التأمين الإجباري على المسئولية المدنية الناشئة عن حوادث المركبات – دراسة في ضوء قرار المحكمة الدستورية البحرينية رقم (ح/1/2013) لسنة 2013

46

التأمين الإجباري على المسئولية المدنية الناشئة عن حوادث المركبات
– دراسة في ضوء قرار المحكمة الدستورية البحرينية رقم (ح/1/2013) لسنة 2013

د. مروان محمد محروس المدرس
استاذ القانون الدستوري المشارك
كلية الحقوق – جامعة البحرين
د. ناصر خليل جلال العساف
أستاذ القانون المدني
كلية الحقوق – جامعة البحرين

الملخص
يعتبر التأمين من المسئولية أحد أقسام التأمين من الأضرار، وتقوم فكرة التأمين من المسئولية بوجود شخص ما يخشى أن يكون مسؤولاً عما يصيب الغير من ضرر فيقوم بإبرام عقد تأمين والذي بموجبه يتم نقل تبعة تعويض ذلك الضرر إلى المؤمن، بحيث يؤمن نفسه من رجوع الغير عليه بالمسئولية. اما التأمين الاجباري من حوادث المركبات فهو عقد يهدف إلى ضمان الاضرار التي تلحق بالغير من سيارة المؤمن له والتزام يقع على المؤمن بتغطية مسئولية مالك السيارة أو أي شخص وقع منه حادث السيارة متى ثبت خطأه بأن يدفع للمضرور من الحادث تعويضاً عن الضرر الذي أصابه بدنيا متى تحققت مسئولية مرتكب الحادث، اي انه يعتبر صورة من صور التأمين من المسئولية.
وتستثني بعض القوانين فئات من نطاق التغطية التأمينية في مجال التأمين من المسئولية في حوادث المركبات، كزوج واولاد المتسبب في الحادث، او زوج واولاد مالك المركبة إذا كان يستخدم سائقا خاصا، وهنا اثيرت اشكالية هل تعد هذه الاستثناءات دستورية ام لا؟ وهل تتوافق هذه الاستثناءات مع مفهوم التأمين من المسئولية ام لا؟ ان البحث يحاول الاجابة عن هذه التساؤلات.
Abstract

Liability insurance is one kind of the insurance from damages. The idea this insurance depends on existence of a person who wants to protect himself from possibility of damaging third parties. For this reason, he conclude an insurance contract in which the compensation from damaging others will transfer to the insurer. Compulsory insurance from vehicle accidents is a contract aimed at guaranteeing damages to third parties from the insureds car.
Some laws exclude categories of insurance coverage in the area of liability insurance in vehicle accidents, such as the couples and children causing the accident, or the couples and children of the owner of the vehicle if he uses a driver. From this point of view, the question arose whether these exceptions are constitutional or not? Are these exceptions compatible with the concept of liability insurance or not? The article tries to answer these questions.
تقديم:

يعد عقد التأمين من العقود الاساسية، حيث تتنوع عقود التأمين وتعدد صورها، ومن ابرز صور عقود التأمين هو التأمين من المسئولية في حوادث المركبات، ونظراً لأهمية هذا العقد وكثرة تطبيقه في الواقع العملي نجد الكثير من التشريعات قد نظمت التأمين الاجباري في مجال حوادث المركبات، بل ان البعض منها لا تسمح بتجديد رخصة المركبة ما لم يتم التأمين على السيارة، مع ذلك نجد أن من التشريعات ما تضع استثناءات تخرج بها فئات معينة بذاتها من نطاق التغطية التأمينية، ويترتب على هذه الاستثناءات عدم دفع شركات التأمين التعويض لبعض الفئات من المضرورين عن حوادث المركبات.
ومن أبرز التشريعات التي اخذت بهذه الاستثناءات المرسوم بقانون رقم 3 لسنة 1987 الخاص بالتأمين الإجباري على المسئولية المدنية الناشئة عن حوادث المركبات في مملكة البحرين، إذ استثنى فئات من المضرورين من نطاق التغطية التأمينية كزوج واولاد المتسبب في الحادث القصر، او زوج واولاد مالك المركبة إذا كان يستخدم سائقا خاصا. اذ اثارت هذه الاستثناءات تساؤلات عديدة حول مدى توافقها مع الدستور من جهة، ومدى انسجامها مع مفهوم التأمين من المسئولية من جهة اخرى!!

وبعد تطبيقات متعددة للحكم السابق واختلاف الآراء بشأن موافقته لمبدأ المساواة المنصوص عليه في الدستور من عدمه أصبح مطروحاً على طاولة المحكمة الدستورية في مملكة البحرين والذي تصدى له بالقرار رقم (ح/1/2013) لسنة 2013، انطلاقاً من ذلك نرى التطرق للموضوع في مبحثين نتناول في الاول ماهية التأمين من المسئولية والتأمين الاجباري عن حوادث المركبات، في حين نخصص الثاني لبيان كيفية معالجة قرار المحكمة الدستورية للاستثناءات المشار إليها سابقاً ومدى توافقه مع أحكام التأمين من المسئولية والتأمين الاجباري عن حوادث المركبات.

مشكلة البحث:

يتركز مشكلة البحث في بيان مدى دستورية الاستثناءات التي ترد في نطاق التأمين من المسئولية في حوادث المركبات، ومدى تأثير ذلك على دستورية النص التشريعي، مع تحليل حكم المحكمة الدستورية البحرينية بخصوص الموضوع، ببيان موافقة حكمها للدستور وقواعد العدالة ومبدأ المساواة و وتوضيح ما إذا كان الحكم يتوافق مع ما هو مستقر في القوانين المقارنة لمفهوم التأمين من المسئولية من حوادث المركبات.

المبحث الأول
ماهية التأمين من المسئولية والتأمين الاجباري من حوادث المركبات

نقسم هذا الفرع إلى مطلبين نتناول في الأول ماهية التأمين من المسئولية أما الثاني فنخصصه للتأمين الاجباري من حوادث المركبات.
الفرع الأول
مفهوم عقد التأمين من المسئولية

تقوم فكرة التأمين من المسئولية بوجود شخص ما يخشى أن يكون مسؤولاً عما يصيب الغير من ضرر فيقوم بإبرام عقد تأمين والذي بموجبه يتم نقل تبعة التعويض ذلك الضرر إلى المؤمن، بحيث يؤمن نفسه من رجوع الغير عليه بالمسئولية، فالهدف الأساس من اللجوء للتأمين من المسئولية المدنية هو تعويض المؤمن له عما يلحق بذمته المالية من ضرر او خسارة نتيجة رجوع المتضرر عليه بسبب ثبوت مسؤوليته المدنية.

وقد عرف الفقه التأمين من المسئولية على أنه “عقد بموجبه يؤمن المؤمن له من الأضرار التي تلحق به من جراء رجوع الغير عليه بالمسئولية” وهناك من عرفه في الفقه بأنه “عقد بين شخص يسمى المؤمن وشخص آخر يسمى المؤمن له بمقتضاه يتحمل المؤمن العبء المالي المترتب على الخطر الضار غير المقصود والمحدد في العقد بسبب رجوع الغير الى المؤمن له بالمسئولية لقاء ما يدفعه هذا الأخير من أقساط” .
الفرع الثاني
الطبيعة القانونية لعقد التأمين من المسئولية

نبحث في الطبيعة القانونية لعقد التأمين من المسئولية في نقاط ثلاث كل من التأمين من المسئولية بكونه عقد تأمين من الأضرار والصفة التعويضية للتأمين من المسئولية واعتبار التأمين من المسئولية تأمين من الدين.
أولاً: التأمين من المسئولية عقد تأمين من الأضرار
يعتبر التأمين من المسئولية أحد أقسام التأمين من الأضرار هو والتأمين على الأشياء، والذي يختلف عن تأمين الحوادث أو ما يسمى تأمين الإصابات الجسدية ، والذي يشبه التأمين من المسئولية من حيث كونهما يضمنان إصابات تلحق بالجسم، فالتأمين على الحوادث هو تأمين على الأشخاص يغطي الأضرار التي تصيب المؤمن له في جسمه أو سلامته البدنية، أما التأمين من المسئولية فيفترض فيه أن المؤمن له هو الذي يحدث ضررًا بالغير سواء كانت مسؤوليته ناشئة عن ضرر أصاب المضرور في جسمه أو في ماله، بحيث لا يكون المضرور هو الذي يُؤمن من الضرر الذي ألحقه به المؤمن له المسؤول، بل أن المؤمن له هو الذي يؤمن نفسه من هذا الضرر بحيث يتحقق الخطر إذا ما طولب بالمسئولية عن هذا الخطر، فالمؤمن في التأمين من المسئولية لا يلتزم بتعويض الغير المصاب بالضرر، ولكنه يتحمل العبء المالي الذي أُلقي على عاتق المؤمن له نتيجة انعقاد مسئولية الأخير تجاه الغير المضرور .

ثانياً: الصفة التعويضية للتأمين من المسئولية

ويقصد بهذا المبدأ تعويض المؤمن له عما لحقه من خسائر نتيجة تحقق الخطر المؤمن منه ، بحيث لا يجوز للمؤمن له أن يتقاضى مبلغًا يفوق مقدار ما لحقه من ضرر وإلا تحول التأمين إلى وسيلة لإثراء المؤمن له بلا سبب يجعله في مركز أفضل مما كان عليه قبل تحقق الخطر، لذلك يتحدد أداء المؤمن في تأمين الأضرار بقدر ما لحق بالمؤمن له من ضرر. بشرط إلا يتجاوز ذلك مبلغ التأمين المتفق عليه في العقد كتعويض تأميني، فإذا كان مقدار الضرر اقل من قيمة التأمين التزم المؤمن بقيمة هذا التعويض، وإذا جاوز مقدار التعويض مقدار المبلغ المحدد في العقد، اقتصر التزام المؤمن على ذلك دون زيادة، ولقد نص المشرع البحريني على هذا المبدأ بشكل صريح في المادة ( 713 ) من القانون المدني التي نصت على أنه “في التأمين من الأضرار، يلتـزم المؤمن بتعويض المؤمن له عن الضرر الناتج من وقوع الخطر المؤمن منه، على ألا يجاوز ذلك مبلغ التأمين”.

ومبدأ الصفة التعويضية يتعلق بالنظام العام، فلا يجوز الاتفاق على خلافه وذلك حتى لا يتعمد المؤمن له إحداث الخطر المؤمن منه فيستولي على مبلغ التأمين وكذلك حتى لا يستطيع المضاربة من أجل تحقيق الربح لأنه لن يحصل إلا على تعويض يعادل الضرر الفعلي ، ويترتب على إعمال مبدأ الصفة التعويضية عدة نتائج أهمها أنه لا يجوز للمؤمن له الجمع بين مبلغ التعويض الذي يلتزم به المؤمن وبين مبلغ التعويض الذي يلتزم به المسئول عن إحداث الضرر _ إن وجد _ بل يكون ذلك التعويض الأخير من حق المؤمن من خلال حلوله محل المؤمن له في الدعاوى التي تكون له تجاه المسئول عن الضرر، كما يترتب على هذا المبدأ أيضًا عدم جواز تأمين المؤمن له على ذات الخطر أكثر من مرة لدى أكثر من مؤمن، وفي حال تعددت عقود التأمين فانه لا يجوز أن يتجاوز مقدار التعويض المستحق بموجبها مقدار ما لحق المؤمن له من ضرر.

ثالثاً: التأمين من المسئولية تأمين من الدين

يعتبر التأمين من المسئولية تأمينا من الدين يضمن تأمين الجانب السلبي للذمة المالية للمؤمن له، أي تغطية الزيادة التي قد تصيب العنصر السلبي للذمة المالية للمؤمن له والمتمثلة فيما على المؤمن له من التزامات مالية تجاه الغير، وذلك بعكس الحال في التأمين على الأشياء الذي يضمن تأمين الجانب الايجابي للذمة المالية للمؤمن له، والمتمثلة فيما للشخص من حقوق مالية، وهذا هو الأساس الذي يجب الاعتماد عليه عند التفرقة بين التأمين على الأشياء والتأمين من المسئولية، فالتأمين على الأشياء هو تأمين “على ” الشيء من الأضرار التي تلحق به، بخلاف الحال لو قلنا التأمين “من” الشيء أي التأمين من الضرر الذي يحدثه ذلك الشيء للغير سواء كان مملوكا للمؤمن له أو كان في حفظه، فهذا يعد من باب التأمين من المسئولية المدنية، لذلك يفترض دائمًا في التأمين من المسئولية وجود ثلاثة أشخاص هم المؤمن والمؤمن له المسئول والشخص الثالث المضرور على عكس الحال في التأمين على الأشياء الذي يتصف بوجود طرفين فقط هما المؤمن والمؤمن له.

الفرع الثالث
التزام المؤمن في عقد التأمين من المسئولية المدنية

يقع على عاتق المؤمن وفقًا للقواعد العامة في عقد التأمين التزام رئيسي بدفع مبلغ التعويض للمؤمن له أو للمستفيد على الوجه المتفق عند تحقق الخطر المؤمن منه، فإذا تحقق. هذا الخطر قام التزام المؤمن بدفع مبلغ التعويض وأصبح هذا الالتزام واجب الأداء ويتمثل تحقق الخطر المؤمن منه في معظم صور التأمين بحدوث واقعة قانونية بسيطة بمجرد تحققها يحل التزام المؤمن، كواقعة الحياة أو الوفاة في التأمين على الحياة أو واقعة هلاك الشيء المؤمن عليه في تأمين الأشياء، أما في التأمين من المسئولية فالأمر مختلف، وذلك لأن المؤمن في هذا النوع من التأمين لا يضمن الضرر الذي يصيب المؤمن له في شخصه أو في ماله ولكنه يؤمن المسؤول المؤمن له من الضرر المالي الذي يتحقق من جراء انشغال ذمته المالية بدين التعويض الذي يسأل عنه تجاه الغير، كما أن التزام المؤمن بدفع مبلغ التعويض لا يقتصر على علاقة المؤمن بالمؤمن له فقط، وإنما يكون لمركز المضرور القانوني تأثير على تلك العلاقة على نحو يؤثر معها في تحديد طبيعة الخطر المؤمن منه والذي ينهض على اثر تحققه التزام المؤمن بضمان المسئولية المؤمن ضدها.

إضافة إلى ذلك فإن التزام المؤمن بتعويض الضرر الناتج عن تحقق الخطر منه يتأثر بالحدود الواردة في عقد التأمين ذاته، والتي يتحدد بمقتضاها مقدار التعويض الذي يلتزم به المؤمن، كما أن هذا الالتزام أيضًا يتأثر بالأحوال التي يقوم فيها المؤمن له بإبرام أكثر من عقد تأمين لدى مؤمنين مختلفين.

يرى الجانب الأكبر من الفقه بأن الخطر المؤمن منه يتحقق في التأمين من المسئولية منذ الوقت الذي يقوم فيه الغير المضرور بمطالبة المؤمن له بالتعويض مطالبه ودية أو قضائية، سواء كانت هذه المطالبة مبنية على أساس قانوني أو خالية من أي أساس قانوني. فالتأمين من المسئولية يهدف – من وجهة نظرهم- إلى تأمين المؤمن له ضد الرجوع الذي يتعرض له من جانب الغير بسبب ما أصاب هذا الغير من ضرر يكون المؤمن له مسؤولاً عن تعويضه طبقًا لقواعد المسئولية المدنية وتطبيقًا لذلك فإن الخطر المؤمن منه لا يعتبر متحققًا بمجرد وقوع الضرر على المضرور بل هو لا يتحقق إلا برجوع المضرور فعلا على المؤمن له، أي المطالبة المترتبة على وقوع الحادث وليس وقوع الحادث في ذاته، على اعتبار أن الضمان ينصب على رجوع الغير بالمسئولية وليس على مجرد قيام سببها، لذلك فإن مجرد إتيان المؤمن له فعلا أدى إلى الأضرار بالغير على نحو انعقدت معه مسؤوليته بالضمان لا يكفي لاستحقاقه قيمة التعويض التي يلتزم المؤمن بدفعها استنادًا لعقد التأمين، فهذه القيمة لا تستحق إلا بمطالبة المضرور للمؤمن له سواء ثبت أن المؤمن له مسؤول، عما أصاب المضرور أو لم يُثبت ذلك، فالخطر يتحقق مع انتفاء مسئولية المؤمن له، وبالمقابل إذا ثبتت مسئولية المؤمن له عن الحادث ولو بحكم جنائي ولم يقم المضرور بالمطالبة بالتعويض فإن الخطر المؤمن منه لا يتحقق في هذه الحالة ولا يلتزم المؤمن بأن يدفع للمؤمن له مبلغ التأمين، فكثير من الأحيان قد يتواجد الخطر بدون مسئولية كما لو قدم الطلب على أسس خاطئة وقد تتواجد المسئولية بدون خطر كما لو أهمل المضرور بتتبع حقوقه بسبب الجهل أو الإهمال، فحق المؤمن له في مبلغ التعويض الذي يلتزم به المؤمن ينشأ بمجرد مطالبة المضرور له بالتعويض، سواء كان المضرور محقًا في هذه المطالبة أو غير محق، ويستوي في ذلك أن تكون هذه المطالبة قضائية أو تكون خارج القضاء أيًا كانت وسيلتها حتى لو كانت شفاهة فالمهم أن تكون هذه المطالبة صريحة لا لبس فيها وأن يتمكن المؤمن له من إثبات وقوعها .

وعلى الرغم من اعتناق معظم الفقه لفكرة المطالبة باعتبارها الخطر المؤمن منه في التأمين من المسئولية إلا أن هذه الفكرة لم تلق قبولا لدى جانب آخر من الفقه، إذ وجدوا فيها مخالفة للقواعد العامة في القانون المدني من جهة ومخالفة للقواعد العامة في عقد التأمين والقواعد التي تحكم عقد التأمين من المسئولية من جهة أخرى. ووفقاً لهذا التوجه فإن اعتبار الخطر المؤمن منه متحققا بمجرد مطالبة المضرور بالتعويض حتى ولو كانت هذه المطالبة غير مبنية على أساس قانوني، إذ أن ربط مطالبة المضرور فقط لكي يتحقق الخطر المؤمن منه في التأمين من المسئولية ولو كان المضرور غير محق في مطالبته، يخالف شرطًا أساسيًا يجب توافره في التزام المؤمن بدفع مبلغ التعويض في التأمين من المسئولية وهو ضرورة ثبوت مسئولية المؤمن له تجاه الغير المضرور حتى يتحرك التزام المؤمن بالضمان، لأن مسئولية المؤمن هي مسئولية ناشئة عن تحقق مسئولية المؤمن له تجاه الغير المضرور، فإذا لم تتحقق مسئولية المؤمن له لا يقوم بالتالي التزام المؤمن بضمان المسئولية المؤمن ضدها، وهذا الشرط لا بد من تحققه في التأمين من المسئولية دون التأمينات الأخرى على اختلاف أنواعها فحق المؤمن له في تقاضي مبلغ التعويض يرتبط بانعقاد مسؤوليته المدنية الناشئة عن الحوادث التي يشملها عقد التأمين، فإذا طالب المضرور المؤمن له بالتعويض ولم يثبت مسئولية هذا الأخير عن وقوع الحادث فلا يكون هنالك أي التزام يقع على عاتق المؤمن له وبالتالي لا يتحرك التزام المؤمن بدفع مبلغ التعويض، لأن مدى قانونية المطالبة يرتبط في الواقع بثبوت المسئولية أو عدم ثبوتها، فالمطالبة التي لا تقوم على ثبوت المسئولية لا تنتج أي اثر قانوني .

المطلب الثاني
التأمين الاجباري من حوادث المركبات

نتناول بالبحث في هذا المطلب في فرعين مستقلين كل من تعريف عقد التأمين الاجباري من حوادث المركبات والتعويض المستحق بموجب عقد التأمين الاجباري من حوادث المركبات.
الفرع الأول
تعريف عقد التأمين الاجباري من حوادث المركبات

يعرف التأمين الاجباري من حوادث المركبات بأنه عقد يهدف إلى ضمان الاضرار التي تلحق بالغير من سيارة المؤمن له والتزام يقع على المؤمن بتغطية مسئولية مالك السيارة أو أي شخص وقع منه حادث السيارة متى ثبت خطؤه بأن يدفع للمضرور من الحادث تعويضاً عن الضرر الذي أصابه بدنيا متى تحققت مسئولية مرتكب الحادث .

وذهب الاتجاه الحديث في التشريع إلى أن عقد تأمين الالزامي للمركبات يلتزم بمقتضاه المؤمن بتعويض الأضرار اللاحقة بالمؤمن له من جراء انعقاد مسؤوليته عن حادث سير في مواجهة الغير وفي حدود معينة.

وهذا التعريف يتضمن بعض الأوجه والخصائص المهمة لهذا النوع من التأمين بأنه عقد تأمين من الأضرار وتحديدا عقود التأمين من المسئولية. كما أنه يضمن الأضرار اللاحقة بالغير أياً كان سواء أكان خارج المركبة أو داخلها، وبقطع النظر عن الصلة التي تربطه بالسائق المتسبب أي سواء كان من أقربائه أم من تابعيه، أم غيرهم. كما ان التعويض الذي يلتزم به شركة التأمين نتيجة تحقق الحادث يتحدد بحدود معينة حيث لا تتحمل من التعويض إلا ما يدخل ضمن الحدود التي وضعها المشرع.
ومن أهم خصائص عقد التأمين من المسئولية المدنية عن حوادث المركبات، أنه عقد اجباري ، لذا نرى إطلاق المشرع هذا المصطلح في المرسوم بقانون رقم (3) لسنة 1987 في شأن التأمين الإجباري على المسئولية المدنية الناشئة عن حوادث المركبات والسبب في إطلاق المشرع الاجبارية على التشريع المذكور يتجلى في فرض هذا التأمين على أصحاب المركبات.

إن الحكمة من جعل التأمين على المركبات إجبارياً يرجع بالدرجة الأساس لضمان حصول المضرور من حوادث السير على قدر من التعويض في اقرب وقت، فقد يكون المضرور شخصا متمتعا بالصحة الجيدة ويعتمد على نفسه في قضاء الحاجة وكسب قوت الرزق، ويترتب على الحادث الحاق الأذى به أو عجزه في القيام بشؤونه وقد يزداد معناته فيما لو كان رجوعه على المتسبب بالحادث دون جدوى لضعف قدرة الأخير المالية على التعويض الكلي وحتى الجزئي، فهنا يبرز دور شركة التأمين التي تعتبر شخصا متمتعا بالملاءة المالية، وهي من تقوم بسداد مبلغ التعويض الى المضرور. كما وقد يكون لهذا التأمين دوراً في سد احتياجات رب الأسرة الذي تعرض للحادث وكان معيلهم الوحيد. بل أن الحادث قد يؤدي الى اصابات بليغة ولا يتمكن المضرور من الحصول على التعويض من متسبب الحادث الا ان رجوعه الى المؤمن أي شركة التأمين بالتعويض قد يكفل له الحصول على المبالغ الكافية من أجل المعالجة.

كما أن للتأمين الاجباري مصالح لصاحب المركبة، لأن الضرر ناشئ عن مركبة تعود ملكيته إليه، وفيه يوصف السائق مرتكب الضرر حيث يتم إعفائهما حتى لو كانا منفردين في أداء التعويض فبموجب عقد التأمين الاجباري تقوم شركة التأمين بدفع مبالغ التعويض عنهما، وهذا ما يؤدي الى عدم إثقال كاهلهما.

الفرع الثاني
التعويض المستحق بموجب عقد التأمين الاجباري من حوادث المركبات

تلتزم شركة التأمين باعتبارها مؤمنا بتعويض الغير المضرور عن أي مبالغ يكون المؤمن مسؤولاً عن دفعها كتعويض عن الضرر، إذ يعد في حكم المؤمن له أيضا أي شخص مخول من المؤمن له بقيادة المركبة، ومع ذلك فان مسئولية شركة التأمين في التعويض تحدد وفق أسس معينة في القانون .

ومن أجل حماية المضرور من أي تحايل فانه لا يوجد أي مانع يحول دون قيام المضرور بمطالبة شركة التأمين مباشرة، على هذا نص المشرع في المادة 6 على أنه “إذا أدى التعويض عن طريق تسوية ودية بين المؤمن له والمضرور دون الحصول على موافقة المؤمن فلا تكون التسوية حجة قبله”.
إن مبلغ التأمين الذي تلتزم به شركة التأمين وفقا لعقود التأمين الأخرى يتحدد خصوصا في التأمين على الأشخاص استنادا على اتفاق الطرفين وبالنظر الى رغبات وقدرات المؤمن له المالية، أما في التأمين من الأضرار فيتحدد بناء على عومل من أهمها مقدار الضرر الواقع وقيمة الشيء والمبلغ المؤمن به فقد يوضع لهذا المبلغ حد أقصى ومن الممكن تركه بصفة مطلقة.

وتتحقق مسئولية السائق الموجبة للضمان ومن ثم التغطية التأمينية سواء قامت نتيجة فعل مباشر أو كانت بالتسبب وسواء كانت مسئولية عن فعله الشخصي أو كانت مسئولية عن الأشياء وتتأتى هذه النتيجة من خلال المفهوم الموسع للحادث المشمول بالتغطية التأمينية الذي تبناه قانون التأمين الاجباري حيث بينت المادة الثانية من القانون نطاق التغطية التأمينية بأنه ((يجب أن تغطى وثيقة التأمين المنصوص عليها في المادة السابقة المسئولية المدنية الناشئة عن الأضرار الجسمانية والمادية من حوادث المركبات إذا وقعت في البحرين.

ومع مراعاة أحكام المادة (12) من هذا القانون يقصد بتغطية المسئولية المدنية الناشئة عن حوادث المركبات التزام المؤمن بقيمة ما يحكم به من تعويض ويشمل ذلك التعويض عن وفاة أي شخص أو عن أي إصابة جسمانية تلحق أي شخص من حادث للمركبة المؤمن عليها وكذلك الأضرار المادية عن هذا الحادث)).

ويلاحظ أن النص يجعل من الحادث الضار مؤسساً للمسئولية المدنية، فالحادث الناجم عن المركبة يفترض التحرك الإيجابي للمركبة لأداء معين بتسييرها على الطريق، وهذا الفعل المباشر قد يكون متحققا في حالات الصدم والدهس، أو المسئولية بالتسبب، كأن يركن السائق مركبته في عرض الطريق ليلا من دون وضع إشارات تحذيرية ويؤدي إلى اصطدام الغير به.

ويلاحظ في التشريعات المقارنة توسعاً في نطاق تغطية التأمين الاجباري بحيث لا يقتصر التعويض للأضرار التي تلحق بالغير، وذلك من خلال مد التعويض ليشمل ما يصيب السائق من إصابات جسدية أو خسائر فقد قضى نظام التأمين الالزامي الأردني بشمول السائق بالتأمين ببسط التغطية العامة عليه، إذ نصت المادة الثانية على اعتبار السائق مشمولا بالتغطية التأمينية شأنه شأن أي مصاب أخر وقد بين المشرع في المادة 3 أيضاً شمول السائق للتغطية التأمينية من أي أصابات تلحقه إلا ان المشرع قد استثنى في المادة 10 من التغطية الخسائر التي تلحق المركبة المتسببة بالحادث وكذلك استثنى كل الحالات التي يمكن للمؤمن الرجوع على المؤمن له أو السائق ففي هذه الحالات ترجع شركة التأمين على المؤمن له والسائق فيما يخص ما تدفعه لباقي المستفيدين من هذا التأمين .
المبحث الثاني
موقف المحكمة الدستورية من الاستثناءات الواردة على التأمين الاجباري
على المسئولية المدنية الناشئة عن حوادث المركبات

بينا في المبحث الأول مفهوم التأمين من المسئولية والتأمين الاجباري عن حوادث المركبات، وأشرنا إلى أن بعض التشريعات تضع استثناءات على التأمين الاجباري فتخرج فئات من المضرورين من نطاق التغطية التأمينية لأسباب متعددة.

إن هذا الموضوع قد عرض على المحكمة الدستورية في مملكة البحرين) ( عندما تم إحالة الفقرة 2 من المادة 2 من المرسوم بقانون رقم 3 لسنة 1987 إلى المحكمة الدستورية. وسنبين في هذا المبحث موقف المحكمة الدستورية من هذا الأمر في ضوء القواعد العامة للمسئولية المدنية والتأمين الاجباري على المسئولية المدنية الناشئة عن حوادث المركبات بالتفصيل.

المطلب الأول
وقائع القضية

أقام المدعي دعوى أمام المحكمة المدنية الكبرى مختصماً شركة التأمين (المدعى عليها) طالباً الحكم بإلزامها بتأدية مبلغ مقداره خمسون ألف دينار تعويضاً ما لحق به من أضرار مادية وأدبية، بسبب إصابته في حادث مروري من سيارة مؤمن عليها لدى المدعى عليها، وأدين سائقها بحكم جنائي بات، فحكمت المحكمة الكبرى المدنية بإلزام المدعى عليها أن تؤدي مبلغ مقداره عشرة آلاف دينار تعويضاً عن الأضرار المادية والأدبية التي لحقت به جراء الحادث.

ولم يلق هذا الحكم قبولاً لدى الطرفين فطعن عليه المدعي أمام محكمة الاستئناف العليا المدنية طالباً بزيارة التعويض على أساس أن المبلغ قليل ولا يجبر الضرر الذي لحق به، كما طعنت الشركة المدعى عليها طالبة إلغاء الحكم وإصدار حكم برفض الدعوى استناداً إلى أن وثيقة التأمين لا تغطي الحادث، لخضوعه للاستثناء المنصوص عليه في الفقرة (2) من المادة (2) من المرسوم بقانون رقم (3) لسنة 1987 في شأن التأمين الاجباري والمعدل بالمرسوم بقانون رقم (7) لسنة 1996، والتي تنص على استثناء مالك المركبة وزوجه وأولاده القُصر من التغطية التأمينية إذا كان يسيخدم سائقاً خاصاً للمركبة وكان السائق هو المتسبب في الحادث، إذ أن السيارة أداة الحادث مسجلة لدى إدارة المرور باسم والد المدعي وأن مرتكب الحادث هو أخو المدعي والذي يأخذ حكم السائق الخاص( ) وأن المضرور كان قاصراً وقت الحادث، مما يعني أنه مستثنى من التغطية التأمينية، لذا يستوجب إلغاء الحكم المستأنف لصدوره بالمخالفة لأحكام القانون.

المطلب الثاني
إجراءات تحريك الإحالة القضائية رقم (2/ 1/ 2013)

بين المرسوم بقانون رقم 27 لسنة 2002 والخاص بإنشاء المحكمة الدستورية، أن من بين الجهات التي يحق لها تحريك الرقابة على دستورية القوانين محكم الموضوع وذلك استناداً لنص المدة 18 / الفقرة ب( )، أن منح محكمة الموضوع يؤكد على رغبة المشرع الدستوري في منح القضاء العادي دوراً في حماية مبدأ سمو الدستور، وأن لا يفرض على القضاء تطبيق نصوص ترد عليها شبهة المخالفة للدستور، وهذا الحق ممنوح لجميع المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها( ).
ويشترط لتطبيق هذا الحق توافر شروط هي( ):
1. أن تكون هناك دعوى مرفوعة أمام المحكمة، فلا يجوز للقضاء أن يحرك الرقابة على دستورية القوانين دون أن تكون هناك دعوى مرفوعة أمامه.
2. أن يكون النص المشكوك في دستوريته لازم للفصل في النزاع المنظور أمام المحكمة، فلا يحق للمحكمة أن تحيل أي نص آخر إلى المحكمة الدستورية، وإنما حقها مقيد بإحالة النص الذي ستستند عليه في إصدارها في النزاع المعروض أمامها.
3. أن تتم هذه الإحالة القضائية من قبل قاضي محكمة الموضوع من تلقاء نفسه ودون أي طلب من أطراف الدعوى، فهذا الحق مقرر لقاضي محكمة الموضوع مباشرة بناءاً على قناعته الشخصية وليس بناءاً على دفع أو طلب من أطراف الدعوى.
4. أن تتم الإحالة إلى المحكمة الدستورية دون دفع أي رسم كما هو مقرر إذ ما تم تحريك الرقابة من قبل أطراف الدعوى.
إن محكمة الاستئناف العليا المدنية وأثناء نظرها الدعوى بين المدعي والمدعى عليها شركة التأمين، وجدت بأن الفقرة (2) من المادة (2) من المرسوم بقانون رقم 3 للسنة 1987 بخصوص التأمين الاجباري عن المسئولية المدنية الناشئة عن حوادث المركبات فيما تضمنه من استثناء زوج مالك المركبة وأولاده القُصر، إذا كان يستخدم سائقاً خاصاً وكان السائق هو المتسبب في الحادث بأنه استثناء غير دستوري، على أساس أن هذا الاستثناء يقيم تمييزاً بين فئتين من المضرورين في حوادث المركبات الفئة الأولى هي الزوج مالك المركبة وأولاده القُصر إذا كان يستخدم سائقاً خاصاً، وكان السائق هو المتسبب في الحادث، والفئة الثانية هي باقي المضرورين بأن أختص الفئة الأخيرة بمعاملة تأمينية متميزة تتمثل في بسط التغطية التأمينية عليهم، في حين حرم الفئة الأولى منها، رغم أن الفئتين في مركز قانوني واحد، إذ أن الجميع هم مضرورين من الحادث، ولا يد لهم في وقوعه، وهذا يعد خرقاً للمساوات الذي نص عليه الدستور البحريني في المادة (4)( ) والمادة (18)( ).

وهنا لابد من الإشارة إلى الإحالة من قبل قاضي محكمة الموضوع إلى المحكمة الدستورية يجب أن تتضمن بشكل واضح محدد النص المشكوك بعدم دستوريته، ولذا فإن المحكمة لا يمكن أن تصل إلى تحديد النص القانوني الواجب التطبيق على النزاع منذ بدء سير الخصومة، وإنما يتم ذلك بعد عرض الوقائع، وتقديم ردود الأطراف ومذكراتهم ودفاعهم ودفوعهم، وتكييفهم للدعوى، إلى أن تصل إلى المرحلة الأخيرة، وهو تكييف محكمة الموضوع للدعوى ومن ثم تحديد النص القانوني الواجب التطبيق( ).

إن محكمة الاستئناف العليا المدنية قد استقرت على أن الفقرة (2) من المادة (2) من المرسوم بقانون رقم 3 لسنة 1987 هي الفقرة الواجبة التطبيق على هذا النزاع، وأن محكمة الموضوع تشك في دستورية هذه الفقرة على أساس أنها تخالف نص المادة (4) والمادة (18) من الدستور. ولذا فقد قامت المحكمة بإحالة الأمر إلى المحكمة الدستورية للفصل في مدى دستورية هذه الفقرة.

المطلب الثالث
موقف المحكمة الدستورية
بحثت المحكمة الدستورية الإحالة من قبل محكمة الموضوع، ووجدت بأن الفقرة (2)( ) من المادة (2) من المرسوم بقانون رقم (7) لسنة 1996 هو النص الواجب التطبيق على النزاع المنظور أمام محكمة الموضوع، وأن إحالة محكمة الموضوع كانت لهذا النص كونه النص الذي سيتم الاستناد اليه في إصدار الحكم.

ان المحكمة الدستورية كانت قد عرفت في احكام سابقة مبدأ المساواة، اذ اشارت المحكمة الدستورية البحرينية الى مفهوم مبدأ المساواة في احد احكامها والتي جاء فيه إلى أن “مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون الذي نص عليه الدستور في المادتين (4) و (18) منه، لا يعني أن تعامل فئاتهم على ما بينها من تفاوت في مراكزها القانونية معاملة قانونية متكافئة، كما لا يقوم هذا المبدأ على معارضة صور التمييز جميعها، ذلك أنّ من بينها ما يستند إلى أسس موضوعية، ولا ينطوي بالتالي على مخالفة لنص المادتين السالف ذكرهما. بما مؤداه أن التمييز المنهي عنه بموجبهما هو ذلك الذي يكون تحكمياً، ذلك أن كل تنظيم تشريعي لا يعتبر مقصوداً لذاته، بل لتحقيق أغراض بعينها يعتبر هذا التنظيم ملبياً لها. وتعكس مشروعية هذه الأغراض إطاراً للمصلحة العامة التي يسعى المشرع لبلوغها، متخذاً من القواعد القانونية التي يقوم عليها هذا التنظيم سبيلاً إليها” .
واستنادا لذلك فقد وجدت المحكمة ان نص الفقرة 2 من المادة 2 تتضمن اخلال بمبدأ المساواة، حيث إن مبدأ المساواة أمام القانون – على ما جرى به قضاء هذه المحكمة – يستهدف حماية حقوق المواطنين وحرياتهم، في مواجهة صور التمييز، التي تنال منها، أو تقيد ممارستها، وهو بذلك يعد وسيلة لتقرير الحماية القانونية المتكافئة، التي لا يقتصر تطبيقها على الحقوق والحريات العامة المنصوص عليها في الدستور، بل ينسحب مجال إعمالها إلى الحقوق التي يقررها القانون العادي، ويكون مصدراً لها، ومن ثم فلا يجوز للقانون أن يقيم تمييزاً، غير مبرر، تتنافر فيه المراكز القانونية، التي تتماثل عناصرها.
واكدت المحكمة الدستورية ان النص المطعون عليه، فيما تضمنه من استثناء مالك المركبة وزوجه وأولاده القصّر من التغطية التأمينية، إذا كان يستخدم سائقاً خاصاً، وكان السائق هو المتسبب في الحادث، قد مايز بين فئتين من المضرورين في حوادث المركبات، الأولى مالك المركبة وزوجه وأولاده القُصر، والثانية هي باقي المضرورين، إذ اختص الفئة الثانية بمعاملة تأمينية متميزة، تتمثل في شمول في شمول مظلة التأمين لهؤلاء، في حين حجب عن الفئة الأولى هذه الميزة، حال أن جميع المضرورين في مركز قانوني متماثل، فهم جميعاً ينطبق عليهم وصف المضرورين، ويتحدون في عدم مسئوليتهم عن وقوع الحادث، كما يتحدون في أن أضراراً قد لحقت بهم من جرائه، وكان يلزم ضماناً للتكافؤ في الحقوق بين هاتين الفئتين، أن تنتظمها قاعدة موحدة لا تقيم في مجال تطبيقها تمييزاً بين المتخاطبين بها، وإذ أقام النص المطعون عليه -في النطاق المحدد سلفاً- هذا التمييز التحكمي بين هاتين الفئتين، فإنه يكون مناقضاً لمبداً المساوات المنصوص عليه في المادتين الرابعة والثامنة عشرة من الدستور، ليضحى الحكم بعدم دستوريته متعيناً. فالمقصود من مبدأ المساواة هو عدم التمييز بين أفراد الطائفة الواحدة إذا تماثلت مراكزهم القانونية ، وهذا الامر اكد علي القضاء الدستوري في مصر اذ جاء في احد احكامها “أن مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون لا يعنى أن تعامل فئاتهم على ما بينها من تفاوت في مراكزها القانونية معاملة قانونية متكافئة وأنه كلما كان القانون مغايراً بين أوضاع أو مراكز أو أشخاص لا تتحد واقعاً فيما بينها، وكان تقديره في ذلك قائماً على أسس موضوعية، مستلهماً أهدافاً مشروعة، فإن ما تضمنه القانون من تمييز يكون مبرراً ولا ينال من شرعيته الدستورية” .
إن الإخلال بمبدأ المساواة أمام القانون يتحقق بأي عمل يهدر الحماية القانونية المتكافئة، سواء اتخذته الدولة من خلال سلطتها التشريعية أو عن طريق سلطتها التنفيذية، بما مؤداه أن أياً من هاتين السلطتين لا يجوز أن تفرض مغايرة في المعاملة ما لم يكن ذلك مبررا بفروق منطقية يمكن ربطها عقلا بالأغراض التي يتوخاها العمل التشريعي الصادر عنها. ان المحكمة الدستورية قد وجدت بان الفقرة 2 من المادة 2 تهدر الحماية القانونية المتكافئة، وتفرض معاملة مغايرة بين فئتين من المضرورين دون ان يكون ذلك مبررا قانونيا او منطقيا.
اضافة الى ان هذه الاستثناءات تتناقض مع فكرة التأمين من المسئولية المدنية، ففكرة التأمين من المسئولية تقوم على وجود شخص ما يخشى أن يكون مسؤولاً عما يصيب الغير من ضرر فيقوم بإبرام عقد تأمين والذي بموجبه يتم نقل تبعة التعويض ذلك الضرر إلى المؤمن، بحيث يؤمن نفسه من رجوع الغير عليه بالمسئولية، فالهدف الأساس من اللجوء للتأمين من المسئولية المدنية هو تعويض المؤمن له عما يلحق بذمته المالية من ضرر او خسارة نتيجة رجوع المتضرر عليه بسبب ثبوت مسؤوليته المدنية. وهذه المسئولية تثبت سواء كان المضرور قريب له او لم يكن قريبا له، لان عودة المضرورة بالمطالبة بالتعويض تكون قائمة للجميع. فاستثناء فئة من المضرورين من التغطية التأمينية تتنافى مع فكرة التأمين من المسئولية.

علما ان المحكمة الدستورية سبق ان تعرضت لذات النص (ولكن من وجه آخر) في حكم سابق وحكمت بعدم دستورية الفقرة الثانية من المادة الثانية من المرسوم بقانون رقم 3 لسنة 1987 المعدل بالمرسوم بقانون رقم 7 لسنة 1996 في الجزء الخاص باستثناء المتسبب في الحادث وزوجه وأولاده القصر من الحق في التعويض عن الوفاة او الاصابة الجسمانية التي تلحق بهم، وذلك لان النص قد مايز بين فئتين من المضرورين في حوادث المركبات احدهما زوج المتسبب في الحادث واولاده القصر، وفئة باقي المضرورين بان اختص الفئة الاخيرة بمعاملة تأمينية متميزة تتمثل في شمولهم بمظلة التأمين لهولاء وحجبها عن الفئة الأولى علما ان جميع المضرورين بمركز قانوني متماثل فهم جميعا مضرورين، وجميعهم ليسوا طرفا في عقد ألتأمين وجميعهم يتحدون في كونهم غير مسئولين عن وقوع الحادث، كما يتحدون في ان اضرارا قد لحقت بهم من جراء الحادث، لذا فان المحكمة قد وجدت ان النص قد اقام تمييزا تحكميا بين هاتين الفئتين. ان الفرق بين الحكمين ان الحكم موضوع البحث قد حكم بعدم دستورية استثناء مالك المركبة وزوجه وأولاده القصر من الحق في التعويض عن الوفاة او الاصابة الجسمانية التي تلحق بهم اذا كان يستخدم سائقا خاصا للمركبة وكان السائق هو المتسبب في الحادث، في حين ان الحكم الاخر ( الذي صدر في 2009) قد حكمت المحكمة بعدم دستورية استثناء زوج المتسبب في الحادث وأولاده القصر من الحق في التعويض عن الوفاة او الاصابة الجسمانية التي تلحق بهم. والواقع ان كل من الحكمين قد استندوا لذات الاسباب وهو ان الاستثناءات الواردة في الفقرة الثانية من المادة 2 من المرسوم بقانون رقم 3 قد مايزت بين فئتين من المضرورين، رغم ان الجميع بمراكز قانونية متماثلة كما وضحنا سابقا.

الخاتمة

توصلنا بالبحث إلى جملة من الاستنتاجات التي يمكن إيراها على الوجه الأتي:

1- يعتبر التأمين من المسئولية أحد أقسام التأمين من الأضرار هو والتأمين على الأشياء، والذي يختلف عن تأمين الحوادث أو ما يسمى تأمين الإصابات الجسدية.

2- لا يجوز للمؤمن له أن يتقاضى مبلغًا يفوق مقدار ما لحقه من ضرر وإلا تحول التأمين إلى وسيلة لإثراء المؤمن له بلا سبب يجعله في مركز أفضل مما كان عليه قبل تحقق الخطر.

3- إن الحكمة من جعل التأمين على المركبات إجبارياً يرجع بالدرجة الأساس لضمان حصول المضرور من حوادث السير على قدر من التعويض في اقرب وقت، فقد يكون المضرور شخصا متمتعا بالصحة الجيدة ويعتمد على نفسه في قضاء الحاجة وكسب قوت الرزق، ويترتب على الحادث الحاق الأذى به أو عجزه في القيام بشؤونه وقد يزداد معناته فيما لو كان رجوعه على المتسبب بالحادث دون جدوى لضعف قدرة الأخير المالية على التعويض الكلي وحتى الجزئي.

4- ذهب المشرع البحريني الى ان الحادث الناجم عن المركبة يفترض التحرك الإيجابي للمركبة لأداء معين بتسييرها على الطريق، وهذا الفعل المباشر قد يكون متحققا في حالات الصدم والدهس، أو المسئولية بالتسبب، كأن يركن السائق مركبته في عرض الطريق ليلا من دون وضع إشارات تحذيرية ويؤدي إلى اصطدام الغير به.

5- يلاحظ في التشريعات المقارنة توسعاً في نطاق تغطية التأمين الاجباري بحيث لا يقتصر التعويض للأضرار التي تلحق بالغير، وذلك من خلال مد التعويض ليشمل ما يصيب السائق من إصابات جسدية أو خسائر فقد قضى نظام التأمين الالزامي الأردني بشمول السائق بالتأمين ببسط التغطية العامة عليه.

6- ان المحكمة الدستورية كانت قد عرفت مبدأ المساواة، إلى أنه “مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون الذي نص عليه الدستور في المادتين (4) و (18) منه، لا يعني أن تعامل فئاتهم على ما بينها من تفاوت في مراكزها القانونية معاملة قانونية متكافئة.

7- أن محكمة الاستئناف العليا المدنية وأثناء نظرها الدعوى بين المدعي والمدعى عليها شركة التأمين، وجدت بأن الفقرة (2) من المادة (2) من المرسوم بقانون رقم 3 للسنة 1987 بخصوص التأمين الاجباري عن المسئولية المدنية الناشئة عن حوادث المركبات فيما تضمنه من استثناء زوج مالك المركبة وأولاده القُصر، إذا كان يستخدم سائقاً خاصاً وكان السائق هو المتسبب في الحادث بأنه استثناء غير دستوري، على أساس أن هذا الاستثناء يقيم تمييزاً بين فئتين من المضرورين في حوادث المركبات الفئة الأولى هي الزوج مالك المركبة وأولاده القُصر إذا كان يستخدم سائقاً خاصاً، وكان السائق هو المتسبب في الحادث، والفئة الثانية هي باقي المضرورين بأن أختص الفئة الأخيرة بمعاملة تأمينية متميزة تتمثل في بسط التغطية التأمينية عليهم، في حين حرم الفئة الأولى منها، رغم أن الفئتين في مركز قانوني واحد، إذ أن الجميع هم مضرورين من الحادث، ولا يد لهم في وقوعه.

8- الاستثناءات الواردة في القانون البحريني بخصوص زوج مالك المركبة وأولاده القُصر تتناقض مع فكرة التأمين من المسئولية المدنية، ففكرة التأمين من المسئولية تقوم على وجود شخص ما يخشى أن يكون مسؤولاً عما يصيب الغير من ضرر فيقوم بإبرام عقد تأمين والذي بموجبه يتم نقل تبعة التعويض ذلك الضرر إلى المؤمن، بحيث يؤمن نفسه من رجوع الغير عليه بالمسئولية، فالهدف الأساس من اللجوء للتأمين من المسئولية المدنية هو تعويض المؤمن له عما يلحق بذمته المالية من ضرر او خسارة نتيجة رجوع المتضرر عليه بسبب ثبوت مسؤوليته المدنية.
9- ان المحكمة الدستورية سبق ان تعرضت لذات النص (ولكن من وجه آخر) في حكم سابق وحكمت بعدم دستورية الفقرة الثانية من المادة الثانية من المرسوم بقانون رقم 3 لسنة 1987 المعدل بالمرسوم بقانون رقم 7 لسنة 1996 في الجزء الخاص باستثناء المتسبب في الحادث وزوجه وأولاده القصر من الحق في التعويض عن الوفاة او الاصابة الجسمانية التي تلحق بهم، وذلك لان النص قد مايز بين فئتين من المضرورين في حوادث المركبات احدهما زوج المتسبب في الحادث واولاده القصر، وفئة باقي المضرورين بان اختص الفئة الاخيرة بمعاملة تأمينية متميزة تتمثل في شمولهم بمظلة التأمين لهؤلاء وحجبها عن الفئة الأولى علما ان جميع المضرورين بمركز قانوني متماثل فهم جميعا مضرورين، وجميعهم ليسوا طرفا في عقد التأمين.

المصادر
• جابر محجوب علي، رجوع المؤمن على المؤمن له وعلى الغير المسئول فى التأمين الإجبارى من المسئولية عن حوادث المركبات، مجلة كلية الحقوق للبحوث القانونية والاقتصادية، ع 1، جامعة الإسكندرية – كلية الحقوق، 2016
• محمد أحمد البديرات، رجوع المؤمن على المؤمن له بما أداه من تعويض إلى المتضرر دراسة في نظام التأمين الإلزامي الأردني، مجلة مؤتة للدراسات والبحوث، سلسلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، ج 23 , ع 2، جامعة مؤتة، 2008.
• غازي خالد أبو عرابي، مدى تغطية التأمين الإجباري للأضرار الجسدية الناشئة عن حوادث السيارات في القانونين الأردني والاماراتي دراسة مقارنة بالفقه الإسلامي، مجلة الشريعة والقانون، جامعة الامارات العربية المتحدة، العدد 36، 2008.
• ياسين البكري، الصفة التعويضية في عقد التأمين، مجلة القانون المغربي، ع 30، مارس 2016، المغرب.
• مالك حمد أبو نصير، محمد خير” محمود العدوان*، الخطأ العمدي للمؤمن له كسبب لإعفاء المؤمن من مسؤوليته في القانوني الأردني- دراسة مقارنة، المجلة الأردنية في القانون والعلوم السياسية، المجلد 4 العدد 1 صفر 1411 ه/ كانون الثاني 2112 م، جامعة مؤتة.
• سامي عبدالله الدريعي، مدى استفادة الغير المأذون له بالقيادة من التأمين الاجباري من المسئولية المدنية الناتجة عن حوادث المركبات الآلية : دراسة تحليلية وتأصيلية للقانونيين الكويتي والفرنسي، مجلة الحقوق، جامعة الكويت، مج 33 , ع 3، الويت، سبتمبر 2009.
• “بهاء الدين” مسعود سعيد خويرة، الآثار المترتبة على عقد التأمين من المسئولية المدنية – دراسة مقارنة، أطروحة قدمت استكمالا لمتطلبات درجة الماجستير في برنامج القانون الخاص بكلية الدراسات العليا في جامعة النجاح الوطنية في نابلس. فلسطين، 2008.
• هيثم حامد المصاروة، ذاتية عقد التأمين الإلزامي على المركبات، )دراسة قانونية مقارنة بالفقه الإسلامي(، مجلة الأمن والقانون.
• سمية بولحية، النظام القانوني لعقد التأمين على المركبات في التشريع الجزائري، مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماجستير، جامعة العربي بن مهيدي –أم البواقي، 2010-2011.
• اسيد حسن أحمد الذنيبات، باسل محمود النوايسة، دراسات، علوم الشريعة والقانون، المجلد 42 ، العدد 1، 2015، الجامعة الأردنية، عمان.
• سالم الكواري، المحكمة الدستورية في مملكة البحرين، الطبعة الأولى، 2004، 185- 186.
• د. مرون المدرس ود. محمد المشهداني، القانون الدستوري البحريني مع مقدمة في النظرية العامة للدستور، مطبعة جامعة البحرين، الطبعة 1، 2009.