الآلام نحو الحرية في التاريخ الراهن،  مرجع سابق، ص: 411.

[65] – نفس المرجع، ص: 191.

[66] – مروان قبلان، المعارضة المسلحة السورية: وضوح الهدف وغياب الرؤية، مرجع سابق، ص:43.

[67] -عزمي بشارة،  سورية: درب الآلام نحو الحرية في التاريخ الراهن ، مرجع سابق، ص: 196.

[68] -Yazid Sayigh,” The Syrian Opposition’s Leadership Problem “, Carnegie Middle East Center, Beirut, April2013, P:17.

[69] – مروان قبلان، المعارضة المسلحة السورية: وضوح الهدف وغياب الرؤية، مرجع سابق، ص: 47.

[70] – تشارلز ليستر، الأزمة المستمرة: تحليل المشهد العسكري في سوريا، مرجع سابق ، ص: 6.

[71] – المرجع نفسه ، ص: 6.

[72]– مروان قبلان، المعارضة المسلحة السورية: وضوح الهدف وغياب الرؤية، مرجع سابق، ص: 47-49.

[73]– نفس المرجع، ص: 56.

[74]– نورهان الشيخ، السياسة الروسية تجاه الشرق الأوسط: هل تتجه روسيا إلي مزيد من الانخراط في أزمات المنطقة؟، مجلة السياسة الدولية، العدد 203، يناير 2016، ص: 57.

[75] -محمد سعد ابو عامود ، تأثير  التدخل الروسي في سوريا وتداعياته، مجلة السياسة الدولية، العدد 203، فبراير 2016.

[76] محمد عبد الله يونس، رؤي غربية لسيناريوهات التدهل العسكري الروسي، مجلة السياسة الدولية، العدد 203، فبراير 2016.

[77]ثورة الشباب اليمنية، ويكيبيديا الموسوعة الحرة.

[78] – بشرى العامري، دراسة: الفقر والبطالة والفساد ابرز أسباب اندلاع ثورة فبراير،23 فبراير 2011 ، على الرابط الالكتروني: http://yemen-now.com/news36876.html

[79]– وسام بساندو، التطورات في اليمن.. حصاد نصف عام من المرحلة الانتقالية، منتدى البدائل العربي للدراسات، أغسطس 2012.

[80] – الجزيرة نت، الأخبار، “النظام باليمن يتصدع والجيش ينقسم“، 21/3/2011، http://www.aljazeera.net/news/pages/c07811b2-b30b-4f3f-a76c-65132b820da1

[81] – الجزيرة نت، الأخبار، “قتيل وجرحى في مظاهرات اليمن، 25/2/2011، http://www.aljazeera.net/news/pages/27257eb4-74c4-43e7-9e99-2ba697025c99

[82]-المجموعة الدولية للأزمات، “اليمن بين الإصلاح والثورة”، المستقبل العربي، العدد 386، نيسان أبريل 2011 ، ص:. 150

[83] – المرجع نفسه، ص: 150-151.

[84]  – أبو طالب، حسن: “التصدع الداخلي: مأزق مبادرات الرئيس في مواجهة الثورة اليمنية”، السياسة الدولية، العدد  184،أبريل 2011.

[85] – تقدير موقف، النظام اليمني و إغراءات الحسم العسكري، مركز الجزيرة للدراسات، ماي 2011، ص: 2-3.

[86]  –نص المبادرة الخليجية المعدلة لحل أزمة اليمن، الشرق الأوسط، 24 نوفمبر 2011.

[87] -تقدير موقف، النظام اليمني بعد المبادرة الخليجية: بدائل محدودة ومخاطر كبيرة، مركز الجزيرة للدراسات، ماي 2011.

[88]– أحمد محمد الأصبحي، مسار التسوية السياسية في اليمن (أنموذج لحل النزاعات الداخلية)، على الرابط التالي: www.assecaa.org/…/workpaperPeaceMeeting1.doc

[89]-Yemen’s GCC Initiative: Cosmetic or Comprehensive Change?, alakhbar English, 30 November 2012

[90]  – مصطفى أحمد نعمان، الأقاليم الستة هل تنقذ اليمن من الانهيار؟، الشرق الأوسط، 16 فبراير 2014، على الرابط التالي: http://aawsat.com/home/article/3853

[91]– يوسف الديني ، ” الحوثيون : استنتاج تجربة “حزب الله في اليمن ” .مجلة المجلة ، العدد 1600 ، أكتوبر2014، ص: 22 .

[92]-تقدير موقف :ماذا يعني سقوط صنعاء بيد الحوثيين . وحدة تحليل السياسات في المركز العربي ، سبتمبر 2014 ، ص: 2.

[93]-تقدير موقف، استقالة هادي:المخاطر و البدائل، مركز الجزيرة للدراسات، يناير 2015، ص:3.

[94]– تقدير موقف، عاصفة الحزم: إعادة ترتيب الأوراق الإقليمية، مركز الجزيرة للدراسات، أبريل 2015، ص:3-4.

[95] Yemen’s Hadi tries to get back into the game, Almonitor, 23 March 2015.