التكيـيـــــف القــــــانوني للعقــــد الطـبـــــــــي

602

التكيـيـــــف القــــــانوني للعقــــد الطـبـــــــــي

المصطفى الغشام الشعيبي

رئيس المركز المتوسطي للدراسات القانونية والقضائية

رئيس مركز أسرتي

باحث بسلك الدكتوراه القانوني المدني والأعمال  كلية الحقوق جامعة عبد المالك السعدي – طنجة –

تصنف العقود إلى عقود مسماة وعقود غير مسماة. والعقد المسمى هو العقد الذي نظمه المشرع وأعطاه اسما خاصا يعرف به من بين سائر العقود، وأفرد له أحكاما مميزة له. أما العقد المسمى فهو العقد الذي لم يظفر بأي تنظيم خاص في القانون، كما لم يعطه اسما معينا، إذ هو متروك لإرادة المتعاقدين يكيفونه حسب مشيئتهم. وقد اختلف الفقه في تكييف العقد الطبي ففي حين ذهب اتجاه فقهي على اعتبار العقد الطبي عقد من نوع خاص، ذهب اتجاه آخر إلى تصنيف العقد الطبي ضمن خانة العقود المسماة، وحاول إلحاقه ببعض العقود التي نظمها المشرع كعقد الوكالة وعقد الشغل وعقد المقاولة ( المبحث الأول )، ولقد كان هذا الاختلاف واضحا في القانون المغربي (المبحث الثاني).

المبحث الأول: محاولات تكييف العقد الطبي

ذهب اتجاه فقهي وقضائي إلى تصنيف العقد الطبي ضمن خانة العقود المسماة، وحاول إلحاقه ببعض أصناف العقود المسماة التي نظمها المشرع كعقد الوكالة وعقد الشغل وعقد المقاولة (المطلب الأول)، في حين يعتبر الرأي السائد في الفقه والقضاء هو اعتبار العقد الطبي عقدا غير مسمى أو عقدا من نوع خاص(المطلب الثاني).

المطلب الأول: مناقشة فكرة ربط العقد الطبي بأحد العقود المسماة

  • نظرية الوكالة[1]

أ – مضمون  النظرية:   

تعتبر نظرية الوكالة نظرية الفقه التقليدي، وتجد هذه النظرية أصولها في النظم القانونية لدى الرومان حيث تظهر فكرة الوكالة عند الرومان كوظيفة تقوم على الصداقة، أي على الرغبة في تقديم خدمة، فهي عقد ينشأ عندما يقوم شخص يسمى الأصيل بتكليف شخص آخر بأن يقوم بعمل مجاني لمصلحته، وقد يكون محل العقد شيئا ماديا، أو عملية قانونية[2]. ويمكن أن نجد نظرية الوكالة في فكر بوتيه الذي يعتبر من أشهر الفقهاء الذين نادوا إلى اعتبار العقد الطبي عقد وكالة حيث قال : “إن العقد بين الطبيب والمريض عقد وكالة، وأما الأجور التي يقدمها المريض إلا من باب الهبة مقابل عرفان الجميل الذي يقوم به الطبيب”[3].

ب –  نقد النظرية:

لقد وجه الفقهاء النقد إلى هذه النظرية من أكثر من ناحية:

1 – من حيث اعتمادها على القانون الروماني: إن الوكالة في القانون الروماني التي تأثر بها هذا الاتجاه الفقهي كانت لا تقتصر على التصرفات القانونية وحدها وإنما تمتد إلى الأعمال اليدوية وما يقوم به الطبيب لمصلحة المريض هو عمل مادي: تشخيص، علاج، جراحة…[4] أما في القوانين الحديثة فتقتصر على التصرفات القانونية وحدها.

2 – من حيث قيام الوكالة على فكرة النيابة: إن الطبيعة القانونية للوكالة في القانون الفرنسي الحديث لا تتفق مع العقد الطبي فهو يحدد الوكالة بصفة عامة كعقد يعطي عن طريقه الموكل للوكيل سلطة أن يقوم نيابة عنه بتصرف قانوني، وذلك على العكس من القانون الروماني. فالوكالة في القانون الفرنسي مقصورة على التصرفات القانونية، وبالتالي فلا توجد أدنى صلة بين العقدين، ففي أحدهما يتصرف الوكيل لصالح الموكل وباسمه، بخصوص تصرف قانوني، بينما الآخر يخول للطبيب القيام بالأعمال المادية على جسم المريض من أجل شفائه[5].

3 – من حيث مجانية عقد الوكالة[6]: إن عقد الوكالة عقد مجاني بطبيعته، ولا يدخل عليه الأجر إلا استثناءا بينما العقد الطبي عقد مأجور[7]، بحيث أصبح الأطباء اليوم يعيشون بصفة أساسية من الأتعاب التي يتقاضونها من ممارسة مهنتهم، يترتب على ذلك أن المريض ملزم بدفع أتعاب الطبيب، ولهذا الأخير أن يلزمه بواسطة القضاء على دفعها له[8].

2 – نظرية عقد الشغل

أ – مضمون النظرية

اعتبر أصحاب هذه النظرية أنه يجب التسوية بين أصحاب المهن الحرة و الأجراء اليدويين في الأحكام وإخضاعهم كافة لعقد إجارة الخدمة ما دام الجميع يقدمون خدماتهم مقابل أجرة مهما اختلف الاسم الذي يطلق عليها[9]. وإذا كان العقد الطبي يشتبه مع عقد الشغل في أن كليهما ينصب على القيام بعمل معين سواء كان عملا فكريا أو عملا يدويا، كما أنهما يشتبهان من حيث كونهما معا من العقود الزمنية. إلا انه وبالرغم من ذلك فهما يختلفان فيما بينهما من حيث توفر عنصر التبعية من عدمه. ففي عقد الشغل يلتزم الأجير بوضع جميع مؤهلاته وإمكانياته تحت تصرف رب العمل وحده أثناء التنفيذ، كما يجب عليه أن يمتثل لأوامره. وهذا عكس وضعية الطبيب في العقد الطبي، حيث أن الطبيب غير خاضع لمريضه ولا تابع له ولا ينصاع لأوامره وتعليماته[10].

ب – نقد النظرية

انتقد  بعض الفقه[11] تكيف العقد الطبي على أساس عقد إجارة الخدمة أو عقد شغل من ناحيتين:

الناحية الأولى: معيار التبعية القانونية

يتميز عقد الشغل عن غيره من العقود بكونه يتميز بعنصر التبعية القانونية، حيث يلتزم فيه الأجير بأن يؤدي لرب العمل عملا معينا مقابل أجرة محددة، ولا وجود لعنصر التبعية في العقد الطبي، بحيث لا يستطيع المريض باعتباره مؤجر أن يوجه أوامره للطبيب، ذلك أن الطب مهنة حرة يمارس فيها الطبيب مهنته دون أن يكون تابعا للمريض بأي شكل من الأشكال.

الناحية الثانية: عدم تناسب عقد الشغل مع مؤسسة الطب الحر

إن القول  بتكييف العقد الطبي على أساس أنه عقد شغل، قول مردود على اعتبار أن من شأن ذلك تمتيع الأطباء بامتيازات مهمة ومتنوعة، بحيث سيستفيدون من امتيازات قانون الشغل من جهة، وامتيازات القانون المتعلق بمزاولة مهنة الطب من جهة أخرى.

3 – نظرية عقد المقاولة

أ – مضمون النظرية

يرى فريق من الفقهاء أن عقد المقاولة[12] ينطبق على العقد الطبي، ذلك أن المقاولة هو: “عقد بمقتضاه يلتزم أحد طرفيه بصنع شيء معين في مقابل أجر يلتزم الطرف الآخر بدفعه له”.

فالطبيب إنما يلتزم بصنع شيء وهو علاج المريض في مقابل أجر، وهو حر في اختيار طريقة العلاج من دون أن تكون هناك رابطة التبعية بينه وبين المريض[13].

ب – نقد النظرية

وجه المعارضون لهذه النظرية سيلا من الانتقادات، تهدف بالأساس إلى توضيح عدم انطباق هذه النظرية على العقد الطبي وذلك من النواحي التالية:

1 – من حيث طبيعة محل كل منهما: ينصب عقد المقاولة على أعمال مادية يقوم بها المقاول طبقا لمقتضيات القانون التجاري، حيث يقوم عمله على اساس معيار الربح والخسارة التي تتميز بها الأنشطة التجارية. في حين أن الأعمال التي يقوم بها الطبيب بمناسبة العقد الطبي هي خليط من الأعمال المادية والفكرية تختلف بطبيعتها عن الأعمال التي يقوم بها المقاول، كما أن الطبيب لا يعتبر تاجرا، وهو بذلك لا يخضع في ممارسة أعماله لمقتضيات القانون التجاري، وإنما يخضع لمقتضيات القانون الطبي.

2 – من حيث طبيعة الالتزام في كل منهما: إن التزام المقاول في عقد المقاولة هو التزام بتحقيق نتيجة لا ببذل عناية وذلك كالالتزام ببناء دار مثلا، في حين أن التزامات الطبيب هي التزامات ببذل عناية . ذلك أن ” طبيعة علم الطب وما يشوب وسائله من نقص أمام أجسام تتفاوت قوة مناعتها، وأمراض تختلط أعراضها وتتباين تطوراتها، تأبى اعتبار الطبيب ملتزما بنتيجة، وبالتالي أن يشبه بمقاول”[14].

3 – من حيث اعتبار شخصية المتعاقد في كل منهما: ويترتب على اعتبار شخصية الطبيب محل اعتبار في العقد الطبي نتائج هامة:

  • ينتهي العقد الطبي بوفاة المريض أو الطبيب، خلافا لعقد المقاولة حيث إن موت أحد طرفيه لا ينهي عقد المقاولة، إلا إذا كان التعاقد قد تم على أساس شخصية المقاول، وهذا ما نصت عليه الفقرة الأخيرة من الفصل 745 من قانون الالتزامات والعقود: “ينتهي بسبب وفاة مؤجر الصنعة أو الخدمة مع مراعاة ما يقضي به القانون من استثناءات بالنسبة للحالة الأخيرة… ولا ينفسخ العقد بموت السيد أو رب العمل…”، وتقابله المادة 666 من القانون المدني المصري: ” ينقضي عقد المقاولة بموت المقاول إذا كانت مؤهلاته الشخصية محل اعتبار في التعاقد، فإن لم تكن محل اعتبار فلا ينتهي العقد من تلقاء نفسه”.
  • يجوز للمقاول أن يقاول من الباطن في كل العمل أو في جزء منه ما لم يوجد هناك شرط مانع منصوص عليه في عقد المقاولة استنادا إلى قاعدة العقد شريعة المتعاقدين. في حين أنه لا يمكن للطبيب أن ينيب عنه غيره في علاج مرضاه، لأن العقد الطبي عقد تراعى فيه الاعتبارات الشخصية عند التعاقد.

ج – الرد على نقد نظرية المقاولة

يرد بعض الفقه[15] على هذه الانتقادات ويعتبرها غير منسجمة والمنطق القانوني السليم وذلك من عدة جوانب:

1 – من حيث طبيعة محل كل منهما: عقد المقاولة قابل لأن يشمل العقد الطبي، ذلك أنه لا يمكن التمييز بين الأعمال المادية والفكرية، لأن ذلك يتعارض مع مقتضيات الفصول 723 و 724 من قانون الالتزامات والعقود، والمادة 1787 وما بعدها من القانون المدني الفرنسي.

2 – من حيث طبيعة التزام المقاول: يمكن أن يكون التزام المقاول ببذل عناية كالتزام المعلم مثلا، ويمكن أن يكون التزاما بتحقيق نتيجة كالتزام مصلح السيارات. ولذلك فكون التزام الطبيب هو التزام ببذل عناية لا يخرجه عن إطار عقد المقاولة، حيث يظل معتبرا مقاولا يلتزم بأداء عمل معين لمصلحة رب العمل، أي المريض مقابل أجر معين[16].

3 – من حيث اعتبار شخصية المتعاقد في كل منهما: أجاز القانون المتعلق بمزاولة مهنة الطب للطبيب أن ينيب عنه غيره في عيادته ولمدة مؤقتة زميلا له حاصلا على رخصة النيابة أو طالبا في الطب متوفرا أيضا على رخصة النيابة. ومن جهة ثانية لا تمنع آداب ممارسة مهنة الطب من الاستعانة بالغير، بل إنها تسمح به صراحة في الفصل 23 من قانون أخلاقيات مهنة الطب لسنة 1953.[17]

المطلب الثاني: مناقشة فكرة “العقد من نوع خاص

أ – مضمون نظرية ” العقد من نوع خاص

اعتبر العديد من الفقهاء أن العقد الطبي عقد من نوع خاص، ذلك أن النظريات التقليدية للعقود لم تقدم لنا التكييف الصحيح للعقد الطبي، فهذه العقود لا تتفق مع الطبيعة القانونية لذلك العقد، والنقد الأساسي الموجه إلى هذه النظريات هو أنها قد حاولت وضع العقد الطبي في إطار عقود لا تتفق مع أساس هذا العقد[18]. ويرى هذا الاتجاه أنه من الأفضل أن نعتبر العقد الطبي عقدا من نوع خاص لأنه لا يتفق مع نظرية عقد الوكالة التي اهتم أنصارها بالدفاع عن أفضلية المهن الحرة على الأعمال اليدوية. كما أن العقد الطبي لا يتفق من جهة مع عقد الشغل الذي اهتم أنصاره بالدفاع عن المقابل الذي يحصل عليه الأجير في حين أن العقد الطبي منزه عن وجود أية علاقة تبعية بين المريض والطبيب. ولا يتفق من جهة أخرى مع عقد المقاولة حيث لا يمكن تشبيه المهندس الذي يتعامل مع مواد عديمة الحركة، بالطبيب الذي يعالج المرضى ويتعامل مع الجسم البشري[19].

وتأسيسا على ما سبق يرى أنصار هذا الاتجاه أن العقد الطبي هو عقد من نوع خاص، وموضوعه الأساسي مختلف عن العقود الأخرى، وعن القواعد التي تحكم هذه العقود، فالتشابه الذي قد يوجد بين هذا العقد وبين بعض العقود التقليدية، لا يؤدي إلى أن يفقد العقد الطبي صفته المستقلة[20].

ب – تقييم النظرية (نحو تنظيم تشريعي للعقد الطبي)

يرى بعض الفقه أنه بالرغم من “إيماننا بأن الفصل 724 من قانون لالتزامات والعقود المغربي تمت صباغته على نحو يشمل الأعمال المادية والفكرية، وأنه كان أكثر وضوحا من النص الفرنسي (المادة 1710 من القانون المدني الفرنسي) ومن النص المصري (المادة 646)، فإننا نرى أن الخصوصيات التي يتوفر عليها العقد الطبي وارتباطه الوثيق بجسم الإنسان واعتماده على عنصر الثقة في الطبيب كعنصر حاسم، وإمكانية فسخه بالإرادة المنفردة لأحد طرفيه، تجعل منه عقدا خاصا بلا ريب”[21]… “ونعتقد أنه سيأتي يوم يتدخل فيه المشرع لينظم أحكامه ويعطيه وصفا خاصا به كما هو الشأن بالنسبة لعقود أخرى كانت غير منظمة من قبل، ثم تدخلت بعض التشريعات الحديثة ونظمتها بسبب ما كسبته من أهمية في التعامل، كعقد التأمين والتزام المرافق العامة والمقامرة والرهان”[22].

المبحث الثاني: موقف القانون المغربي من النظريات السابقة

لم ينص المشرع المغربي على أية مقتضيات قانونية تنظم العقد الطبي، وهو نفس الاتجاه الذي سلكه كل من القانون الفرنسي والمصري(المطب الأول)، وهو ما أدى إلى فراغ تشريعي انعكس على مستوى القضاء(المطلب الثاني).

المطلب الأول: موقف المشرع المغربي والمقارن من النظريات السابقة

  • – موقف المشرع المغربي

أ – في القانون المتعلق بمزاولة مهنة الطب

لم ينص المشرع المغربي على مقتضيات خاصة بالعقد الطبي في القانون رقم 10.94 المتعلق بمزاولة مهنة الطب، بالرغم من كونه نص على بعض المقتضيات القانونية المتعلقة ببعض العقود التي يبرمها الأطباء بمناسبة قيامهم بوظائفهم المهنية: وقد صنف بعض الفقه هذه العقود إلى طائفتين: فهناك عقود مبرمة بين الأطباء وزملائهم قصد ممارسة المهنة وتضم: عقد الشركة[23]، وعقد النيابة[24]، أما الثانية فتضم العقود المبرمة بين الأطباء والهيئات الخاضعة للقانون العام أو القانون الخاص والتي يؤجرون بمقتضاها خدماتهم لهذه الفئات[25].

ب –  في ظهير الالتزامات والعقود

ينص الفصل 724 من قانون الالتزامات والعقود على أن: “يعتبر بمثابة إجارة الصنعة، العقد الذي يلتزم بمقتضاه الأشخاص الذين يباشرون المهن والفنون الحرة بتقديم خدماتهم لزبنائهم، وكذلك الشأن بالنسبة إلى الأساتذة وأرباب العلوم والفنون والحرف”. وانطلاقا من هذا الفصل لنا أن نتساءل حول هل تعتبر مهنة الطب من المهن المقصودة في هذا الفصل؟.

لقد اختلف الفقه المغربي حول  الإجابة على هذا السؤال إلى اتجاهين:

الاتجاه الأول: ويتزعمه كل من الأستاذ احمد ادريوش و الأستاذ عمر عزيمان، حيث يعتبران أنه وبالرجوع إلى المصادر التاريخية للفصل 724 من قانون الالتزامات والعقود فإنه يفيد بأن مشرع قانون الالتزامات والعقود قصد به أن يشكل إطارا قانونيا للعلاقة بين الممارس والزبون، أي بين من يمارس مهنة حرة – بما في ذلك مهنة الطب- وبين من يطلب خدمات هذه المهنة أو تلك. فعبارة “المهن والفنون الحرة” تشمل فيما تشمل عليه، من يتعاطى مهنة الطب في إطار مؤسسة الطب الحر[26].  كما أن الاختلافات فيما بين العقد الطبي وعقد إجارة الصنعة  ليس من شأنها أن تبعد العقد الطبي عن مقتضيات عقد المقاولة، لأن هذا الأخير يأخذ أشكالا متنوعة تبعا للنشاط أو الالتزام الذي يتعهد به المقاول، وأنه لا يمكن تصور العقد المبرم مع مهندس معماري مشابها في كل جزئياته لعقد الناقل أو لعقد البناء ولا للعقد الطبي أو عقد النشر أو عقد الدعاية. حيث يشكل عقد المقاولة الإطار القانوني العام الذي يأوي مجموعة من العقود الخاصة التي لها قاسم مشترك يتجلى في القيام بخدمات مقابل أجر من غير وجود علاقة تبعية وخارج نطاق النيابة عن الزبون[27].

الاتجاه الثاني: ويتزعمه في المغرب محمد عبد النباوي، ويعتبر هذا الاتجاه أن نص الفصل 724 من قانون الالتزامات والعقود والذي تقابله المادة 1710 من القانون المدني الفرنسي والمادة 646 من القانون المدني المصري يتعلق بعقد إجارة الصنعة أو عقد المقاولة، وبالرغم من التشابه بين هذا العقد والعقد الطبي في كثير من الأحكام، إلا أن أوجه اختلافهما كثيرة يعطي لعلاقة الطبيب بالمريض تكييفا يميزها عن عقد المقاولة. ويضيف ذ/محمد عبد النباوي: “ولسنا بصدد التعصب لرأي دون آخر، ولكننا لا نريد أن نبحث للعقد الطبي عن قالب قانوني لإقحامه ضمن العقود المسماة كيفما كان الحال، ونتجاهل تلك الاختلافات الجوهرية التي تميزه عن عقد المقاولة وتنبني عنها أحكام خاصة به في طبيعة الالتزام وأسبابه وانقضائه”[28].

  • – موقف التشريعات المقارنة

أ – في التشريع الفرنسي

لم ينص المشرع الفرنسي على مقتضيات خاصة بالعقد الطبي، وإنما جاء بنص عام يهم جميع الأعمال التي يقوم بها شخص لفائدة الغير مقابل أجر معين يتفقان عليه من خلال المادة 1710 من القانون المدني الفرنسي[29]. ورغم إمكانية تكييف العقد الطبي استنادا لنص هذه المادة، إلا أن الكثير من الفقه لا يقر بإمكانية هذا التكييف مراعاة لما يتميز به العقد الطبي من خصوصيات تجعله غير ممكن التكييف إلا في إطار نظرية العقد من نوع خاص[30].

ب – في التشريع المصري

لم ينص المشرع المصري على مقتضيات خاصة بالعقد الطبي، ودلك باستثناء ما جاء في المادة 646 من القانون المدني المصري في تعريف عقد المقاولة على أنه: “المقاولة عقد يتعهد بمقتضاه أحد المتعاقدين بأن يصنع شيئا أو أن يؤدي عملا لقاء أجر يتعهد به المتعاقد الآخر”. ومما يتضح من هذه المادة أنه عامة وغير حاسمة في اعتبار العقد الطبي نوع من أنواع عقود المقاولة. كما أنه جاءت غير واضحة حتى يتسنى لنا تكييف العقد الطبي استنادا إليها. ولعل السبب في ذلك يرجع إلى الاختلافات الجوهرية بين العقد الطبي وعقد المقاولة يصعب معها تطبيق مقتضيات قانونية عامة على عقد يتسم بطابع خاص. ولذلك يرى الأستاذ عبد الرشيد مأمون أن: “عقد العلاج هو عقد من نوع خاص، وموضوعه الأساسي يختلف عن العقود الأخرى، وعن القواعد التي تحكم هذه العقود، فالتشابه الذي قد يوجد بين هذا العقد وبين العقود التقليدية، لا يؤدي إلى أن يفقد عقد العلاج صفته المستقلة”[31].

المطلب الثاني: موقف القضاء المغربي والمقارن من النظريات السابقة

  • – موقف القضاء المغربي

رغم قلة الأحكام والقرارات المتعلقة بموضوع العقد الطبي إلا أن القضاء المغربي قد أخذ بنظرية “العقد من نوع خاص”، كتكييف للعقد الطبي وهذا ما يتجلى من خلال القرار الصادر عن محكمة الاستئناف بالدر البيضاء والذي أكدت فيه المحكمة على اعتبار العلاقة القائمة بين الطبيب والمريض بأنها عقدية، وهذه العلاقة هي من نوع خاص، وأن العقد الذي يربط بينهما ذو طبيعة خاصة[32].

  • – موقف القضاء الفرنسي والمصري

وشأن القضاء المغربي فالقضاء الفرنسي بدوره كيف العقد الطبي على أنه “عقد من نوع خاص”، وهذا ما يتضح من خلال قرار لمحكمة النقض الفرنسية بتاريخ 13 يوليو 1937: ” أن الاتفاق الحاصل بين المريض والطبيب الذي يقدم له مساعدته وجهوده هو عقد من نوع خاص، لا يمكن أن يوصف بأنه عقد إستصناع”[33].

 

[1]  – عرف المشرع المغربي الوكالة في الفصل 879 من ق ل ع بأنها: “الوكالة عقد بمقتضاه يكلف شخص شخصا آخر بإجراء عمل لحسابه”

[2]  – عبد الرشيد مأمون، “عقد العلاج بين النظرية والتطبيق، دار النهضة العربية، القاهرة، ص99.

[3]  – محمد عبد النباوي، “المسؤولية المدنية للأطباء القطاع الخاص”، الطبعة الثانية 2005، ص:63.

[4]  –  وفي هذا الصدد يقول الأستاذ أحمد ادريوش: “حيث إن الوكالة في القانون الروماني لا تقتصر على التصرفات القانونية بل تشمل أيضا الأعمال المادية، وأصحاب المهن الحرة في القانون الروماني لم يكونوا يتقاضون أجرا على أن القانون الروماني لم يستقر على هذه الطريقة، وذهب أخيرا يعترف لصاحب المهنة الحرة المطالبة بأتعابه بدعوى مختلفة عن دعوى الوكالة”. مسؤولية الأطباء المدنية بالمغرب، مس،ص156.

[5]  – عبد الرشيد المامون، مرجع سابق، ص: 102.

[6]  – بنص الفصل 888 من ق ل ع المغربي: “الوكالة بلا أجر، ما لم يتفق على غير ذلك، غير أن مجانية الوكالة لا تفترض……”

[7]  – عبد الرشيد مأمون، مرجع سابق” ص: 103.

[8]  – محمد عبد النباوي، مرجع سابق، ص:66.

[9]  –  لقد كان يهدف أصحاب هذه النظرية إلى وضع حد لتلك التفرقة المبنية على اعتبارات جد مثالية ترى العمل الفكري عملا ساميا، والعمل اليدوي عملا مهنيا ووضيعا.

[10]  – إن التطور الصناعي والاقتصادي الذي يعرفه العلم في الوقت الحالي أدى إلى ظهور عقود شغل تربط الأطباء بمؤسسات أو مستشفيات للعمل بها في إطار عقود الشغل، حيث يلتزم الطبيب بتقديم خدماته لفائدة الجهة المتعاقد معها.

[11] –   احمد ادريوش ” العقد الطبي تأملات حول المشاكل القانونية التي تثيرها العلاقة بين الطبيب وزبونه”، مرجع سابق ص 30 و 31.

[12]  – عرفت الفقرة الثالثة من الفصل 724 من قانون الالتزامات والعقود المغربي إجارة الصنعة على أنها: “إجارة الصنعة عقد بمقتضاه يلتزم أحد طرفيه بصنع شيء معين في مقابل  أجر يلتزم الطرف الآخر بدفعه له..”. وتقابلها المادة 646 من القانون المدني المصري: “المقاولة عقد يتعهد بمقتضاه أحد المتعاقدين بأن يصنع شيئا أو أن يؤدي عملا لقاء أجر يتعهد به المتعاقد الآخر”. ويقابلها المادة 1710 من القانون المدني الفرنسي :

“Le louage d’ouvrage est un contrat par lequel l’une des parties s’engage à faire quelque chose pour l’autre, un prix convenu entre elles”

[13]  – ومنهم الأستاذ أحمد ادريوش، العقد الطبي، مرجع سابق، ص 50: حيث اعتمد تصنيف عقود المقاولة استنادا إلى طبيعة العمل محل هذه العقود، فالعقود التي يكون محل الالتزام فيها هو أداء عمل مادي هي: مقاولة البناء، عقد المقايضة أو النزول في فندق….أما العقود التي يكون محل الالتزام الرئيسي فيها هو أداء عمل فكري فهي: عقود العلاج المختلفة كالعقد الطبي وعقد الاستشفاء وعقد التمريض….ومنهم كذلك السنهوري، الوسيط، الجزء 7، ص:19 و 20. وكذلك عمر عزيمان، ص: 261. ورغم ذلك فإن المجلس الأعلى لم يحسم في موضوع تطبيق أحكام عقد المقاولة على العقد الطبي: حيث ورد في قرار للمجلس الأعلى رقم 2149 بتاريخ 31 مايو 2001 في الملف المدني 1081-2000 أن ” الطاعنتين اقتصرا في وسيلتهما على مجرد سرد لمناقشات وآراء فقهية وقضائية ونصوص قانونية في إطار انتقادات مجملة ومبهمة ودون وضعها في إطار وسيلة للنقض وبيان وجه خرق النصوص القانونية المزعومة، الشيء الذي يكون معه ما استدل به على خرق هذا النحو لا يرقى إلى درجة الوسيلة والذي لم يتمكن المجلس الأعلى من ممارسة رقابته على ما جاء فيها.

[14]  –  Hicham FARAOUN: La responsabilité médicale en droit français; thèse de Lausane 1961 P:39

[15]  – يرى أحمد ادريوش أن ” الفقهاء من أنصار فكرة ” العقد من نوع خاص” ما فتئوا ينتقدون هذا التكييف – أي تكييف العقد الطبي على أنه عقد مقاولة – مبرزين “خصوصية” العقد الطبي وبالتالي ابتعاده عن أن يشبه بعقد المقاولة. إلا أن هذه الانتقادات،  فضلا عن عدم صلاحيتها وفق أسلوب التحليل القانوني، فإنه يمكن رفعها بتغليب النص الذي نستند إليه للدفاع عن فكرة المقاولة أو اعتبار العقد الطبي نوعا خاصا من المقاولة”. أما على  مستوى القضاء فلم يكيف القضاء المغربي العقد الطبي على أساس الفصل (724) من قانون الالتزامات والعقود حيث اعتبر القضاء التزام الطبيب التزام ببذل عناية، وهذا ما جاء في حكم صدر بتاريخ 4 نونبر 1987 نشرته المجلة المغربية للقانون، عدد 17، ص:145:”مما يدل على أن المدعي كان على حرية كبيرة في التصرف أو العمل وهذه سمة أو خاصية  لا تدل على أن العلاقة التي كانت بين الطرفين هي علاقة خضوع أو تبعية”.

[16]  – احمد ادريوش، العقد الطبي، مرجع سابق، ص: 53

 

[17]  – تنص الفقرة الأولى من الفصل 23 من قانون أخلاقيات مهنة الطب لسنة 1953 على أنه:

” Dès l’instal qu’l est appelé par le malade ou par un tiers à donner des soins à ce malade et qu’il a accepté de remplir cette mission, le médecin s’oblige:

1 – A luis assurer aussitôt tous les soins médicaux en son pouvoir et désirables en circonstance, personnellement ou avec l’aide dz tiers qualifiés;

2 – A avoir le souci primordial de conserver la vie humane, même quand il soulage la souffrance.

3 – A agir toujours avec correction et aménité envers le malade et à se montrer compatissant envers lui”.

[18]  – عبد الرشيد مأمون، عقد العلاج بين النظرية والتطبيق، مرجع سابق، ص:115 و 116.

[19]  – عبد الرشيد مأمون، عقد العلاج بين النظرية والتطبيق، مرجع سابق، ص:116 و 117.

[20]  -. وقد دافع عن هذا الرأي الفقيه سافاتييه، حيث استبعد نظرية الوكالة ونظرية الإجارة، ثم اتجه إلى القول بأن عقد العلاج عقد غير مسمى، إذ أن العمل المستقل للأشخاص القائمين بممارسة المهن الحرة، يجعلهم غير محكومين بواسطة أي عقد مسمى في القانون، فهم يخضعون فقط للقواعد العامة، التي تحكم الاتفاقات والعادات التي تسير عليها المهن الحرة. للمزيد انظر: عبد الرشيد مأمون، عقد العلاج بين النظرية والتطبيق، مرجع سابق، ص: 117 ، و Hicham FARAOUN: La responsabilité médicale en droit français; thèse de Lausane 1961 P:41.

[21]  – محمد عبد النباوي، “المسؤولية المدنية لأطباء القطاع الخاص”، الطبعة الثانية، يناير 2005، ص:80.

[22]  – إدريس العلوي العبدلاوي، “شرح القانون المدني، النظرية العامة للالتزام، نظرية العقد”، مكتبة النجاح الجديدة، 1996، ص: 130.

[23]  – تنص الفقرة الأولى من المادة 49 من القانون رقم 10.94 المتعلق بمزاولة مهنة الطب على أنه: “يسمح لأطباء القطاع الخاص قصد الاستخدام المشترك للوسائل اللازمة لممارسة مهنتهم أن يؤسسوا جمعيات أو شركات تجري عليها أحكام الجزء السابع بالكتاب الثاني من الظهير الشريف الصادر في 9 رمضان 1331 (12 غشت 1913) بمثابة قانون الالتزامات والعقود).

[24]  – نظم المشرع المغربي عقد النيابة بين الأطباء في المواد من 29 إلى 36 من قانون مزاولة مهنة الطب، حيث أنه طبقا للمادة 31 منه: “يسمح للأطباء الموظفين بمزاولة العمل في القطاع الخاص في إطار النيابة وتسلم إليهم لهذه الغية رخصة للنيابة بعد الاطلاع على القرار الصادر بمنحهم إجازة إدارية، ولا تكون النيابة صالحة إلا لمدة الإجازة الإدارية. ويخضع الأطباء الموظفون عند قيامهم بعمل من أعمال النيابة للنصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بمزاولة مهنة الطب في القطاع الخاص”.

[25]  – لم ينظم المشرع المغربي إلا الحالة التي يكون فيها الطبيب الممارس موظفا حيث أجاز فيها على وجه الاستثناء التعاقد لفئتين من الأطباء الموظفون نص عليهما في المادة 56 من قانون مزاولة مهنة الطب وهما:

– الأساتذة المبرزون في الطب الذين كانوا وقت صدور القانون 10.94 لأحكام المرسوم 2.91.262 الصادر في 14 ماي 1993 في شأن هيئة المدرسين الباحثين في الطب والصيدلة وطب الأسنان.

– الأطباء الجراحون والإحيائيين بالمستشفيات الخاضعين لأحكام المرسوم رقم 2.89.25 الصادر في 10 أكتوبر 1989 في شأن النظام الأساسي الخاص بهيئة الأطباء والجراحين والإحيائيين والصيادلة وجراحي الأسنان بالمستشفيات.

[26]  –  أحمد ادريوش، العقد الطبي، مرجع سابق، ص:44.

[27] – Omar AZZIMAN, La profession libérale au Maroc ; édition de la faculté de droit, Rabat 1980 ;    P: 260

[28]  – محمد عبد النباوي، “المسؤولية المدنية لأطباء القطاع الخاص”، مرجع سابق، ص80.

[29]  – Article 1710 : « Le louage d’ouvrage est un contrat par lequel l’une des parties s’engage à faire quelque chose pour l’autre, moyennant un prix convenu entre elles ».

[30]   – يرى الفقيه سافاتييه أن العقد الطبي عقد غير مسمى، إذ أن العمل المستقل للأشخاص القائمين بممارسة المهن الحرة، يجعلهم غير محكومين بواسطة أي عقد مسمى في القانون، يجعلهم يخضعون فقط للقواعد العامة، التي تحكم الاتفاقات والعادات التي تسير عليها المهن الحرة. عبد الرشيد مأمون، مرجع سابق ، ص: 118. وانظر أيضا: Hicham FARAOUN: La responsabilité médicale en droit français; thèse de Lausane 1961 P:41

[31]  – عبد الرشيد مأمون، مرجع سابق، ص 117. ود ذهب السنهوري بخلاف هذا الاتجاه مبررا ذلك: “وحيث أن عقد الطبيب مع المريض يقترب من صورة عقد أي مقاول في عقد المقاولة فلا مانع من أن نطبق أحكام المقاول على حالة الطبيب”. السنهوري الوسيط، جزء 7، ص: 929.

[32]  –  قرار محكمة الاستئناف بالبيضاء بتاريخ 30 يونيو 1965 أورده محمد فتح الله بناني،ص:166.

[33]  – نقض فرنسي بتاريخ 13 يوليو 1937، أورده عبد الرشيد مأمون، مرجع سابق، هامش ص: 116.