التقاط المكالمات والاتصالات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد ومدى احترامه لشرعية الإثبات

2,320

التقاط المكالمات والاتصالات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد
ومدى احترامه لشرعية الإثبات
د. عبد الواحد الدافي
باحث في العلوم القانونية

مــــقــــدمــــة:

تقاس قيمة مشروعية وسائل الإثبات بمدى استنادها إلى قيم العدالة الجنائية والحفاظ على الكرامة الإنسانية وحمايتها دستوريا في البحث عن الدليل والحصول عليه بوسائل مشروعة، لا سيما في ظل بروز التقنيات الحديثة التي تمس بحرمة الحياة الخاصة ، وفي ظل غزو التكنولوجيا الحديثة بحيث أصبحت أداة طيعة في يد المجرمين، وأصبح جهاز الهاتف من أنجع السبل في تنفيذ المخططات الإجرامية وتوفير سبل الحماية والاختفاء عن أعين العدالة، وبغية الأخذ بناصية التكنولوجيا في محاربة الجريمة اهتدى المشرع المغربي إلى النص على التقاط المكالمات والاتصالات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد، قصد ضمان الفعالية وهو ما سنعمل عل معالجته عبر البحث في مضمون هذا الإجراء، بدون إغفال مدى احترام الإجراء لمقتضيات الشرعية الدستورية .
و لم يقنن موضوع مراقبة المكالمات الهاتفية ضمن قانون المسطرة الجنائية القديم، وبالتالي لم يكن ليسمح بمباشرة الإجراء أو الإطلاع على مضمون المراسلات ، وفي هذا السياق نسجل سكوت القضاء في تحديد موقفه بخصوص هذه النقطة، أما الفقه فقد اعتبر أن انتهاك المراسلات يشكل عدوان على حرية الفرد ومن تم يجب ضبطها والالتزام بالشرعية الدستورية.
بعد تعديل 2002: استرعى اهتمام المشرع تنظيم إجراءات التصنت وذلك استنادا للتطورات الهائلة في عالم التكنولوجيا، وتوظيف ذلك من طرف الخارجين عن القانون، إذ حاول المشرع مراعاة الموازنة بين المصلحة العامة في تأمين السلامة والاستقرار، والمصلحة الخاصة للفرد بعدم الاعتداء عليها، عبر تحديد الجهة الموكول إليها صلاحية التنصت .
فما هو مضمون التقاط المكالمات والاتصالات المنجزة عن بعد؟ ومدى احترامها لضوابط شرعية الإثبات الجنائي؟.
المحور الأول: مضمون التقاط المكالمات والاتصالات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد
هذا الإجراء من مستحدثات المسطرة الجنائية المغربية بفعل التطور الحاصل في ميدان الاتصالات واستعماله من طرف المجرمين، ونظرا لخطورته فقد استهل المشرع المغربي المادة 108 من ق.م.ج.م بصيغة المنع واعتبرته من الإجراءات الاستثنائية، ولا يلجأ إليه إلا في حالة الضرورة من قبل قاضي التحقيق (ثانيا) والنيابة العامة (أولا).
أولا: صلاحية النيابة العامة بشأن التقاط المكالمات والاتصالات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد
أتاح القانون للوكيل العام للملك القيام باتخاذ إجراءات التقاط المكالمات الهاتفية والاتصالات الموجهة بوسائل الاتصال عن بعد، بناءا على إذن يحصل عليه من الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف، وفي حالة الاستعجال يمكنه أن يلجأ إلى هذا الإجراء فورا على أن يعرض على الرئيس الأول تقرير بشأن استمرارها.
ففي حالة الأولى يتم تقديم ملتمس من طرف الوكيل العام للملك للرئيس الأول لمحكمة الاستئناف من أجل إصدار أمر باتخاذ إجراءات التصنت إذا اقتضتها ضرورة البحث متى كان موضوع الجريمة يمس أمن الدولة الفصول من 163 إلى 218، أو جريمة تتعلق بالمخدرات والمؤثرات العقلية ظهير 21 ماي 1974، أو تتعلق بالأسلحة والذخير والمتفجرات، أو تلك التي تتعلق بالعصابات الإجرامية، أو تتعلق بالقتل أو التسميم، أو تتعلق بالصحة العامة، وقد أضاف القانون 03-03 المتعلق بمكافحة الإرهاب العديد من الجرائم .
غير أنه يمكن للوكيل العام للملك وفي حالة الاستعجال القصوى وبصفة استثنائية، الأمر بالتقاط المكالمات الهاتفية أو الاتصالات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد وتسجيلها وأخذ نسخ منها وحجزها، متى كانت ضرورة البحث تقتضي التعجيل خوفا من اندثار وسائل الإثبات، إذا كانت الجريمة على سبيل الحصر تمس أمن الدولة أو المخدرات والمؤثرات العقلية، الأسلحة والذخيرة والمتفجرات، الاختطاف وأخذ الرهائن، والجريمة الإرهابية التي أضافها قانون 03-03.
وبغية تعزيز الضمانات الإجرائية، يتعين إشعار الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف فورا، ويجب على هذا الأخير أن يصدر خلال 24 ساعة مقررا بتأييد أو إلغاء أو تعديل الإجراء، وفي حالة إلغاء الأمر من طرف الرئيس الأول فإن عملية الالتقاط تتوقف فورا وتعتبر الإجراءات المنجزة كأن لم تكن، ولا يقبل مقرر الرئيس الأول أي طعن .
ثانيا: صلاحية قاضي التحقيق بشأن التقاط المكالمات والاتصالات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد
يمكن لقاضي التحقيق أن يلجأ إلى هذه المسطرة كلما اقتضت ذلك ضرورة البحث الذي يقوم به وكيفما كانت الجريمة التي يحقق فيها، ويستفاد من مقتضيات المادة 108 أنها لم تقيد سلطة قاضي التحقيق بنوع الجريمة ولا بخطورتها كما فعلت بالنسبة للوكيل العام للملك.
ورغبة من المشرع في ضبط هذا الإجراء فإن أمر اتخاذ هذا الإجراء سواء من قبل النيابة العامة أو قضاء التحقيق، فإنه يقتضي أن يصدر بذلك أمر يتضمن التعريف بالمكالمة الهاتفية أو المراسلة المراد التقاطها وتسجيلها أو أخذ نسخ منها أو حجزها، وبالجريمة التي تبرر ذلك، والمدة التي سيتم خلالها الالتقاط والتي لا يمكنها أن تتجاوز أربعة أشهر، يمكن تمديدها مرة واحدة لمدة أربعة أشهر أخرى بمقتضى أمر مماثل .
ويمكن لكل من قاضي التحقيق أو وكيل الملك أو لضابط الشرطة القضائية المعين من قبلهما أن يطلب من كل عون مختص تابع لمصلحة أو لمؤسسة موضوعة تحت سلطة أو وصاية الوزارة المكلفة بالاتصالات والمراسلات أو من أي عون مكلف باستغلال شبكة أو مزود مسموح له بخدمات الاتصال وضع جهاز للالتقاط .
وتقوم الجهات المكلفة بتنفيذ أوامر الالتقاط، بتحرير محضر عن كل عملية من عمليات التقاط الاتصالات، ويبين هذا المحضر تاريخ بداية العملية وتاريخ نهايتها، ثم وضع التسجيلات والمراسلات في غلاف مختوم ، ويتم نقل محتويات الاتصال المفيدة لإظهار الحقيقة والتي لها علاقة بالجريمة، ويحرر محضر بشأن ذلك ويتم الاستعانة بذوي الاختصاص للتعرف على الرموز والألغاز، مع إمكانية الاستعانة بمترجم لنقلها إلى اللغة العربية إذا تمت الاتصالات والمراسلات بلغة أجنبية المادة 112 ق م ج م، ويتم إبادتها عند انصرام أجل تقادم الدعوى العمومية، أو بعد اكتساب الحكم الصادر في الدعوى قوة الشئ المقضي به المادة 113.
المحور الثاني: مدى مشروعية التقاط المكالمات والاتصالات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد
هذا الإجراء يشكل خطورة بالغة ويمس حرمة الاتصالات الشخصية لذلك اعتبرته المسطرة الجنائية إجراءا استثنائيا لا يلجأ إليه إلا في حالة الضرورة، ويطرح إشكالية الموازنة بين حق الأفراد في التمتع بسرية الحياة الخاصة وحقهم في عدم انتهاك حرمتها دون ضمانات قانونية وقضائية، وبين حق الدولة في الحفاظ على سلامتها الداخلية والخارجية وكل ما من شأنه المساس بنظام وأمن المواطنين عبر ضبط الظاهرة الإجرامية والتحكم فيها، هذه الموازنة جد دقيقة يصعب معها رسم الحدود الفاصلة بين المشروعية واللامشروعية فيما يتعلق بالتنصت الهاتفي .
إن الفصل 11من دستور 1996 يثير غموضا بشأن نطاقه من جهة وفي إطلاقه أيضا، فمن حيث النطاق يبدو أن سرية المراسلات لا تشمل إلا المكاتب والرسائل المكتوبة أو المطبوعة ولا تمتد إلى الاتصالات والمكالمات الهاتفية التي تبقي حرمة سريتها محل شك من طرف الفصل 11 من دستور 2011، ومن حيث الإطلاق فصياغة مضمون الفصل الدستوري غير سليمة حيث وردت مطلقة لا استثناء لها، ولو اقتضتها ضرورة الحفاظ على المصلحة العامة أو مقتضيات الأمن في ظل استعمال المشرع الدستوري لهذه الصياغة المعيبة دون أن يترك الباب مفتوحا لتقييدها .
في حين نجد نص الدستور المصري ينص في مادته 45 على أن للمراسلات البريدية والبرقية والمحادثات التليفونية وغيرها من وسائل الاتصال حرمة، وسريتها مكفولة، ولا تجوز مصادرتها أو الاطلاع عليها أو رقابتها إلا بأمر قضائي مسبب ولمدة محددة وفقا لأحكام القانون ، حيث يبدو أن الدستور المصري يحدد المبدأ المتمثل في عدم مشروعية التنصت الهاتفي أو غيرها من الوسائل، التي تتطاول على حرمة الأحاديث الشخصية وتنتهك جدار الخصوصية لكنه أباح إمكانية اللجوء إلى هذه الوسيلة في إطار القانون والضمان القضائي.
وبالرجوع إلى مواد المسطرة الجنائية، يبدو حسب بعض الفقه ، أن هناك تعارض بينها وبين الفصل 11 من د، باعتبار الحماية الدستورية مطلقة وبالتالي ألا يعتبر قانون المسطرة الجنائية قانونا مخالفا للدستور؟.
ويصبح الأمر أكثر تعقيدا بالاطلاع على المقتضيات الدستورية والقانونية المنظمة لمؤسسة مراقبة دستورية القوانين، حيث برز اتجاه فقهي معارض لهذا الإجراء باعتباره يتعارض مع القانون الأسمى، ويغلب المصلحة الخاصة على المصلحة العامة، ويتجاوز حرمة الحياة الخاصة كأهم مقومات الحريات الشخصية، غير أن هذا التعارض يبدو ظاهريا ولا يمنع العدالة من الاستفادة من التقدم العلمي لإجهاض المخططات الإجرامية والتصدي للجريمة إسوة بالجناة الذين يستغلون التكنولوجيا الحديثة في تنفيذ مخططاتهم الإجرامية ولا يرى في التنصت أي مساس بالحريات والأسرار الخاصة بالأفراد .
والرأي فيما أعتقد أن مقتضيات التوازن بين المصالح المتعارضة، تقتضي ضرورة تطبيق القضاء لمضمون الفصل 24 من الدستور الحالي، لتحقيق التوازن والتوفيق بين فعالية الإجراءات الجنائية في ضمان أمن وسلامة المجتمع، وصون حرية المتهم، ومقتضيات التوازن لا تعني التضحية بإحدى المصلحتين على الأخرى، فكيف نهاجم مقتضيات التنصت وغيرها في سبيل توفير غطاء من الحماية، لمن يفتك بأمن المجتمع ولا سيما أمنه الاقتصادي في ظل تعاظم أخطار الجريمة المنظمة، وذلك بعدما أعاد المشرع الدستوري إعادة صياغة ف 11 من دستور 1996، مع استحضار الضمانات القضائية التي ضمنها في عدد من فصول دستور 2011 منها اإقرار النصي الدستوري لمبدأ قرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة ، ورفع الغموض بشأن الدليل المتحصل عليه عبر التصنت، مع ترك حرية الإثبات في تكوين اقتناع القاضي ، واستبعاد الدليل متى ثبت له أنه لا يحترم الضمانات القانونية، و للإشارة لم يتسنى لنا الاطلاع على العمل القضائي ، بشأن موقفه من مشروعية التنصت، لكن يأمل منه أن يكون أفضل أداة للسهر على احترام الحدود الدستورية للإجراء .
فمضمون فالفصل 24 من الدستور الحالي نص على عبارة واسعة قد تشمل الاتصالات المكتوبة كالمراسلات والاتصالات غير المكتوبة كالمكالمات الهاتفية وكل الاتصالات المنجزة عن بعد بوسائل الاتصال الحديثة ، وهو ما يستدعي سد بعض الثغرات وتكريس المزيد من الحماية القضائية بغية صون خصوصية الشخصية ومراعاة المعاهدات التي صادق عليها المغرب، وإزالة الاصطدام الحاصل بين إجراءات التصنت والفصل 11 من دستور 1996 والفصل 24 من الدستور الحالي، الذي ينص على عدم جواز انتهاك سرية المراسلات وهذا يطرح بالتالي مدى ملاءمة الإجراء الجديد لمضمون الدستور.
هذا الإجراء منتقد ويتعارض مع المبدأ الدستوري القاضي بحرمة سرية المراسلات وعدم انتهاكها، ويبدو أن المشرع المغربي قد أراد تحقيق الفعالية على حساب الضمانات القضائية، ولا سيما عندما خول النيابة العامة الأمر بالتقاط المكالمات في الحالة القصوى وما يحمله هذا المصطلح من معاني يصعب ضبطها ومراقبتها من طرف القضاء الجالس.
وقد أبدى المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان موقفه من الإجراء منذ تقريره في السنوي ل2003 ومدى انسجامه مع الفصل 11 من دستور 1996، الذي ينص صراحة على عدم جواز انتهاك سرية المراسلات، والتي أكدها الدستور الحالي في فصله 24، إلى جانب حريات وحقوق الإنسان الأساسية في أسراره الخاصة والحياة الشخصية، بشكل لا يتعارض مع مبدأ البراءة الأصلية المنصوص عليها في الفصل 119 من الدستور الحالي.

خاتمة:
لقد أكد المشرع الدستوري المغربي على الحرية الشخصية للإنسان وصيانة حقوقه المادية والمعنوية، ومنها على الخصوص حرية المراسلات من أي انتهاك أو تعدي باعتبارها من القواعد الدستورية الواجبة التطبيق.
وإذا كان التنصت على المكالمات الهاتفية والاتصالات الموجهة بوسائل الاتصال عن بعد، من أحد المواضيع التي تشكل مساسا بحرية وحقوق الأفراد لاعتدائه على سرية المعلومات الشخصية، لذلك عمل الدستور المغربي الحالي من خلال الفقرة الثالثة من الفصل 24 على توفير الحماية للحق في الاتصالات الشخصية، وباستعمالها في تعقب وضبط من سولت له نفسه المس بالأمن والنظام والتعدي على القيم التي يؤمن بها المجتمع، إلا في حالات الاستثناء منها صدور أمر قضائي ووفق الشروط والكيفيات المنصوص عليها قانونا. متى تطلب البحث عن الحقيقة وضرورة حماية مواطنين آخرين تتطلب الاطلاع على الاتصالات الشخصية وتتبع تحركات بعض الأفراد، المرسومة كاستثناءات على المبدأ العام المنصوص عليه في المادة 18 من ق.م.ج

مجلة المنارة للدراسات القانونية والإدارية عدد خاص حول الثورة الرقمية وإشكالاتها ـــــــــــــــــــ أبريل 2020