التهرب الضريبي بالمغرب: المفهوم، الأسباب وسبل المكافحة

التهرب الضريبي بالمغرب: المفهوم، الأسباب وسبل المكافحة

صفاء البوهالي

باحثة بسلك الدكتوراه بجامعة محمد الخامس بالرباط

كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية –سلا-

ملخص:

إن ظاهرة التهرب الضريبي ظاهرة عالمية، فهي لا تخص الدول السائرة في طريق النمو فقط دون أخرى، فهي ملازمة للنظام الضريبي، وتعد إحدى المعوقات الأساسية للتنمية الاقتصادية والوفرة المالية، والتي تستوجب محاربتها بصفة مستمرة وبمجرد اكتشافها.

والواقع أن تداول مفهوم التهرب الضريبي جاء بعد جرد كل السلوكات السلبية تجاه الأداء، فبات إذاك تداول مفهوم التهرب الضريبي بشكل عام ليقصد به كل من السلوكيات التالية، من: غش- تملص- امتناع[1] مع ضرورة إبراز نقط الإختلاف بين كل هذه الأشكال.

لذلك، فموضوع هذه الدراسة يتناول بالبحث والتمحيص ظاهرة التهرب الضريبي من مختلف نواحيها وجوانبها وحيثياتها، الأمر الذي تطلب منا مجهودا مضاعفا من أجل البحث عن مختلف المفاهيم المرتبطة بموضوع التهرب الضريبي، وأيضا عن الآثار المرتبة عنه سواء على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، محاولين إبراز مختلف الوسائل الإدارية التي تستخدمها الإدارة الضريبية من أجل الردع والتقليل من هذه الظاهرة، وأيضا الوسائل القانونية الزجرية التي تحد من تأثيراتها على مالية الدولة بالخصوص.

الكلمات المفاتيح: التهرب الضريبي- الغش الضريبي- الملزم- الإدارة الضريبية- مفاهيم التهرب- أسباب التهرب- زجر التهرب- المراقبة الضريبية- الجزاءات القانونية.

مقدمة:

تعد التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشغل الشاغل للمفكرين الاقتصاديين والباحثين، وهذا الاهتمام ليس وليد الصدفة بل هو نتيجة طبيعة التغيرات التي حدثت في أعقاب الحرب العالمية الثانية. فالدول أصبحت تسعى قدر الإمكان لتنويع مصادر تمويل مشاريعها التنموية.

وتشكل الضرائب أهم الموارد المالية التي تقوم عليها التزامات الدولة، مما يجعل من الواجب إخضاعها لنظام معقلن، يقيها من كل محاولات الغش والتهرب الذي يكلف خزينة الدولة الكثير من المداخيل، التي تشكل جزءا هاما من  الموارد المالية. ويترتب عن ذلك عدم قيام الدولة بالإنفاق العام على الوجه الأكمل، وبالتالي تصبح عاجزة عن أداء واجباتها الأساسية اتجاه مواطنيها ،و في ظل عجز الميزانية تضطر  الدولة  اللجوء إلى وسائل  تمويلية أخرى كالإصدار النقدي و اللجوء إلى الاقتراض.

ويعد التهرب الضريبي، الذي يعتبر أحد أكبر مظاهر السخط  والتمرد على الفرض الضريبي، ظاهرة من الظواهر الأكثر انتشارا في اقتصاديات الدول الحديثة، ويؤثر سلبا على مداخيل هذه الدول، وبالتالي على أنشطتها ووظائفها المتعددة. وبالتالي فإن مختلف التشريعات تستخدم كل الوسائل القانونية لمكافحة هذه الظاهرة التي تستهدف مخالفة الواجب الضريبي.

وتختلف طرق المكافحة تبعًا للنظام الضريبي بشكل عام ولكل ضريبة بشكل خاص، وتسعى الدولة جاهدة إلى مكافحة التهرب بالوسائل الممكنة كافة. وفي واقع الأمر فإن مكافحة التهرب الضريبي يتم بالعمل على منع وقوعه وعلى معاقبة مرتكبيه. ويلعب التشريع الضريبي دورًا محوريًا في محاربة التهرب الضريبي وخاصة بعد أن ازدادت أهمية الضرائب وتعاظم دورها في الأنظمة المالية المعاصرة.

فما هي أسباب التهرب الضريبي ودوافعه؟ وما الوسائل الكفيلة بمحاربته والحد منه كظاهرة تقوض الموارد المالية للدولة وتعيق تنفيذ المشاريع التنموية؟

المبحث الأول: ماهية التهرب الضريبي

الغش أو التهرب الضريبي كهدف، وأحيانًا كنتيجة، هو سلوك يتوخى الهروب من كل أو جزء من الالتزام الضريبي. ومع ذلك، فإن هناك سلوكات ذات طبيعة مختلفة يمكن أن تؤدي إلى نفس المشكلة، حيث يسعى من خلالها الملزم إلى التملص من الواجب الضريبي. فالتمييز، من الناحية القانونية، بين مختلف أنواع السلوك التي يتجلى من خلالها رفض الضرائب أمر صعب لأن ما يسمه هو عدم التحديد. ففي الواقع، يتأثر هذا التمييز عبر المفاهيم والظواهر. وبالنظر إلى الشكلين الرئيسيين لتقليل الضرائب، وهما الاحتيال والتهرب الضريبي، يلاحظ جرنيفيك أن “المصطلحات تستخدم مع معان مختلفة حسب المؤلفين”[2]. ومع هذا الارتباك الواضح، يمكن للمرء أن يعارض أن السلوكيات التي تحمل هذه المفاهيم تحتوي على نقاط مشتركة كثيرة. وبالتالي، فإن تحديد معيار يجعل من الممكن التحديد الواضح للحدود الخاصة بكل سلوك أمرًا إشكاليًا.

ولذلك، فالمكلف بالضريبة غالبا ما يلجأ إلى سلوكات وتصرفات من أجل التخلص من دفع الضريبة، وهذا السلوك هو ما يعرف بالتهرب الضريبي. فهذا الأخير جريمة تعرفها مختلف المجتمعات، باعتبارها وجدت بتواجد الضريبة نفسها، وهي من أهم انشغالات المشرع لأنها تهدد وجود النظام الضريبي وتقلل من أهميته.[3]

المطلب الأول: مفهوم التهرب الضريبي

غالبا ما تكون مشاعر المواطن الملزم بالضرائب مرتبكة: فهو بوجه عام ضد الضرائب وضد الإدارة المكلفة بالجلوس وجمعها. يمكن لهذا الرفض الكامن أن يتخذ أشكالًا ومحتوىً سياسيًا عندما يتطور على أرضية اقتصادية واجتماعية مواتية بشكل خاص. لكن في أغلب الأحيان، ينحدر هذا الرفض إلى موقف سلبي تجاه الضرائب، موقف يجب أن يكون دقيقا فيما يتعلق بنوع الضريبة المعنية. فالهروب من الضريبة هو قبل كل شيء هرب من قيود الدولة؛ وبالنسبة للبعض، فإن العلاقة مع الإدارة الضريبية يتم اختبارها على أنها لعبة معروفة بقواعدها وليس من غير الملائم اللعب مع إدارة لم تعد سمعتها القمعية تثبت ذلك.

وتستخدم العديد من المفاهيم في الأدبيات أو النقاش العام لتمييز موقف عدم امتثال الملزمين لالتزاماتهم الضريبية. فهناك تعريفات دقيقة لمفاهيم الاحتيال والتهرب والتجنب الضريبي لا يتم تحديدها بشكل واضح دائمًا.

فمن الصعب تمييز الحد الفاصل بين الغش والتهرب الضريبي. ومع ذلك نود أن نعارض بوضوح ما قد يعتبر غير قانوني ويعاقب عليه بغرامة أو بالسجن، وما هو أمر قانوني. فالغش من جهة، هو مخالفة للتشريعات الضريبية المعمول بها، ومن ناحية أخرى التهرب الضريبي أو تعديل الضريبة، هو رمز للاستخدام الماهر للنصوص. فاختلاف الوضعية المادية أو القانونية يجعل من الصعب التمييز  بينهما بدقة دائما. وتضعف هذه الحدود بين الغش والتهرب إلى درجة تمحى عند التمييز بين مفهومي الاحتيال القانوني والاحتيال غير القانوني وبين التهرب القانوني والتهرب غير القانوني.

ويمكن تعريف التهرب الضريبي كوسيلة لتجنب الضرائب أو تخفيضها أو تأخيرها بوسائل غير الغش. فهو يسمح بحرية استخدام القدرة المالية، ولكن لأن أي حرية لها حدود، فإن تجريم التهرب يجد هدفه في الاستخدام التعسفي للمعرفة المالية. فالهدف من فكرة التهرب الضريبي هو تحديد متى ننتقل من القانونية إلى سوء الاستعمال.

فالتهرب الضريبي يعتبر آفة شديدة الخطر على أساس فرض الضريبة، وانتشاره يعمل على تقويض هذا الأساس. فالمكلف يكون قد تهرب من الضريبة إذا لجأ إلى بعض وسـائل الغـش أو التحايل لإخفاء حقيقة المادة الخاضعة للضريبة أو إخفاء أمواله التي يمكن التنفيذ عليها لتحصيل ما ترتب في ذمته من ضرائب أو ما حجزما تحت يده منها تطبيقاً لأحكام القانون لتوريـده إلـى خزينة الدولة. ويعني التهرب من الضريبة الإفلات منها بعدم دفعها كليـاً أو جزئيـاً أو مـن تحمل عبئها وذلك في وقت واحد.

والتهرب الضريبي هو ظاهرة ذات تأثير كبير على الاقتصاد الوطني ، إذ يتمثل في تجاوز النظم الضريبية عن طريق اللجوء إلى أعمال غير قانونية من أجل التهرب من الضرائب المستحقة لخزانة الدولة. فهو يتشكل من عنصر مادي وعنصر إرادي مبني على التعمد ، وبالتالي يختلف عن الخطأ الذي هو مجرد نسيان بحسن نية[4].

ويشمل التهرب الضريبي استخدام آليات غير قانونية ، يحظرها صراحة القانون أو الاجتهادات القضائية (بما في ذلك إساءة استخدام الحقوق ، والإدارة غير الطبيعية وغيرها من التقنيات التي يمكن وصفها بأنها التهرب الضريبي مع العقوبات الجنائية)، وهذا الاستخدام المفرط للآليات يحتمل أن تكون ضارة ومخالفة للمصلحة العامة. وتستند هذه الآليات ، التي تستخدمها الشركات والأفراد ، بشكل خاص على الثغرات التشريعية للقانون من خلال ترتيبات معقدة للهروب من الضريبة[5].

فمشكلة التهرب الضريبي هي ظاهرة معقدة، إذ يبدو أنه تجاوز لسلطة الإلزام، وبالتالي ينطوي على تحدي لدافعي الضرائب والدولة، وبالتالي يشكل مصدر قلق للحكومات. هذا القلق يمس عدة نواح، فمن جهة أولى يمس البعد المالي البحت لأن الاحتيال يولد خسارة في الموارد المالية للدولة. ومع ذلك، إذا كان الاحتيال يجهد قدرة الحكومات على تحمل نفقاتها ، فإنه يفرض عدم التوزيع العادل لعبء التمويل العام بين دافعي الضرائب من خلال زيادة عبء أولئك الذين يظلون صادقين في أداء الضرائب.

أما الغش الضريبي فيقصد به تمكن الملزم كليا أو جزئيا من التخلص من تأدية الضرائب المستحقة عليه، وذلك عبر ممارسة الغش والتزوير في القيود ومخالفة القوانين والأنظمة الضريبية المعتمدة. فقد يلجأ الملزم إلى ستر طبيعة وحجم عمله عن الدولة أو يمتنع عن تقديم التصريح المطلوب منه أو يقدم تصريحا غير حقيقي ومدعوما بمستندات مزورة عن حقيقة أرباحه، فيخفي بعض أوجه نشاطاته، أو يزيد من قيمة تكاليف الدخل القابلة للإعفاء الضريبي أو يستعين ببعض القوانين التي تساعده على إخفاء حقيقة أرباحه. فالغش ينطوي على عمل متعمد من جانب دافع الضرائب، قرر الالتفاف على القانون للتهرب من دفع الضريبة[6].

المطلب الثاني : أسباب التهرب الضريبي وأنواعه

تعد الضريبة بمثابة فريضة مالية يدفعها الملزم  قسرا إلى الدولة وفق ما تقضي به التشريعات الضريبية، مساهمة منه في التكاليف والأعباء العامة دون أن يعود عليه نفع منها. غير أنه عادة ما يلجأ بعض الملزمين إلى التملص من الضريبة سواء عن طريق ممارسة الغش أو عن طريق التهرب.

الفقرة الأولى: أسباب التهرب الضريبي

بالرجوع إلى الأسباب التي تدفع أو تشجع الملزمين على ممارسة التهرب الضريبي نجد أن هناك مجموعة من الأسباب، ومن أبرزها ما يلي:

فأحيانا يخالج الملزم نوع من الإحساس بضعف المؤسسات وعجز الدولة عن إعمال القانون وفرض سيادته، وعدم قدرتها على ممارسة مسؤولياتها الرقابية من أجل وضع اليد على الممارسات التي تعد تهربا ضريبيا وإحالة أصحابها إلى القضاء. فغالبا ما تصطدم الدّولة بافتقار لأنظمة ضريبية متطوّرة تستجيب لمقتضيات التنمية. فوجود فراغ قانوني في المجال المالي يجعل النظام الجبائي يتناقض والواقع الجديد في البلاد[7]. وبالتالي يجد الملزم نوعا من السهولة في الالتفاف على النظام الضريبي المعمول به.

ورغم وجود أجهزة متخصصة في الإدارة الضريبية ومتعددة داخل الدولة، فإنها لا تكفي لحسن تنفيذ السياسة الضريبية، بل يجب بموازاة مع ذلك تدعيمها بمجموعة من الوسائل المادية لتحقيق المردودية المتوخاة. فإدارة الضرائب لا تتوفر على الوسائل المادية اللازمة للقيام بعملية الإحصاء التي تناط بها على رأس كل سنة، بحيث أن أغلبية الموظفين يقومون بالمهام المنوطة بهم بإمكانياتهم الخاصة دون مساعدة من الجهات المسؤولة رغم ما تجنيه الخزينة العامة من مستخلصات جبائية[8].

كما تلعب العوامل النفسية دورا هاما في الغش الضريبي، فكلما زاد الوعي بدفع الضريبة لدى الملزم بها ضعف الباعث على الغش والنقص فيها، وكلما كان الوعي الضريبي ضعيفا كان الباعث النفساني على التهرب قويا وملموسا[9].

ومن جهة أخرى، يمكن أن يشكل فرض عقوبات غير متشددة على المُدانين بتهمة التهرب الضريبي حافزا على الغش الضريبي، الأمر الذي لا يحقق الردع المطلوب من العقوبة، مما يشجع المكلفين بالضريبة على التهرب إذا كان العائد المتحصَّل من خلاله أكبر من العقوبة المترتبة عنه[10].

كما أن الشعور بارتفاع معدلات الضريبة وثقل العبء الضريبي على الملزمين يمكن أن يؤدي إلى التهرب الضريبي أو الغش في التصريح بالضريبة. فلا يرى الملزم حينئذ أثرا للضرائب التي يؤديها للدولة يعود عليه بالنفع، مما يساعد على انتشار روح التمرد على الالتزامات العامة وبالتالي تنتشر ثقافة التهرب التي تلعب دورا مهما في التهرب من دفع الضريبة. فهناك مجتمعات تنظر الى التهرب الضريبي نظرة ازدراء واستهجان بعكس بعض المجتمعات التي تعتبر التهرب من دفع الضريبة دليلا على الذكاء والبراعة وتستحق الاعجاب[11].

فالإحساس بعدم شرعية الضرائب في الأساس يساهم في التهرب من أدائها الطوعي، إذا كان النظام الحاكم نفسه فاقدا للشرعية الديمقراطية وغير منبثق من الإرادة الشعبية ومعبر عنها. ويزداد هذا الإحساس إذا استشرى الفساد داخل أجهزة الدولة، وصار المال العام مباحا أمام النهب والسلب دون حسيب أو رقيب، وإذا رأى المواطنون أن الموارد العمومية أصبحت غنيمة يتنعم بها رجال السلطة والمقربون منهم، ويتم تبذيرها في نفقات استهلاكية خارجة عن القصد[12].

كما أن الشطط في استعمال السلطة التقديرية من قبل الإدارة الضريبية في تقدير الوعاء الضريبي المفروض على الملزمين يؤدي في الكثير من الحالات إلى التهرب الضريبي. فهذا الشطط يساهم بشكل كبير في تشجيع بعض المهنيين على ممارسة أنشطتهم بشكل سري وفي القطاعات غير المهيكلة وعدم التصريح بها، أو عدم تسجيل أنفسهم لدى الإدارة الضريبية أساسا. والحقيقة أن مطلب العدالة الضريبية هو الدعامة الأساسية لترسيخ الوعي الضريبي كما أن ترشيد النفقات العمومية لن يؤدي بدوره إلا إلى دعم الوعي الضريبي. فالمجهودات التي تبذلها الدولة أكثر ما يمكن من العائدات الجبائية يجب أن يقابلها مجهودات أكبر في ترشيد النفقات العمومية وعقلنتها لتجنب التملص الضريبي[13].

الفقرة الثانية: أنواع التهرب الضريبي

غالبا ما يفضي التهرب الضريبي إلى تقزيم حصيلة الإيرادات العامة وبالتالي إلى إتباع سياسة مالية من شأنها تقليص حجم النفقات العامة التي تعد الوسيلة الوحيدة لإشباع حاجة المجتمع، للدفاع والتنمية الاقتصادية والتقدم الاجتماعي، وبالتالي يؤدي في النهاية إلى انخفاض الاستثمارات وإلى هبوط المستوى المعيشي للأفراد ناهيك عن إضعاف مقدرة الدولة في المحافظة على الأمن وإعادة توزيع الدخول. وبذلك تتعدد صور التهرب الضريبي وتتباين أنواعه سواء من حيث مطابقته للمعايير التشريعية أو من حيث القصد الإرادي للملزم.

فالتهرب الضريبي غير المشروع يتمثل في سعي المكلف للتخلص الكلي أو الجزئـي مـن التزامه القانوني، بدفع الضريبة المستحقة عليه، مستعيناً في ذلك بمختلـف الوسائل غير المشروعة قانونا. فقد يتبع الملزم وحده، أو بمساعدة موظفي السلطات الـضريبية، طرقـاً للغـش والتزويـر والإخفاء وتجنب تقديم المعلومات الحقيقية عن نشاطاته، ودخوله الخاضـعة للضريبة، بغية التملص من دفع الضريبة، أو أي جزء منها[14].

أما التهرب الضريبي المشروع فيمكن أن ندرج في إطاره كلا من التجنب الضريبي المقصود والتجنب الضريبي غير المقصود. ويقصد به تخلص المكلف من أداء الضريبة نتيجة استفادته من الثغرات الجبائية الموجودة بفعل تعقد النظام الجبائي أو عدم إحكام صياغة القوانين، هذا ما يفسح المجال إلى العديد من التأويلات .فهذه الاستفادة لا تعد مخالفة للقانون ما دام يتصرف في إطار قانوني جعلها له المشرع من خلال سلسلة من إيرادات القيم المنقولة أو الخدمات، وذلك في حالة عدم تناول النص القانوني لمثل هذه الأوعية وهي الأسهم[15].

ويمكن الحديث أيضا عن التهرب الضريبي البسيط، وهو كل فعل مرتكب بسوء نية من أجل مخادعة الإدارة الجبائية للوصول إلى خضوع أقل للضريبة من خلال تقديم تصاريح ناقصة تتضمن بيانات خاطئة لتقدير الضريبة على أساسها .وقصد بالنية السيئة كون المكلف واع بعدم مشروعية العمل الذي يقوم به.

ومقابل هذا النوع هناك التهرب الضريبي المركب، وهو ذلك النوع من الغش الذي يتبع طرق تدليسية من أجل تجسيد إدارة تجنب الضريبة. وفي إطار هذا النوع يتهم الملزم بإتباعه الأساليب التدليسية، عن طريق محو كل الآثار الحقيقية للأنشطة، وهي حالة الملزم الذي يقدم لإدارة الضرائب محاسبة مزيفة وفواتير كاذبة[16].

المطلب الثالث: آثار التهرب الضريبي

تشكل ظاهرة التهرب الضريبي ظاهرة سلبية وغير صحيحة وذات أثار بالغة الخطورة سواء كانت على الناحية الاقتصادية أو الناحية المالية أو الناحية الاجتماعية. فهذه الظاهرة تعد تقويضاً لفعالية جهود الدولة في تحقيق التنمية المالية والاقتصادية والاجتماعية. والملاحظ أنه كلما زاد حجم التهرب الضريبي زادت آثاره السلبية على كافة النواحي الاقتصادية والاجتماعية والمالية.

الفقرة الأولى: الآثار الاقتصادية

تعمل الدولة لتحقيق ما تصبو إليه من تنمية اقتصادية، على استخدام الضريبة كأداة لدفع مختلف قطاعات النشاط الاقتصادي لتعمل بأقصى معدلاتها مـع المحافظة على النمو المتوازن بين القطاعات الصـناعية والزراعيـة والخـدمات. فالنظام الضريبي الذي تتخذه الدولة يستند على ما يكفي من الحوافز لتشجيع الاسـتثمار فـي مجـالات التنمية المطلوبة، حيث تستخدم فيها الإعفاءات والتصاعد الضريبي لتحقيق أهداف العدالة فـي توزيـع الدخول والحوافز لتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية.

غير أن التنمية الاقتصادية عندما تستند إلى النظام الضريبي كأساس لها، فإنها تتأثر بمدى امتثال الملزمين في أداء التزاماتهم الجبائية دون تهرب أو غش. وما دام أن الازدهار الاقتصادي مرهون بتكافؤ الفرص وتعادل الالتزامات والحقوق بالنسبة للفاعلين الاقتصاديين، فإن المتهرب الضريبي من الفاعلين الاقتصاديين تكون تكلفة إنتاجه أقل من تكلفة إنتاج الفاعلين الاقتصاديين أو المنشآت الاقتصادية الأخرى. و هذا مما يخل بقواعد المنافسة المشروعة، و يؤدي بالتالي إلى انكماش اقتصادي نتيجة إفلاس المؤسسات التي تعجز عن المنافسة[17].

كما أن التهرب الضريبي يؤدي إلى انخفاض حجم الإيرادات الحكومية وبالتالي انخفاض الإنفاق الحكومي على الاستثمارات وعرقلة مشاريع التنمية. وبالتالي تلجأ الحكومة إلى رفع سعر الضريبة لسد العجز الحاصل في الإيرادات. كما أنها تلجأ إلى عملية الاقتراض لتمويل مشاريعها سواء عن طريق القروض المحلية أو الخارجية وما يشكله ذلك من إنهاك لإيرادات الدولة وتحولها لخدمة الدين العمومي عوض تحقيق التنمية.

ومن جهة أخرى يؤثر التهرب الضريبي على الميزة التنافسية بين الشركات والوحدات الاقتصادية، حيث أن الملزمين الذين لا يدفعون الضرائب أو يتهربون من أدائها تقل التكلفة عليهم وبالتالي تتسع هوامش الربحية في مشروعاتهم. وبالتالي فإن هذه الظاهرة تساهم في ظهور الاقتصاد الخفي الذي يعمل خارج سيطرة القانون. فالمبالغة في فرض الأعباء الضريبية وتهرب الملزمين من أدائها تؤدي إلى انخفاض حصيلة الضرائب وذلك من خلال إخفاء الأنشطة الاقتصادية، بحيث يسود الاقتصاد الموازي والتهريب بجميع أشكاله وفي جميع المناحي الاقتصادية، خاصة وأن سبله أصبحت متوفرة مع سيادة الحواسب الإلكترونية وتطور وسائل الاتصال اللاسلكي التي عبرها يتم البيع وأداء الخدمات[18].

الفقرة الثانية: الآثار الاجتماعية

يتسبب التهرب الضريبي في انخفاض الموارد الجبائية التي تشكل عنصرا أساسيا على مستوى الادخار والاستثمار. كما أنه يؤدي إلى انعكاسات وخيمة على السياسة الاقتصادية والاجتماعية خاصة فيما يتعلق بتوجه الاقتصاد الوطني، مما يؤدي إلى تسببه في انخفاض مستوى الإنتاج وانتشار البطالة والفقر ثم مساهمته في التوزيع غير العادل للدخول والثروات بين مختلف مكونات المجتمع. وهو ما يعيق تحقيق عدالة اجتماعية[19].

وإذا كانت الضريبة تعد أحد مظاهر التضامن الاجتماعي، فإن التهرب الضريبي يعد إخلالاً خطيراً بمبدأ التضامن الاجتماعي وإهدارا سافرا للعدالة الاجتماعية التي هي أساس فرض الضرائب. فالتهرب الضريبي ينعكس بشكل طردي على قيم التضامن الاجتماعي بين أفراد الأمة الواحدة. حيث أصبح مفهوم العدالة الاجتماعية بمعناها الواسع يعني مراعاة الأوضاع الشفهية للملزم ومراعاة مقدار الدخل بحيث يعفى منه القسم الضروري للعيش وتفرض معدلات تصاعدية على الباقي وترتفع كلما ارتفع الدخل.

 كما أن أهم الأهداف التي تسعى الدولة لتحقيقها من فرض الضرائب يتمثل في إعادة توزيع الدخول ومصادر الثروة الأخرى، ويتحقق ذلك باستخدام الضرائب التصاعدية بحيث يدفع ذوي الدخل المرتفع ضريبة نسبية أعلى من تلك التي يدفعها ذوي الدخل المحدود مع مراعاة وجود الأنفاق الحكومي. غير أن التهرب الضريبي يؤدي إلى المزيد من أنواع التهرب، حيث يأخذ شكلا” شمولياً بمعنى أن التهرب من الضريبة قد يؤدي إلى التهرب من ضريبة أخرى.

واعتبارا لذلك فإن تقييم حجم تأثير التهرب الضريبي وانعكاساته على الفعالية الاجتماعية ومعها الفعالية الاقتصادية، الفعالية في استخدام القدرات والإمكانيات المتاحة في المنظمة لتحقيق الأهداف العامة والخاصة، من حيث إدارة الوقت وسرعة الانجاز وإدارة النوعية وتحفيز المهارات البشرية ودفعها إلى الإبداع والابتكار، مما يحقق الاستمرار والنمو والتطوير الدائم.

المبحث الثاني: آليات مكافحة التهرب الضريبي

تتباين وسائل مكافحة التهرب الضريبي تبعا للنظام الضريبي المتخذ بشكل عام ولكل ضريبة بشكل خاص. فالدولة تعمل جاهدة على مكافحة التهرب الضريبي بكل الوسائل الممكنة. ولذلك فـإن مكافحـة التهرب الضريبي تتم بالعمل على منع وقوعه وعلى معاقبة مرتكبيه عبر اتخاذ مجموعة من التدابير التي تختلف في فعاليتها وجدواها في الحد من إفلات الملزمين من أداء ما بذممهم من أموال عامة لفائدة خزينة الدولة[20].

المطلب الأول: الرقابة الجبائية

إذا كان النظام الضريبي يمنح الحرية النسبية للملزمين بتقديم تصريحاتهم الضريبية بشكل يوافق نشاطاتهم ومداخيلهم الحقيقية تلقائيا، فإن المشرع رغم ذلك أجاز للإدارة الجبائية كل الوسائل القانونية والتنظيمية اللازمة من أجل مراقبة مختلف التصريحات التي يدلي بها الملزمون، مخافة أن تكون غير صحيحة وغير صادقة، نظرا للأخطاء التي يمكن أن تتسرب إليها أثناء التصريح، سواء بحسن النية أو بسوء النية من أجل التهرب الضريبي.

فالرقابة الجبائية بمختلف هياكلها وآلياتها تسعى للتأكد من التصريحات الجبائية التي يتم تقديمها من طرف الملزمين بالضريبة والتي من خلالها يتم كشف كل الإسقاطات والتجاوزات التي يمكن أن يستعملها الملزم للتملص من أداء الضريبة. فهي تشكل وسيلة فعالة تضمن مصلحة الخزينة العمومية من جهة، ومن جهة أخرى لردع الملزمين بالضريبة وتحسيسهم بأن إدارة الضرائب ذات حضور دائم، وهذا ما ينعكس على تصريحاتهم وسلوكاتهم اتجاه التزاماتهم الضريبية.

وقد عرف “فايول” الرقابة الجبائية بأنها “التحقق مما إذا كان كل شيء يسير وفقا للخطـة المرسومة والتعليمات الصادرة، أما موضوعها فهو تبيـان نـواحي الضـعف أو الخطأ من أجل تقويمها ومنع تكرارها”[21].

أما ” كولین فیلیب fillipe colline ” فقد عرف الرقابة الجبائیة بأنها هي الوسیلة الضروریة لضمان المساواة بین الأفراد في دفع للضریبة. وتشكل شرطا من الشروط الرئیسیة والفعالة لتحقیق المنافسة الشریفة والعدالة بین المؤسسات[22].

كما ذهب البعض الآخر إلى أن الرقابة الجبائية هي “فحص التصریحات وكل سجلات ووثائق ومستندات المكلفین بالضریبة الخاضعین لها سواء كانوا أشخاصا طبیعیة أو معنویة وذلك بقصد التأكد من صحة المعلومات التي تحتویها ملفاتهم الجبائیة “[23].

 فالرقابة الجبائية هي مجموع العمليات التي تقوم بها الإدارة الجبائية[24]، وتسعى من ورائها إلى المحافظة على حقوق الخزينة العامة من خلال محاربة التهرب الضريبي. وبمعنى آخر فهي الوسيلة التي تمكن الإدارة الجبائية من التحقيق بن الملزمين بالضريبة ملتزمين في أداء واجباتهم، وتسمح لها بتصحيح الأخطاء الملاحظة[25].

فالرقابة الجبائية تهدف التأكد من صحة ومصداقية الإقرارات أو التصريحات المقدمة من طرف الملزم بالضريبة، واكتشاف الأخطاء والانحرافات الجبائية المتعلقة بها. وتختلف عملية مراجعة وفحص الإقرارات باختلاف أشكال الرقابة، سواء تعلق الأمر بفحص المحاسبة أو تصحيح الوضعية الجبائية للملزم.

ففيما يتعلق بمسطرة الفحص الضريبي، فإنها تعد نوعا من الرقابة التي تمارسها الإدارة الضريبية على مجموع الإجراءات الرامية إلى مقارنة العمليات المحاسبية للملزمين مع المعلومات المحصل عليها من طرف هذه الإدارة الضريبية لقياس مدى مصداقية التصريحات المدلى بها من طرفهم[26].

وفي المغرب ، يتم القيام بمهمة الفحص الضريبي من قبل مصالح المديرية العامة للضرائب، التي تحدد صلاحياتها بموجب المرسوم الصادر في 22 نوفمبر 1978 بشأن تنظيم وزارة المالية. كما تتكون من مصالح “إدارة الرقابة المالية”، التي تم إنشاؤها في عام 2005 داخل المديرية العامة للرقابة، على المستوى المركزي، ووضعها تحت السلطة المباشرة للمدير العام للضرائب.

 والملاحظ أن المشرع المغربي قد أفرد مسطرة الفحص المحاسبي مجموعة من الشروط الشكلية تفاديا لتعسف الإدارة الضريبية في ممارسة هذا الحق، وتعزيزا للضمانات التي يتمتع بها الملزم بمناسبة سلوك هذه المسطرة. وهي شروط تجعل تطبيقها يتطلب توافر العناصر الآتية :

            +) يخضع لمسطرة الفحص الضريبي الخاضعون للضرائب والرسوم الملزمون قانونا بمسك محاسبة منتظمة.

            +) يعهد بممارسة هذه المهمة إلى أحد الموظفين المحلفين على أن يكون له رتبة مفتش مساعد على الأقل، وأن يكون معتمدا للقيام بمراقبة الضرائب.

+) ينبغي الاحتفاظ بالوثائق مدة 10 سنوات لتقدم إلى المكلف بالفحص عند الحاجة.

وتتميز مسطرة الفحص الضريبي بنوع من الخصوصية، لكونها تتجسد في انتقال المفتش المحقق إلى مكاتب المقاولة، داخل محل الإقامة الاعتيادية أو المقر الاجتماعي أو المؤسسة الرئيسية للملزمين. كما يمنع المشرع على المحقق أن ينقل أية وثيقة محاسبية إلى مقر الإدارة الضريبية إلا بترخيص من الخاضع للضريبة ومقابل تسليمه وصلا بذلك[27].

أما بخصوص آجال هذه المسطرة فقد حددتها مدونة الضرائب كالآتي :

– الحد الأدنى : أكثر من 6 أشهر للمنشآت التي يعادل أو يقل مبلغ رقم معاملاتها المصرح به عن 50 مليون درهم دون احتساب الضريبة على القيمة المضافة.

– الحد الأقصى : أكثر من 12 شهرا بالنسبة للمنشآت التي يفوق مبلغ رقم معاملاتها المصرح به 50 مليون درهم دون احتساب الضريبة على القيمة المضافة.

ولقد أحسن المشرع صنعا حينما تدخل وحدد المدة الأقصى التي يمكن أن تستغرقها مسطرة فحص المحاسبة، لما في ذلك من تحقيق التوازن بين مصالح الإدارة الضريبية والضمانات المخولة للملزمين. ويمكن الإشارة إلى أن القوانين الضريبية السابقة لم تكن تنص سوى على مدة موحدة وهي 6 أشهر، لذلك فالمدة الجديدة تعبر عن رغبة الإدارة الضريبية في الحصول على وقت كاف يمكنها من فحص المقاولات الكبرى[28].

وإلى جانب هذه المسطرة يمكن الحديث في إطار المراقبة الجبائية عن مسطرة أخرى هي مسطرة التصحيح الضريبي. فبعد انتهاء إجراءات المراقبة والفحص، تبدأ الإدارة الضريبية في إجراءات تصحيح أساس فرض الضريبة من أجل احتساب مبالغها، وفي هذا الإطار، تنص المدونة العامة للضرائب على أنه في حالة تصحيح أسس فرض الضريبة يجب على الإدارة الجبائية إخبار الملزم بواسطة رسالتين قصد تبليغه بنتائج عملية الفحص[29]. حيث تتلخص مسطرة تصحيح الأساس الضريبي في كل من الرسالة الأولى لتصحيح الأساس الضريبي، ثم الرسالة الثانية لتصحيح الأساس الضريبي، حيث يعرض كل طرف، الإدارة من جهة والملزم من جهة أخرى، موقفه وملاحظاته بغية التوصل إلى اتفاق حول الأساس الضريبي الجديد.  

وهذه المسطرة تشكل ضمانات أساسية وحقيقية للملزم لما لها من ارتباط بحقوق الدفاع المخولة له في إطارها كمسطرة تواجهية وحضورية تهدف إلى إشراك الملزمين في عملية تصحيح الوعاء الضريبي لمعرفة وسائلهم وحججهم وإثباتاتهم ومواقفهم من الأساس المعتمد في تصفية الضريبة في إطار المراجعة. ولذلك فإن كل إخلال بمقتضيات هذه المسطرة يؤدي إلى بطلان إجراءاتها، ويحول دون المرور إلى مرحلة التحصيل الضريبي، التي تثير بدورها نقاشا قانونيا وفنيا حول مدى احترام إجراءاتها وآجالها المسطرية لضمانات الملزم وتكريس حمايته القانونية في مواجهة الإدارة الضريبية.

المطلب الثاني: التحقيقات الجبائية

إذا كان النظام الجبائي يعطي الحرية للملزمين بالضريبة للقيام بالتصريح بمداخيلهم المحققة كما هو مفترض بحسن نية، فإن هذه الحرية تستوجب على الإدارة الضريبية ضرورة القيام بالرقابة على هذه التصريحات بهدف التأكد من صحتها وصدقها والكشف عن نقاط الغش والتهرب فيها. ويعد التحقيق الجبائي من أهم وسائل المراقبة الجبائية، ويتمثل في مجموع العمليات التي تهدف إلى مراقبة التصريحات الجبائية المصرح بها من طرف الملزم بالضريبة لمدة غير متقادمة، بغية تحري قانونية التسجيلات المحاسبية ومقارنتها مع الوضعية الحقيقية للنشاط الممارس. كما يشمل التحقيق الجبائي مجموع الضرائب والرسوم التي يخضع لها الملزم بالضريبة.

وتتم مسطرة التحقيق الجبائي داخل إدارة الضرائب، حيث تكلف بالدراسة والتحقيق في المطالبة قسم خاص بمديرية الضرائب هو قسم المنازعات المتكون من أربع مصالح هي :

– المصلحة المكلفة بالنزاعات في الضرائب المباشرة .

– المصلحة المكلفة بالنزاعات في الضريبة على القيمة المضافة.

– المصلحة المكلفة بالنزاعات في رسوم التسجيل والتنبر

– المصلحة المكلفة بالتحقيقات[30].

فمفتش الضرائب بعد توصله بالمطالبة يقوم بفحص الوقائع المثارة من أجل التأكد من مدى مطابقتها للمقتضيات القانونية، ومن مدى جدية الحجج المقدمة وتأثيرها على النزاع الضريبي موضوع المطالبة. كما يمكنه كذلك من أجل استكمال التحقيق، أن يستدعي الخاضع للضريبة من أجل استفساره أو تقديم محاسبته أو تقديم مزيد من الحجج ، كما يمكنه إجراء جميع التحريات اللازمة على ضوء الوثائق المقدمة و المعلومات المتوفرة، إما بعين المكان أو بمقرات الأشخاص الطبيعيين أو المعنويين الذين لهم علاقة بالخاضع للضريبة، كزبنائه  ومورديه والأبناك و المقاولات والإدارات التي يتعامل معها[31].

وبعد انتهاء البحث الذي تقوم به المصلحة المختصة في الموضوع، يتولى الوزير المكلف بالمالية أو الشخص المفوض من لدنه لهذا الغرض القيام بالبت في المطالبة المرفوعة إلى الإدارة. ونظرا للعدد الكبير للمطالبات التي تحال على المديرية العامة للضرائب فإنه غالبا ما يتم تفويض هذه السلطة إلى رؤساء الأقسام أو المصالح حسب قيمة النزاع ومبلغ الضريبة المتنازع حوله[32].

 ويجب أن تقوم إدارة الضرائب بعد فحص مطالبة الملزم بالجواب عليها داخل أجل ستة أشهر الموالية لتاريخ المطالبة، وأن تتخذ القرار المناسب حولها. كما أنه بعد اتخاذ القرار من طرف الإدارة الجبائية وتعليله يتم تبليغه إلى الملزم المعني بالنزاع[33]. وعلى هذا الأخير إذا لم يقبل القرار الصادر عن الإدارة أن يطعن فيه أمام المحكمة الإدارية المختصة داخل أجل30  يوما الموالية لتاريخ تبليغ القرار المذكور.

المطلب الثالث: الجزاءات والحلول الوقائية

تحظى عملية توقيع الجزاءات والعقوبات في المجال الضريبي بأهمية كبيرة، وذلك بالنظر إلى كون هذه العقوبات تهدف بالأساس إلى صيانة مصالح الدولة ومصالح الخزينة العامة من توقيع العقاب على كل عمل غير شرعي يسعى إلى التهرب والغش الضريبيين، باعتبارهما يسببان العديد من الأضرار للمجتمع. فالغش أو التهرب الضريبي يؤدي تقليص مداخيل الدولة إلى درجة يصعب معها تغطية التكاليف والنفقات العامة التي تتجلى بالأساس في بناء المرافق الضرورية، وهذا ما ينتج عنه شلل عمل هذه المرافق وبالتالي ضياع حقوق المواطنين.

وقد عرف المغرب أولى محاولات تجريم التهرب الضريبي من خلال مشروع قانون الإطار لسنة 1984 في فصله 27، حيث اقترحت لأول مرة عقوبة الحبس في حق كل من ثبت تورطه في ارتكاب الغش الضريبي. غير أن لجنة المالية المكلفة بدراسة هذا المشروع قررت بالإجماع حذف هذا الفصل، وصدر قانون الإطار بدون عقوبة الحبس. ثم جاء مشروع قانون المالية للسنة المالية 1996-1997 لتعتبر أول مرة الغش الضريبي مخالفة معاقب عليها بغرامات مالية وعقوبات حبسية[34].

تتنوع العقوبات التي تضمنها قانون تجريم الغش الضريبي بين العقوبات الجبائية والعقوبات الزجرية[35]. و هي جزاءات تسعى إلى زجر عمليات التهرب الضريبي التي قد يرتكبها الملزمون، رغم أنها خفيفة الوقع وأن مجالها محدود وتطبيقها تلفه العراقيل المسطرية، مما يشجع المكلفين على التمادي في التهرب الضريبي.

وقد ورد في المادة 182 من المدونة العامة للضرائب[36] برسم قانون المالية لسنة 2007 ما يلي: “بصرف النظر عن الجزاءات الضريبية المنصوص عليها في هذه المدونة يتعرض لغرامة من خمسة آلاف درهم إلى خمسين ألف درهم كل شخص ثبت في حقه قصد الإفلات من إخضاعه للضريبة او التملص من دفعها أو الحصول على خصم منها أو استرجاع مبالغ بغير حق، استعمال إحدى الوسائل التالية:

– تسليم أو تقديم فاتورات صورية

– تقديم تقييدات محاسبية مزيفةأو صورية

– بيع بدون فاتورات بصفة متكررة

– إخفاء أو إتلاف الوثائق المحاسبية المطلوبة قانونيا

– اختلاس مجموع أو بعض أصول الشركة أو الزيادة بصورة تدليسية في خصومها قصد افتعال إعسارها.

وفي حالة العود إلى المخالفة قبل مضي خمس سنوات على الحكم بالغرامة المذكورة الذي اكتسب قوة الشيء المقضي به، يعاقب مرتكب المخالفة، زيادة على الغرامة المقررة أعلاه، بالحبس من شهر واحد إلى 3 أشهر.

تطبق الأحكام أعلاه وفق الإجراءات والشروط المنصوص عليها في المادة 231 أدناه”.

وبالرجوع إلى المادة 231 من القانون المتعلق بمدونة الضرائب[37] نجدها تنص على مايلي :

“تثبت المخالفات المنصوص عليها في المادة192 أعلاه بمحضر يحرره مأموران بإدارة الضرائب من درجة مفتش على الأقل ينتدبان خصيصا لهذا الغرض ومحلفين وفق التشريع الجاري به العمل.

مهما يكن النظام القانوني للخاضع للضريبة، فإن عقوبة الحبس المقررة في المادة المشار إليها في الفقرة أعلاه، لا يمكن أن تطبق إلا على الشخص الطبيعي الذي ارتكب المخالفة أو على كل مسؤول ثبت أن المخالفة ارتكبت بتعليمات منه و بموافقته.

ويتعرض لنفس العقوبة كل شخص ثبت أنه ساهم في ارتكاب الأفعال المذكورة أو ساعد أو أرشد الأطراف في تنفيذها.

لا يمكن إثبات المخالفات المنصوص عليها في المادة 192 أعلاه إلا في إطار مراقبة ضريبية.

إن الشكاية الرامية إلى تطبيق الجزاءات المنصوص عليها في المادة 192 المذكورة، يجب أن يعرضها سلفا وزير المالية أو الشخص المفوض من لدنه لهذا الغرض على سبيل الاستشارة على لجنة للنظر في المخالفات الضريبية، يرأسها قاض وتضم ممثلين اثنين لإدارة الضرائب وممثلين اثنين لخاضعين للضريبة يختاران من القوائم التي تقدمها المنظمات المهنية الأكثر تمثيلا، ويعين أعضاء هذه اللجنة بقرار للوزير الأول.

يجوز لوزير المالية أو الشخص المفوض من لدنه لهذا الغرض أن يحيل استشارة للجنة المذكورة الشكاية الرامية الى تطبيق الجزاءات الجنائية المنصوص عليها في المادة 192 أعلاه إلى وكيل الملك المختص التابع له مكان ارتكاب المخالفة.

يجب على وكيل الملك أن يحيل الشكاية إلى قاضي التحقيق”.

ونلفت النظر هنا إلى أن موقف المشرع المغربي يكتنفه الغموض والتردد لأن استبعاد تطبيق قانون تجريم التهرب الضريبي على باقي الضرائب الأخرى لا يستند إلى أي مبرر مشروع، كما يتنافى ومبدأ مساواة الملزمين أمام التهرب الضريبي. وبالتالي يظل هذا القانون عاجزا عن ملاحقة ما يرتكب من أفعال الغش والتهرب الضريبي بالنسبة للضرائب الأخرى التي تشكل مرتعا للغش الضريبي كضريبة التسجيل أو الضريبة على الأرباح العقارية. في حين يلاحظ أن المشرع الفرنسي مدد صور الغش المعاقب عليه جنائيا إلى كافة أصناف الضرائب الأخرى، كما أضاف إلى ذلك كل إغفال عمدي للإدلاء بالإقرارات داخل الآجال المحددة لها[38].

الخاتمة:

تعد جريمة التهرب الضريبي في أي مجتمع دلالة واضحة على وجود خلل في أهم علاقة بين المواطن والدولة وهي التزامه بالمشاركة في تحمل النفقات العامة. فالضغط الضريبي يؤدي بشكل طردي إلى مزيد من التملص والتهرب من أداء الضريبة من جراء إحساس المواطن بانعدام المساواة في تحمل الأعباء المالية بين الملزمين، الأمر الذي يستدعي الكشف عن الأسباب المؤدية إلى ارتكاب جريمة التهرب الضريبي.

 وفي هذا الصدد نرى أنه يجب على المشرع المغربي أن يسير على خطى المشرع الفرنسي الذي عمد إلى إنشاء نقابات للضرائب من أجل محاربة الغش منذ سنة 1985. فالملاحظ أن أعضاء هذه النقابات هم مجرد عمال في القطاعين العام والخاص، إلى جانب موظفين من بين مفتشي المديرية العامة للضرائب، حيث تسعى إلى توعية المواطنين بخطورة الغش الضريبي إذا تم تركه يتطور داخل المجتمع.

ولا يفوتنا أن نشير إلى أن توقيع الجزاءات والعقوبات في المجال الضريبي له أهمية كبيرة، وذلك بالنظر إلى كون هذه العقوبات تهدف صيانة مصالح الدولة ومصالح الخزينة العامة من خلال معاقبة كل عمل غير شرعي يسعى بالأساس إلى التهرب والغش الضريبيين، نظرا لما يسببانه من أضرار على المجتمع ولو بصفة غير مباشرة. فالتهرب الضريبي يجعل مداخيل الدولة تتقلص إلى درجة يصعب معها تغطية التكاليف والنفقات العامة التي تتجلى بالأساس في بناء المرافق الضرورية، مما يؤدي إلى شلل عمل هذه المرافق وبالتالي ضياع حقوق المواطنين.


[1] عبد الرحيم منوري : التهرب الجبائي المحلي “حالة الجماعة الحضرية سطات”،رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام، جامعة الحسن الأول، كلية العلوم القانونية الإقتصادية و الإجتماعية بسطات، السنة الجامعية 2007-2008، ص: 24

[2] JARNEVIC, J.P., « Fraude et évasion fiscales : la relativité d’une distinction», n° spécial ACTES n°52, 1985, p :16.

[3]

[4] – MARTINEZ J. C. “La fraude fiscale” PUF Ed. : Que sais-je ? 1984, p.13

[5] Antoine Dulin : Les mécanismes d’évitement  scal, leurs impacts sur le consentement à l’impôt et la cohésion sociale, Diffusion Direction de l’information légale et administrative Les éditions des Journaux officiels, 2016, p :18.

[6]  -Lucien Mehl , Sciences et techniques fiscales, Tome 2 , PUF , Themis, p.733.

[7]  حسن عواضة: المالية العامة ، دار الخلود،بيروت،  لبنان ، 1995 ، ص: 391.

[8]  مولاي الحسن تمازي،”مصير ثقافة المواطنة في علاقة الخاضع للضريبة بالإدارة الجبائية”، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد مزدوج 44- 45، مايو غشت 2002. ص: 72.

[9]  معين عباس الحسون، أثر الوعي الضريبي في تحقيق التنمية الاقتصادية، مجلة القادسية للعلوم الادارية والاقتصادية، العدد 2 السنة 2013، ص:144.

[10] DUBERGE J. « Les français face à l’impôt : Essai de psychologie fiscale », LGDI,1990, p :100.

[11]  ضياء احمد حمدي: التهرب الضريبي في العراق، رسالة دبلوم عالي، كلية الادارة والاقتصاد، جامعة بغداد،1978، ص:99.

[12] – BENSALAH Z. A. ” La fiscalité face au développement économique et social au Maroc”, LGDJ 1981, P. : 355.

[13]   فاطمة ندير: إشكالية التهرب في القانون الضريبي المغربي، محاولة في التحليل ، رسالة ماستر في القانون العام جامعة مولاي إسماعيل مكناس، 2009، ص: 64.

[14]  خالد الشاوي، نظرية الضريبة والتشريع ا لضريبي الليبـي، جامعة قاريونس، 1989م، ص:335

[15]  غازي عناية: المالية العامة والتشريع الضريبي، دار الآفاق، عمان، الأردن، 1998، ص: 181.

[16]  خالد الخطيب: التهرب الضريبي، مجلة جامعة دمشق،المجلد 16، العدد 2، 2000، ص:157-186.

[17] – الطاهر القضاوي:” التهرب الضريبي وسبل الحد منه”، مجلة الجرائم المالية من خلال قرارات المجلس الأعلى، الندوة الجهوية السابعة، دار الطالبة، -وجدة- 31 مايو-فاتح يونيو 7 200 ص: 375.

[18] غازي النقاش:المالية العامة تحليل أسس الاقتصاديات المالية، دار وائل، عمان، 2003،ص:160.

[19]  الطاهر القضاوي:” التهرب الضريبي وسبل الحد منه”، مرجع سابق، ص: 376.

[20]  محيى محمد سعد: الإطار القانوني للعلاقة بين الممول والإدارة الضريبية، مكتبة ومطبعة الإشعاع الفنية، الاسكندرية، بلا سنة. ، ص:178.

[21]  حمدي سلیمان القبیلات: الرقابة الإدارية والمالیة على الأجهزة الحكومیة، مكتبة دار الثقافة ،الأردن، 1998، ص:13 .

[22] Colline Fillipe: Le vérificateur fiscale, Edition économique, paris, 1979, p : 25.

[23]  ولهي بوعلام: نحو إطار مقترح لتفعیل آلیات الرقابة الجبائیة للحد من أثار الأزمة، حالة الجزائر 2009، ملتقى الأزمة المالیة والاقتصادیة جامعة سطیف، الجزائر, 20/10/2009 ، ص:7.

[24] M.BOUVIER, M.C. ESCLASSAN, J.P. LASSALE : Finances Publiques.8ème édition, LGDJ, p : 632.

[25] CLAUDE Laurent, contrôle fiscale, la vérification personnelle, bayeusaine, France, 1995, p:13.

[26]  كريم لحرش: المنازعات الضريبية في القانون المغربي، سلسلة اللامركزية والإدارة الترابية، العدد 21 سنة 2013، ص : 19.

[27] وزارة الاقتصاد والمالية: ميثاق الملزم في مجال المراقبة الضريبية، منشورات المديرية العامة للضرائب، الرباط، 2014، ص: 7.

[28]  نفس المصدر، ص: 8.

[29]  وزارة الاقتصاد والمالية: ميثاق الملزم في مجال المراقبة الضريبية، مرجع سابق، ص: 11.

[30]  عبد القادر التيعلاتي: النزاع الضريبي في التشريع المغربي، دار النشر المغربية الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2000، ص: 154.

[31] 30 HAMMOU LAAFOU, Le contrôle fiscal au Maroc : cadre légal et rôle de l’expert comptable, mémoire présenté en vue de l’obtention du diplôme national d’expertcomptable, ISCE, 2004. P :38.

[32] El OTMANI FOUAD:  LES PROCEDURES DU CONTROLE FISCAL EN DROIT MAROCAIN RAPPEL ET ESSAIE D’ANALYSE, Université HASSAN 1, faculté des sciences Juridiques, Economique et Social –Settat, 2015, p :49.

[33]   مولاي عبد الرحمان العلمي ، المنازعات في المرحلة ما قبل القضائية ، رسالة لنيل دبلوم الماستر القانون الخاص، جامعة القاضي عياض كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية مراكش السنة الجامعية  2010/2011 ، ص: 26

[34]  الصديق جعوان: إشكالية التهرب الضريبي في المغرب، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق شعبة القانون الخاص، جامعة محمد الخامس أكدال كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية الرباط، السنة الجامعية 2001-2002. ص:302

[35]  محمد شكري: أهمية التواصل في تدبير الضريبة، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، العدد 59، 2005، ص: 64.

[36]  ظهير شريف رقم 1.07.195 صادر في 19 من ذي القعدة 1428 (30 نوفمبر 2007) بتنفيذ القانون رقم 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات المحلية، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5583 22 ذو القعدة 1428 ( 03/12/2007).

[37]  المحدثة بموجب المادة 5 من قانون المالية رقم 06.43  للسنة المالية 2007 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 232.06.1 بتاريخ: 10 ذي الحجة 1427 الموافق 31 دجنبر 2006.

[38] Bazart Cécile. Les comportements de fraude fiscale. Le face à face contribuables — administration fiscale. In: Revue française d’économie, volume 16, n°4, 2002. pp. 171-212;

إقرأ أيضاً

الرقابة على الدستورية والأمن القانوني دراسة في ضوء الإجتهاد القضائي الدستوري المغربي

الرقابة على الدستورية والأمن القانوني دراسة في ضوء الإجتهاد القضائي الدستوري المغربي Constitutional control and …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *