التصريح الإجباري بالممتلكات و رهان تخليق الحياة العامة بالمغرب

941

 

التصريح الإجباري بالممتلكات و رهان تخليق الحياة العامة بالمغرب

 

مصطفى علوش ، باحث في القانون العام

كلية الحقوق السويسي – جامعة محمد الخامس بالرباط.

 

في سياق دولي متسم بتنامي خطابات الحكامة والحكم الرشيد من جهة، واتساع رقعة  الجريمة والفساد إلى مستوى الظاهرة العابرة للقارات من جهة أخرى كإحدى متناقضات العولمة، واستجابة لضغوطات خارجية ومطالب داخلية على عدة مستويات، تزايد اهتمام المشرع بجرائم الرشوة والفساد كانعكاس للسياسات الحكومية الرامية إلى إعادة المصداقية إلى المرفق العام ورفع تحديات تخليقه.

وحيث إن تدبير المال العام يستهوي في كثير من الأحيان بعض المسؤولين، بعدم التمييز بين الأموال العامة والأموال الخاصة، والسعي للاغتناء غير المشروع عبر نهب المال العام مستغلين مواقعهم داخل هياكل الإدارة ومناصب المسؤولية و غيرها من المهام الانتدابية، فإن التصريح بالممتلكات يشكل الآلية المثلى لرصد تطور الذمم المالية للمسؤولين تفعيلا لمبدأ المحاسبة.

في هذا السياق، شكل ربط المسؤولية بالمحاسبة مبدأ بارزا في دستور 2011 كتجاوب من المشرع الدستوري مع المطالب الشعبية المطالبة بمحاربة الفساد. كما أن مستجدات الوثيقة الدستورية الجديدة همت أيضا مجال التصريح الإجباري بالممتلكات من خلال التنصيص على الاختصاص الحصري و العام للمجلس الأعلى للحسابات فيما يخص مراقبة و تتبع التصريح بالممتلكات.

الغاية من التصريح بالممتلكات في التقاليد الديمقراطية العريقة هي إثبات النزاهة والشفافية، وهو سلوك يقدم عليه الفاعلون السياسيون ومسؤولي الإدارة على وجه الخصوص غداة تسلمهم مهام المسؤولية داخل مؤسسات الدولة كشرط ضروري تقتضيه الممارسة الديمقراطية . [1]

إن مطلب التصريح بالممتلكات لم يكن وليد اليوم، فمنذ بداية استقلال المغرب تعالت عدة أصوات مطالبة بإدراج هذا السلوك (التصريح بالممتلكات) ضمن الممارسة السياسية ببلادنا، من هنا جاء شعار” من أين لك هذا؟” لوضع حد للفساد والثراء غير المشروع.فما مدى مساهمة المنظومة القانونية للتصريح الإجباري بالممتلكات في تخليق الحياة العامة بالمغرب؟

 

لقد عرف تطور الترسانة القانونية المؤطرة لنظام التصريح بالممتلكات بالمغرب فترتين مختلفتين: فترة قانون  25.92[2] المتسم بمحدوديته (أولا)، في حين عرفت الفترة الموالية إصدار عدة قوانين مرتبطة بالتصريح بالممتلكات لتفعيل مبدأ المحاسبة، فضلا عن دسترة اختصاص المجلس الأعلى للحسابات في هذا المجال(ثانيا). بيد أن التقرير الأخير حول أنشطة المجلس برسم سنة 2013 و الصادر سنة 2015 رصد مجموعة من الثغرات في منظومة التصريح الإجباري بالممتلكات. وهو ما يستوجب إصلاحها لضمان تخليق الحياة العامة و حماية المال العام(ثالثا).

أولا: محدودية نظام التصريح بالممتلكات في ظل القانون رقم 25.92

قبل الخوض في مظاهر محدودية القانون 25.92  ، لا بد من الوقوف على بعض العوامل المسؤولة عن محدودية نظام التصريح بالممتلكات بالمغرب. فالبعض يرى أن الدولة تفتقد لإرادة حقيقية لتفعيل قانون التصريح بالممتلكات وترسيخ قيم المحاسبة لعدة أسباب منها:[3]

– طبيعة النظام السياسي الذي يعتمد على نظام المكافآت والامتيازات في التعامل مع النخب؛

– طبيعة الثقافة السياسية المبنية في جوهرها على الولاءات والمصاهرات العائلية والزبونية والمحسوبية؛

– افتقاد النخبة السياسية لسلوك المساءلة والمحاسبة.

تأثرا بهذه العوامل جاء القانون رقم 25.92 المنظم لعملية التصريح الإجباري بالممتلكات حاملا في ثناياه بعض مظاهر المحدودية والقصور منها:[4]

– اقتصار التصريح بالممتلكات على الأصول دون الفروع، فغياب هذا المقتضى في قانون 25.92 فتح المجال للتلاعب بالمال العام وتفويته إلى شجرة النسب التي يستثنيها القانون من التصريح بالممتلكات تحت ذريعة حماية أعراض الناس وخصوصياتهم؛

– عدم التنصيص على العقوبة في حالة مخالفة مقتضياته، فالقانون 25.92 يتضمن تصريحا بالشرف دون جزاء في حالة عدم التصريح أو التصريح الكاذب، ولم يتم توضيح هل يكون التصريح مشفوعا بأوراق الإثبات وكيفية رصد ثغرات ثروة المعني بالأمر؛

– عدم التنصيص بدقة على الجهة التي يتم لديها التصريح بالممتلكات، فالمادة 6 من القانون تلزم أعضاء مجالس الجماعات المحلية والغرف المهنية بتقديم تصريحاتهم إلى الجهة الوصية، في حين يقدم الوزير تصريحا بممتلكاته إلى الأمانة العامة للحكومة.

و يذهب البعض أكثر من ذلك من خلال  وسمه  بالفارغ و الكاريكاتوري والتأكيد على أن هذا القانون أريد له أن يولد ميتا.[5]

هذه الاختلالات جعلت منظمة ترانسبرنسي المغرب تقدم مقترحات للنهوض بالإطار القانوني للتصريح بالممتلكات وتفعيله من قبيل:[6]

– توسيع تطبيق هذا القانون ليشمل موظفي الجماعات المحلية والمؤسسات العمومية وكل الذين يتقلدون مسؤولية عمومية أو إدارية وأن يشمل الأزواج والفروع؛

– تطبيقه عند تسلم المهام والعمل على تحيينه بشكل منتظم؛

– تأمين تتبعه ومراقبته من لدن جهاز مستقل عن المصالح الإدارية التي يتكلف بمراقبتها.

ورغبة منه في تجاوز النقائص السابقة، عمل المشرع على إصلاح القانون المشار إليه بإصدار القانون رقم 54.06[7] وعدد من القوانين ذات صلة بالتصريح الإجباري بالممتلكات[8] و التي عرف بعضها تغييرات بعد دستور 2011 سيتم توضيحها فيما سيأتي. فما مدى مساهمة هذا الإصلاح في تجاوز ثغرات القانون السابق؟ وأي دور للقانون الجديد في تفعيل مبدأ المحاسبة وتخليق الحياة العامة؟

ثانيا: ا لتصريح الإجباري بالممتلكات و دوره في تخليق الحياة العامة

سعيا وراء تجاوز ثغرات التصريح الإجباري بالممتلكات في ظل القانون رقم  25.92 ، صدر القانون رقم 54.06 وعدد من القوانين ذات صلة بالتصريح الإجباري بالممتلكات كما ذكر سلفا.غير أن المستجد الأبرز على ضوء دستور 2011 هي دسترة اختصاص المجلس الأعلى للحسابات في هذا المجال عبر إناطة الفصل 147 منه مهمة مراقبة وتتبع  التصريح بالممتلكات به (المجلس الأعلى للحسابات).

فالأمر لا يشكل البتة مجرد تحصيل حاصل لكون المجلس هو المختص أصلا بتلقي التصريحات وفق مقتضيات القانون 06-54 أعلاه و مدونة المحاكم المالية، بقدر ما هو تكريس دستوري لهذا الاختصاص و حصره في مؤسسة دستورية مختصة ومؤهلة.كما يكرس معياري التوحيد والتنميط ويقطع مع التناثر والاستثناءات والمعاملات الخاصة.[9]  كما سيشمل  التوحيد الإطار القانوني للتصريح بالممتلكات من خلال إحالة الفصل 158 من الدستور على قانون سيحدد الكيفيات التي سيتم وفقها التصريح بالممتلكات .

وتفعيلا لمقتضيات هذه القوانين صدر المرسوم رقم 2.09.207 يتعلق بتحديد نموذج التصريح الإجباري بالممتلكات ووصل التسلم وبالحد الأدنى لقيمة الأموال المنقولة الواجب التصريح بها .[10] تلاه بعد ذلك إصدار منشور الوزير الأول رقم 2010/3 حول التصريح الإجباري بالممتلكات بتاريخ 10 مارس 2010.

واستنادا إلى قوانين التصريح بالممتلكات والمرسوم رقم 2.09.207، حدد منشور الوزير الأول المشار إليه آنفا  جملة من الأمور على النحو التالي [11] :

– الأشخاص المعنيون بالتصريح الإجباري بالممتلكات؛

– الممتلكات الواجب التصريح بها؛

– كيفيات التصريح ومسطرته وشروطه؛

– آجال التصريح؛

– أحكام خاصة برفض الإدلاء بالتصريحات؛

– الإجراءات التطبيقية الأولية الخاصة ببعض فئات الموظفين والأعوان العموميين.

بالنسبة للأشخاص المعنيين بالتصريح الإجباري بالممتلكات فهم أعضاء الحكومة والشخصيات المماثلة لهم من حيث وضعيتهم الإدارية، ورؤساء دواوين أعضاء الحكومة، رؤساء مجالس الجهات والعمالات والأقاليم، رؤساء المجالس الجماعية ومجموعات الجماعات المحلية، رؤساء مجالس المقاطعات، رؤساء الغرف المهنية، المنتخبون الأعضاء في المجالس المحلية والغرف المهنية الذين حصلوا على تفويض إمضاء أو تفويض سلطة وأعضاء مكاتب المجالس المحلية والغرف المهنية.

كما أورد المنشور بعض فئات الموظفين والأعوان العموميين الملزمين بالتصريح بالممتلكات وهم:

الأشخاص المعينون في مناصبهم طبقا للفصل 30 من دستور 1996 و الذي يقابله على التوالي الفصلان 49 و 92 من دستور 2011 [12] ، الموظفون والأعوان التابعون للدولة والجماعات المحلية والمنشآت العامة والهيآت الأخرى المخول لهم سلطات معينة  حددتها المادة 2 من القانون 06-54 على سبيل الحصر.

والملاحظ أن المنشور المومأ إليه أعلاه  لم يشر إلى أعضاء مجلسي البرلمان وأعضاء المجلس الدستوري (المحكمة الدستورية) وأعضاء الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري الملزمين كذلك بالتصريح بممتلكاتهم.

يتضح من خلال لائحة الملزمين بالتصريح، أنه تم توسيع لائحتهم مقارنة مع ما كان عليه الوضع في ظل قانون 25.92، ولا مراء أن هذا التوسيع يعد مكسبا لدعم مسلسل التخليق ومحاربة الفساد عبر إخضاع أكبر عدد ممكن من المتدخلين في تدبير الشأن العام الوطني والمحلي لمبدأ المساءلة والمحاسبة، للحيلولة دون استغلال المنصب للاغتناء غير المشروع ونهب المال العام، كما يشكل هذا التوسيع تجاوبا مع مطالب المجتمع المدني على هذا الصعيد.

غير أن توصيات المجلس الأعلى للحسابات[13]  تنحو منحى مغايرا من خلال التنصيص على ضرورة تماشي منظومة التصريح الإجباري بالممتلكات مع المعايير الدولية من خلال السعي لتحقيق أهداف منها خفض فئات الملزمين والاقتصار على المسؤلين السياسيين والعموميين لوحدهم كأعضاء الحكومة وأعضاء البرلمان والقضاة، والموظفون الكبار، والرؤساء المنتخبون للجماعات الترابية الكبيرة والمتوسطة ومسؤولي المؤسسات العمومية الوازنة اقتصاديا، بهدف الانتقال من 100000 ملزم حاليا إلى 7000 أو 8000 على غرار الدول الناجحة في هذا الميدان.

يبدو أن الإكراهات الفنية والبشرية التي تواجه المحاكم المالية في تتبع ومراقبة التصريح بالممتلكات كانت وراء مثل هكذا توصية، مع يحمله ذلك من تناقض مع مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. وبالتبعية جعل العديد من المسؤولين عن تدبير الشأن العام خارج نطاق مراقبة المجلس (حوالي 92000 ملزما).

كما لا يستقيم هذا الأمر و مقتضيات الفصل 158 من دستور 2011 الذي ينص على أنه “يجب على كل شخص ،منتخبا كان أو معينا،يمارس مسؤولية عمومية،أن يقدم،طبقا للكيفيات المحددة في القانون،تصريحا كتابيا بالممتلكات و الأصول التي في حيازته،بصفة مباشرة أو غير مباشرة،بمجرد تسلمه لمهامه،و خلال ممارستها و عند انتهائها.”فصيغة الفصل جاءت على سبيل الإطلاق و لم تورد أي استثناء.و هو ما يفيد أن لا مجال لأية انتقائية في صفوف الملزمين،تحت أي مسوغ كان، بمجرد توفر الشروط الموجبة لإلزامية التصريح بالممتلكات.

فمجرد الورود ضمن لائحة المعنيين بالتصريح بالممتلكات ستكون له لا محالة وظيفة بيداغوجية و يشكل نوعا من الردع العام للمسؤولين لثنيهم عن استغلال المناصب والمسؤوليات للاغتناء غير المشروع.

مؤدى ذلك أن تمكين المحاكم المالية من الموارد البشرية الكافية من جهة،و اعتماد المعالجة الآلية للتصريحات عبر إدماج تكنولوجيا المعلومات من شأنه المساعدة على حل مشكل صعوبة تتبع و معالجة التصريحات.

و الجدير بلفت النظر إليه، أن بعض الأصوات من داخل البرلمان كانت تطالب إبان إعداد ومناقشة القوانين المتصلة بالتصريح بالممتلكات بعدم إخضاع أعضاء البرلمان للتصريح الإجباري بالممتلكات بدعوى أن البرلمانيين ليسوا آمرين بالصرف. غير أن هذا التبرير مردود عليه ومجانب للصواب. ولئن كان البرلمانيون لا يحملون صفة الآمرين بالصرف، إلا في حالة الجمع بين انتداب برلماني ورئاسة جماعة محلية مثلا، فإن إلزام البرلماني بالتصريح بممتلكاته يجد مبرراته في احتمال استغلال هذا الأخير لنفوذه داخل دائرته الانتخابية أو مستويات أخرى للحصول على مكاسب قد لا تكون مشروعة، خصوصا وأن تمتعه بالحصانة يجعله في الواقع العملي بعيدا عن المتابعة والمساءلة.

أما فيما يخص الممتلكات الواجب التصريح بها، فهي تشمل جميع العقارات والأموال المنقولة، كما يلزم المعنيون بالأمر بالتصريح بالممتلكات المشتركة مع الأغيار وممتلكات أولادهم القاصرين.

والملاحظ أن التصريح بممتلكات الأبناء، يهم ممتلكات الأبناء القاصرين دون البالغين، وهو ما من شأنه فسح المجال للالتواء على القانون،[14]  و ذلك عبر تفويت جزء من الممتلكات إلى الأبناء البالغين أو باقي الفروع أو الأصول.

وفيما يتصل بالحد الأدنى لقيمة الأموال المنقولة الواجب التصريح بها، فقد حددها قرار الوزير الأول  [15] في 300.000 درهم لكل صنف من أصناف الأموال المنقولة.

وبشأن كيفية التصريح ومسطرته وشروطه، فالمجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية للحسابات هي الجهة التي تتم لديها التصريحات كما ذكر سلفا.في هذا السياق، أشار المجلس الأعلى للحسابات في تقريره برسم سنة 2013 إلى أن فئة من الموظفين السامين غذت ملزمة بتقديم التصريحات بممتلكاتهم أمام المجالس الجهوية للحسابات عوض المجلس الأعلى للحسابات، وفق الاختصاص الترابي لكل مجلس، بعد صدور القانون التنظيمي رقم 12-02 المتعلق بالتعيين في المناصب العليا. [16]

لا مراء أن إسناد مهمة استقبال التصريحات وتتبعها إلى القضاء المالي يبرز بجلاء رغبة المشرعين الدستوري و العادي   في توفير شروط نجاح نظام التصريح بالممتلكات وتحقيق الأهداف المتوخاة منه. فدخول القضاء المالي المتخصص على الخط من شأنه توفير شروط نجاح نظام التصريح بالممتلكات عبر وضع خبرته في مجال الرقابة والتدقيق في خدمة أهداف القانون. بيد أن هذه المهمة تعترضها العديد من العراقيل وفق ما يستشف من تقرير المجلس برسم سنة  2013 أبرزها عدم تقديم التصريحات أصلا أو تقديمها خارج الآجال القانونية أو عدم تجديدها من قبل الملزمين .

وقد انتقد .رئيس الهيئة الوطنية لحماية المال العام[17] ، اعتماد سرية البيانات التي تودع لدى المجلس الأعلى للحسابات، معتبرا أن إعطاء الصلاحية للمجلس الأعلى  للحسابات لمراقبة الثروة وتحريك المتابعة فيه قصور داعيا إلى تشكيل هيئة مستقلة لمراقبة ثروات المسؤولين.

و تجدر الإشارة على مستوى التجارب المقارنة أن السلطة التنظيمية الفرنسية مثلا أناطت هذه المهمة بالهيئة العليا لشفافية الحياة العامة[18]، و هي سلطة إدارية مستقلة (Autorité administrative indépendante) تشتغل في استقلالية تامة عن السلطة التنفيذية.كما يتيح الإطار القانوني المنظم لها إمكانية اطلاع المواطنين على بعض المعلومات الواردة في تصريحات الملزمين عبر الموقع الالكتروني للهيئة [19].و هو ما يشكل إضافة نوعية يجدر بالمشرع المغربي الاقتداء بها لدعم شفافية تدبير الشأن العام و تسهيل الولوج إلى المعلومة عندما سيكون بصدد إصدار القانون الذي يحيل عليه الفصل 158 من الدستور.

وعلى صعيد آجال التصريح، فقد حددت النصوص القانونية أجل التصريح في 90 يوما الموالية لتاريخ التعيين بالنسبة لأعضاء الحكومة والشخصيات المماثلة لهم، وهناك إمكانية تمديد آجال التصريح إلى 6 أشهر. أما منتخبو المجالس المحلية والغرف المهنية، فهم ملزمون بالتصريح داخل أجل 3 أشهر الموالية لانتخابهم.

مع ذلك، تكشف أرقام المجلس الأعلى للحسابات أن أعدادا كبيرة من الملزمين بإيداع تصريحاتهم لا يقومون بذلك رغم إنذارهم أو يقومون به خارج الآجال القانونية أو لا يقومون بتجديد التصريحات (تتراوح نسب تجديد التصريح بين 0% في بعض القطاعات و100% في قطاعات أخرى). و هو ما يستوجب من حيث المبدأ المساءلة التأديبية للمعنيين.

وتفعيلا لنظام التصريح بالممتلكات، فقد نصت القوانين على تجديد التصريح والتصريح التكميلي والتصريح عند انتهاء المهام. في هذا المضمار أوصى تقرير المجلس الأعلى للحسابات السالف ذكره بخفض أنواع التصريحات بالممتلكات الواجب إيداعها والاقتصار على التصريح الأولي والتصريح بمناسبة انتهاء المهام.توصية لا تنسجم هي الأخرى و روح الفصل 158 من الدستور على اعتبار أن التصريح يتم ،وفق منطوق الفصل، على ثلاث مستويات:عند تسلم المهام،خلال ممارستها و عند انتهائها.

وينتظر من هذه المقتضيات أن تسهل مراقبة تطور الذمة المالية للمتدخلين في تدبير الشأن العام الوطني والمحلي ورصد كل تطور مثير للشبهات في ممتلكاتهم.

وعلى الرغم من أهميتها، فإن بعض هذه المقتضيات تثير ملاحظة أساسية تهم كون تجديد التصريح كل ثلاث سنوات متأخر نسبيا، يبدو أنه كان مستحسنا تجديد التصريح كل سنة تماشيا مع سنوية تقارير المجلس الأعلى للحسابات، فطول المدة قد يفسح المجال للمعنيين بالتصريح بالممتلكات لتصحيح كل اختلال قد يثير الشبهة في ذممهم المالية، رغم المجهود الإضافي الذي يتطلبه هذا الإجراء.

ومن حسنات القوانين الجديدة للتصريح الإجباري بالممتلكات تنصيصها على أحكام عند رفض التصريح أو التصريح غير الكامل أو رفض تجديد التصريح، عكس ما كان عليه الأمر في ظل قانون 25.92 المنسوخ. وهو ما لا تفهم معه إحدى توصيات تقرير المجلس الأعلى للحسابات برسم 2013 من خلال التنصيص على ضرورة السعي لإدخال عقوبات ردعية لعدم التصريح أو لتصريح غير كامل أو غير صحيح. فالمطلوب هو تفعيل العقوبات المنصوص عليها،مما يكشف أن التوصية معيبة الصياغة.

إلا أنه مع ذلك يبقى تتبع التصريحات والتأكد من صحتها إحدى مناطق الظل في النصوص القانونية ذات صلة بالتصريح بالممتلكات.[20]

ويرى أحد الباحثين[21] أن القوانين المتعلقة بالتصريح الإجباري بالممتلكات تبدو تمييزية فيما يتعلق بالفئات المعنية بالتصريح، ويتضح ذلك في عدم خضوع أعضاء مجلس المستشارين وأعضاء المجلس الدستوري للعقوبات المنصوص عليها في القانون. مما يكرس وضعا لا يستجيب لطموحات التخليق المنشود.

  ثالثا: مداخل إصلاح المنظومة الحالية للتصريح بالممتلكات

انسجاما مع المهام المنوطة بها في مجال الوقاية من الفساد و تخليق الحياة العامة،قدمت الهيئة المركزية للوقاية من الرشوة في تقريرها السنوي برسم سنة2009 [22] مقترحات تهم تعديل النصوص القانونية ذات صلة بالتصريح الإجباري بالممتلكات،بغية تجاوز النقائص التي تشوبها،تتمحور أساسا حول النقاط التالية:

  • توسيع لائحة الممتلكات التي يجب التصريح بها لتشمل كافة الأموال المنقولة و العقارات الموجودة بالمغرب أو بالخارج؛
  • إلزام المعني بالأمر بالتصريح كذلك بالممتلكات الموجودة بالمغرب أو بالخارج المشتركة مع الأغيار و كذا تلك التي يدبرها لحسابهم؛
  • في الحالة التي تكون فيها الزوجة ملزمة بالتصريح بالممتلكات المنصوص عليها أعلاه،يعود إليها التصريح بممتلكات أولادها القاصرين؛
  • تمكين الجهة المختصة بتتبع و مراقبة التصريحات ،عند الاقتضاء،من مطالبة أي ملزم بالتصريح التصريح بممتلكات و مداخيل زوجه أو أصوله أو فروعه.
  • إعادة النظر في المادة 1 من قرار الوزير الأول بتاريخ 11 فبراير 2010 الذي يحدد الحد الأدنى لقيمة الأموال المنقولة الواجب التصريح بها من طرف الخاضعين للتصريح الإجباري بالممتلكات وفق ما يلي:”يحدد الحد الأدنى لقيمة الأموال المنقولة الواجب التصريح بها من طرف الأشخاص الخاضعين للتصريح الإجباري بالممتلكات في ثلاثمائة ألف درهم (300000 درهم) تطبق على مجموع الأموال المنقولة، عند تاريخ اقتنائها عن طرق الشراء أو تملكها عن طريق الإرث،الواردة في اللائحة 2 من الملحق 1 من المرسوم رقم 2.09.207.”

تستمد مقترحات الهيئة المركزية للوقاية من الرشوة وجاهتها من كون العديد من المسؤولين يملكون أموالا منقولة و عقارات بالخارج، قد تكون متأتية من وسائل كسب غير مشروعة،مما يسهل مهمة إخفاء تطور ذممهم المالية.و حري بالذكر أن المبالغ الطائلة المسترجعة في إطار المساهمة الإبرائية للأصول و الأموال بالخارج المنصوص عليها في القانون المالي لسنة 2014 تشكل مثالا حيا عن حجم الأموال المهربة إلى الخارج.كما أن تخويل إمكانية مطالبة الملزم بالتصريح ،عند الاقتضاء،التصريح بممتلكات و مداخيل زوجه أو أصوله أو فروعه سيشكل ضمانة لدرء التحايل المحتمل للملزمين على القوانين عبر تفويت الأموال إلى الأصول أو الفروع الذين لا تشملهم مقتضيات النصوص القانونية الجاري بها العمل.

فضلا عن ذلك،فتحديد قيمة الحد الأدنى لقيمة الأموال المنقولة الواجب التصريح بها من طرف الأشخاص الخاضعين للتصريح الإجباري بالممتلكات في ثلاثمائة ألف درهم (300000 درهم) تطبق على مجموع الأموال المنقولة، بدل 300.000 درهم لكل صنف من أصناف الأموال المنقولة كما هو قائم في الصيغة الحالية للقرار،من شأنه تعزيز الرقابة على الأموال المنقولة للملزمين و قطع الطريق عن كل تحايل محتمل عبر تقسيم الأموال المنقولة(Fractionnement des biens mobiliers) إلى عدة أصناف دون أن تصل قيمة كل صنف إلى الحد الأدنى الموجب للتصريح ، علما أن اللائحة 2 من الملحق 1 من المرسوم رقم 2.09.207 المتعلق بتحديد نموذج التصريح الإجباري بالممتلكات ووصل التسلم وبالحد الأدنى لقيمة الأموال المنقولة الواجب التصريح بها حددتها في عشرة أصناف[23] .

إذا كانت القوانين التنظيمية للعديد من المؤسسات الدستورية السارية المفعول في ظل دستور 1996 متضمنة لمقتضيات تهم التصريح بالممتلكات( أنظر القوانين المبينة في الهامش رقم8) ،فإنه على ضوء مستجدات دستور 2011،و اتساقا مع مقتضيات الفصل 158 منه،صدرت القوانين التنظيمية لكل من مجلس النواب [24]،مجلس المستشارين [25] و المحكمة الدستورية [26] خالية من أية مقتضيات تهم التصريح الإجباري بالممتلكات من لدن أعضاء هذه المؤسسات الدستورية ما عدا استمرار العمل،  بصفة انتقالية، بالأحكام المتعلقة بالتصريح بممتلكات الأعضاء المنصوص عليها في القوانين التنظيمية المنسوخة،  إلى حين إقرار أحكام مماثلة بموجب قانون طبقا للفصل 158 من الدستور. [27] و هو نفس التوجه الذي سارت عليه مسودة مشروع القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة.[28]

إن القانون المشار إليه في الفصل 158 من الدستور يعكس سعي المشرع الدستوري لتوحيد الإطار القانوني لمنظومة التصريح بالممتلكات المتسمة بتناثر مقتضياتها جراء كثرة النصوص القانونية المنظمة لها. أمر من شأنه توفير شروط أفضل لتعزيز ثقافة المساءلة و ربط المسؤولية بالمحاسبة.

و هو ما يفيد أن مقترحات الهيئة المركزية للوقاية من الرشوة، وفق ما هو مبين أعلاه، ينبغي أخذها بعين الاعتبار من لدن المشرع أثناء إصدار القانون المشار إليه في الفصل 158 من الدستور تفاديا لإعادة إنتاج ثغرات النصوص القانونية الحالية.

بيد أن أكبر تحد يواجه منظومة التصريح بالممتلكات هو تفعيل القوانين بالجدية اللازمة و وضع حد للتجاوزات التي تطالها و تفعيل التدابير المنصوص عليه في حق المخلين بها.

كما ينبغي العمل على رفع السرية عن بعض جوانب تصريحات الملزمين و تمكين المواطنين من الاطلاع عليها ،كما هو معمول به في بعض التجارب المقارنة من جهة،و تفعيلا لدسترة حق الولوج إلى المعلومة وفق منطوق الفصل 27 من دستور 2011 من جهة أخرى. فضلا عن ذلك،يبدو لزاما العمل  على ضرورة اتساق منظومة التصريح بالممتلكات مع التزامات المغرب الدولية خاصة اتفاقية الأمم المتحدة لمحاربة الفساد،باعتبار الفساد يشكل تهديدا لاستقرار المجتمعات و أمنها و يقوض المؤسسات الديمقراطية و سيادة القانون.

تأسيسا على ما تم بسطه أعلاه، يمكن القول أن المقتضيات القانونية المتعلقة بالتصريح الإجباري بالممتلكات من شأنها المساهمة في محاصرة الفساد ومحاربته من خلال ما تتيحه من إمكانية تتبع تطور الذمم المالية للمسئولين المؤتمنين على تدبير الشأن العام شريطة تطبيق وتفعيل مقتضياتها بكل نزاهة وتجرد ووضع حد للاعقاب(L’impunité) . بيد أن ذلك لا ينفي ضرورة إصلاحها لتساير دسترة المشرع الدستوري لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة انسجاما مع متطلبات الحكامة الجيدة ومطالب محاربة الفساد من جهة، ودسترة اختصاص المجلس الأعلى للحسابات في مراقبة وتتبع التصريح بالممتلكات و توحيد الإطار القانوني لمنظومة التصريح بالممتلكات من جهة أخرى.

 

 

[1]  –  مصطفى عنترة: التصريح بالممتلكات بين هشاشة النص القانوني وغياب إرادة التفعيل، الحوار المتمدن عدد 1577، 10 يونيو 2006.

[2]– قانون رقم 25.92 المتعلق بإقرار موظفي ومستخدمي الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية وأعضاء الحكومة وأعضاء مجلس النواب ومجالس الجماعات المحلية والغرف المهنية بالممتلكات العقارية والقيم المنقولة التي يملكونها أو يملكها أولادهم القاصرون، ج.ر عدد 4184 بتاريخ 6 يناير 1993، ص 10

[3] – مصطفى عنترة:  التصريح بالممتلكات بين هشاشة النص القانوني وغياب إرادة التفعيل، مرجع سابق.

[4] –  مها الشرقاوي: سياسة محاربة الرشوة بالمغرب، فترة حكومة التناوب 1998-2002، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام،كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية-أكدال 2004-2005 ص 41

([5])  – عبد اللطيف النكادي :البنى القانونية و المؤسساتية لمحاربة الفساد بالمغرب ص 23 –متوفر على الرابط : info.worldbank.org/etools/docs/morocco-final.doc

 

[6] www.transparencymaroc.ma

 

([7] )- القانون رقم 54.06 المتعلق بإحداث التصريح الإجباري لبعض منتخبي المجالس المحلية والغرف المهنية وبعض فئات الموظفين أو الأعوان العموميين بممتلكاتهم، ج.ر عدد 5679 بتاريخ 3 نونبر 2008، ص 4014.

 

([8] ) عطفا على القانون 54.06 المومأ إليه أعلاه،صدرت في الجريدة الرسمية عدد 5679 بتاريخ 3 نونبر 2008 ظهائر و  قوانين مرتبطة بالتصريح الإجباري بالممتلكات وفق ما يلي :

  • ظهير شريف رقم08.72 صادر في 20 من شوال 1429 (20 أكتوبر 2008) بتتميم الظهير الشريف رقم 1.74.331 الصادر في 11 من ربيع الآخر 1395(23أبريل 1975  ) بشأن حالة أعضاء الحكومة وتأليف دواوينهم؛
  • القانون التنظيمي رقم 49.07  المتمم بموجبه القانون التنظيمي رقم 29.93 المتعلق باﻟﻤﺠلس الدستوري؛
  • القانون التنظيمي رقم 50.07  المتمم بموجبه القانون التنظيمي رقم 31.97 المتعلق بمجلس النواب ؛
  • القانون التنظيمي رقم 50.07  المتمم بموجبه القانون التنظيمي رقم 31.97 المتعلق بمجلس المستشارين؛
  • القانون 53.06 القاضي بنسخ و تتميم الفصل 16 من الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.74.467 الصادر في 11 نونبر 1974 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة؛
  • القانون رقم 52.06 المغير و المتمم بموجبه القانون 62.99 المتعلق بمدونة المحاكم المالية؛
  • ظهير شريف رقم 1.08.73 القاضي بتتميم الظهير الشريف رقم 1.02.212 القاضي بإحداث الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري.

 

[9]  محمد براو:المجلس الأعلى للحسابات أمام امتحان الانخراط في العهد الدستوري الجديد-مقال منشور على الرابط //www.hespress.com/writers/53476.html :http

 

[10] ج.ر عدد 5813 بتاريخ 15 فبراير 2010، ص 464.

 

[11]  منشور الوزير الأول رقم 2010 /3 حول التصريح الإجباري بالممتلكات بتاريخ 10 مارس 2010

[12] تطبيقا لمقتضيات الفصلين 49 و92 من دستور 2011،صدر القانون التنظيمي رقم 12-02 المتعلق بالتعيين في المناصب العليا ج.ر عدد 6066 بتاريخ 19 يوليوز 2012 ص 4235.

 

[13] تقرير حول أنشطة المجلس الأعلى للحسابات برسم سنة 2013 –الجزء الأول ص 283.

 

[14] Hassan El Arif : Déclaration de patrimoine un décret d’application pipeau ? L’économiste. 20-12-2009.

 

[15] قرار الوزير الأول رقم 3.87.09 صادر في 11 فبراير 2010 يحدد الحد الأدنى لقيمة الأموال المنقولة الواجب التصريح بها من طرف الخاضعين للتصريح الإجباري بالممتلكات، ج.ر عدد 5813 بتاريخ 15 فبراير 2010، ص 477.

[16] تقرير حول أنشطة المجلس الأعلى للحسابات برسم سنة 2013-الجزء الأول ص 280

[17]  جريدة أخبار اليوم المغربية ، العدد 130، 7 ماي 2010، ص 4.

[18] Décret n° 2013-2012 du 23 décembre 2013 relatif aux déclarations de situation patrimoniale et déclarations d’intérêts adressées à la Haute Autorité pour la transparence  de la vie publique-Journal Officiel de la République Française (JORF) n°0300 du 27 Décembre 2013 page 21445.

 

[19]  http://www.hatvp.fr/

 

[20] Hassan El Arif : Déclaration de patrimoine, un décret d’application pipeau? op.cit.

 

[21]  عبد الغني عبيزة: التحديث الإداري بالمغرب: دراسة قانونية ومؤسساتية، دار القلم للطباعة والنشر ، الطبعة الأولى، 2010، ص 84.

[22] التقرير السنوي للهيئة المركزية للوقاية من الرشوة برسم سنة 2009- ص من112 إلى115.

 

[23]  الأصول التجارية،الودائع في حسابات بنكية،السندات،المساهمات في الشركات،الأموال المنقولة المتحصل عليها عن طريق الإرث،العربات ذات محرك،الاقتراضات،التحف الفنية و الأثرية،الحلي و المجوهرات و القيم المنقولة الأخرى.

[24] القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب – ج.ر عدد 5987 الصادرة بتاريخ 19 ذو القعدة 1432 (17 أكتوبر 2011)ص 5053.

 

[25]   القانون التنظيمي رقم 28.11 المتعلق بمجلس المستشارين – الجريدة الرسمية عدد 5997 مكرر الصادرة بتاريخ 25 ذو الحجة 1432(22 نوفمبر2011) ص5520

[26] القانون التنظيمي رقم 066.13 ‏ المتعلق بالمحكمة الدستورية- الجريدة الرسمية عدد 6288 الصادرة بتاريخ 8 ذو القعدة 1435 (4 سبتمبر 2014) ص 6661.

 

[27]  وردت المقتضيات الانتقالية وفق ما يلي: الفقرة الثانية من المادة 99 من القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب ،الفقرة الثالثة من المادة 98 من القانون التنظيمي رقم 28.11 المتعلق بمجلس المستشارين و الفقرة الرابعة من المادة 48 من القانون   التنظيمي رقم 066.13 ‏ المتعلق بالمحكمة الدستورية.

 

[28]  المادة 103 من مشروع القانون التنظيمي رقم 106.13 يتعلق بالنظام الأساسي للقضاة.