التطور التاريخي لمؤسسة السجون في المغرب

401

التطور التاريخي لمؤسسة السجون في المغرب

يونس الصالحي

باحث بسلك الدكتوراة كلية العلوم القانونية و الإقتصادية والاجتماعية أكدال الرباط

 

يرتبط مفهوم السجن بالعزلة والصمت[1] ذلك أن كلمة سجن تحيلنا إلى الحبس الذي يعني الحجز والحجز يرتبط في الذهن بالإنفراد والعزلة التي هي شكل من أشكال العقاب فمؤسسة لاروس عرفت السجن ” بأنه مكان مخصص لإيواء واستقبال المتهمين والظنينين والمحكومين بعقوبات قضائية” أما فيما يخص التعريف القانوني لمؤسسة السجن فقد اختلفت وتباينت التعريفات التي تم إعطاءها لهاته المؤسسة تبعا لاختلاف مبادئ كل مدرسة.

فالمدرسة الوظيفية عرفت السجن من خلال الوظيفة التي تؤديها المؤسسة باعتباره بناء مقفل، يوضع فيه الأشخاص المتهمون في انتظار محاكمتهم، أو تنفيذ الأحكام الصادرة ضدهم.

أما المدرسة القانونية فقد عرفت السجن من خلال المنظور القانوني لهاته المؤسسة باعتبارها هي المكان المخصص لتنفيذ العقوبات السالبة للحرية ويعتبر اتجاه هذه المدرسة هو السائد حاليا استنادا إلى وظيفة السجن والتي تعتبر مكانا مخصصا لتنفيذ العقوبات السالبة للحرية الهدف منها هو إعادة إدماج نزلائه لانحرافاتهم السابقة ليخرجوا من جديد أفرادا صالحين وفي المغرب وباعتباره دولة إسلامية كانت وما تزال تعتبر  امتدادا للرقعة الإسلامية، بحيث كان الملوك المغاربة على مر العصور يعتمدون على مبادئ الشريعة الإسلامية وعلى مذهب الإمام مالك تسير أمورها الدينية والدنيوية، وهكذا فقد كانت السجون تخضع لمبادئ الشريعة الإسلامية وكان الهدف من وراء ذلك هو التهذيب والتأهيل بحيث كانت لسجون خاضعة في هذه الفترة لسلطة العامل أو القائد، إلا أنه مع دخول المستعمر الأجنبي حاول وضع مجموعة من الترسانات القانونية وذلك من أجل تنفيذ أجندته الخاصة.

هذا ما سنحاول إيضاحه من خلال تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين:

المطلب الأول: مؤسسة السجن ما قبل الإستقلال:

يقتضي تنفيذ العقوبة وجود الآليات المادية الكفيلة بذلك، فتوقيع العقاب المتعلق بالحبس، ارتبط تاريخيا بوجود مؤسسات إصلاحية تعمل على توقيع العقوبة السالبة للحرية.

فما هو النظام الذي كان معمولا به في هذه الحقبة التاريخية؟

 

الفقرة الأولى: نظام السجن المعمول به قبل فترة الحماية:

كما سبق القول أن المغرب دولة إسلامية كانت وما تزال امتدادا للرقعة الإسلامية، وفي مختلف عصورها التاريخية[2] كان الملوك يعتمدون على مبادئ الشريعة الإسلامية ومذهب الإمام مالك في تسير الأمور الدينية والدنيوية.

وهكذا فقد كانت السجون منظمة في المغرب تنظيما دقيقا، إذ كان الهدف هو التهذيب والتأهيل بحيث كانت السجون خلال هاته الفترة خاضعة لسلطة العامل أو القائد أو الباشا والذين يمثلون السلطة التنفيذية بحيث كانوا يسهرون على تسيير وتدبير أمور السجن والسجناء بمساعدة الأمناء الذين يتم تعيينهم لتحقيق التأهيل والتهذيب.

وكان يتم  تعيينهم من طرف العامل أو القائد وترتكز مهمتهم أساسا على مبادئ التكافل التي تدعو إليها الشريعة الإسلامية فكانوا يعاملون السجناء على أساس أنهم أفرادا انحرفوا عن الطريق الطبيعي وأن هذا الانحراف بحاجة ماسة إلى التقويم والتأهيل ليصبحوا فيما بعد مغادرتهم المؤسسة السجنية، أشخاصا صالحين لأنفسهم وللمجتمع[3].

وبجانب الأمناء الرئيسيين كان هناك أمناء آخرين كأمناء الصائر وأمناء المستفاد الذين تنحصر مهمتهم في السهر على الطعام والملابس وسائر الحاجيات الضرورية للسجناء وتقديم العلاجات الطبية والمغاسل والحمامات والمساجد وغيرها من الضروريات الأساسية وقد سهر النظام الداخلي لهاته المؤسسات الإصلاحية على إيجاد عمل لكل سجين تبعا لتكوينه الشخصي والحرفي كصناعة الحصير والسلالي وغيرها من الصناعات التقليدية، وذلك مقابل أجر يؤدى لهم بعد انتهاء مدة العقوبة وكانت هاته المؤسسات تخضع للتفتيش من قبل أشخاص يعينهم العمال أو القواد بأمر من السلطان، وذلك رغبة في تحقيق الهدف المنشود ألا وهو إعادة التربية والتأهيل وكانت السجون تنقسم إلى فئتين سجون خاصة بالذكور و أخرى بالنساء يسهر على الإشراف عليها عريفات.

وعليه، فإن جميع هاته الخصائص التي كانت تمتاز بها المؤسسات السجنية إذ كانت تدل على شيء فإنها تدل على أن هاته المؤسسات السجنية قبل الحماية كانت تعرف تنظيما حكيما ودقيقا لم تكن تعرفه سلطات الحماية، إلا بعد زمن بعيد ومن جهة أخرى فإن المؤسسات السجنية كانت موضع اهتمام وتقدير كبير من طرف ولاة الأمر ويظهر ذلك جليا من خلال ما سجله مؤلف كتاب ” العز والصولة في قوله ” لقد انضم ما كانت عليه الملوك من شدة الحرص على تدبير السجون على أعدل القواعد وأحكم الأنظمة وإلى ما كانوا يفرضونه على موظفي السجون، من الإستقامة وسلوك الجادة والتمسك بالحزم..”[4]

إلا أنه ومع دخول المستعمر الأجنبي إلى المغرب، حاول هذا الأخير وضع مجموعة من النصوص القانونية التي تنظم سلوك الفرد داخل المجتمع وذلك بهدف تنفيذ أجندته الخاصة، وحتى تواكب طموحاته الاستعمارية في جميع مجالات الحياة.

 

 

الفقرة الثانية: مؤسسة السجون في عهد الحماية:

مهدت سلطات الحماية، فيما يتعلق بتنظيم السجون في المغرب خلال هاته الفترة التاريخية بإصدار عدة اتفاقيات وقرارات ومراسيم تمهد للتنظيم التشريعي لسير عمل المؤسسات السجنية، ونذكر من بينها على سبيل المثال لا الحصر، اتفاقية 08 دجنبر 1923 واتفاقية  شهر مارس 1924 المتعلقتين بإنشاء أجهزة ادارية جديدة في جنوب المملكة والاتفاقية التي تقابلها و المتعلقة بمنطقة الشمال وأخرى متعلقة بمنطقة طنجة التي أصبحت لها بصبغة دولية.

هذا بالإضافة إلى القرار الوزاري الصادر بتاريخ 8 شوال 1931 الموافق 15 شتنبر 1913 الذي خول بمقتضاه لسلطات الحماية مهمة القيام بالمحافظة على الأمن وإحالة المجرمين والمخالفين للقوانين على العدالة، وألحقت بمقتضاه السجون بمديرية الامن، فأصبحت بذلك السجون تنقسم تبعا لهذا التقسيم الجغرافي والمكاني إلى ثلاثة أنواع تبعا لمناطق الحماية.

وفي هذا الإطار فإنه إلى جانب التقسيم الإداري أصبحت السجون برمتها تخضع لنفوذ الحماية وتحت الإشراف المباشر لإدارة الأمن، وقد استمرت السجون في تنظيم أمورها تابعة لإدارة الأمن وذلك بالرغم من أن السلطات الفرنسية ألحقت السجون الفرنسية وفقا لمرسوم 13 مارس 1911 بوزارة العدل بباريس باعتبارها من ضمن الإدارات الملحقة بها[5].

ثم قامت بعد ذلك وفقا لما ينص عليه الفصل 722 من ق م ج الفرنسي بإحالة النظر في شؤون السجناء والسجون لقاضي تنفيذ العقوبة بفرنسا.

وقد نظم المشرع الفرنسي السجون بفرنسا وقسمها إلى ثلاث أنواع رئيسية تبعا لاختلاف الدرجة الجنائية والحالة الصحية ونوع الشخصية وذلك استنادا لما ينص عليه الفصل 718 من ق م ج الفرنسي وهي السجن المركزي والسجن الجنحي وأخيرا سجن الاعتقال للمحكوم عليهم من أجل المخالفات كما أنشأت مؤسسة خاصة للمحكوم عليهم الذين يقل سنهم عن 28 سنة ومؤسسات أخرى خاصة بالمرضى والمسنين ومؤسسات مغلقة أو مفتوحة خاصة بالمحكوم عليهم والموزعين أصلا على كل مؤسسة من هاتين المؤسستين تبعا لاختلاف شخصيتهم ومدة قابليتهم لإصلاح والتأهيل[6].

ولما أنشأت في البداية وزارة العدلية المغربية وفقا للظهير الشريف الصادر في 2 ذي الحجة 1330 الموافق لـ 31 أكتوبر 1913 والتي أقرها الظهير الشريف الصادر في 2 يونيو 1974، لم تكن إدارة السجون تابعة لها ولم يصدر ظهير في عهد الحماية يتعلق بتنظيم وضعية السجون والسجناء إلا في أوائل سنة 1915  ثم تلاه الظهير الشريف الصادر بتاريخ 26 يونيو 1930.

فالظهير الشريف الصادر بتاريخ 11 جمادى الثانية 1333 الموافق 26 أبريل 1915 تضمن أساسا تحديد التنظيم الإداري لإدارة السجون باعتبارها الإدارة المكلفة بالمحبوسين وبموظفي المؤسسات السجنية وبضبط وضعية السجون، واشتمل في مجمله على ثمانية أبواب وخمسة عشر فصلا من بنيها موضوع التأديب الذي نظم في الباب الرابع الذي اختص بالتنظيم الداخلي للسجن خصوصا فيما يتعلق بتأديب السجناء والعقوبات المقررة عليهم[7].

وهكذا فإننا نلاحظ أن ظهير 1915 يعتبر بحق أول من أرسى مراحل التطور نظام السجون في المغرب بحيث أصبحت هذه المؤسسة تسير بمقتضى نصوص قانونية منظمة للحياة داخل هذه المؤسسات.

ومحاولة من المستعمر لسد الثغرات التي خلفها الظهير السالف الذكر فقد حاول تدارك بعض القصور وذلك يتجلى بوضوح من خلال ظهير 26 يونيو 1930 بحيث تم التطرق إلى المجال الصحي والتسيير الإداري وقد تضمن هذا الظهير المخصص للإعتقال الإحتياطي على ثمانية أبواب.

فمن خلال المقارنة بين فصول الظهيرين يلاحظ أن ظهير 1930 جاء ليكمل الظهير السابق، نظرا لأهمية المقتضيات القانونية والإيجابية، إلا أن هذا لا يمنع من القول أن تنظيم  مؤسسات السجون بالمغرب خلال فترة الحماية، أن المشرع الفرنسي خلال هاته الفترة التاريخية التي تجاوزت الأربعين سنة لم يقم سوى بإصدار هذين الظهرين، يضاف إليهما القرارين الوزاريين الذين صدرا خلال الفترة الفاصلة بين هذين الظهيرين[8].

الأمر الذي جعل هذه المؤسسات لا تساير ركب التطور الذي عرفته الدول المتقدمة حيث استمرت هذه المؤسسات في التخبط في المشاكل  إلى حين رحيل المستعمر وبزوغ عهد الاستقلال هذا العهد الذي عرفت في ظله، ومازالت لحد الآن تعرف وضعية مغايرة تماما سواء في المجال التشريعي أو التنظيمي أو الهدف المتوخى من هذه المؤسسات بالرغم من ظاهرة الاكتظاظ.

المطلب الثاني: مؤسسة السجون في عهد الاستقلال

على إثر استقلال المغرب وخروج سلطات الحماية تشكلت أول حكومة وتم تأسيس مختلف المصالح الإدارية التي تختص بتسيير شؤون البلاد، وفعلا فقد أعلن عن تأسيس وزارة العدل إلى جانب باقي الوزارات الأخرى بمقتضى الظهير الشريف المؤرخ في 16 أكتوبر 1956 المعدل بظهير 9 نونبر 1957 (الفقرة الأولى).

وقبيل حلول الألفية الثالثة تمت المصادقة على مشروع قانون السجون[9] الذي اعتبر من قبل المهتمين[10] طفرة نوعية نقلت وضعية السجناء من الإهمال المعاناة إلى وضعية قانونية يمكن اعتبارها خطوة نحو  تجدر هذا القانون في مجال حقوق الإنسان (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: المراسيم التنظيمية

رغم محاولة المستعمر الفرنسي سن مجموعة من النصوص القانونية المنظمة للسجون داخل المملكة إلا أن هذه النصوص كانت مثار جدل بحيث أنها لم تأخذ بالدور الاجتماعي والإصلاحي للسجون ولا بفكرة أنسنة  ظروف الاعتقال و لا بالحماية الضرورية لكرامة السجناء ناهيك عن اعتبار مرحلة التنفيذ خارجة تماما عن الاختصاص القضائي، وهي كلها أسباب يصعب معها الجزم بكون وضعية السجناء وضعية قانونية حقا[11].

وذلك بالرغم من صدور ظهير الشريف 16 أكتوبر 1956 الذي أصبحت بمقتضاه مديرية السجون تابعة لوزارة العدل المحدثة بنفس الظهير ثم تلاه الظهير الشريف الصادر بتاريخ 3 نونبر 1957 وكان الهدف من هذا الظهير هو التنصيص على الوضعية المستقلة لوزارة العدل وتكريس نظام مؤسسة إدارة السجون بالمغرب ضمن اختصاصات وزارة العدل.

المرسوم الوزاري الصادر بتاريخ 13 نونبر 1974.

بعد انتهى المشرع المغربي من مهمة تأسيس وزارة العدل وتنظيم المصالح التابعة لها بمقتضى الظهائر السالفة الذكر تم مباشرة إصدار مرسوم تطبيقي له خاص بالقانون الأساسي بموظفي إدارة السجون وهاته الالتفاتة إن كانت تدل على شيء فإنها تدل على مدى العناية والتقدير الذي توليه وزارة العدل لهاته المؤسسات ولموظفيها وللاختصاصات المخولة لهم والأهداف السامية المرجوة من وراء إنشائها في المغرب الجديد.

وقد تضمن هذا المرسوم تسعة عشر فصلا اهتمت بالتكوين النظري و العملي لهذه الأطر وأسلاك الترقية مع تحديد الحقوق والواجبات والجزاءات التأديبية في حالة الإخلال بأحد الواجبات.

المرسوم الوزاري الصادر بتاريخ 14 أبريل 1976

يضم هذا المرسوم اثنى عشر فصلا حددت أساسا لتحديد اختصاصات وأهداف كل مصلحة من المصالح التابعة لوزارة العدل وخصوصا منها مؤسسة إدارة السجون، وعليه فإنه يمكن القول على أن المشرع المغربي قد خطى خطوات جد هامة بفضل هذا المرسوم في المجال التنظيمي لوزارة العدل وخصوصا بالنسبة للمؤسسة السجون بالمغرب وذلك من خلال التنصيص على اختصاصات كل مصلحة على حدة ولم تعد المؤسسة السجنية تقتصر على جانب  تنفيذ الأحكام القضائية بقدر ما أن مهمتها أصبحت تهدف إلى تحقيق هدف سامي ونبيل يهدف إلى مساعدة النزلاء وإصلاح سلوكياتهم وإرشادهم من أجل إدماجهم داخل المجتمع.

من كل ما تقدم يمكن القول أن المشرع المغربي واجه تركة فارغة على المستوى التشريعي فيما يخص تنظيم المؤسسات السجنية إذ عمل على مواكبة التشريعات المتقدمة في هذا المجال من خلال إصدار مجموعة من الظهائر والمراسيم وذلك لسد الفراغ التشريعي الذي تركته سلطات الحماية، التي كانت تهدف إلى الاعتقال الجماعي انتقاما من المخالفين لقوانين سلطات الحماية غير آبهين لظروف الإعتقال، ولدور العقوبة في الإصلاح والإدماج كل هذه العوامل أت إلى تكافل كل القوى الوطنية من أجل إصلاح وضعية السجون، فكان قانون السجون 98-23 طفرة نوعية نقلت وضعية السجناء من الإهمال والمعاناة إلى وضعية قانونية يمكن اعتبارها خطوة هامة في مجال حقوق الإنسان. فما هي مؤشرات هذا القانون؟

الفقرة الثانية: قانون السجون الجديد ومدى ملاءمته للتوجه المعاصر.

جاء هذا القانون بعد حقبة من الزمن تناهز 70 سنة إن لم أقل 85 سنة التي كان فيها العمل جاريا بقانون كلنا نعرف الظروف والاهداف التي صيغ من أجلها في فترة كانت سلطات الحماية تحاول تعزيز مراكزها وإحكام الضغط على كل تحرك يهدف إلى المس بالأبعاد الاستعمارية دون مراعاة لما تبقى لهم من حقوق وكرامة وكان للإصلاح مفهوم شاذ لم يعد له مكان في وقتنا الحاضر.

فكانت هناك ضرورة ملحة لأن يعاد النظر في هذا الإطار القانوني الذي ينظم السجون ويحدد علاقات الفاعلين  في الفضاء السجني، فإلى جانب تغير الظروف هناك تغير في فلسفة العقوبة ذلك أن السياسة الجنائية بالمغرب أصبحت تتوخى حماية المجتمع وإصلاح الجاني لتطويق ظاهرة العود وهذا يجب أن يرتكز على سياسة عقابية هدفها إعادة التربية وتسهيل الإدماج[12].

ويمكن القول أن منظمات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية كان لها دور كبير في إخراج هذا القانون إلى حيز الوجود، بحيث أن هذا القانون أرسى مبادئ يمكن اعتبارها إيذانا بالدخول في عهد جديد يقوم على احترام حقوق الإنسان والحفاظ على كرامته ولو كان مجرما وهو ما أكده صاحب الجلالة المغفور له الحسن الثاني في خطابه بمناسبة  إحداث المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان ” من المعلوم أن للمواطنين حقوقا حتى من أدينو في المحاكم يجب أن يكونوا في مأمن من الجوع والمرض ومن التعسفات ويجب أن يتمتعوا بصلة الرحم مع ذويهم وأن يتكنوا من الدواء وزيارة الطبيب إذا اقتضى الحال بل يجب على النظام القضائي والدولة أن تحيطهم بكل ما من شأنه أن يمكنهم من الكرامة”.

بالإضافة إلى التصريح الحكومي الذي نص على أن السجون ليست فقط مراكز للاعتقال بقدر ما هي فضاء لإعادة التربية وإعادة الإدماج الاجتماعي وهذا يستلزم مجهودات كبيرة تتعلق ليس فقط بالبنيات والتجهيز والتأطير بل يتطلب إعادة النظر في بعض جوانب السياسة الجنائية للحد من ظاهرة الإجرام.

فهذا التصريح يبين الأهداف التي يريد المشرع الوصول إليها من خلال وضع النصوص المواكبة له سواء ما يتعلق بالجانب التطبيقي أو لتعميق فهم النص.

واستنادا إلى ارتباط المغرب بمجموعة من التعهدات والاتفاقيات الدولية سواء مع مختلف الدول الصديقة أو مع  المنظمات الدولية بمختلف أنواعها وتشعب مشاريعها وما عرفته من تطور وتقدم ملموس أفرض نفسه بإلحاح على مستوى تنظيم المؤسسات المشرفة على المؤسسات السجنية وعلى القوانين المنظمة لها وألزم عليها ضرورة مسايرة هاته الاتفاقيات[13] ولهاته الغاية.

واستنادا إلى هذه الوضعية وما تفرضه من التزامات سن المشرع الظهير الشريف رقم 200-9-9-1 المتعلق بتنظيم وتسيير المؤسسات السجنية وتلاه المرسوم التطبيقي رقم 451 -00-2 الصادر في 3 نونبر 2000 تلاه بعد ذلك مستجد على مستوى الهيكلة والإشراف وأصبحت بمقتضاه مديرية إدارة السجون تحمل اسما جديد ومستقلة عن وزير العدل بحيث أصبحت المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج تابعة لسلطة رئيس الحكومة.

وقد جاء هذا القانون لتحقيق أربعة أهداف[14]:

  • عقلنة وتنظيم المؤسسات السجنية
  • تغيير المنظور التقليدي للمؤسسات السجنية من حيث وظيفة المؤسسة وحقوق السجين.
  • الحفاظ على أمن المؤسسة وسلامة وكرامة السجين المعتقل.
  • تحديد مفهوم السياسة العقابية قصد إعادة إدماج السجين في المجتمع فقد تضمن هذا القانون تسعة أبواب موزعة على 141 فصلا تطرقت إلى عدة حقوق كالحق في العمل، والحق في التعليم ، الحق في التطبيب والحق في الإتصال بالعالم الخارجي، وغيرها من الأمور التي كان له الوقع الكبير على نفسية السجين كل هذا الهدف منه هو أنسنة ظروف الاعتقال بالإضافة إلى فرض الانضباط لا داخل المؤسسة السجنية من خلال إقرار مسطرة التأديب.

من كل ما تقدم يمكن القول أن القانون الجديد للسجون 98-23 تضمن خطوات وتصورات جديدة للحياة داخل الفضاء السجني بحيث أصبحت أنسنة ظروف الاعتقال والحفاظ على ما تبقى للسجين من حقوق وكرامته هي الهدف، بالإضافة إلى حضور ثقافة الإدماج داخل المؤسسة من خلال البرامج التعليمية والتكوينية على عكس ما كان سائدا في القانون الملغى بحيث أن الهاجس الأمني كان حاضرا وبقوة في ظل غياب أهداف العقوبة.

[1] حسام الأحمد: حقوق السجين وضماناته في ضوء القانون والقرارات الدولية، منشورات الحلبي ، ص: 4 وما بعدها.

  • رياضي عبد الغاني” تنفيذ العقوبة على مستوى المؤسسات السجنية” دراسة مقارنة، عملية علمية منشورات مكتبة دار السلام، الطبعة الأولى، 2009، ص: 56.

[2]رياضي عبد الغاني” تنفيذ العقوبة على مستوى المؤسسات السجنية” م. س. ص: 66 وما بعدها.

[3]رياضي عبد الغاني” تنفيذ العقوبة على مستوى المؤسسات السجنية” دراسة مقاربة، عملية علمية منشورات مكتبة دار السلام، الطبعة الأولى، 2009، ص:56 وما بعدها

  • ربيع قيس” السجون في لبنان منشورات المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الداعم المكتبة الشرقية، 2013، ص: 1 وما بعدها.

[4]رياضي عبد الغاني” تنفيذ العقوبة على مستوى المؤسسات السجنية” دراسة مقاربة، عملية علمية منشورات مكتبة دار السلام، الطبعة الأولى، 2009، ص:68 وما بعدها.

[5]رياضي عبد الغاني” تنفيذ العقوبة على مستوى المؤسسات السجنية” م.س. ص :71 وما بعدها

  • مصطفى نشاط: السجن والسجناء نماذج من تاريخ المغرب الوسيط ، منشورات مطابع أفريقيا الشرق، طبعة 2012، ص: 72 وما بعجها

[6]رياضي عبد الغاني” تنفيذ العقوبة على مستوى المؤسسات السجنية” م.س. ص :84

[7] هذا الموضوع سيتم التطرق إليه في الفصل الثالث من هذا الباب.

[8]وهو بمثابة نسخة من النص الفرنسي أنداك نصا ومضمونا

[9] ظهير شريف رقم 200-29-1 صادر في 13 جمادى الأولى 1425 الموافق 25 غشت 1919 بتنفيذ القانون رقم 98-23 المتعلق بتنظيم وتسير المؤسسات السجنية الجريدة الرسمية عدد 4726 ، 5 جمادى الآخرة 1420 الموافق 16 شتنبر 1944.

[10] عبد العزيز الحيلة: القانون الجديد للسجون والمواثيق الدولية مداخلة تقدم بها في اليوم الدراسي المنظم من طرف المركز المغربي للدراسات القانونية ووزارة العدل بتاريخ 12-11-1999 بالمعهد الوطني للدراسات القضائية.

  • عبد الرحمان بادو: السجون في عهد الاستقلال مجلة القضاء والقانون العدد العاشر يونيو 1958 ، ص: 950

[11][11] لطيفة المهداتي” الشرعية في تنفيذ العقوبات السالبة للحرية، مطبعة الشركة الشرعية الرباط، الطبعة الأولى 2005 ، ص: 160 وما بعدها.

[12][12] لطيفة المهداتي” الشرعية في تنفيذ العقوبات السالبة للحرية، مطبعة الشركة الشرعية الرباط، الطبعة الأولى 2005 ، ص: 164 وما بعدها.

[13] عبد العزيز الحيلة” القانون الجديد للسجون والمواثيق الدولية، المجلة  المغربية للقانون والسياسة والاقتصاد عدد مزدوج 33/34، 2003، ص: 21 وما بعدها.

  • حسنة حمينة: حقوق السجناء الضمانات والآليات منشورات المجلس الوطني لحقوق الإنسان الطبعة الرابعة 2014، مطبعة المعارف الجديد الرابط، ص:4 وما بعدها بحيث صرح أن عدد الاتفاقيات التي تهتم بالسجناء وصل عددها لحد الآن 23 وثيقة.

[14]محمد لديدي: القانون المنظم للسجون سياقه وأبعاده منشورات المجلس الوطني لحقوق الإنسان الطبعة الرابعة 2014، مطبعة المعارف الجديدة الرباط ، ص: 9 وما بعدها.