التنظيم القانوني للتعاون اللامركزي الدولي

238

التنظيم القانوني للتعاون اللامركزي الدولي.

سميرة جياد

طالبة باحثة في القانون العام

 

 

لم تعد الجماعات الترابية اليوم تكتفي بالتعاون الداخلي فحسب، بل أضحت في السنوات الأخيرة تتطلع إلى تعاون لامركزي دولي. وتأتي أهمية هذا التوجه انطلاقا من عدة معطيات في مقدمتها أن هذا النوع من التعاون  سيمكن الجماعات من الإطلاع على  منجزات الجماعات الترابية  الأجنبية في مجالات التنمية المحلية[1]، وذلك في إطار تبادل تجارب و خبرات اللامركزية الأجنبية في التدبير المحلي، والتي  من شأن نقلها للجماعات الترابية  الشريكة الاستفادة  من الدعم اللوجيستيكي  والمالي من أجل تطوير أدائها و تمكينها من إنجاز مشاريعها التنموية والرفع من مستوى عيش ساكنتها.

ويقصد بالتعاون اللامركزي الدولي  جميع أشكال التعاون والشراكة والتبادل التي تقوم بها الجماعات الترابية  مع الجماعات الترابية الأجنبية والمنظمات الدولية غير الحكومية المهتمة بالشؤون المحلية[2]، ومن أشكاله التوأمات[3]،  اتفاقيات التعاون اللامركزي[4]، المنظمات الدولية غير الحكومية[5].

فالتعاون اللامركزي الدولي  كمفهوم حديث ارتبط بتطور العلاقات فوق الوطنية للجماعات الترابية،  يستمد خصائصه، عناصره و إشكالاته من خاصية تجاوز الحدود الوطنية، و التعامل بين وحدات محلية تنتمي لأنظمة إدارية و قانونية مختلفة أو بشكل عام لدولتين مختلفتين.

ويمثل التعاون اللامركزي الدولي اليوم  مقاربة جديدة للتعاون عبر الحدودي  ،يهدف إلى تقوية روح التضامن والتآزر وترسيخ  سياسة القرب والجوار  ،معالجة سلبيات ونقائص التقسيمات الجماعية والتقطيع الترابية ،والحد من الفوارق بين الجماعات المحلية وتحسين مصيرها عن طريق ضم الخبرات والوسائل والإمكانات لإنجاز مشاريع ذات فائدة مشتركة ،وإنعاش المشاريع ذات الطابع المشترك، واستثمار التكامل بين الجماعات المحلية وكذا مع الشركاء الاقتصاديين والاجتماعيين الآخرين من أجل تحقيق تنمية محلية متوازية تأخذ بعين الاعتبار مؤهلات ومميزات كل المتدخلين .

وبذلك أصبحت الجماعات الترابية  تصبو للعب أدوار على الساحة الدولية متجاوزة بذلك حدودها الترابية وكذا حدود الأوطان التي تنتمي إليها، حيث أصبحت هذه الجماعات تسجل حضورها بمجال كان مخصصا للحكومات على المستوى المركزي، وأضحت بالتالي تسهم في إثراء مجال التبادل والتعاون على مستوى دولي.  وذلك انسجاما مع متطلبات العولمة الرامية إلى  كسر الحواجز الجمركية و الحدودية بين الدول من جهة والانفتاح الاقتصادي و الثقافي على المستوى العالمي .

وعليه، تم تناول الموضوع في  محورين، حيث خصص  المحور الأول  لملامسة التأطير القانوني للتعاون اللامركزي الدولي من منظور القانون الدولي ، على أن يتم في المحور الثاني مقاربة التعاون اللامركزي الدولي من منظور قوانين اللامركزية الوطنية .

 

 

 

 

المحور الأول:  التنظيم القانوني للتعاون اللامركزي من منظور القانون الدولي والتجارب المقارنة

بالرجوع للقانون الدولي العام، يلاحظ  بأنه لم يأت بنصوص قانونية تنظيمية صريحة  بالنسبة للتعاون اللامركزي بقدر ما جاء بنصوص تنظم وتحدد مبدأ السيادة الدولية بالنسبة للدول بصفة خاصة .

إلا أنه  في سنة 1980 ، سيتم إغناء القانون الدولي العام  باتفاقية مدريد أو اتفاقية الإطار التي تعلقت بالتعاون العبر الحدودي خاصة على مستوى الدول الأروبية وهذا مايطرح التساؤل حول طبيعة الإطار القانوني الذي وفره القانون الدولي للتعاون اللامركزي الدولي .

فظهور الجماعات الترابية  على الساحة الدولية مرتبط في إحدى جوانبه على الأقل بالتغييرات الكبرى التي عرفها العالم خلال السنوات الأخيرة. ويمكن تبرير هذا الدور التصاعدي للجماعات المحلية من خلال مجموعة من العوامل تتمثل في[6]:

–   إن دور الجماعات الترابية كفاعل في الساحة الدولية مؤشر على النجاح الذي لاقته داخل بلدانها، إذ أن اللامركزية و الجهوية مرتبطة جميعها بمسار الديمقراطية وإتساع مجال الحريات بعدد من المناطق، ففي جل بقاع العالم يلاحظ حركية إعادة تنظيم السلط  وإفساح مجال أوسع للمشاركة ودمقرطة للمجال السياسي والاجتماعي، بل إن مستوى الديمقراطية أصبح يقاس حاليا بمدى تطور اللامركزية.

ومع تطور ديمقراطية القرب وجدت الجماعات الترابية وخصوصا المدن نفسها مدعوة إلى استعادة الإشعاع الدولي الذي كانت تتوفر عليه في بعض الفترات التاريخية، كما اكتشفت المدن دورها كمجال موسوم بالمشروعية من خلال ممارستها للسلط بشكل أقل تجرداً وأكثر قربا من الساكنة.

–   ظهور الجماعات الترابية  على الساحة الدولية يؤشر أيضاً على التغييرات التي بدأت تمس بالهياكل التنظيمية للدول،فغداة النقلات النوعية التي عرفها العالم وجدت الدولة نفسها بمفهومها الكلاسيكي مجبرة على البحث عن عناصر مرجعية جديدة، وعن دور جديد وعن مشروعية جديدة.

وتبعا لذلك، يشير الفقيه فاتيل على أنه يمكن الاعتراف بالشخصية الدولية لوحدات أخرى غير الدولة الأم ذات السيادة ، وسنده في ذلك على أن القانون الدولي يعطي الشخصية الدولية لوحدات ومنظمات وحركات تحررية انطلاقا من تحديد الحقوق والواجبات الخاصة بها ،وتجدر الإشارة كذلك إلى أنه بالنسبة لبعض الدساتير الحديثة الخاصة ببعض الدول يلاحظ  أن وحداتها الترابية تتمتع باختصاصات واسعة تخول لها إقرار مبادرات واتفاقيات مع أطراف أجنبية خارج الدولة الأم ، وهذا المثال ينطبق على الدول الفيدرالية مثل ألمانيا ” نظام اللاندر” وسويسرا “نظام ليكونطو”، وهنا يتضح على أن القانون الدولي العام لم يأت بنص صريح ينظم مفهوم التعاون اللامركزي على المستوى الدولي، وإنما ترك ذلك  لطبيعة الدولة الدستورية وإلى نظامها الداخلي وقوانينها  الخاصة بتنظيم وحداتها الترابية[7].

وفي المقابل، و بالعودة إلى التشريع المقارن يلاحظ على أن الفضاء الأوروبي  شكل مجالا خصبا  لتطور العلاقات الخارجية للجماعات الترابية، بحيث اقتضت الوحدة الأوروبي تكثيف العلاقات القاعدية بين الجماعات الترابية ، بداية من خلال أعمال التوأمة، ثم من خلال تعاون فعلي تركز أساسا بين الجهات المتجاورة حدوديا لتدبير بعض الشؤون المشتركة بينها، كل ذلك خارج أي حد أدنى من التنظيم القانوني، باستثناء الاستناد على مبادئ اللامركزية المحلية مثلما تبنتها قوانين التنظيم الترابي لهذه الدول.

و إدراكا لأهمية علاقات التعاون هذه من جهة و لتزايد ممارساتها، بادر مجلس أوروبا إلى اقتراح اتفاقية صادق عليها أعضاء المجموعة الأوروبية في 21 ماي 1986 بمدريد[8]، و شكلت اتفاقية مدريد هذه الآلية القانونية الأولى المؤسسة لشرعية التعاون بين جماعات محلية لدول مختلفة، و إن كانت لا تتعلق سوى بالتعاون الحدودي للجماعات المحلية، مثلما أن نصوص لاتفاقية لم تزل محتشمة نسبيا، و ذلك فيما يخص تنظيم تفاصيل التعاون و تحديد الجماعات المحلية المعنية بالالتزام في التعاون. و هي بذلك لم تصل إلى مستوى تأسيس أي اختصاص للجماعات المحلية في هذا المجال، و إنما أحالت المادة 3 من الاتفاقية على القانون الوطني لكل دولة في ما يخص تحديد الجماعات المحلية المرخص لها بالالتزام في ممارسات التعاون الحدودي.

لذلك يمكن القول،  بأن التعاون اللامركزي الدولي لا يهدد سيادة الدولة، انطلاقا من كون اتفاقات التعاون التي تبرمها الهيئات الترابية ، تأتي محترمة للقانون الداخلي للدولة ولالتزاماتها الدولية، وهذا مانصت عليه أغلب القوانين الداخلية للدول، و يذكر من بينه على سبيل المثال القانون الفرنسي رقم 92- 125، والذي نص في المادة131 على أن الجماعات الترابية وهيئاتها، يمكنها أن تقوم بإبرام اتفاقيات مع جماعات ترابية أجنبية وهيئاتها في إطار اختصاصاتها ومع احترام الالتزامات الدولية لفرنسا.

كما يعترف الدستور الألماني للمقاطعات بأهلية إبرام المعاهدات مع الدول الأجنبية في حدود الاختصاصات التشريعية وتحت سلطة الحكومة الاتحادية..

وهو ما أكده  منطوق  الفصل الأول  من اتفاقية مدريد على ضرورة احترام البنود الدستورية للدول في حالة إذا قامت وحداتها الترابية أو هيئاتها بعقد اتفاقيات التعاون كما تخضع هذه الاتفاقيات إلى مراقبة إدارية . وهكذا يتضح على أن قدرة الجماعات الترابية في التعاون ترتبط بالأساس بالتشريع الداخلي للدولة ومدى مرونته وتلاؤمه مع المبادرات التي تقدم عليها هيئاته  الترابية ، حيث أنه لا يمكن الإقرار بحقوق وواجبات تفضيلية لوحدات ترابية على حساب الدولة الأم .

المحور الثاني: التعاون اللامركزي الدولي من منظور قوانين اللامركزية الوطنية.

شهد التطور التاريخي للإطار القانوني للتعاون اللامركزي  للجماعات الترابية بمستوياتها الثلاثة محطات مهمة في تاريخها الإداري. فإذا كانت اللبنات الأولى لتنظيم التعاون اللامركزي تعود إلى ممارسة عمليات التوأمة التي تمت  منذ بداية الستينات والتي انخرطت فيها الجماعات الترابية مع مدن أجنبية ، اقتصرت  فيها على تبادلات ثقافية وغير مادية لزمن غير قصير ولم تتجه إلى التنمية الاقتصادية والتقنية والاجتماعية إلا مؤخرا .  والواقع أنه بفضل الدينامية التي أحدثها ظهير 1976على مستوى الجماعات شهد التعاون الدولي تطورا ملموسا ،  حيث  ستتكثف علاقات المدن المغربية  مع نظيراتها  بدول أخرى ، غير انه بقراءة الظهير تبرز غياب أي مقتضى يشير من قريب أو بعيد لهذه العلاقات، بحيث أن كل نصوص اللامركزية خلال هذه المرحلة تشير فقط إلى آليات التعاون الداخلي في شكل نقابات أو مجموعات حضرية. و عليه فقد نمت الأعمال الخارجية للجماعات المحلية خارج أي تأطير قانوني شأنها في ذلك  شأن أغلب التشريعات الوطنية في مختلف الدول الأوروبية.

وأمام هذا الفراغ التشريعي تطورت هذه العلاقات خاصة على شكل التوأمة، التي أصبحت أعدادها في تطور متزايد، مما استدعى تدخل الحكومة لتنظيمها، وذلك من خلال دورية وزير الداخلية سنة  1986  التي وضعت مسطرة لإبرام التوأمات، و بناءا على الدورية فإن الجماعات ملزمة بتقديم تقرير مفصل حول الجماعات الأجنبية المقترحة لوزير الداخلية، تتضمن تفاصيل حول جغرافيتها حياتها الاقتصادية و الاجتماعية و كذلك معالمها المشتركة مع المدينة المغربية[9].

و بناءا على موافقة مبدئية من وزير الداخلية على مشروع التوأمة هذا، يقوم المجلس الجماعي بالتداول بشأن الموضوع، فإذا تم التصديق بالإيجاب على المشروع، يكون على المجلس الجماعي إدخال المصاريف الضرورية لإقامة مراسيم التوأمة في الميزانية الجماعية، لكن و حتى بعد ذلك فإن دخول التوأمة محل النفاذ تتوقف على مصادقة وزارة الداخلية بعد موافقة الديوان الملكي.

و تبدو واضحة التعقيدات المسطرية وقوة الرقابة التي كان يخضع  لها التعان اللامركزي في شكل  التوأمة، مما جعل منها أعمالا استثنائية بحيث عادة ما كانت ترتبط إقامة مراسيم التوأمة بعيد وطني أو تظاهرة ثقافية أو سياحية.

ولم يسمح صراحة للجماعات الترابية بربط علاقات التعاون والشراكة مع الأطراف الأجنبية إلا حديثا ،بموجب القانون رقم 78.00  المتعلق بالميثاق الجماعي والقانون رقم 79.00 المتعلق بالعمالات والأقاليم[10]، إذ على  غرار المشرع الفرنسي فقد حدد المشرع المغربي  شركاء الجماعات الترابية في أعمال التعاون اللامركزي مثلما هو الشأن لباقي أشكال التبادل الأخرى في الجماعات الترابية الأجنبية[11]، و لم يستعمل النص  القانوني مفهوم الجماعات المحلية و إنما الجماعات الترابية للتأكيد على الطابع الترابي للشريك و تجاوز إمكانات اتساع مفهوم الجماعة المحلية إلى غير ذلك، إذ يشير بصورة واضحة  إلى الجماعات الترابية تحت دولتية، و يقصي صراحة إمكانية التعاقد مع دولة أجنبية، باعتبار ذلك من اختصاصات الدولة المغربية كشخص من أشخاص العلاقات الدولية و القانون الدولي. و في نفس الإطار فإن اتفاقات التعاون اللامركزي سواء للجماعات الحضرية أو القروية أو المجالس العمالات و الأقاليم يجب أن تحترم الالتزامات الدولية للدولة التي تنفرد بتحديدها السلطات المركزية المختصة.

ومن ثم، فقد كان صدور قانون 78.00 سنة 2002، و الذي عبره قد وضع المشرع أول أساس تشريعي ينظم مختلف أشكال التبادل مع الجماعات الترابية الأجنبية ، وهو نفس الأمر الذي قام به المشرع في تعديله الجديد في قانون 17.08 الصادر سنة 2009 و الذي احتفظ فيه بالمادة 42 دون تعديلها من خلال تنصيصه على أن :” المجلس الجماعي يقوم بجميع أعمال التعاون و الشراكة التي من شأنها أن تنعش التنمية الاقتصادية و الاجتماعية للجماعة، و ذلك مع الادارة و الاشخاص المعنوية الأخرى الخاضعة للقانون العام…، و يدرس و يصادق على اتفاقيات التوأمة و التعاون اللامركزي، و يقرر الانخراط في أنشطة المنظمات المهتمة بالشؤون المحلية، وكل أشكال التبادل مع الجماعات الترابية الأجنبية، بعد موافقة السلطة الوصية، وذلك في إطار احترام الالتزامات الدولية للمملكة، غير أنه لا يمكن إبرام أية اتفاقية بين جماعة أو مجموعة للجماعات الترابية ودولة أجنبية”.

كما تنص المادة السادسة والثلاثون في الفقرة الأخيرة من قانون 79.00 المتعلق بتنظيم العمالات والأقاليم على أن المجلس” يدرس ويصادق على اتفاقيات التوأمة والتعاون اللامركزي ويقرر الانخراط والمشاركة في أنشطة المنظمات المهتمة بالشؤون المحلية وكل أشكال التبادل مع الجماعات الترابية الأجنبية بعد موافقة السلطة الوصية، وذلك في احترام الالتزامات الدولية للمملكة، غير أنه لا يمكن إبرام أي اتفاق بين العمالة أو الإقليم أو مجموعة للجماعات المحلية ودولة أجنبية”.

في حين لم ينص قانون رقم 47.96 صراحة على إمكانية ربط الجهات لعلاقات التعاون والشراكة مع الأطراف والجهات الأجنبية ، و إن كانت على مستوى الواقع من أنشط الجماعات الترابية في مجال التعاون اللامركزي.

غير أنه و اعتبارا لصفتها كجماعة ترابية  ذات شخصية معنوية و استقلال مالي، مسيرة بشكل مستقل من طرف مكتب تداولي ، فلا شيء يمنع مجالس الجهات من تطوير و تنمية علاقات الصداقة و التعاون مع نظيراتها الأجنبية و الإستناد في ذلك على الآليات القانونية التي وضعها القانون في هذا المجال لصالح الجماعات الترابية  الأخرى. و في هذا الإطار تعد  وزارة الداخلية دورية  تستهدف توضيح قواعد التعاون اللامركزي… على مستوى الجهات ووضع مسطرة مصادقة مرنة تسمح لهذه الأخيرة باستفادة أفضل من المبادرات المتخذة في هذا الإطار[12].

وبالرغم من المجهودات التي يبدلها المغرب في مجال اللامركزية، فإن واقع الحال يثبت الحضور القوي لسلطة الوصاية  في صناعة القرار المحلي لاسيما تلك المتعلقة بمجالات التعاون اللامركزي. ويظهر ذلك بالأساس في الحضور القوي لوزارة الداخلية  في اعتماد القرارات المتعلقة بالشراكة والتعاون ، حيث تخضع اتفاقيات التعاون اللامركزي لرقابة مستمرة من سلطات الوصاية و ذلك على طول مسطرة إبرام الاتفاقية، بحيث تتوقف دراسة المجلس للاتفاقية و المصادقة عليها على موافقة قبلية من سلطات الوصاية كما توضح ذلك المادة42  من قانون 78.00 و المادة 36 من قانون 79.00، و إضافة إلى هذا الإذن المسبق تخضع اتفاقات التعاون اللامركزي للقاعدة العامة للوصاية القبلية التي لا زالت مبدأ في اللامركزية المغربية عموما؛ بحيث تندرج اتفاقات التعاون اللامركزي ضمن المسائل التي لا تكون المقررات الخاصة بها قابلة للتنفيذ إلا إذا صادقت عليها سلطات الوصاية،و وفقا للمادة 73 من قانون 78.00 فإن اختصاص المصادقة يكون لوزير الداخلية بالنسبة للجماعات الحضرية و للوالي أو العامل بالنسبة للجماعات القروية. و يكون لوزير الداخلية اختصاص المصادقة على هذه الاتفاقات بالنسبة لمجالس العمالات و الأقاليم وفقا للمادة  60من قانون 79.00، مع العلم أنه و بالنسبة للعمالات و الأقاليم فإن اختصاص إبرام اتفاقيات التعاون اللامركزي ممنوح للعامل إستنادا على مقررات مجلس العمالة أو الإقليم باعتباره الجهاز التنفيذي لها.

ومن خلال ماسبق، يبدو أن المشرع المغربي قد وضع أخيرا الحد الأدنى من التأطير القانوني للتعاون اللامركزي، و ذلك استجابة لتطور ممارساته و تزايد أهميتها في عمل الجماعات الترابية  في إطار تدبيرها للشأن المحلي، لكن تزايد أهمية أعمال التعاون اللامركزي تفرض تطوير النصوص القانونية المنظمة لها، و تفصيل الآليات و الأشكال القانونية التي يمكن أن تلجأ إليها الجماعات الترابية في أعمال التعاون اللامركزي، مثلما فعل المشرع الفرنسي، و من المهم هنا كذلك تطور تدخل القضاء الإداري المغربي من أجل تثبيت الحق في التعاون اللامركزي و قواعده و تطوير اللامركزية المغربية عموما[13].

وفي الختام، يمكن القول أن التعاون اللامركزي الدولي  يقوم بدور هام في تطوير وتنشيط العمل المحلي، مشكلا قيمة مضافة للإقلاع التنموي ، و مجالا لتقوية دينامية التعاون و التنسيق المحلي، خاصة و أن الانفتاح على المجال الخارجي للتراب يفرض حدا أدنى من تنظيم هذا التراب من أجل تثمين الموارد المحلية و تطوير القدرة التفاوضية مع الشركاء الخارجيين .

ولتحقيق هذه الأهداف، فان الأمر يحتاج إلى إطار قانوني واضح ومرن ومحفز للجماعات الترابية للعب دور الشريك المتميز، والأخذ بالمبادرة والتنشيط في مجال التعاون اللامركزي ،كما لايمكن إنكار ضرورة توفير  المال من أجل تفعيل المقتضيات القانونية على أرض الواقع، فالعبرة ليس بما تخوله النصوص من اختصاصات وصلاحيات للمؤسسات، بل إن ذلك مرهون أيضا  بمدى توفر الوسائل المادية والموارد البشرية من أجل تحقيق التنمية المحلية المندمجة والمستدامة.

 

 

 

 

[1] Gouvernance Démocratique et Coopération Internationale, Avis du Haut Conseil de la Coopération Internationale, adopté le 24 Septembre 2002,22 Réunion pléniére, Paris,p3.

[2] -تدبير الشأن المحلي، نشر من طرف المديرية العامة للجماعات المحلية ،مديرية الشؤون والدراسات والتوثيق والتعاون .الطبعة الأولى ، 2006، مطبعة النجاح –الدار البيضاء،ص:63.

[3]-تعرف التوأمة بالتقاء رغبة جماعة ترابية في التوأمة مع جماعة ترابية أخرى، والاتفاق على توطيد أواصر التعاون بينهما، وإعطاء مكانة مميزة لكل منهما لدى الأخرى. وتتمثل هذه التوأمة في روح المودة والتعاطف التي تسود العلاقة بين التوأمتين استنادا لبعض المقومات الثقافية أو الاقتصادية أو التاريخية أو الطبيعة المشتركة بينهما.

وقد  سجل التاريخ الحديث أول عملية توأمة بين مدينتين فرنسية وبريطانية في العام 1905 في إطار لتبادل الأفكار والبرامج المشتركة والتعاون بهدف بناء المحبة والثقة بدلاً من النزاع والعراك بين مدينتين عرفتا بالعداوة تاريخياً، ثم تطورت هذه الآلية لتشمل مختلف القطاعات من ثقافة واجتماع وحتى اقتصاد ، والتوأمة يمكن أن تكون على المستويين المحلي والعالمي، الأمر الذي كرس لاهتمام الحكومات بالتوأمة ، مما تمخض عنه هيكلة الاتحاد الأوروبي “للجنة البلدات الأوروبية ” .

[4] –      تعرف  اتفاقيات التعاون اللامركزي على أنها اتفاقية من أجل الوصول إلى إيجاد صيغة ملائمة تمكن أطرافها من تحقيق أهداف مشتركة، أو غايات متشابهة من خلال توحيد الرؤى وتنسيق الجهود وتكامل القيم وتدليل بيئة صالحة للعمل المشترك .

[5] – وإلى جانب اتفاقيات التعاون والشراكة، يسجل حضور الجماعات الترابية المغربية في المنظمات الدولية غير الحكومية بشكل متميز وغزير ، وذلك بانخراطها في مجموعة من هذه المنظمات ويذكر على سبيل المثال هنا منظمة المدن العربية ؛ اتحاد المدن الإفريقية ؛ منظمة المدن الناطقة كليا أو جزئيا بالفرنسية ؛ الإتحاد العالمي للمدن المتحدة ؛…
فهذه المنظمات تهتم أساسا بتنمية المدن وتعزيز آفاق التعاون فيما بينها، وقد استغلت بعض الحواضر المغربية الكبرى، هذه الإمكانية لتضمن لنفسها حضورا متميزا وفاعلا على صعيد أجهزتها المسيرة، وعلى مستوى النشاط الذي تقوم به.

 

[6]  -عبد المنعم باكور، التعاون اللامركزي نحو تبني مقاربة جديدة في  العلاقات الدولية، مقال نشر بتاريخ 10-11-2011 على الموقع الإلكتروني:

http://www.startimes.com/?t=29360969

[7] -عرض حول التعاون اللامركزي الدولي، ماستر الحكامة المحلية، السنة الدراسية 2007_2008، كلية الحقوق بالمحمدية، ص 3.

 

[8] – كريم  الشكاري، التعاون الدولي للجماعات الترابية المغربية بين النظرية والتطبيق، مقال  منقح نشر بتاريخ 05 فبراير 2012، على الموقع الإلكتروني:

www.marocdroit.com

 

[9] كريم  الشكاري، التعاون الدولي للجماعات الترابية المغربية بين النظرية والتطبيق، مقال  منقح نشر بتاريخ 05 فبراير 2012، على الموقع الإلكتروني:

www.marocdroit.com

[10]منير منتاق، التعاون اللامركزي، تدبير الشأن المحلي “، أشغال الندوات المنظمة سنة 2005، وزارة الداخلية ، المديرية العامة للجماعات المحلية، 2005، ص 69.

[11] كريم  الشكاري، التعاون الدولي للجماعات الترابية المغربية بين النظرية والتطبيق، م.س.

 

[12]  عرض حول الشراكة والتعاون اللامركزي ،  ماستر الحكامة المحلية، السنة الدراسية 2007_2008، كلية الحقوق بالمحمدية ، ص 5.

[13] أشرف اولاد الفقيه، تأملات في التعاون اللامركزي، م.س