التوجهات الاستراتجية للتنمية الجهوية على مستوى الفاعلين في التدبير

370

   التوجهات الاستراتجية للتنمية الجهوية على مستوى الفاعلين في التدبير

الدكتور عبد الرزاق لعقابي

باحث في القانون العام

مختص في الشؤون الترابية والجهوية

 

 

مقدمة :

 

       

             إن البعد الإستراتيجي إذا ماتم تفعيله داخل نسق إشتغال معين، فإن هذا النسق يكون العمل فيه مبني بالأساس على وجود علاقات تفاعلية وواضحة بين الأطراف المشتغلة ضمنه ، وعليه، فإذا ما اعتبرنا أن هذا النسق هو المجال الترابي الجهوي، فإن هذا المجال إذا ماتم إقحام البعد الإستراتيجي في مجالات إشتغاله، التي تهم أساسا ميدان التدبير والتدخل، يمكن إدراك التنمية الجهوية، وبمستويات جد متقدمة، وهكذا فمن بين القضايا الأولية التي يقتضيها البعد الإستراتيجي تحسين مناخ علاقات التدبير، بين الأطراف الفاعلة في الشأن الترابي الجهوي، وهو مايتطلب كذلك بالمقابل نهج أسلوب التواصل، باعتبار هذا الأخير القناة التي يمكن بواسطتها بناء التصورات والتوجهات والرؤى التي قد تعتبر في مراحل معينة من تقدم مستوى هذا التواصل أهداف وغايات، ومن تم يبقى من الضروري أن تكون العملية التواصلية عملية سليمة من جميع أطرافها وأركانها، بحيث أن هذه العملية لايمكن لها أن تؤدي دورها إلا إذا كان هناك تبادل للمعومات والمعطيات بشكل شفاف ومرن، وذلك لتكوين مواقف وقناعات صحيحية وواقعية، وحتى لايكون هناك تفاوت في مستوى كل طرف من الأطراف المتواصلة فيما يخص معرفة واقع المجال المشتغل ضمنه.

كذلك من بين النقط المهمة التي يبقى الرهان عليها مطروحا لتهيئة مناخ جيد فيما يخص علاقات التدبير بين الفاعلين وأساسا الإدارة المسيرة للشأن الترابي الجهوي والمستفيدين من الخدمات التي تقدمها هذه الأخيرة، وحتى يكون هناك نوع من التفاعل الإيجابي بين هذين الفاعلين الرئيسيين، فإن التدبير الإستراتيجي يحتم إعتماد نظام إلكتروني على الإدارة في تسيير خدماتها حتى يتمكن بالمقابل المستفيدين أو الأفراد من سهولة ولوجية هذه الخدمات المقدمة، وكذلك العمل على تتبع إشتغال الإدارة، وهذا هو الجزء المهم، بحيث أن النظام الإلكتروني سيجعل عمل هذه الأخيرة مكشوفا لهؤلاء الأفراد، ومن تم بإمكانهم مشاركتها في تدبير أهداف تنمية التراب الذي ينتمون إليه(المطلب الاول).

هذا فيما يخص أهمية البعد الإستراتيجي في تطوير أسلوب العلاقة التي تهم الفاعلين في الشأن الترابي الجهوي، كذلك فإن البعد الإستراتيجي يفرض الإهتمام بالفاعلين أنفسهم، ولاسيما الرسميين والمعنيين مباشرة بتدبير الشؤون الترابية الجهوية، ونخص بالذكر هنا الفاعلين السياسيين، المتمثلين بالأساس في المنتخب والنخبة السياسية ، وكذا الفاعل الإداري والذي يتجسد في الموظف، وذلك عبر تطوير أدائهم، فمن ناحية الفاعل السياسي أساسا  فإنه من اللازم أن يكون على وعي تام بالتغييرات الجديدة التي باتت تؤطر النسق الترابي الذي يشتغل ضمنه، حيث أن هذا الأخير عرف عدة تحولات وفي العديد من المجالات، وخصوصا فيما يتعلق بالجوانب التدبيرية والتي تفرض عليه مسايرتها، فلم يعد تقبل التفاصيل التدبيرية الحديثة المطروحة من قبيل: التدبير المقاولاتي، التسويق الترابي، التدبير بالأهداف، التعاقد، الشراكة، التفويض…، منتخبا ترابيا هاويا، الشيئ الذي سيفرض على هذا الأخير التزامه بالتكوين والتأطير، خصوصا من الحزب السياسي المنتمي إليه، والذي ترشح باسمه، كذلك فإن النخب السياسية الترابية ستكون مطالبة في ظل ظروف  الإشتغال الجديدة داخل النسق الترابي أن تحول من إهتماماتها الكلاسيكية المندرجة كلها فيما يسمى بالصراع حول الوصول إلى السلطة والإشتغال للإنتخابات إلى الإعتناء الجيد بالإعداد لبرامج ومشاريع تنموية تساهم في الرفع من تنمية هذا النسق(المطلب الثاني).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المطلب الأول: تهيئة مناخ جيد لعلاقات التدبير بين الفاعلين في الشأن الجهوي.

في ظل التدبير الإستراتيجي الجهوي، لايمكن أن يتصور في المستقبل القريب أن توجد هيئات منتخبة أو معينة الساهرة على المجال الجهوي والفاعلة فيه، منغلقة على ذاتها وغير منفتحة، بل لابد أن تكون هيئات متواصلة تتبنى أسلوب النقاش والمحاورة، وبإمكانها أن تصنع إتفاقات عامة مع مخاطبيها، للوصول إلى حلول تنموية، وذلك في إطار من الشفافية والوضوح يسوده التبادل العام للمعلومات، والمعطيات(الفقرة الأولى).

فالتواصل إذن يعبر عن مستوى النضج الذي يمكن أن يصل إليه التدبير الجهوي، بل أمكن اعتباره من أهم أركانه، لا سيما حينما يتم ربطه بفكرة الديمقراطية التشاركية التي تقتضي تدفقا وسيولة للمعلومات بين كل الأطراف المتواصلة المحققة لهذه الفكرة، غير أنه لن يتم بصورة فعالة  إلا إذا تم استخدام فيه البدائل التكنولوجية التي تسهم بمد إضافة نوعية لتحسين التواصل والزيادة في أداء تدبير الإدارة خصوصا، وكذا تسهل على الطرف الآخر حسن التتبع، والمواكبة لهذا التدبير.

 (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: ضرورة التواصل في علاقات تدبير الجهوية.

   أولا :التواصل وخيار الديموقراطية التشاركية.

يعد النقاش العام المفتوح على كافة مكونات المجتمع الشرط الأول للديمقراطية التشاركية الجهوية، حيث يجسد القرب الديمقراطي الذي يعتمد على المناقشات المباشرة مع السكان أثناء عملية توليد الخيارات والمطالب ، غير أن الديمقراطية الترابية الجهوية لن تحقق أهدافها بدون أن يكون للمشاركين في النقاش العام المعلومات الكافية حول ماهية المشاريع والبرامج المراد التخطيط لها، إذ أن المسألة لا تتعلق بإبداء رأي ما، بل ببلورة هذا الرأي انطلاقا من معطيات رقمية وأخرى معرفية تجعل المشاركين يقتنعون بأهمية المشروع  ويبادرون للانخراط فيه.

فالاتصال والتواصل بين المجلس الترابي أو الجهوي ومكونات المجتمع المحلي يولدان طاقة أساسية وضرورة لاستمرارية نشاط وحركية المجلس، باعتباره نظاما لا يستطيع أن يشتغل منفردا في عزلة عن العناصر المحيطة به، ويكسبانه طول النفس وبعد النظر وقوة العزيمة والتفاؤل المبني على الحقائق الموضوعية، وفائدة الطاقة المتولدة تكمن في تمكين المجلس من استيعاب الأخبار والمعلومات الواردة عليه من الخارج[1].

وعليه فإنه من شأن الديمقراطية التشاركية أن تستفيد من هذا التطور في إطار علاقة نسقية ترابطية مع أهداف الديمقراطية الرقمية في سبيل تمكين المواطن من المعارف الحديثة، والوصول إلى المعلومات الجديدة مما يجعله ملما بماهية “التدبير الجهوي” ومراكما لثقافة ديمقراطية، وفكر تنموي يدفعه بالرقي بأوضاعه المعيشية.

ويعتبر كذلك الاتفاق العام من مستجدات الديمقراطية الترابية على مستوى تدبير الشأن الجهوي يهدف إلى توحيد التصورات والرؤى المختلفة بين الفاعلين المؤسساتيين والساكنة المحلية، حول غايات تنموية مشتركة، في أفق بلورة فلسفة التوافق والتعاقد السياسي والاجتماعي كإحدى مرتكزات المجتمع الديمقراطي، الذي يقوم على صهر جميع الرؤى في تصور مشروع مجتمعي متكامل، مع فتح المجال أمام الاختلاف في الوسائل وآليات تقعيد ذلك المشروع على أرض الواقع.

وعلى عكس توجه القوانين السابقة المؤطرة للشأن الترابي الجهوي ، فإن القوانين التنظيمية للجماعات الترابية ، قد أولت المشاركة المباشرة للفرد أو المواطن في تدبير العمل الجهوي، ولم يعد دوره محصورا في دور الإستشارة أو الإستئناس فحسب، بل يتعداه إلى الأخذ بأراءه  ومواقفه ضمن جدول الأعمال الذي يؤطر إشتغال هذه الجماعات مثلا ، وهكذا ففي القانون التنظيمي للجماعات رقم 14. 113 ، مثلا في المادة 121 ما يؤكد ذلك:”…يمكن للمواطنات والمواطنين والجمعيات أن يقدموا وفق الشروط المحددة بعده عرائض يكون الهدف منها مطالبة المجلس بإدراج نقطة تدخل في صلاحياته ضمن جدول أعماله…” [2].

كما يعد الاتفاق العام حول القرار التنموي الجهوي من حسنات استخدام آلية التواصل، إلا أن هذا الاتفاق يقتضي بيئة سليمة، وتشجع كافة الأطراف  على قيم الديمقراطية، والقدرة على التنازلات من قبل الجميع حتى يتمكن من الوصول إلى اتفاق يرضي الكل، ومن تم كانت المشاركة في صنع القرار هي الخطوة الأولى للوصول للإجماع، لأنه من خلال الديمقراطية التشاركية يمكن الوصول إلى اتفاق يشكل القاسم المشترك بين مختلف الرؤى المتنافرة، ومن تم إرضاء الجميع مما يجعل القرار يحظى بالقبول من طرف مكونات المجتمع الجهوي.

ثانيا : تدعيم  شفافية التدبير في بنية التواصل.

التواصل هو وسيلة لنقل المعلومات والأفكار والبرامج بين الإدارة الجهوية ومحيطها الاجتماعي، بهدف الوصول إلى تفاهم مشترك وتدعيم العلاقات الإنسانية الطبيعية بينهما، كذلك فإن التواصل يساهم في تماسك الجوانب  التنظيمية للإدارة الجهوية وانسجامها، ويعتبر وسيلة لتغيير سلوك الجماعة الجهوية من الركود إلى الحركة والتنشيط.

وفي هذا الإطار أكد القانون التنظيمي المتعلق بالجهات على سبيل المثال ، على ضرورة التواصل وتبادل الأفكار والمعلومات بين الأجهزة المسيرة والأفراد أو المواطنين، عبر خلق أليات تشاركية للحوار والتشاور، وكذا إحداث هيئة إستشارية، وهذا ما تضمنته مثلا المادتين 116 و117 من القانون التنظيمي للجهات، فالمادة 116 تحيل إلى أنه:” …تحدث مجالس الجهات أليات تشاركية للحوار والتشاور لتيسير مساهمة المواطنات والمواطنين…”، أما المادة 117 فتتضمن:” تحدث لدى مجلس الجهة ثلاث(3) هيئات استشارية:

  • هيئة إستشارية بشراكة مع فعاليات المجتمع المدني…”.

تعمل الجماعات الترابية بشكل متواصل على الإستفادة من نماذج التدبير والتنظيم المعتمد من طرف المقاولات، وفي هذا السياق أصبحت تتعامل مع ترابها كمنتوج يحتاج إلى التسويق لدى المستثمرين، من خلال إبراز الخصائص والإمكانيات التي يتيحها، فالتسويق الترابي على مجموعة من الأعمال التواصلية والإعلامية والمجهودات المبذولة من طرف هيئة ترابية، من أجل إقناع مقاولة باختيار ترابها موطنا لممارسة أنشطتها الإنتاجية، والإسهام في تنميته الاقتصادية والاجتماعية.

وفي هذا الإطار تظل ضرورة حتمية الاعتماد على التكنولوجيات الحديثة، لما تتيحه من إمكانيات تسمح ببناء إدارة ترابية عصرية دائمة الإصغاء لمحيطها ومتفاعلة معه ومع التطورات التي تعمل داخله، وقادرة على توفير المعلومات الكاملة حول خصائص ترابها والإمتيازات التي يوفرها بالنسبة للوحدات الإنتاجية، وكذلك طبيعة الإجراءات والمساطر التي يلزمها الإجابة عليها من أجل إخراج مشروعها الاستثماري إلى حيز الوجود.

ومن تم كان تعميق أسس الديمقراطية الجهوية وإذكاء الوعي الجماعي الهادف، رهين بمدى تكريس الشفافية داخل الإدارة الترابية، وتوفير الأسس المناسبة من هذا الجانب للتدبير الجيد للشأن العام الجهوي، كما أن هذه الأخيرة يجب أن تسود علاقة الإدارة الترابية الجهوية بالمحيط الخارجي، على اعتبار أن العمل الإداري يوجه نحو الجمهور أو هو خدمة عمومية تقدم له وباسمه.

الفقرة الثانية: الادارة الالكترونية كالية استراتجية في التدبير.
أولا : دواعي الاعتماد.

إن تحديث منظومة الإدارة الترابية الجهوية أصبح  ضرورة ملحة ليس فقط نتيجة التحولات المجتمعية التي أدت إلى تطور الوعي لدى المواطن بضرورة جعل الإدارة في خدمته وأداة للتنمية الوطنية والمحلية، بل كذلك نتيجة عوامل خارجية جديدة، تقتضي ضرورة تجسيد الإطار المؤسساتي وتكييفه مع التنافسية الاقتصادية التي لا تتناقض مع التنافسية المؤسساتية وذلك عن طريق وضع ميكانيزمات لتحسين أداء التدبير العمومي،

من هذا المنطلق أصبح اعتماد الوسائل التكنولوجية والمعلوماتية الحديثة من لدن الإدارة الترابية ضرورة ملحة لتحقيق التنمية الإدارية والثبات في مسلسل التغيير، ذلك أن هذه الآليات تلعب دورا كبيرا في تحديث وعصرنة العمل الإداري الجهوي، وتشكل بالإضافة إلى هذا إحدى الأسلحة الاستراتيجية للهياكل الإدارية للتغلب على الصعوبات البيروقراطية من جهة ، والتأقلم مع طبيعة العصر ومنتجاته الإلكترونية من جهة أخرى، من هنا أصبح تبني مفهوم الإدارة الإلكترونية واستعمال تكنولوجيا المعلوميات والاتصال بالإدارة العمومية، مرحلة مهمة في مسلسل تحديث هذه الأخيرة وضرورة تحدد بقاءها واستمرارية خدماتها.

وعموما فإن للإدارة الإلكترونية أهمية كبيرة فعلى مستوى اتخاذ القرارات الإدارية والتي تعتبر جوهر العملية الإدارية ومحورها فإن المعلوميات تعد المادة الضرورية لاتخاذها وتوجيه الإدارة بصورة سليمة[3]، خاصة في ظل اتساع دائرة القرارات التي ينبغي اتخاذها تحت ظروف عدم التأكد، إضافة إلى كل هذا فإن للإدارة الإلكترونية مزايا اجتماعية أخرى تتمثل في تكريس مبادئ الحرية والديمقراطية، وذلك أن الإدارة الإلكترونية توفر تعامل مباشر مع المواطنين بحيث يصبح الجميع متساوون أمام الشبكة، كما تساهم في ترسيخ حرية التعبير عن الرأي والنقد البناء والاستماع لصوت المواطن من خلال منتديات النقاش وكذلك عبر المواقع الإلكترونية.

لقد أصبحت الإدارات الترابية بفضل اعتمادها على آليات التدبير الحديثة تقدم خدماتها للمواطنين والمقاولات بسرعة وبجودة عالية، ومنه نستنتج أنه جاء تبني مشروع الإدارة الإلكترونية بالإدارة الترابية المحلية نتيجة مجموعة من الأسباب منها ما هو مباشر ومنها ما هو غير مباشر.

ثانيا : قيمة الادارة الالكترونية في  تجويد الاداء التدبيري

تضطلع الإدارة الترابية  بدور مهم في حياة المواطنين، إذ تتولى تقديم الخدمات الضرورية لهم فهي في علاقة يومية ومستمرة مع مرتفقيها باختلاف مقاصدهم،من هنا تبرز أهمية إنماء العلاقة بين الطرفين، وتبني وسائل وآليات جديدة كفيلة بتجاوز أزمة العلاقة التي تربط الإدارة بجمهورها وتحسين أداء المرافق العمومية والاهتمام أكثر بتلبية الحاجيات اليومية والمتزايدة للمواطنين والعمل على تبسيط المساطر الإدارية التي تهم شرائح واسعة  من المتعاملين مع الإدارة باستخدام أمثل للتكنولوجيات الحديثة سعيا إلى مكافحة جميع أشكال التعقيد والبيروقراطية والتقليص من التضخم الإداري واعتماد منطق النتائج، والقطع مع سلوكات التعتيم واحتكار المعلومات .

وأتت القوانين التنظيمية لترسخ هذا التوجه ، ففي القانون التنظيمي المتعلق بالعمالات والأقاليم رقم 112.14، مايعزز  مثلا للتعامل بالإدارة الإلكترونية في هذا الباب، فالمادة 219 تتضمن مايلي:” يتعين  على رئيس مجلس العمالة أو الإقليم وكذا الأشخاص الإعتبارية الخاضعة للقانون العام أو الخاص، والتي تقوم بتسيير مرفق عمومي تابع للعمالة أوالإقليم، أن تعمل على إعداد قوائم تركيبية تتعلق بتسييرها ووضعيتها المالية وإطلاع العموم عليها. يمكن نشر هذه القوائم بطريقة إلكترونية..”.

كما أن كل إدارة تؤمن بضرورة الانفتاح على محيطها أو عالمها الخارجي يجب عليها أن تكون على اضطلاع مستمر بكل ما يجري بهذا المحيط،  وجمع كل المعطيات المتعلقة به حتى تتمكن من الاستفادة من تلك المعلومات في تحسين علاقتها الخارجية المرتبطة بجمهورها من جهة، وتحسين جودة منتجاتها وخدماتها من جهة أخرى[4]، لذلك فإن العمل بالإدارة الإلكترونية، وما يعنيه من تخطيط وتنفيذ التحول الإلكتروني من النموذج التقليدي للأعمال في إدارة نموذج جديد للأعمال يستند إلى موارد الأنترنت والمعرفة، بعبارة أخرى فإن العمل بالإدارة الإلكترونية يتطلب إجراء تغيير استراتيجي في مكونات أنشطة الإدارة، وهذا التغير يبدأ بالتخلي عن قواعد العمل التقليدي وتجاوز المبادئ القديمة التي هيمنت على نظرية الإدارة والتنظيم طيلة عقود عديدة من الزمن[5].

إن محاولة تجاوز أزمة العلاقات بين الإدارة والمرتفقين، وتحسين عملية الاستقبال تشكل إحدى الدعائم الأساسية لبروز إدارة ترابية محلية منفتحة في وجه مرتفقيها، ولعل تخصيص وسائل الاتصال الغير المباشرة بين الإدارة والمواطن بالاعتماد على التقنيات الحديثة للتواصل والإعلام، يضمن نجاعة أكثر وسرعة فائقة في أداء الخدمة وتجنب المواطن مشقة التنقل إلى عين المكان، مع ما سيتبعه من بذل جهد ومال إضافي، الأمر الذي يستوجب ضرورة تضافر الجهود للوقوف على أهم الآليات والميكانيزمات الضرورية، التي تمكن من الإستخدام الأسهل لهذه التكنولوجيا الحديثة والبلوغ للهدف المنشود، ألا وهو تقريب الإدارة من المواطن وتجسيد الإدارة الإلكترونية[6].

فقد حتم إدخال المعلوميات إلى الإدارة الترابية الجماعية تغيير نمط العلاقات بين مختلف وحداتها وأقسامها،إذ بفضلها أصبح العمل موحد بين موظفي نفس القسم أو المصلحة (قسم الحالة المدنية، مصلحة الجبايات والمرافق والمراقبة…)، ذلك أن المعلوميات تسمح بدمج الأعمال المتشابهة في عمل واحد، مما يقلل من هامش التعقيدات والجمود في المساطر الإدارية،ويساعد بالتالي على تحقيق نوع من السرعة والإختصار في تقديم الخدمات، ولا تقف مزاياها عند تحسين وتطوير هياكل الإدارة الجماعية ووظائفها، بل إمتدت إلى سلوك الموظفين الجماعيين حيث ساهمت في الرفع من مردودياتهم، من خلال تمكينهم من وسائل تقنية جديدة تنظم عملهم، وتخفف حجم المهام الملقاة على كاهلهم.

المطلب الثاني : تطوير الاداء التدبيري الجهوي للفاعل السياسي والاداري.

إن نسق الإشتغال الذي يتدخل فيه الفاعلين الأساسيين في التدبير للشأن الترابي الجهوي يعمل على تقسيم هؤلاء الفاعلين ما بين السياسيين (المنتخب والنخبة السياسية الجهوية الترابية)، وبين فاعلين آخرين إداريين (الموظفين الترابيين بصفة عامة) .

غير أن هذا النسق بدأ يعرف اليوم حركية ومستجدات متزايدة تستلزم نوعا من الكفاءة والأهلية، فرضتهما الظرفية الراهنة، لا سيما وأن هذا النسق كذلك ينهل تدبيره من عالم القطاع الخاص، فلا المنتخب الذي ينبغي أن يكون استراتيجيا في كل تحركاته وتدخلاته وكذا رؤيته للمستقبل، والنخب السياسية التي لا بد وأن يحركها طموح دقة اختيار المشاريع الاستراتيجية التي تعود بالنفع على الشأن الترابي المحلي ويكون لديها كذلك الحس التدبيري العالي وهي تؤثر في عملية اتخاذ قرار معين، الشيئ الذي يفرض بالمقابل، فيما يخص المنتخب، أن يكون منتخبا استراتيجيا، تتوفر لديه الرؤية البعيدة فيما يتعلق بنوعية المشاريع وإختيارها على المستوى الترابي الذي يتواجد به ، وأن يكون كذلك في حالة مباشرته لهذه المشاريع أن يتجلى بمنطق تدبيري عالي يسمح له بالمتابعة الجيدة لها، وتتبعها والعمل على تقييمها، فلم يعد من المقبول في ظل حجم المشاريع التنموية الترابية، التي تتموقع في التراب الجهوي، أن يكون لا المنتخب ولا النخبة السياسية في مستوى معين، لا يؤهلهم في بعض الأحيان، حتى لمعرفة الشروط العامة في عملية تدبير المشاربع والبرامج(الفقرة الاولى).

وحتى الفاعل الآخر الإداري فهو كذلك معني بطريقة مباشرة في مسألة تحسين الأداء التدبيري عبر مجموعة الشروط التي من اللازم أن يكسبها هذا الفاعل وتعمل على تأهيله لمسايرة هذا التدبير ، هذه الشروط التي يمكن أن نجد غالبيتها في الموظف الذي يشتغل في إطار المقاولة الخاصة، وتدعيم هذا التأهيل بخلق مناخ تحفيزي وتكويني له.

يحتل الفاعل الإداري في التدبير الجهوي والذي دائما يؤشر إليه من خلال الموظفين أهمية بالغة في تفعيل هذا التدبير وتطويره، وللوصول إلى هذا المبتغى، فإنه لا بد من عقلنة تدبيره وإيجاد الظروف الملائمة لاشتغاله، خصوصا وأن متطلبات التدبير اليوم أصبحت تفرض نوعا من الموظفين والأطر ذوي الكفاءات الخاص والمؤهلات الدقيقة، التي تتناسب ورهانات التدبير الجديدة، لكن طبعا قبل هذا كله لا بد من التفكير في تهيئة مناخ مساعد، يهم بالأساس مقتضياتهم الوظيفية وتحفيزهم وتكوينهم على كل مستجدات التدبير الخاص الذي يظل مثالا في التسيير الحالي للشؤون الجهوية(الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : الفاعل السياسي.
أولا : رهانات المنتخب الاستراتجي

يعتبر المنتخب الجماعي وبحكم وظيفته الانتدابية ممثل السكان داخل المجلس الجماعي الترابي ، والناطق باسمهم في دوراته أو إجتماعات لجانه، كما يعتبر من الناحية العملية وسيطا بين سكان جماعته والإدارة الجماعية، وأهم ما يميز هذه الوضعية هو ربط علاقة بين المنتخب والسكان، وتختلف حدة العلاقة تبعا لعقلية المنتخب وتصوره لدوره، وطموحاته الشخصية[7].

إن سياسة القرب تسعى لقطع السلوكات المتبعة من قبل السلطات المنتخبة والتي تجعل بينها وبين المواطن حواجز إدارية بيروقراطية معقدة، تجعل من الصعب على المواطن تبليغ مطالبه أو شكواه، فالمحافظة على العلاقة بين المنتخب الجماعي ومحيطه، سواء بصفة فردية  – كما سبقت الإشارة إلى ذلك – أو في إطار العمل الجمعوي تؤمن بقاء الروابط التي نشأت بينه وبين ناخبيه خلال الحملة الإنتخابية، وتمكنه من المحافظة على متابعة مشاغلهم وحاجياتهم، وتساهم من جهة أخرى في مشاركة السكان في مناقشة المشاكل المرتبطة بالعمل الجماعي، لقد أصبحت الجماعة إطارا يستند على الفكر المقاولاتي في التدبير، بعيدا عن التسيير العشوائي والتقليدي، وهي تستند في ذلك على أشخاص مسؤوليتهم تتجلى في حل الإشكاليات المعقدة في إطار نظام منسجم ومتكامل يهدف تنمية وضعية الساكنة[8].

فرئيس المجلس الجماعي ملزم حسب القوانين التنظيمية الخاصة بالجماعات الترابية  ، بأن يتصف بصفات المقاول الناجح، إذ ينبغي عليه كآمر بالصرف أن يقوم بدور مدبر المؤسسة أو المقاولة، وأن يطلع عن كثب على مناهج التدبير والإدارة المحلية، ويبتكر الحلول للمشاكل التي تعترض سبيله في حدود الأنظمة والقوانين المعمول بها، ومن هذا المنطلق تفرض الظروف المحلية والعالمية مسيرا يساير روح العصر، لذلك تظهر مسألة الإمكانيات الثقافية والمعرفية للمدبر المحلي، وشكل التنمية أساسية، حتى يكون عمل المجلس مشمولا بالشرعية ومطابقا لطموحات تحقيق التنمية كهدف ومبتغى في نفس الوقت.

إن الاختصاصات المختلفة والعديدة للرئيس، تتطلب منه أن يستعمل في تدبيره عقلية مقاولاتية قادرة على خلق الثروات والتنمية والرفع من نجاعة العمل الجماعي، وكذا تغيير أسلوب تسييره للشأن الترابي الجهوي، وهكذا فإن إعتماد آليات ووسائل التدبير الحديث يجب أن تبنى على معطيات لوحة القيادة كنظام للمعلومات، يمكن بواسطته التعرف بشكل مستمر وفي وقت وجيز على المعطيات الضرورية لتتبع  السير الجيد أو السيئ على المدى القصير للمؤسسة، وبذلك تشكل هذه اللوحة، تقنية أساسية لكل مسؤول من أجل تحقيق الأهداف المرسومة بحيث تمكن من تسهيل ممارسة المسؤوليات واتخاذ القرارات التنموية، كما تعتبر أداة لانتقاء الإجراءات التصحيحية عبر الكشف عن الفوارق للقياس والتحكم في الكلفة ومتابعة النشاط المنجز، وتكييف الوسائل مع الأهداف والبحث كذلك عن استعمال القدرات غير الموظفة والتنسيق بين المصالح .

إن عملية التنمية الترابية الجهوية، هي عبارة عن نسق تشكل من عدة عناصر يجب أن تتضافر فيما بينها، وإذا ما إختل أحد المكونات المشكل للمنظومة الجماعية يصبح من الصعب الحديث عن حسن تدبير الشأن الجهوي، وبالتالي فإن تحليل أهم الإكراهات التي يعاني منها المنتخبون الجماعيون في عملهم، لا يعني أنها تتعلق بهم وحدهم، بل تطال الإدارة الجماعية ، على اعتبار أن المنتخب الجماعي يمثل جزء بسيط من مكونات النظام الجماعي، فهو يعتبر أحد العناصر البشرية المنتمية للجماعة، في حين أن هناك معطيات أخرى يجب أخذها بعين الاعتبار، مثل المعطيات القانونية والمالية والإدارية وكذا الإجتماعية.

إن المنتخب الجماعي ورغم تمتيعه بنظام قانوني حديث يستجيب لمستلزمات التنمية المحلية، إلا أن هذا المنتخب لازال يعاني من وجود قصور تشريعي يطال مسألة التعويضات، ومسألة التفرغ ، وهكذا فبخصوص المنتخب الجهوي ، وعلى مستوى التعويضات : كان القانون السابق غامض بعض الشيئ في تحديدها ، إذ لم يعممها على جميع أعضاء المجلس ، وقد يكون هذا الدافع الأساسي وراء ارتفاع عدد التغيبات خصوصا في أعمال اللجان التي تشكل العمود الفقري للعمل الجهوي.

وبالرجوع للقوانين التنظيمية للجماعات الترابية،  نجد مثلا أن القانون التنظيمي للجهات رقم  111.14 في المادة 55 قد عممها على الفئات التالية :” يتقاضى رئيس مجلس الجهة ونوابه وكاتب المجلس ونائبه ورؤساء اللجان الدائمة ونوابهم ورؤساء الفرق تعويضات عن التمثيل والتنقل…. تحدد شروط منح التعويضات ومقاديرها بمرسوم..” .

أما على مستوى التفرغ للشؤون الجهوية : فقد أفرز القانون وضعية غير متوازنة في هذا الصدد، جعلت الممارسة المحلية تقوم على أساس جمع المنتخب بين عدة إنتدابات ومأموريات ومهمات تثقل كاهله بالمسؤوليات دون أن تكون له القدرة على الاضطلاع بها ، كما أن القانون السابق للجهة رقم 47.96 لم يوسع بمافيه الكفاية من حالات التنافي[9] بالشكل المتعارف عليه في بعض التجارب الدولية، مثل إيطاليا التي منعت الجمع بين العضوية في المجالس الجهوية والنيابة الوطنية أو التنفيذية على مستوى الأقاليم، فأغفل بذلك طريقة سهلة من الممكن أن تؤدي بشكل طبيعي إلى تشكيل وإيجاد نخبة جهوية مستقلة عن المركز وضغوطاته ، وبالتالي كان بالإمكان الدفاع عن الشؤون الجهوية.

واعتبارا لأهمية دور المنتخب الجماعي في الممارسة العملية، أضحى من اللازم التركيز على وضعه السوسيولوجي، حتى يتسنّى من خلاله رصد العراقيل التي تقف أمامه في ممارسة وظائفه المحلية،  فالاهتمام بالتركيبة الاجتماعية للمجالس المنتخبة تعتبر عاملا مهما في تفسير المواقف والقرارات المتخذة في عملية التدبير[10].

لقد أبانت التجارب السابقة في ميدان الممارسة الجماعية، عن جملة من الظواهر غير المشروعة واللامسؤولة على الصعيد الجماعي، وترجع أسبابها بصفة عامة إلى عدم كفاءة المنتخبين أو جهلهم بالمقتضيات القانونية، وعدم القدرة على التسيير والتدبير، ومن أسباب ذلك ضعف تكوين المنتخبين الجماعيين، الأمر الذي أدى إلى ضعف مردودية المجالس الجماعية[11]، لهذا السبب أصبح من اللازم الإهتمام بتكوين المنتخبين لأجل تحسين أدائهم في العمل الجماعي فمن المتعارف عليه أن الرفع من مستوى المنتخب الترابي يشكل خطوة أساسية لتطوير أداء التجربة الديموقراطية وترسيخ نظام اللامركزية، كما أن تكوين المنتخب يعتبر من الأولويات نظرا لما أصبح يتحمل من مسؤوليات إدارية وإقتصادية وإجتماعية، ويرى بعض الباحثين أن الإعتراف بحق التكوين لصالح المنتخبين المحليين يمثل خطوة مهمة في سبيل وضع نظام حقيقي للمنتخب، يرسم حقوقه وواجباته ويحدد أهمية المسؤوليات الواجب عليه تحملها، وبمعنى أخر تمكن عملية تكوين المنتخب من الإستجابة لطموحات الناخبين، والتواصل مع الموظفين الجماعيين ، ومن الحوار المفيد مع الشركاء الاخرين.

لذلك فإن المشرع المغربي يسير في إتجاه التأكيد لفكرة التكوين للمنتخبين ، وهذا ماتضمنته بالفعل القوانين التنظيمية للجماعات الترابية، ففي القانون التنظيمي المتعلق بالجهات مثلا، وفي المادة 56:” يحق لأعضاء مجلس الجهة الإستفادة من تكوين مستمر في المجالات المرتبطة بالإختصاصات المخولة للجهة..” .

ثانيا : فاعلية النخب السياسية الترابية

المقصود بالنخبة السياسية الجهوية، نخب المجالس الجماعية، ونخب المجالس الجهوية والإقليمية، فهؤلاء المنتخبين المحليين يشكلون الوجه الآخر للأعيان المحليين، فهي هيئة تدبر مكاتب المجالس المحلية سواء أكانت جماعية أم جهوية وإقليمية، ولتشجيع النواحي العقلانية في الأداء الإداري وتوسيع الأسس الديمقراطية من طرف الدولة ، فقد عملت هذه الأخيرة على إعادة النظر في توزيع السلطة بين المركز والهيئات المنتخبة.

وتحظى دراسة هذه النخبة السياسية بأهمية كبيرة لعدة اعتبارات، كونها تمثل صلة الوصل الرئيسية بين المجتمعات المحلية والمجتمع الشامل، بحيث لا يمكن فصل دراسة النخبة المحلية عن دراسة السلطة المحلية أو النفوذ السياسي المحلي (Le pouvoir local)، بحيث يعتبر النفوذ المحلي أحد الرهانات الأساسية التي تتمحور حولها العلاقات بين الأفراد والجماعات، فمن هذا المعطى يظهر لنا جليا الأدوار الحيوية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تلعبها النخبة المحلية، كونها تمثل أحد أهم الفاعلين في الحقل الاجتماعي والسياسي المحلي، وإحدى المكونات الأساسية لبناء النفوذ المحلي.

وتتألف النخبة السياسية المحلية من كل الفعاليات المنخرطة في دائرة الصراع السياسي حول السلطات المحلية ” Le pouvoir local “، سواء كان مبتغاها هو غزوه أو إستكشافه أو المحافظة عليه، أو تعزيزه أو مشاركة من يملكه، أو انتزاعه منه والسيطرة عليه[12].

تؤثر النخبة السياسية المحلية بدورها في العمل العمومي الترابي، انطلاقا من مكانها الخاص المتجسد في الموقع الاجتماعي والاقتصادي، حيث من شأنها التأثير على الفعل السياسي والإداري المحلي والوطني أحيانا، ولا يجب حصر النخبة السياسية المحلية فقط في الفئة الاجتماعية التي تشارك في الانتخابات الجماعية بصفتها مرشحة لتصبح من أعضاء المجالس الجماعية أو الإقليمية أو الجهوية، وتوكل لها برفقة النخبة الإدارية المعينة، والموظفين بتسيير الشأن العام المحلي في حدود الاختصاصات المسندة إليها في إطار القوانين  المنظمة للتنظيم الإداري المحلي، بالرغم من أنها تمثل أهم مكونات النخبة المحلية المغربية المنتخبة[13].

لا يمكن أن نغفل أن إنجاح الأوراش الترابية الجهوية، يستوجب نخبا قادرة على مواصلة الركب التنموي، علما أن هناك صعوبات وإكراهات تعيق إصطفاء النخبة المحلية الحقيقية التي تتمتع بالمؤهلات الأساسية، والقدرات اللازمة لتحمل الدور القيادي المنوط بها ، وتشكل الأحزاب السياسية أحد القنوات السياسية التي تمد المنتخب بكيفية التسيير والتدبير وتعلمه المبادئ العامة للإنضباط وروح المسؤولية، وهي المدرسة الأولى التي يتلقى فيها التكوين السياسي والإداري والثقافي اللازم، وهي بحكم الدور الذي أسنده إليها الدستور[14] يجب أن تساهم في تخريج كفاءات مهتمة بالشأن المحلي، متشبعة بالحس الوطني وقادرة على تسيير وتدبير الشأن العام المحلي، وهذا بالطبع لن يتأتى إلا عبر تحمل الهيئات السياسية لمسؤولياتها في تأطير مرشحيها وتأهيلهم، بشكل جدي لمواكبة التقنيات الجديدة في التدبير والتواصل[15].

كما تلعب الأحزاب دورا مهما في إشاعة ثقافة تدبيرية في كافة المرافق العمومية، إذ من أبرز وظائفها المشاركة أو المساهمة في تسيير الشأن العام[16]، بشكل يتوافق مع مبادئ الديمقراطية، فهاجس الأحزاب الأول يتمثل في إعداد نخب مكونة تكوينا مؤهلا، باعتبارها قنوات التنشئة السياسية والديمقراطية[17]، وفي غياب أي تنظيم قانوني يحدد شكليات العلاقة التي تربط الأحزاب بمنتخبيها المحلين، فإن هذه الأخيرة تدخل في إطار المراقبة السياسية التي تزاولها عموما على منتخبيها بواسطة وسائل التأثير التي تستخدمها من صحافة ومؤتمرات واجتماعات على المستويين الوطني والمحلي.

ولقد حتمت القوانين التنظيمية للجماعات الترابية على المنتخب الإلتزام بانتماءه للحزب السياسي، الذي ترشح باسمه وفي حالة العكس يجرد المنتخب من صفة العضوية داخل المجلس ففي المادة 51 مثلا، من القانون التنظيمي للجماعات رقم 14. 113 :” ..يجرد العضو المنتخب بمجلس الجماعة الذي تخلى خلال مدة الإنتداب عن الإنتماء للحزب السياسي الذي ترشح باسمه من صفة العضوية في المجلس..”، وفي هذا، تكريس للرفع من أهمية وظيفة التأطير الذي يمكن أن تطلع به الأحزاب السياسية للمنتخبين، ومن تم يبقى من اللازم على هؤلاء أن لا يكثروا من ترحالهم السياسي ، حتى لايضيعوا عليهم فرصة التاطير والتكوين.

وبجانب المنتخب الإستراتيجي الذي من اللازم أن يتحلى بروح المبادرة والمسؤولية ، والبحث عن فرص التنمية لجماعته الترابية ، وبالإضافة إلى ضرورة وجود نخب سياسية ترابية تكون قادرة على حسن اختيار المشاريع والبرامج الملائمة للحاجيات والمتطلبات التي يستلزمها الشأن العام المحلي ، فإنه يعد من الضروري كذلك أن يكون في إدارة الجماعات الترابية فاعلين إداريين في مستوى مستجدات الإنشغالات الترابية وعلى دراية متكاملة بالأساليب التقنية والخبرات المطلوبة للإستجابة الفورية لهذه الإنشغالات  ، وفي الوقت المناسب وبطريقة تتلائم فعلا مع معطيات التدبير الإستراتيجي.

الفقرة الثانية : الفاعل الاداري

 أولا : عقلنة تدبير الموظفين.

إذا كانت التشريعات السابقة في مجال تدبير الشأن الجهوي، لم تهتم بإيجاد نظام أساسي للوظيفية الجماعية الترابية، فإن القوانين التنظيمية للجماعات الترابية، قد حسمت في هذا الأمر، وعملت على تضمين هذه القوانين التنظيمية بمواد تؤكد ضرورة إخراج هذا النظام الأساسي لحيز الوجود، وهذا ما أشارت إليه على سبيل المثال المادة 127 من القانون التنظيمي للجهات رقم 111.14، حيث نجد أنه:”تخضع الموارد البشرية العاملة بإدارة الجهة ومجموعاتها ومجموعات الجماعات الترابية لأحكام نظام أساسي خاص بموظفي إدارة الجماعات الترابية يحدد بقانون.

ويحدد النظام الأساسي المذكور، مع مراعاة خصوصيات الوظائف بالجماعات الترابية، على وجه الخصوص، حقوق وواجبات الموظفين بإدارة الجهة ومجموعاتها ومجموعات الجماعات الترابية والقواعد المطبقة على وضعيتهم النظامية ونظام أجورهم، على غرار ما هو معمول به في النظام الأساسي للوظيفة العمومية”، وليكون تدبير الحياة الإدارية والوظيفية للموظف الإداري الجماعي لاممركزا وقريبا ، فإنه تم تفويض الإمضاء في هذا الشأن بقرار من وزير الداخلية للسادة الولاة والعمال[18].

وإذا كانت وظيفة المنتخب – السياسي– تكمن في توجيه العمل الجماعي، وتحديد نوعية الاختيارات التنموية في إرتباط مع المحيط المحلي، فإن وظيفة – الإداري، التقني­‑ تتمثل في التصريف الإداري و التقني للإختيارات والتوجهات،

إلا أنه يلاحظ أن الجماعات الترابية لا تعرف توزيعا متكافئا وعقلانيا للموظفين العموميين، حيث أن الإختلال هو الخاصية السائدة على العموم، إذ أن الجماعات التي توجد ضمن المجال الحضري تستحوذ على حصة الأسد فيما يخص الموارد البشرية، في حين نجد أن الجماعات المتواجدة بالمجال القروي تعاني من قلة التأطير ، ولتفادي هذا الوضع، وتأهيل إدارات الجماعات الترابية، فإنه وحسب تقرير اللجنة الإستشارية للجهوية لابد من إتخاذ التدابير التالية:

  • وضع برنامج إستعجالي هادف ومكثف يمكن من النهوض بمستوى الأطر.
  • تقليص فائض أعداد الموظفين للرفع من جودة التأطير.
  • رفع إطار تنظيمي جديد للوظيفة العمومية للجماعات الترابية يزودها بمناظيم مرنة وملائمة لكل منها وييسر توظيف الكفاءات المثبة جدارتها.

إن تنمية العنصر البشري ذو الكفاءة والتكوين[19]، يشكل عنصرا أساسيا لأي استراتيجية تنموية مستديمة، فحسن توظيف هذا الأخير يجب أن يتم بطريقة تمكن من استغلاله، واستثماره لتنمية الجماعة المقاولة[20]، والرفع من تنافسيتها.

وكما سبقت الإشارة لذلك فرغم التطور السياسي والإداري والاقتصادي للمغرب بصفة عامة، والجماعات بصفة خاصة، فما زالت الهوة قائمة حيث تستأثر الجماعات المتمركزة ضمن المدار الحضري تقريبا بثلاثة أرباع  من الموارد البشرية المحلية، لذا يجب إعادة النظر في هذا التوزيع وإعادة الانتشار ليس بشكل حسابي متساو بين الجماعات، ولكن حسب أهمية الجماعات وأنشطتها الاقتصادية ومدى احتياجها إلى تلك الموارد البشرية، لأنه بقدر ما تكون عونا في أداء مهامها بقدر ما تشكل عبئا ماليا ثقيلا لا تستطيع الجماعات في أغلب الحالات تحملها.

فالجماعات التي تتموقع بالوسط القروي تعاني من عدم التوازن في الإستفادة من خدمات الأطر الجماعية، ذلك أن الجماعات التي توجد في المدار الحضري والعمالات والاقاليم، قد استفادت اكثر من غيرها من عملية توزيع هذه الاطر ، أما الجماعات الكائنة بالمجال القروي فهي لا تزال تعاني من ضعف مواردها البشرية خصوصا التقنية منها والأطر العليا ، وذلك راجع إلى كون هذه الأطر تسعى للعمل بالمراكز الحضرية الكبيرة نظرا لبعد المراكز القروية من المدن ذات الانشطة الإقتصادية والتجارية والثقافية الكبرى، ونظرا لبساطة المهام وقلة الأنشطة بتلك المراكز.

وبالتالي ينبغي تبني استراتيجية مستعجلة، تقوم على أساس إعادة إنتشار الموظفين الجماعيين بين الجماعات تشكل إحدى الركائز الأساسية للتدبير العمومي الجيد، هذا التوزيع المطلوب ليس فقط على مستوى الجماعات الترابية ، ولكن داخل الجماعة الواحدة، إذ غالبا ما نجد جماعات يتدكس الموظفون في مصلحة أو مصلحتين، ومثال ذلك الحالة المدنية، أو المصادقة على الشواهد الإدارية، في حين نجد المصالح الأخرى كالمالية والتعمير في أمس الحاجة إلى العون والمساعدة من الموظفين.

ثانيا : تهيئة تكوين يلائم احتياجات الموظف في التدبير.

إن تكوين الموظفين الجماعيين يعتبر من القضايا الأساسية المرتبطة بتدبير الموارد البشرية، فالكل يتفق على أن التكوين الوسيلة الأمثل لإيجاد الحلول لمجموعة من الإشكاليات المرتبطة بتنظيم وتحديث وتنمية القدرات المهنية للموظفين، لتأهيلهم للتكيف مع التحولات التي يعرفها مجال التدبير الإداري ، وعلى العموم فإن سياسة تكوين الموظف الجماعي قد بدأت تتشكل مقوماتها منذ بداية تطبيق قانون الوظيفة الجماعية، فكان لا بد من تحديد مبادئ توجه هذه السياسة، باعتبار تكوين الموظف الجماعي أولوية، وهكذا فقد إعتمدت وزارة الداخلية سياسة تكوينية تهدف بالأساس إلى الرفع من مستوى الأطر العاملة في الجماعة، للرفع من مردوديتها وجعلها مساهما فعالا في التنمية التشاركية، وتتحدد هذه السياسة في عنصرين أساسيين: التكوين الأساسي والتكوين المستمر.

وفي خضم إنفتاحها على أساليب أخرى في إطار التكوين والتأهيل، قامت وزارة الداخلية بعقد عدة اتفاقيات مع مكاتب متخصصة تنتمي للقطاع الخاص، ومع معاهد وطنية مختلفة التوجه والتكوين، وهكذا فقد قامت وزارة الداخلية بعقد شراكة مع مجموعة من المؤسسات التعليمية العليا– جامعة الأخوين، الجامعة الدولية للرباط مثلا‑ وذلك بهدف السهر على تأهيل موظفيها ومدهم بآخر المناهج في مجال التدبير الجهوي، وخير مثال على ذلك شراكة وزارة الداخلية مع الجامعة الدولية للرباط ، فتبعا للدورية الوزارية لوزير الداخلية رقم 64 ل 05 ديسمبر 2011 المتعلقة بتوظيف 5542 من الأطر العليا والمتوسطة، وكذا التقنيون، على صعيد الجماعات الترابية، وتدعيما لحاجيات هذه الموارد البشرية .

وفي إطار مواكبتها لهذه الجماعات خصوصا في الجانب التكويني وتقوية كفاءات وتنمية مؤهلات هاته الموارد، عملت مديرية الجماعات الترابية من خلال مديرية تكوين الأطر الإدارية والتقنية DFCAT  الإعداد لبرنامج لسلك تكويني متكامل، متنوع، وغني لفائدة الموارد البشرية الموظفة حديثا بالجماعات الترابية ولاسيما منها الأطر العليا والمتوسطة البالغ عددهم 332 إطار، منهم: الإداريين ، المهندسين ، الأطباء ، البيطريين، كان الهدف منه هو تقريب الصورة أكثر عن المرفق الإداري المحلي من الفئات المستهدفة بالتكوين، وكذا تعريفهم بالوسط المهني الذين هم مقبلين عليه، إضافة إلى إحاطتهم بالمفاهيم والمبادئ الأساسية للامركزية والحكامة الترابية، وهذا التكوين يبقى جد مهم خصوصا و أنه يصادف الإعداد للورش الجهوي الذي يحضر له.

وبخصوص الوحدات التي شملها هذا التكوين فهي تتوزع في ثمان وحدات:

  • قانون الموظف العمومي.
  • الإجابة على حاجيات المواطنين: المرفق العمومي.
  • تعريف المحيط المؤسساتي.
  • تعريف المحيط القانوني والإجتماعي.
  • إستشراف وتوقع الفعل العمومي.
  • تفعيل أليات الإدارة.
  • التواصل.
  • تفعيل الأليات القانونية.

ورغم أن هذا التكوين تم حصر مدته في ما يقارب الثلاثة أشهر إلا أنه يبقى غنيا، من حيث المواضيع التي إهتم بها، والتي تم فيها مراعاة حاجيات الجماعات الترابية التدبيرية، كما عرف تنظيم زيارات ميدانية ، حيث تم توزيع الأطر على جهات المملكة قصد اضطلاعهم أكثر على المؤسسات المشتغلة ضمن المجال الترابي الجهوي، سواء تعلق الأمر بمؤسسة الجهة، مجالس العمالة والإقليم، الجماعات ، المركز الجهوي للإستثمار،الوكالة الحضرية،كما تمت برمجت الإستفادة من تكوين أخر موازي خارج المملكة، من خلال قضاء فترة تكوينية قصيرة بالمدرسة الوطنية للإدارة ENA بفرنسا بغية التعرف على المزيد من حيثيات التدبير الجهوي .

وحرصا من الدولة على أهمية التكوين وبمواصفات عالية ، قامت بعقد عدة اتفاقيات شراكة مع دول صديقة، وكذا مع منظمات دولية تهتم بهذا المجال، وهكذا تم إرسال العديد من الموظفين المحليين إلى العديد من الدول، من بينها إسبانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا وألمانيا وروسيا وبلجيكا، كما تم إرسال موظفين آخرين إلى كل من اليونسكو واليونيسيف، وذلك من أجل الاحتكاك والتعرف على تجاربهم والمجهودات التي تبذل في مجال اللامركزية بشقيها الإداري والاقتصادي،وعلى العموم، فإن سياسة التكوين لا شك أنها ستثري معرفة الموظفين الجهويين، وتزيد من مهاراتهم كما أنه ستعزز القدرات التدبيرية والمؤسساتية والمالية للجماعات الترابية، كما ستشكل إطارا مثاليا لاستثمار أفضل الممارسات من خلال تقديم التجارب الناجحة التي من شأنها أن تشكل مرجعا في مجال هندسة التنمية الجهوية.

وهذا بالفعل ما كرسته القوانين التنظيمية للجماعات الترابية ، حيث إعتبرت أنه من إختصاص الجماعة الترابية تجويد القدرات التدبيرية لمواردها البشرية، فبالنظر إلى المادة 80 من القانون التنظيمي المتعلق بالجهات:” تناط بالجهة داخل دائرتها الترابية مهام النهوض بالتنمية المندمجة والمستدامة وذلك بتنظيمها وتنسيقها وتتبعها لاسيما فيما يتعلق بما يلي:

  • …..
  • العمل على تحسين القدرات التدبيرية للموارد البشرية وتكوينها…”.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خاتمة       

العديد من المشاكل الترابية كان السبب فيها هو غياب الفعل التواصلي ما بين جل الفاعلين في العملية التدبيرية للشأن الجهوي، حيث كان في كثير من القضايا الخاصة بهذا الشأن يتم تصريفها بشكل منعزل وغير منفتح، إذ كان كل فاعل لا يدخل في إطار علاقة تفاعلية مع فاعل آخر وفتح قنوات للاتصال معه، مما يكرس نوعا من الجمود في التدبير، وبالتالي كان كل فاعل في المجال الترابي الجهوي يشتغل في إطار نسقي خاص به وفقط من زاويته، وبالتالي مما يدل على تضمين البعد الجهوي بالبعد الاستراتيجي ما يلاحظ اليوم من تزايد ترسيخ الأسلوب التواصلي ما بين الفاعلين الترابيين، ونخص بالذكر هنا الأجهزة المنتخبة، رؤساء المجالس الترابية وكذا السلطات الترابية المعينة، فعاليات القطاع الخاص والمجتمع المدني، سواء كانوا على شكل تنظيمي كجمعيات أو أفراد.

وإذا كان هناك أسلوب تواصلي موجود وقائم منذ مدة ما بين الفاعلين الرسميين، إلا أن هذا التواصل كان محكوم فقط بالإجراء الإداري الروتيني، لكن المطلوب هو إيجاد تواصل لتبادل المشاريع والبرامج الترابية والتحاور فيها ، غير أن الأسلوب التواصلي الذي كان غير حاضر في العديد من الأمور التدبيرية هو الذي يخص الفاعلين الرسميين والأفراد، الذين لم تكن لهم الفرصة في التناقش والتحاور حول الشؤون الترابية التي تهمهم وفيها مصالحهم، وإن كانوا فقط في وضعية المتلقي وليس الفاعل المشارك، ومما كرس كذلك هذا الوضع هو المنطق الاحتكاري للمعلومات الذي ميز الأجهزة التدبيرية، ومن تم ولتحقيق ذلك التفاعل الإيجابي ما بين الأفراد والأجهزة يسجل اليوم أن هناك توجه استراتيجي تواصلي متمثل في نهج أسلوب الشفافية والمرونة في تدفق المعلومات، وهو ما يكمن تلمّسه في البوابات الخاصة الموجودة على الشبكة العنكبوتية لبعض الجماعات الترابية والتي تتضمن العديد من المعلومات عن نوعية مشاريعها المتبناة وبعض التسهيلات في الخدمات، كذلك فإن هذا التدبير بواسطة النظام الإلكتروني سيعمل على تلافي العديد من المشاكل التي تتعلق بالبطء والروتينية في تقديم الخدمات التي ستصير بفضل تطبيقه في مستوى عال من الجودة والفعالية، كذلك يبقى من الضروري في إطار التدبير الاستراتيجي ليس فقط الاهتمام بالعلاقة التفاعلية ما بين الفاعلين في المجال الجهوي فحسب .

بل يعد كذلك من الضروري بمكان الاهتمام بالفاعلين أنفسهم، وخصوصا المسؤولين المباشرين في التدبير الترابي الجماعي، وبالضبط الفاعل السياسي والحديث هناعن المنتخب الترابي الذي ستزداد عنده مسؤوليات تدبيرية كبرى وعليه أن يتسلّح بالتكوين اللازم وكذا روح الانفتاح على المحيط الذي يشتغل ضمنه و أن يلتزم أكثر بالجدية والمعقولية في التدبير أكثر من المزاجية وسوء الاختيار في المشاريع والبرامج التنموية، كما أن سياسية التنمية الترابية تبقى هي الأخرى مطالبة بتغيير أساليب اشتغالها، بحيث حان الوقت للحديث عن إيجاد نخبا ترابية تتوفر على أجندات عمل تنموية ولديها هاجس الرفع من مستوى عيش ساكنة التراب الذي تمثله، وبما أن العمل الجهوي سيكون محكوم في المستقبل بسياسة البرامج والمشاريع ومفاهيم جديدة في التدبير الترابي، فإن الموظف كفاعل إداري لن يجد بدا من تغيير هو الآخر للعقلية التي يشتغل بها في التدبير، وكذا الانضباط لسلوك التكوين الذي يجب أن يلائم هذه السياسة والمفاهيم التدبيرية الجديدة، وكذا العمل على حسن توزيع واستغلال كل الطاقات التدبيرية لهذا الفاعل في الاتجاه الصحيح وتحرير الطاقات التنموية الذي يزخر بها المجال الترابي الجهوي .

إن تحسين الأسلوب التواصلي مابين الفاعلين في المجال الترابي الجهوي ، وتعزيز الشفافية في انسياب المعلومات ، سيكون له طابع جد مهم على مستوى العلاقات المفترض أن تجمع بين هؤلاء الفاعلين ، خصوصا إذا ماتم الإستخدام الحسن لأداة الإدارة الإلكترونية ، لما لها من فعالية في تجويد الخدمات الترابية وتطويرها وتفادي كثرة الإجراءات والتعقيدات ، ففي حال نهج التواصل الشفاف وحسن تطبيق الإدراة الإلكترونية فإن بنية التدبير الجهوي ستعرف تحولا استراتيجيا ملحوظا ، وسيكون له انعكاس جد إيجابي على مستوى تزايد الوظيفة التدخلية للجماعات الترابية في شتى قضايا التدبير الترابي المحلي.

 

[1]– المصطفى دليل  :  ”  المجالس الجماعية في المغرب على ضوء الميثاق الجماعي الجديد ” . المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية ، سلسلة مواضيع الساعة، عدد 40، 2003 ، ص 130. مواضيع الساعة، عدد 40، 2003 ، ص 130.

[2]– الظهير الشريف رقم 1.15.85  صادر في 20 رمضان 1436 هجرية ، الموافق ل 07 يوليوز 2015، بتنفيذ القانون رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، الجريدة الرسمية عدد 6380 ، بتاريخ 06 شوال 1436 ، الموافق ل 23 يوليوز 2015.

 

[3]– عبد الغني اعبيزة : “سياسة التحديث الإداري بالمغرب – دراسة قانونية ومؤسساتية –” . مطبعة دار القلم الرباط،  الطبعة الثانية 2011، ص 112.

 

[4]– سعد غالب ياسين : ” الإدارة الإلكترونية وآفاق  تطبيقاتها العربية “.  معهد الإدارة العامة الرياض، المملكة العربية السعودية ،الطبعة الأولى2003، ص  286 .

[5]– نفس  المرجع السابق، ص 286.

[6]– رضوان امشيشو: ” دور الإدارة الإلكترونية في التواصل المحلي بين الإدارة الجماعية والمواطن”. بحث لنيل دبلوم الماستر بجامعة عبد المالك السعدي، كلية الحقوق طنجة، السنة الجامعية 2010 –  2011 ، ص 120.

 

[7]– زكريا  أبوميون:  ”  الاداء السياسي والاداري للمنتخب الجماعي بالمغرب” ،  رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة القانون العام جامعة عبد المالك السعدي ، كلية الحقوق طنجة، الموسم الجامعي :2007-2008 ،  ص 65 – 66.

[8]– علي السدجاري  : ”  وحدة المدينة، المفهوم ونقيضه   “. المجلة المغربية للتدقيق والتنمية، عدد 44،   يونيو  2004 ، ص 23.

[9]‑ أما القانون التنظيمي للجهات  رقم 111.14 فتطرق لحالات التنافي بشكل مغاير لما كان عليه الوضع في السابق وذلك من خلال المادة 17 الذي جاء فيها  :  ” تتنافى مهام رئيس مجلس الجهة أو نائب رئيس مجلس جماعة ترابية أخرى أو مهام رئيس أو نائب رئيس غرفة مهنيةأو مهام رئيس أو نائب رئيس مجلس مقاطعة .وفي الجمع بين هذه المهام، يعتبر المعني بالأمر مقالا بحكم القانون من أول رئاسة أو إنابة انتخب لها…لايجوز الجمع بين رئاسة مجلس الجهة وصفة عضو في الحكومة أو في مجلس النواب أو مجلس المستشارين أو المجلس الإقتصادي والإجتماعي والبيئي….”.

[10] –  محمد امافعي  : “دور المجالس الجماعية في التدبير المحلي، حالة جماعتي مديونة وتيط مليل بمدينة الدار البيضاء”.  منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة ندوات ومناظرات رقم 85، مطبعة النجاح الجديدة – الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2000، ص 65.

[11]– محمد بن طلحة الدكالي: ” النظام الجماعي بالمغرب : دراسة تحليلية للمقومات البشرية والمالية والوصائية” . اطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام جامعة الحسن الثاني، كلية الحقوق عين الشق الدارالبيضاء، السنة الجامعية 1998-1999 ، ص 94.

.

[12]–  حماني أقفلي : ” السلوك الاجتماعي والسياسي للنخبة المحلية ” . إصدارات مركز طارق بن زياد، الرباط 2002، ص 27.

[13]– سلمان بو نعمان :  ”  وظائف النخبة المحلية في النسق السياسي المغربي”.   مجلة مسالك  ، العدد 11 – 12، 2009 ، ص 06.

[14]–  ينص مثلا الفصل الثالث من دستور 13 شتنبر 1996 على أن : ”  الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والجماعات المحلية والغرف المهنية تساهم في تنظيم المواطنين وتمثيلهم ” .

[15]– أجعون أحمد : ”  تكوين المنتخب الجماعي والميثاق الجماعي الجديد ”  . منشورات المجلة المغربية للادارة المحلية والتنمية،  سلسلة مواضيع الساعة ،  عدد 44-2003،  ص133.

[16]– المسعودي أمينة  : ”  المشاركة والتعددية في قانون الأحزاب السياسية  “. مجلة دراسات قانونية واقتصادية وسياسية، الجزء الثالث، 2007، ص 41.

[17]– خديجة صبار:  ”  إدانة تدبير الشأن المحلي في المغرب – تجربة مستشارة –  ” . مطبعة  إفريقيا  للشرق، 2005، ص 58.

[18]‑قرار وزير الداخلية رقم 512.14 صادر في 18 من ربيع الأخر 1435 الموافق ل 18 فبراير 2014 ، جريدة رسمية عدد 6241 الصادرة في 24 مارس 2014 المادة الأولى :” يفوض إلى ولاة الجهات وعمال عمالات و أقاليم المملكة ….الإمضاء والتأشير نيابة عن وزير الداخلية على جميع القرارات المتعلقة بتدبير الموارد البشرية للجماعات الترابية التابعة لدائرة نفوذ اختصاصهم الترابي” .

 

[19]– Fatima Chahid : « Territorisation  Des Politique Publique ». Publication  De la  Revue  Marocaine D’administration  Locale  Et  De Développement , Collection , Manuels  Et  Travaux , N° 63, 2005. p  103.

[20]–  الطاهر بوشتى : “التكوين المستمر والتدبير الاستراتيجي بالإدارة المحلية”. أشغال ندوة – التكوين المستمر والتنمية – مجموعة البحث والتكوين والتكوين المستمر، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة شعيب الدكالي، مطبعة الكرامة، الطبعة الأولى، 2004، ، ص 275.