التلفزة والتحولات السياسة بالمغرب

203

التلفزة والتحولات السياسة بالمغرب

الدكتور يونس زيدان ([1])

باحث في القانون العام والعلوم السياسية، المملكة المغربية.

 

مقدمة

يمكن أن نقرر بدون اختلاج ريب؛ أن الوضعية الحالية لقطاع التلفزة في المغرب؛ لا تخرج عن كونها نتاجا لمسار تاريخي طويل، تطلب عدة عقود من أجل الوصول إلى ما وصلت إليه اليوم. فظهور القناة الخاصة تيلما  TELMA سنة 1950، وإطلاق الإذاعة والتلفزة المغربية سنة 1962، وتفويت حق البث للقناة الثانية الدولية دوزيم سنة 1989، وخلق القطب الإعلامي العمومي بداية الألفية الثالثة، إلخ، ما هي سوى محطات تاريخية ساهمت بشكل فعال في إحداث تغيرات كبرى واستثنائية في هذا المجال.

غير أن الملاحظ؛ أن هذه المحطات كانت تأتي في مراحل سياسية واجتماعية مختلفة، وكان لكل مرحلة ما يميزها من تحولات سياسية واجتماعية خاصة، وما ارتبط بذلك من نقاشات مطلبية قطاعية وحقوقية بالأساس.

وظل الحال هكذا؛ إلى أن جاءت مرحلة العهد الجديد، عهد الملك الشاب محمد السادس (1999)، حيث انطلقت مرحلة جديدة من تاريخ المغرب السياسي، وحينها أجمعت النقاشات العمومية على ضرورة إنهاء فترة احتكار قطاع الاتصال السمعي البصري من طرف الدولة، ووضع حد للفراغ القانوني الذي يشوبه منذ عقود من الزمن عبر إدخاله في بيئة ديمقراطية سليمة تتحكم فيها قواعد التعددية، وتخضع لسلطان القانون ودفاتر التحملات. وهو ما حاولت الدولة فعلا إحداثه بداية الألفية الثالثة، حيث تم إنشاء الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، فتحرر القطاع من احتكار الدولة، وتم في ختام هذا المسلسل الإصلاحي، إصدار القانون المتعلق بالاتصال السمعي البصري.

ولأن في كل مرحلة أو سياق سياسي كانت التلفزة المغربية تعيش فيه وضعية خاصة، متأرجحة بين الانغلاق التام وبين الانفتاح النسبي؛ فإن معرفة طبيعة العلاقة التي تربط بين التلفزة والمشهد السياسي تظل محط تساؤلات؛ هل تطور التلفزة المغربية مرتبط بتطور الحقل السياسي الداخلي، أم إن الأمر لا يعدو كونه وليد الصدف؟

الحقيقة أن التلفزة والسياسة في المغرب لا يمكن فصلهما أبدا، وهو ما يدفعنا في هذا البحث إلى التساؤل عن ماهية الوظيفة الأساسية المخولة للتلفزة وطبيعتها في المغرب؟

وهو سؤال لا يمكن الإجابة عنه إلا عن طريق إعطاء تصورات وإضاءات عامة عن كل مرحلة من مراحل التلفزة، ووضعها في سياقها السياسي والاجتماعي، واستنتاج بعد ذلك الوظيفة أو الدور الذي أدته القنوات المغربية إبان ذلك.

وهذا ما سنحاول إبرازه في هذا البحث عبر دراسة مرحلة ما قبل الإصلاح (المحور الأول)، ومرحلة ما بعد الإصلاح (المحور الثاني). وفي كلا المحورين سوف نستلهم تقسيمنا لتاريخ التلفزة المغربية من الكاتب الفرنسي أومبيرطو إيكو[2] الذي تناول الصيرورة التاريخية للتلفزة الفرنسية في ثلاث مراحل كبرى: التلفزة العتيقة أو La paléo-télévisio، التلفزة الجديدة أو La néo-télévision، ما بعد التلفزة La post-télévision.

المحور الأول: مرحلة ما قبل الإصلاح الإعلامي، من تلفزة الاستبداد إلى تلفزة الانفتاح

مرحلة ما قبل الإصلاح هي المرحلة التي واكبت حكم الملك الراحل الحسن الثاني (1961- 1999)، والتي كانت فيها التلفزة المغربية تعيش على وقع البرمجة العشوائية والميزاجية والفراغ القانوني. وبرز في هذه المرحلة نوعان من التلفزة؛ تلفزة عتيقة منغلقة وتلفزة جديدة منفتحة. وقد عاشت كلا التلفزتين في ظروف سياسية متباينة.

1- التلفزة العتيقة

تمثل هذه المرحلة عهد الهيمنة والاحتكار الإعلاميين. وهي مرحلة عرفت نموذجين من القنوات متناقضيين تماما من حيث الوضعية القانونية والخط التحريري.

النوع الأول: يتمثل في القناة الخاصة تيلما  TELMA وهو اختصار للكلمتين الفرنسيتين La television marocaine أي  “التلفزة المغربية”.

تم إنشاء تيلما إبان عهد الحماية الفرنسية سنة 1950 وبدأت في بث برامجها فعليا يوم 22 فبراير1954[3]. وتيلما هي عبارة عن شركة خاصة في ملكية شركاء فرنسييين ومغاربة. وتميزت هذه التجربة الفريدة من نوعها بكونها كانت تشكل أداة إعلامية موجهة، دأبت على خدمة أطروحات المستعمر أكثر مما سهرت على خدمة الشعب المغربي، أو الأسرة الشريفة التي تعود إليها شرعية الحكم. غير أن تأثيرها كان محدودا جدا؛ نظرا للعدد القليل الذي كان يمتلك التلفاز يومئذ، كما أن قوة الإرسال لم تتعد بضع كيلومترات مربعة.

وعموما؛ لم يكتب لهذه التجربة أن تعمر طويلا؛ حيث توقفت عن البث أواخر سنة 1955 بعد أن تكبدت خسائر كبيرة في ظل تصاعد عمليات الحركة الوطنية ضد المستعمر الفرنسي[4].

أما النوع الثاني: فتجسده الإذاعة والتلفزة المغربية، وهي مؤسسة عمومية ممولة من طرف الدولة تم إنشاؤها سنة 1962، أي سبع سنوات بعد الاستقلال وسنة واحدة بعد تولي الملك الراحل الحسن الثاني زمام العرش. وكان لهذه المؤسسة خدمتان أساسيتان: الإذاعة الوطنية والتلفزة المغربية. هذه الأخيرة ستظل القناة الوطنية الرسمية الوحيدة حتى أواخر الثمانينيات؛ حيث تم الترخيص لأول قناة خاصة بعد الاستقلال.

أ- السياق السياسي لمرحلة التلفزة العتيقة

تمتد مرحلة التلفزة العتيقة منذ 1962 إلى 1989، وهي مرحلة تميزت بتدبدب الاستقرار السياسي وطغيان الاحتقان الاجتماعي في المغرب. فقد عرفت البلاد أحداث عنف وانتفاضات ومواجهات قمعية دامية، دفعت بالنظام الحاكم إلى نهج سياسة الاعتقالات والتصفية الجسدية والنفي والحد من حرية التعبير والرأي والإقصاء الممنهج لقوى المعارضة من الحياة السياسية. وانطلقت شرارة هذه المواجهات غداة إعلان الاستقلال عن الاستعمارين الفرنسي والاسباني سنة 1956، بين تيارات الحركة الوطنية والسلطان محمد الخامس في صراع حول اقتسام السلطة. غير أن حدة هذا الصراع ستزداد بعد اعتلاء الملك الراحل الحسن الثاني العرش سنة 1961، لتستمر بعد ذلك لأزيد من ثلاثة عقود بين الأحزاب المعارضة المنبثقة عن الحركة الوطنية ونظام الحسن الثاني.

أخذت هذه المواجهة أشكالا عديدة، وامتدت لقطاعات ومجالات غير تقليدية. فكان من بين نتائج هذا الصراع أن تمت صياغة دستور من طرف واحد يرسخ للنظام الملكي، ويمنع الحزب الوحيد ويحدد العلاقة بين السلط، تم التصويت عليه عبر استفتاء شعبي في دجنبر 1962 هو الأول من نوعه في تاريخ المغرب. لكن؛ ما اعتبر في نظر الكثيرين إعمالا لسلطة الشعب في أبهى تمثلاتها، اعتبر من طرف المعارضة تجاهلا لمطالبهم الأساسية، وهي اقتسام السلطة والمشاركة في صياغة دستور المملكة. فهذه الأخيرة واعتبارا لتضحياتها في سبيل نيل الحرية والاستقلال والحفاظ على السلطة الشرعية المتجسدة في الأسرة العلوية الشريفة، في وقت كان فيه السلطان وذويه في المنفى، ترى أن من حقها المشاركة في تدبير البلاد كقوة أساسية وليست كقوة ثانوية.

في ظل هذا التوتر والاحتقان سيتم إعلان حالة الاستثناء سنة 1965 حتى سنة 1972. هذا الوضع لم يحقق الاستقرار المنشود، وأدى إلى بروز لاعب ثالث في المشهد السياسي الداخلي. فمع بداية السبعينات، سيتعرض الملك الحسن الثاني لمحاولتي انقلاب فاشلتين من طرف العسكر، وهو أمر لم يحدث من قبل، مما أدى بالنظام إلى المزيد من القمع وتشديد الخناق على تيارات الفكر والرأي. تلاها بعد سنوات قليلة اندلاع مشكل الصحراء سنة 1975 بما له من سلبيات وإيجابيات على الوضع السياسي.

فإذا كان من سلبياته خلق تهديد حقيقي للأمن الداخلي والخارجي للمغرب من طرف إسبانيا بداية، ومن طرف الانفصاليين من بعد ذلك؛ فإن من حسناته أن وحد شيئا ما السلطة الحاكمة والمعارضة، لينتج عنه استقرار استتنائي هو الأول من نوعه من بعد الاستقلال. هذا الاستقرار نتج عنه ميلاد أحزاب جديدة ومشاركة بعض أطياف المعارضة في الحكومات المتعاقبة. غير أن الوضع في الشارع لم يخل تماما من أجواء التوتر؛ حيث كانت تندلع بين الفينة والأخرى طوال سنوات السبعينات والثمانينات احتجاجات شعبية قوية وتظاهرات طلابية ونقابية، جوبهت أغلبها بقمع شديد من طرف أجهزة الداخلية أو العسكر أحيانا في ظل ما بات يعرف ب “سنوات الجمر والرصاص”.

ب- التلفزة كأداة للحرب الإعلامية

في ظل الظروف القاسية التي طبعت سنوات الستينات والسبعينات وحتى الثمانينات، كانت حرب الخطابات والبروباغندا الإعلامية في قلب الأحداث. فالرغبة الجامحة في إيصال الأفكار والأيديولوجيات والبرامج السياسية فرضت نفسها وبقوة في سياسة كل الأطراف المتنازعة حول السلطة والنفوذ. لكن يبقى من أهم ما يمكن الإشادة به، هو مستوى وعي السلطة الملكية ومدى إدراكها لمعنى وأهمية امتلاك وسائل الاتصال السمعي البصري في هذا الصراع.

فالكلمات وحدها قد لا تكفي، وأغلب المواطنين لا يعرفون القراءة، ويعتمدون في الاطلاع على الأخبار على غيرهم ممن يحسنون القراءة. وحتى الاستماع إلى الإذاعة الوطنية قد لا يلبي متطلبات المرحلة، في الوقت الذي كان الكثير من المغاربة لا يعرفون حتى شكل ملكهم. في حين عرف على أحزاب المعارضة المنتمين إلى الحركة الوطنية إتقانهم للكتابة والنشر لتمرسهم على ذلك في حربهم الكلامية ضد المستعمرين الفرنسي والاسباني[5].

من هنا كان لابد من اللجوء إلى وسيلة الاتصال السمعي البصري المتمثلة في إطلاق التلفزة الوطنية العمومية المسماة RTM  اختصارا لعبارة “الإذاعة والتلفزة المغربية” بتاريخ 3 مارس 1962، تذيع خطابات الملك، وتغطي أنشطته السياسية على الدوام بشتى اللغات؛ العربية والفرنسية والاسبانية والانجليزية وكذلك باللهجات الأمازيغية، صوتا وصورة و بدون أي وسيط.

مع الإقدام على هذه الخطوة وغيرها من الخطوات[6]، ستميل كفة الحرب الإعلامية لصالح السلطة الحاكمة. فقد استعملت التلفزة العمومية من طرف أجهزة الدولة كأداة لحسم الصراع وترسيخ الشرعية السياسية للمؤسسة الملكية. فوظفت تارة كأداة لتمرير الرسائل إلى الخصوم أو للتواصل مع الشعب، وتارة أخرى كأداة للدعاية لشخص الملك من أجل تقوية نفوذه وهيبته وشرعنة سياسته في تدبير البلاد. وزاد من قوتها تحكم أجهزة الدولة في تدفق ونشر المعلومة عبر وكالة المغرب العربي، بعد أن تم تأميمها سنة 1975 وجعلها ناطقا رسميا باسم الدولة.

وعلى المستوى الاجتماعي، يمكن القول بأنه وبالرغم من محدودية الولوج إلى الصورة التلفزية لعدم توفر أغلب الأسر على جهاز تلفاز أو لضعف أجهزة الإرسال، إلا أن عددا كثيرا من مواطني الحواضر على الخصوص كان بإمكانه مشاهدة الأخبار والسهرات العمومية، وعددا من البرامج في المقاهي ودور السينما[7]. كما كانت رقعة الإرسال تزداد ونسبة الأسر المتوفرة على جهاز تلفاز تكبر كلما زادت السنوات؛ لتصل إلى 600000 أسرة أواخر السبعينيات[8].

ولأن لكل سياق تاريخي سياسته وأحكامه التي تميزانه، يمكن القول بأن السياسة التلفزية لمرحلة التلفزة العتيقة، تأثرت جوهريا بتطورات المشهد السياسي الداخلي. وبالتالي فلا ضير من القول بأن مضمون التلفزة العمومية كان في هذه المرحلة مجرد انعكاس لأجندة سياسية محكمة تستهدف بالدرجة الأولى تقوية الاستقرار السياسي والاجتماعي عبر النيل من الخصوم المعروفين والمفترضين. فأغلب البرامج كانت تقدم في قوالب إعلامية مدروسة ومراقبة؛ مثل الأخبار التلفزية اليومية والأفلام؛ وحتى الأغاني الوطنية التي غالبا ما كانت تتمحور حول تمجيد شخص الملك والأسرة الملكية. فكانت الأخبار التلفزية تقدم وفق تراتبية معروفة مسبقا، مرجحة كفة الأنشطة الملكية وما جاورها على حساب باقي المواد الإخبارية مهما بلغت درجة أهميتها بالنسبة للمتتبع. والأمثلة على هذا لا تحصى. واستعملت الأخبار التلفزية كذلك كآداة للترهيب[9] والتدجين والتنميط والتعتيم، كما اتسمت خطابات الملك بقوة الإلقاء ودقة الكلمات.

وعموما لم تحاول البرامج التلفزية الحوارية المساهمة في إغناء النقاش السياسي وبث الوعي السياسي والفكري في نفوس المواطن المغربي. فقد غابت البرامج الحوارية الجادة وغابت تعددية الرأي، بل على العكس تماما عرفت تدخلا واضحا في محتواها وتحكما أكبر في مواردها البشرية بوضعها ابتداء من سنة 1986 تحت وصاية وزارة الداخلية بقيادة إدريس البصري المعروف آن ذاك بكونه من أقوى رجالات الدولة المحيطين بملك البلاد.

 2- التلفزة الجديدة

تبتدأ هذه المرحلة مع ميلاد قناة دوزيم الدولية في مارس 1989 وتنتهي بنهاية عهد الملك الراحل الحسن الثاني (1999). وهي مرحلة شكلت منعطفا كبيرا في تاريخ التلفزة المغربية وإن كانت في مجملها مرحلة قصيرة لم تتخط العقد الواحد. وساهم في بلورة هذه المرحلة عدة عوامل منها؛ ما هو سياسي ومنها ما هو إعلامي محض.

أ- العوامل السياسية

عرفت سنوات التسعينات من القرن الماضي تطورا سياسيا ملحوظا سواء على المستوى الدستوري والحقوقي أو على مستوى المشاركة السياسية لأحزاب المعارضة. فقد استجاب الملك للعديد من مطالب أحزاب المعارضة[10] من خلال دستوري 1992 و 1996، تم على إثرهما تعزيز التقارب والتوافق بين الفاعلين السياسيين والنظام[11]. حيث أصبح للوزير الأول سلطة اقتراح تعيين الوزراء على الملك، وهو ما اعتبر تعديلا ثوريا؛ إذ سمح بتغيير بنية النخبة الوزارية التي طالما اتهمت بالفشل والولاء الأعمى للنظام ورموزه.

وحاول هذا الأخير إدماج أحزاب المعارضة في حكومة 1993 رغم عدم حصولها على أغلبية برلمانية، لتتوج هذه المساعي الحميدة بتشكيل حكومة التناوب في مارس 1998 بزعامة عبد الرحمان اليوسفي أحد خصوم النظام الملكي، وأبرز المعارضين الاشتراكيين.

كانت هذه الإشارات دليلا على انفتاح النظام على المجتمع وقواه الحية، التي طالما تم قمعها وإخفات صوتها المنادي بالديمقراطية وحقوق الإنسان والعيش الكريم، لتؤدي في آخر المطاف إلى تقديم تنازلات كثيرة من طرف الملك بخصوص تشكيل الحكومات، وتوسيع مجال الحريات الفردية والجماعية. فقد أطلق سراح العديد من المعتقلين السياسيين من غياهب السجون، وعاد آخرون من منفاهم الاختياري، وتم الترخيص للصحافة المستقلة، وإجراء انتخابات بقدر مهم من الشفافية والنزاهة.

وللوضع الجديد المفعم بأجواء الاستقرار الداخلي والخارجي مسببات موضوعية. فقد أعزى الكثير من الملاحظين التحولات السياسية التي طبعت سنوات التسعينات إلى عوامل خارجية؛ كانهيار المعسكر الشرقي بزعامة الاتحاد السوفيتي لصالح المعسكر الغربي بزعامة الولايات الأمريكية المتحدة، أي بانتصار الخيار الرأسمالي والديمقراطي واللبرالي على الخيار الاشتراكي الشيوعي الثوري، وما أعقب ذلك من ظهور الديمقراطيات الجديدة. فكان لهذا كله وقع إيجابي على السياق السياسي الداخلي للمغرب حيث تلاشت التعصبات الإيديولوجية شيئا فشيئا، واتفق الجميع على الخيار الديمقراطي المبني على أساس حقوق الإنسان.

من العوامل أيضا التي تفسر التحولات السياسية لسنوات التسعينات، هناك على سبيل المثال لا الحصر، تطور قضية الصحراء المغربية حيت تم الاتفاق على وقف إطلاق النار بعد أزيد من عقد من المناوشات المسلحة على الحدود المغربية بين القوات المسلحة الملكية وجبهة البوليزاريو المنطلقة من الأراضي الجزائرية. في مقابل ذلك تم الاتفاق على إجراء استفتاء لتقرير المصير تحت رعاية الأمم المتحدة. فكان لابد من إجراء تحسينات على سياسة النظام الملكي، وتحقيق استقرار داخلي عبر توسيع مجال الحريات والمشاركة السياسية والتعيين في المناصب السامية، وكل ما من شأنه تغيير تلك الصورة النمطية لسياسة الملك. يضاف إلى هذين العاملين كون الملك الحسن الثاني عانى أواخر التسعينات من مرض عضال لم يكشف عنه إلا لاحقا، وهو الأمر الذي دفعه باتخاذ قرارات جريئة تجاه المعارضة من أجل تهيئة الأجواء المناسبة لاستلام ولي عهده الحكم دون أية متاعب.

ب- العوامل الإعلامية

لقد كان للاستقرار السياسي الذي ميز سنوات التسعينات، انعكاس كبير على المستوى الإعلامي. فقد شهدت المرحلة انفتاحا إعلاميا غير مسبوق، مهد لتكريس الخطاب التعددي، وتوسيع حرية التعبير في مختلف المنابر الإعلامية. ومن النتائج الملموسة لذلك، ظهور الصحافة المستقلة باعتبار أن الصحافة السائدة آنذاك كانت تنحصر في الصحافة الحزبية. علاوة على تنظيم المنتدى الوطني الأول حول الإعلام والذي انبثقت عنه توصيات حول إصلاح الإعلام الوطني إصلاحا شاملا عبر تقنين القطاع وتحريره من احتكار الدولة.

وعلى المستوى الحكومي، تم وضع حد للجمع بين قطاعي الداخلية والإعلام في يد وزارة واحدة؛ بخلق وزارة الاتصال هي الأولى من نوعها ابتداء من 1996 إيذانا ببدء حقبة أخرى من السياسة الإعلامية للدولة. فضلا عن بروز مجتمع مدني جنيني ونخبة اقتصادية شابة[12].

هذا؛ ولهذه الإصلاحات أسباب أخرى غير نابعة من الواقع السياسي الداخلي، بل ناتجة عن سلسلة التغييرات التي مست أو بالأحرى فرضت على الإعلام الداخلي والخارجي وكذلك على بنية المجتمع المغربي. فقد نتج عن الترخيص لقناة ثانية وهي قناة دوزيم الدولية[13] إحداث ثورة إعلامية داخلية. فبالرغم من أنها كانت قناة تجارية مشفرة في بدايتها[14]، غير أنها أنهت عهد الاحتكار والتفرد التلفزي الذي مارسته الإذاعة والتلفزة المغربية طوال ثلاثة عقود، واستفادت منه أجهزة الدولة في إيصال الرأي الوحيد وممارسة التعتيم. وقدمت مواد وبرامج إعلامية مختلفة تماما عن ما ألفه المشاهد المغربي. فالطبيعة التجارية للقناة حتمت عليها تقديم منتوج يتناسب وانتظارات المشاهد/الزبون سواء على المستوى الترفيهي أو على المستوى الإخباري والسياسي والتثقيفي، وفق منهج الربح والخسارة. فالشركة المالكة تعتبر القناة استثمارا وليس خدمة عمومية. فكان من أهم ما قدمت القناة برامج النقاش السياسي والاجتماعي التي عرت على الكثير من المشاكل البنيوية التي يعاني منها المجتمع. كما أن نشرات الأخبار التي كانت تبث بالمجان للعموم استطاعت تجاوز الكثير من الخطوط الحمراء منها ما كلف إدارة القناة غاليا؛ كتبني موقف مغاير لموقف الدولة الرسمي تجاه حرب الخليج الثانية، وبث الأخبار المتعلقة بالقمع الشديد للمظاهرات، وزراعة القنب الهندي في شمال المغرب، وخسائر المغرب في حرب الصحراء الخ، فكلفها ذلك توقيفات وإنذارات عديدة في حق صحفييها وأطرها.

في ظل كل هذا؛ كان على الإذاعة والتلفزة المغربية مسايرة نظيرتها القناة الثانية، فبادرت هي الأخرى إلى إصلاحات جذرية على مستوى البرمجة. فزادت في ساعات البث وانفتحت على الأنشطة الانتخابية، وأطلقت برامج حوارية سياسية جريئة استطاعت جلب أشد المعارضين إلى حلبة النقاش؛ كبرنامج دائرة الضوء، وبرنامج حوار المستهل نهاية سنة 1994 والذي سيستمر بعد ذلك سبعة عشر سنة[15].

فأسهمت القناة الرسمية بدورها في الانفتاح على الرأي الآخر، وتعزيز المشاركة السياسية للمعارضة في تدبير الشؤون السياسية الداخلية والتواصل عبر نافذة الإعلام الجماهيري الأكثر جذبا للمشاهدين. فلطالما اعتبر هذا الإعلام حصنا منيعا أمام بعض التيارات السياسية والفكرية المناهضة للتحكم والاستبداد، وعدم احترام حقوق الإنسان وحرية التعبير.

وسيزيد من حدة التنافس أيضا؛ انتشار ظاهرة القنوات الأجنبية التي مافتئت تجتاح البيوت المغربية بداية التسعينيات؛ سواء عبر اللاقط الهوائي العادي أو عبر القنوات الفضائية. وتزامنت كل هذه التطورات مع اتساع رقعة الأسر المتوفرة على جهاز التلفاز والإكسسوارات المتعلقة به حيث بلغ عددهم سنة 1998 72 في المائة، 21 في المائة منهم تستقبل قنوات أجنبية[16]. كما أن نسبة الأمية قلت بالمقارنة مع سنوات الستينات وما بعدها.

إذا كان هذا الجو التنافسي بين القناتين الوطنيتين لم ينعكس إلا إيجابا على المشاهد المغربي وعلى الأداء التلفزي بصفة عامة؛ فإن هذه المرحلة عرفت أيضا بعض التراجعات عن المكتسبات، نذكر من أهمها؛

تأميم القناة الثانية الخاصة عبر شرائها من طرف الدولة بعد إفلاسها بسبب القرصنة والاستغلال الغير مشروع، وما تلا ذلك من حذف لبعض البرامج السياسية والاجتماعية الأساسية والتي أسهمت بشكل كبير في تقوية الثقة بين القناة الثانية والمشاهد المغربي؛ كبرنامج “رجل الساعة” بنسختيه العربية والفرنسية[17] وبرنامج “وجه وحدث” وبرنامجي “بصراحة” و”لقاء” الاجتماعيين، الخ.

كما تجب الإشارة إلى أن الحد من حرية التعبير لم ينته تماما في هذه الفترة، بل عرفت المرحلة الكثير من الخروقات؛ من بينها اختطاف فنانة معارضة[18] بغرض عدم المرور في برنامج حواري سياسي، والإيقاف التعسفي الذي طال كلا من برنامج “وجه وحدث” للقناة الثانية وبرنامج “دائرة الضوء للقناة الأولى”[19]. كما عرفت المرحلة استمرار اعتقال الصحفيين ومحاكمتهم، ومصادرة الجرائد سواء منها الوطنية أو الأجنبية؛  بدعوى تجاوزها الخطوط الحمراء، في زمن كان مجرد ذكر مرض الملك يعتبر من المحظورات.

المرحلة الثانية- مرحلة ما بعد الإصلاح أو التلفزة الحديثة

استهلت هذه المرحلة بتغيير مدراء الإذاعة والتلفزة المغربية المنتمين إلى وزارة الداخلية، والذين تم تعيينهم سنوات الثمانينات عندما زج بوزارة الإعلام في أحضان وزارة الداخلية. وهي رسالة قوية ميزت بداية عهد الملك الشاب محمد السادس الذي خلف والده أواخر سنة 1999. وهي أيضا فترة عرفت تحولا جذريا على المستوى السياسي والاجتماعي تجسدت على الخصوص في إصلاح القوانين، وتوسيع الحريات والمبادئ الديمقراطية، وإقرار المساواة وحقوق الإنسان. ومع بداية العقد الثاني من الألفية الثالثة، توجت سلسلة الإصلاحات السياسية والاجتماعية المذكورة بتبني دستور جديد للمملكة سنة 2011 دشنت معه مرحلة سياسية جديدة في تاريخ المغرب.

ومن بين القطاعات التي شملها الإصلاح؛ مجال الاتصال السمعي البصري، حيث ثم سن القوانين المنظمة له، وتمت إعادة هيكلة القنوات العمومية، وأصبح الولوج إلى التلفزة من طرف الأحزاب السياسية والنقابات المهنية وهيئات المجتمع المدني شيئا روتينيا ومقننا، مما حدا بنا لاعتبارها مرحلة التلفزة الحديثة؛ وهي مرحلة وإن كانت مهمة إلا أنها لم تبلغ مرحلة “ما بعد التلفزة” التي تحدث عنها الكاتب الفرنسي أومبيرطو إيكو [20]. ومن أجل فهم جيد لحقبة التلفزة الحديثة لا بد من وضعها في سياقها السياسي التاريخي عبر مرحلتين أساسيتين.

1- مرحلة ما قبل دستور 2011

هي الفترة التي انطلقت مع تربع الملك محمد السادس على العرش، وتنتهي باعتماد دستور 2011 عبر استفتاء شعبي. ومما ميز هذه المرحلة إقدام عاهل البلاد على إطلاق أوراش إصلاحية كبرى همت جميع القطاعات، أفضت إلى مصالحة مع النظام الملكي. ويظهر ذلك من خلال تشبث الشعب المغربي بالملكية وانخراطه التام في بناء مجتمع موحد ومتماسك، كما تجلى ذلك في مرحلة الربيع العربي، حيث استمر الاستقرار، وتجنب المغرب ويلات الحرب والانقسام. فلمرحلة ما قبل دستور 2011 معالم سياسية أساسية مهدت لإصلاح إعلامي شامل.

أ- السلطة ومفهومها الجديد في العهد الجديد

من البراديغمات الأساسية التي ترتكز عليها سياسة عاهل البلاد الجديد هي بدون شك مفهوم السلطة الجديد. وهو مفهوم بمثابة نظرية، منبثق عن تشخيص عميق لمعوقات تأهيل الممارسات الدستورية والديمقراطية وتحسين أداء مؤسسات الدولة. وجاء هذا المفهوم ليعبر عن انطلاق فلسفة جديدة لتدبير علاقة السلطة بالشعب، وعلاقة السلطة بالمؤسسات، وبالتالي فهو يعني حدوث قطيعة مع الممارسات الماضية، ومع المنظور السلطوي المتسلط الملصق بالمؤسسة الملكية وبأجهزة الدولة.

مفهوم السلطة الجديد يهدف إلى جعل السلطة في خدمة المواطن وفي صلب التنمية الاجتماعية والاقتصادية، عوض الاكتفاء بدور حارس المعبد. فأصبح مطلوب من السلطة الاقتراب أكثر من المواطن والإنصات له، ثم إشراكه في التدبير طبقا لمقاربة ديمقراطية تشاركية.

فكانت هذه السياسة الجديدة كفيلة بجعل المغرب ورشا كبيرا للإصلاح وإعادة الهيكلة. فكان من أهم ما تم فعله في العشرية الأولى من حكم الملك هو تنصيب هيئة الإنصاف والمصالحة التي فتحت صفحة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ليتم إغلاقها وطيها للأبد. كما تم العمل على تكريس مفهوم دولة الحق والقانون، والقطع مع تزوير الانتخابات، والقمع الممنهج، والاعتقالات الخارجة عن القانون.

من نتائج هذه الفلسفة الجديدة في الحكم، يمكن الإقرار باتساع حرية التعبير والرأي، حيث عدل قانون الصحافة والنشر، وأصبحت السلطة الرابعة تتحدث بحرية تامة في كل المواضيع التي كانت محرمة من قبل. وأصبح انتقاد السلطة وسياسة الحسن الثاني شيئا مسموحا به مادام في حدود المعقول. كما ارتفعت الدعاوى القضائية ضد الدولة ومؤسساتها، وسمح للعديد بالتعبير عن ميولاتهم الانفصالية ومعارضتهم للملكية. فتأسست لدى المغاربة ثقافة جديدة مبنية على أساس الجرأة والتعبير، وليس على أساس الخوف والترهيب.

هذه العوامل ستجد لها صدى في قطاع كان بالأمس القريب يعتبر حصنا منيعا، بل جزءا لا يتجزأ من عمل وزارة الداخلية، وهو قطاع الاتصال السمعي البصري.

ب- الاتصال السمعي البصري في مرمى الإصلاح الشامل

انطلق مسلسل إصلاح قطاع الاتصال السمعي البصري غداة تربع عاهل البلاد على عرش المملكة بخطوتين تمهيديتين أساسيتين، وهما تغيير مدراء الإذاعة والتلفزة المغربية وإعادة هيكلة القناة الأولى[21]. لكن الإصلاح الأهم تجسد في الإصلاحات القانونية الثلاثة:

وهي إنشاء الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري بموجب ظهير انطلاقا من غشت 2002، تعنى بضبط ومراقبة هذا الحقل في ظل الاحترام التام لمبادئ التعددية، وحرية التعبير بالقطاع، وفي احترام تام للقيم الحضارية الأساسية والقوانين الجاري العمل بها في المملكة. ليأتي في خطوة ثانية تحرير قطاع السمعي البصري من احتكار الدولة في مجال البث الإذاعي والتلفزي بسن مرسوم قانون أواخر سنة 2002، لتنتهي عملية الإصلاح هذه  بإصدار القانون 77-03 المتعلق بالاتصال السمعي البصري الذي يحدد الشروط الأساسية للاستثمار في هذا القطاع من طرف متعهدي المجال والذي دخل حيز التنفيذ مطلع 2005[22].

ومن نتائج هذه الإصلاحات القانونية؛ تحويل القناتين العموميتين إلى شركتين عموميتين في ملكية الدولة، تتمتع بالاستقلالية المادية، وتشتغل حسب دفاتر تحملات. وتم خلق القطب الإعلامي العمومي الذي يضم قناة عامة وسبع قنوات موضوعية، وتم تخويله الإمكانات الضرورية لتعزيز قدراته التنافسية. بالموازاة مع ذلك تم العمل على ضبط سوق الإشهارات؛ وذلك تمهيدا لمنح التراخيص للإذاعات والقنوات الخاصة. وهو ما تم فعلا انطلاقا من ماي 2006، حيث منحت أولى التراخيص لعشر إذاعات وقناة واحدة. و هو ما اعتبر رغم الانتقادات بداية للتطبيق الفعلي لتحرير الاتصال السمعي البصري من احتكار الدولة. ليستمر بعد ذلك منح التراخيص ومراقبة المجال وسن القرارات الحاسمة لحماية التعددية السياسية.

على مستوى البرمجة؛ يمكن القول بأن التلفزة المغربية انخرطت وبشكل تام في المسلسل الديمقراطي عبر تقنين الولوج للتلفزة داخل وخارج الأوقات الانتخابية، ضمانا للتعددية والمساواة. كما أن دفاتر التحملات تفرض برمجة حد أدنى من البرامج الحوارية السياسية تحت طائل العقوبة. فأصبح لزاما على التلفزة المغربية بث برامج من هذا النوع وبالكيفية والمعايير المطلوبتين، مما أعطى للأحزاب السياسية بكافة أطيافها الحق في الولوج إلى التلفزة. فتم الحفاظ على برامج حوارية متأصلة مثل برنامج حوار لمقدمه مصطفى العلوي (منذ 1994)، وتم إطلاق برامج أخرى أسهمت في إغناء النقاش السياسي والمجتمعي في المغرب، سهل بعضها في الحصول على المعلومة السياسية الضرورية لممارسة الديمقراطية، وهذه أبرز سمات التلفزة الحديثة.

غير أن هذه المرحلة لم تخل من انتقادات كما هو الشأن بالنسبة للمراحل السابقة. فقد تم انتقاد تأخر إصدار القانون 77-03 المتعلق بالاتصال السمعي البصري بحوالي ثلاث سنوات من بعد تحرير القطاع من احتكار الدولة، مما أخر منح التراخيص للشركات الإعلامية الخاصة. في المقابل تم الترخيص استثنائيا لراديو سوا الأمريكي ابتداء من 2003 رغم الفراغ القانوني. وانتقد كذلك عدم منح التراخيص للقنوات التلفزية الخاصة رغم الترشيحات التي فاقت 10 مشاريع، ما عدا القناة التي تم الترخيص لها نهاية 2006 وهي قناة ميدي 1 سات المألوفة لدى العموم من خلال إذاعة البحر الأبيض المتوسط أو ميدي 1 الموجودة منذ 1980. ومن جهة أخرى، تكرس المنع من الظهور في حق بعض الشخصيات الفنية والسياسية[23]. كما عانت الكثير من الأحزاب السياسية من سياسة التمييز مما دفع بالكثير منهم لتقديم شكاوى لدى الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري. في حين استمر التمييز المبني على النوع والهوية واللغة كأحد الإشكاليات المطروحة بقوة.

2- مرحلة ما بعد دستور 2011

تعتبر مرحلة ما بعد دستور 2011 مرحلة جديدة سياسيا واجتماعيا في تاريخ المغرب. فالدستور الجديد الذي جاء كثمرة لما اصطلح عليه آنذاك الربيع المغربي، هو عبارة عن ورقة أخرجها النظام لتهدئة الشارع المغربي[24] بعد الحراك الذي شهدته البلاد على غرار باقي دول الربيع العربي. ولهذا يعتبر رمزا للإصلاح وسببا من أسباب الاستقرار في المغرب. ولأنها كانت محط تشاور وتوافق بين مختلف الفرقاء السياسيين، تمخضت الوثيقة الدستورية عن إصلاحات جوهرية مست مختلف المجالات من بينها مجال الإعلام وحرية التعبير.

أ- المستجدات السياسية ورهان الاستقرار

لقد شكل حراك الربيع المغربي دافعا قويا نحو اتخاذ المؤسسة الملكية قرارات حاسمة في هذا الشأن. فاعتبر خطاب العاهل المغربي لـ 9 مارس 2011 الموجه للأمة المغربية خطابا تاريخيا. حيث حدد فيه الخطوط الكبرى للإصلاح المنشود، من قبيل توطيد مبدأ فصل السلط، وتقوية صلاحيات الحكومة وتوسيع مجال الحريات الفردية والجماعية وإقرار الجهوية المتقدمة.

وفي جميع الأحوال؛ اعتبرت التوجهات الجديدة أكثر من مجرد إعادة صياغة للدساتير السابقة أو تعديل روتيني، بل حملت في طياتها معالم ملكية دستورية ثانية.

وبعد استفتاء 01 يوليو 2011، عكست الوثيقة الدستورية الرؤية الملكية للإصلاح الدستوري، آخذة بعين الاعتبار رأي اللجنة الاستشارية المعينة ومطالب الفاعلين السياسيين وفعاليات المجتمع المدني. كل طرف من هذه الأطراف حمل معه تطلعاته، وبعضا من تطلعات الشارع المغربي. حيث تم توسيع اختصاصات الحكومة وتقوية مركز رئيس الحكومة، واستقلالية السلطة القضائية، وخلق المحكمة الدستورية، ودسترة الجهوية المتقدمة وتعزيز دور المعارضة، وتقوية المنظومة الحقوقية، وإعادة الاعتبار للتركيبة الهوياتية للمملكة المغربية (الاعتراف باللغة الأمازيغية كلغة رسمية إلى جانب العربية إلى جانب الاعتراف بالتراث الثقافي الحساني).

وهي إصلاحات كانت قد دعت إليها جهات عديدة قبل حراك 2011. فكان هناك شبه إجماع عليها، وتم الترويج لها من طرف النخب السياسية والدفاع عنها في مختلف المحافل الوطنية والدولية، رغم كون التعثر الذي طال إصدار القوانين التنظيمية المكملة له حال دون تنزيل المقتضيات الدستورية في بعض الميادين وعطل بذلك الممارسة الكلية للدستور.

ب- الاتصال السمعي البصري، الثابت و المتغير

بتأكيده على استمرار المملكة المغربية في احترام التزاماتها تجاه المجتمع الدولي وتأكيده لتشبثه بحقوق الإنسان كما تم الاعتراف بها عالميا[25]، يكون المغرب قد اعترف ضمنيا بالمادة 19 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تضمن لكل فرد حرية الرأي والتعبير، وما ارتبط به من الحقوق. وتشمل هذه المادة في طياتها الاتصال السمعي البصري[26]. وهو بالتالي اعتراف دستوري مبدئي لهذا الحق.

من جهة أخرى؛ أكدت الوثيقة الدستورية من خلال المادة 25 على دسترة الحريات الأساسية وهي حرية الفكر والرأي والتعبير بأشكالها المتعارف عليها، وأضافت إليها حرية الإبداع، والنشر والعرض في مجالات الأدب والفن والبحث العلمي والتقني. هذا المقطع بدوره يؤسس لحرية الاتصال السمعي البصري الذي غيب في الدساتير السابقة، ولم يعترف به صراحة في الدستور الحالي على غرار حرية الصحافة التي أصبحت مبدءا دستوريا مكفولا ومضمونا من طرف الدولة (المادة 28).

ويبقى من أهم ما حملته الوثيقة الدستورية لهذا القطاع؛ ترقية الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري إلى مؤسسة دستورية ضمن هيئات الحكامة الجيدة، وتخويلها صلاحية السهر على احترام التعبير التعددي لتيارات الرأي والفكر والحق في المعلومة في الميدان السمعي البصري (المادة 165). وينضاف إلى هذا دسترة الحق في المعلومة والولوج النزيه والعادل لوسائل الإعلام من طرف المترشحين للاستحقاقات الوطنية، ومنع الرقابة القبلية على الصحافة، والتنصيص على احترام التعددية اللغوية والثقافية والسياسية للمجتمع المغربي في وسائل الإعلام العمومية.

لكن في مقابل هذه التحسينات كلها؛ ظل الأداء الإعلامي يتأرجح بين حالة الاستقرار والتراجع عن المكتسبات. إذ لم ينعكس الإصلاح الدستوري تماما على السياسة الإعلامية وخصوصا في ما يتعلق بالاتصال السمعي البصري. فلم يتم الترخيص للقنوات التلفزية الخاصة، واستمر سجن الصحفيين والدفع ببعضهم إلى اللجوء للمنفى الاختياري خارج البلاد، بل إن بعضهم اضطر لإطلاق قنوات خاصة من خارج البلاد. كما تعثر إنجاز مشروع تحويل قناة المغربية الفضائية إلى قناة إخبارية، واستمر إغلاق مكتب الجزيرة.

وعلى مستوى البرمجة؛ لم يطرأ أي تغيير كبير في القنوات العمومية بالرغم من تعديل دفاتر تحملاتها. فالبرامج الحوارية السياسية استمرت على نهج المرحلة السابقة وأخلفت في الكثير من الأحيان الموعد مع المهنية والمصداقية في النقاش، واحترام التعددية السياسية والخيار الديمقراطي؛ والابتعاد عن لغة الخشب. كما نسجل غياب الانفتاح على المشاهد المغربي والتفاعل معه عبر المكالمات الهاتفية ووسائل الاتصال الحديثة، بالإضافة إلى تغييب اللجوء إلى استطلاعات الرأي وتحفيز النقاشات السياسية الساخنة على غرار التجارب الناجحة التي خاضتها الإذاعات الخاصة.

كل هذه المميزات تعكس مدى بعد التلفزة المغربية عن دورها في مصاحبة التحولات العميقة التي عرفها المجتمع المغربي وخصوصا في مرحلة ما بعد دستور 2011. فهي عاجزة عن إرضاء الرأي العام وعن تشكيل قاطرة لمختلف تعبيرات السلطة الرابعة وعن لعب دور السلطة المضادة. وهذا هو رأي العديد من الكتاب والمهنيين في المغرب كمثال؛ الكاتب الصحافي عبد الصمد بنشريف الذي يشغل في نفس الوقت منصب مدير قناة المغربية الفضائية الإخبارية[27]، حيث عبر غير ما مرة عن انتقاده لغياب أي استراتيجية إعلامية عمومية في مستوى الانتقال الديمقراطي معزيا ذلك لغياب الرغبة السياسية.

خاتمة

إذا كانت التلفزة المغربية في وقت سابق قد عرفت انغلاقا وتعتيما محكمين في فترة عدم الاستقرار السياسي، وتقدما وانفتاحا نسبيين في فترة الاستقرار السياسي الداخلي سنوات التسعينات وبداية الألفية الثالثة؛ فإن الذي حصل في مرحلة ما بعد دستور 2011 هو أن قطاع التلفزة ظل جامدا ولم يستفد بالشكل المطلوب من رياح التغيير التي هبت من الشرق. وظل القطاع محط انتقادات لاذعة من طرف هيئات حكومية والبرلمان، والأحزاب السياسية، والنقابات، وفعاليات المجتمع المدني، بل وحتى الوزارة الوصية على قطاع الاتصال (وزارة الاتصال).

هذه الأخيرة انتقدت في غير ما مرة غياب المهنية على مستوى القنوات العمومية وطريقة تعاطيها مع بعض الأخبار الداخلية والخاريجة.

فلمصلحة من يعمل هذا الجهاز؟

ومن هي الجهة التي تعمل القنوات العمومية على إرضائها؟

ولماذا لم تتغير الفلسفة الإعلامية رغم التحولات السياسية الداخلية؟

لهذه الإشكالات تفسير واحد؛ وهو أن الاتصال السمعي البصري لا يخضع لمنطق واضح جلي، بل هو في قلب اللعبة السياسية. فمن يتحكم بخيوط اللعبة، يتحكم في السياسة الإعلامية ككل، وهذا هو المنطق الوحيد الذي يمكن استنتاجه.

المراجع

باللغة العربية:

– المهدي بوزكري، ، التدبير والتنظيم الهيكلي للإذاعة والتلفزة المغربية، نجاح الجديدة، 1982، ص: 161.

– الرضواني محمد ، التنمية السياسية في المغرب: تشكل السلطة التنفيذية وممارستها من سنة 1956 إلى سنة 2000، المعارف الجديدة، طبعة 1، الرباط، ص: 69-75.

– زين الدين محمد ، الدستور ونظام الحكم في المغرب، نجاح الجديدة، طبعة أولى، 2015، الدار البيضاء، ص: 123.

– بن شريف عبد الصمد ، “بنشريف يدعو إلى انتقال ديمقراطي إعلامي بالمغرب”، هسبريس، جريدة الكترونية، السبت 06 يناير 2018.

باللغة الفرنسية:

– Eco, Umberto, « TV : La transparence perdue », in « La Guerre du Faux », Livre de Poche, 1988, pp : 196-220.

– Chakroun, Abdallah, Réflexions sur l’audiovisuel et le théâtre, Najah el jadida, 2006, pp. 11-18.

– Mouhtadi, Najib, Pouvoir et communication au Maroc, l’Harmatan, 2008, p. 40.

-Bouchet, Patrick & Kaach, Mohammed, Afrique francophone et développement du sport : du mythe à la réalité, l’Harmattan, 2004, p. 325.

-Autissier, Anne-Marie, « Guide du cinéma et de l’audiovisuel en Europe centrale et orientale », Institut d’Études Slaves, 1992, p. 19.

-El-Falaki, Hoceine, « Radioscopie de la télévision marocaine, une programmation déséquilibrée », mémoire de fin d’étude à l’ISIC, Rabat, 1977-1978.

www.haca.ma

www.hespress.com

[1]  البريد الالكتروني: younesszaidan@gmail.com

[2] – Eco, Umberto, « TV : La transparence perdue », in « La Guerre du Faux », Livre de Poche, 1988, pp : 196-220.

[3]– Chakroun, Abdallah, Réflexions sur l’audiovisuel et le théâtre, Najah el jadida, 2006, pp. 11-18.

[4]   – بوزكري، المهدي ، التدبير والتنظيم الهيكلي للإذاعة والتلفزة المغربية، نجاح الجديدة، 1982، ص: 161.

[5]– Mouhtadi, Najib, Pouvoir et communication au Maroc, l’Harmatan, 2008, p. 40.

[6] – في عز مشكل الصحراء المغربية، تم تفويت حق البث الإذاعي لإذاعة البحر الأبيض المتوسط التي كان مقرها في مدينة طنجة شمال المغرب. وكان الغرض منها مجابهة الماكينة الإعلامية لخصوم المغرب المروجة لأطروحة الانفصال وعدم مغربية الصحراء. وهذه الخطوة مكنت المغرب من التوفر على إذاعة خاصة قوية قادرة على التوغل في شمال إفريقيا وعدد من دول جنوب الصحراء.

[7]  – كانت بعض دور السينما تعيد تقديم نشرات الأخبار التلفزية قيل بداية عرض الفلم.

[8]– El-Falaki, Hoceine, « Radioscopie de la télévision marocaine, une programmation déséquilibrée », mémoire de fin d’étude à l’ISIC, Rabat, 1977-1978.

[9]  – نستشهد هنا ببث التلفزة المغربية لصور إعدامات قيادات الجيش المغربي المتورطين في انقلاب الصخيرات سنة 1972.

[10]  – قامت أحزاب المعارضة في عدة مناسبات برفع مذكرات دستورية إلى الملك بغية تعديل الدستور في ظل التغيرات التي شهدها العالم أواخر التسعينات و انتصار الديمقراطية و حقوق الإنسان.

[11]  – انظر محمد، الرضواني، التنمية السياسية في المغرب: تشكل السلطة التنفيذية وممارستها من سنة 1956 إلى سنة 2000، المعارف الجديدة، طبعة 1، الرباط، ص: 69-75.

[12] – انظر زين الدين محمد، الدستور ونظام الحكم في المغرب، نجاح الجديدة، طبعة أولى، 2015، الدار البيضاء، ص: 123.

[13] – هي عبارة عن قناة خاصة في ملكية شركة أونا التي كانت محسوبة على القصر و العائلة الملكية.

[14] – تم إيقاف التشفير انطلاقا من سنة 1997.

[15]  – يعتبر هذا البرنامج من أقوى البرامج الحوارية التي قدمتها التلفزة المغربية على الإطلاق، و ذلك بالنظر إلى شخصية وأسلوب مقدمه مصطفى العلوي و طبيعة الشخصيات التي شاركت فيه.

[16]– Cité par Bouchet, Patrick & Kaach, Mohammed, Afrique francophone et développement du sport : du mythe à la réalité, l’Harmattan, 2004, p. 325.

[17] – بالنسبة للنسخة الفرنسية كانت تسمى : L’homme en question. وكانت تداع بالتعاقب مع النسخة العربية.

[18]  – ويتعلق الأمر بالفنانة تورية جبران التي كان من المقرر أن تحل ضيفة على برنامج : وجه وحدث، لتفاجئ باختطافها واحتجازها في مكان غير معروف.

[19] – تم إيقاف البرنامج الحواري “وجه وحدث” على إثر تصريح لأحد الضيوف اعتبر جارحا في حق وزير الداخلية إدريس البصري الذي كان يشرف أيضا على قطاع الإعلام. أما بالنسبة للبرنامج الحواري “دائرة الضوء” فتم إيقافه بعد ثلاث حلقات للحماسة الزائدة لمقدمه السياسي أحمد الزايدي.

[20]  – نخالف بذلك تقسيم الكاتب الفرنسي أومبيرطو إيكو الذي اعتبر بأن التلفزة الفرنسية دخلت مرحلة “ما بعد التلفزة” وذلك لانفتاح القنوات الفرنسية على المشاهدين عبر وسائل الاتصال الكلاسيكية و الالكترونية.

[21]  – عرفت القناة الأولى سنة 2000 زيادة غير مسبوقة في فترة بثها اليومية لتصل لثمانية عشر ساعة، وتم تنويع برمجتها وتغيير الديكور و الرمز الخص بها، كما تم تحسين المستوى التقني للصورة والصوت وتم جلب موارد بشرية مهمة.

[22]  – انظر موقع الهيأة على الرابط: www.haca.ma .

[23]  – نذكرعلى سبيل المثال لا الحصر الكوميدي السياسي أحمد السنوسي وبعض الفنانين المحسوبين على تيارات سياسية محظورة أو بعض رموز التيار السلفي.

[24] زين الدين محمد، الدستور ونظام الحكم في المغرب، نجاح الجديدة، طبعة أولى، 2015، ص: 155.

[25]  – انظر تصدير الوثيق الدستورية.

[26]– Autissier, Anne-Marie, « Guide du cinéma et de l’audiovisuel en Europe centrale et orientale », Institut d’Études Slaves, 1992, p. 19.

[27]  – عبد الصمد بن شريف، “بنشريف يدعو إلى انتقال ديمقراطي إعلامي بالمغرب”، هسبريس، جريدة الكترونية، السبت 06 يناير 2018. انظر الموقع: https://www.hespress.com/medias/377232.html