الائتمان الإيجاري العقاري على ضوء القانون 103.12 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها والقانون 31.08 القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك

28

الائتمان الإيجاري العقاري

على ضوء القانون 103.12  المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها

والقانون 31.08  القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك

 

                د. عبدالكريم   ككاس                                                           باحث في القانون                                        

أستاذ زائر بالقطب الجامعي أيت ملول                                                            

تقديم:

الائتمان الإيجاري، عملية ائتمانية  ووسيلة حديثة نحتاج إليها من أجل التمويل، تختص وتقوم بها شركات مالية متخصصة، عن طريق عقود ينصب موضوعها على إحدى العمليات المنصوص عليها في المادة الرابعة من قانون 103.12 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبر في حكمها وهي كالتالي:

 “عمليات إيجار المنقولات التي تمكن المستأجر، كيفما كان تكييف تلك العمليات، من أن يتملك في تاريخ يحدده مع المالك كل أو بعض المنقولات المستأجرة، مقابل ثمن متفق عليه يراعى في تحديده على الأقل جزئيا المبالغ المدفوعة على سبيل الإيجار.

 – العمليات التي تقوم بموجبها منشأة بإيجار عقارات تكون قد اشترتها أو بنتها لحسابها، إذا كان من شأن هذه العمليات، كيفما كان تكييفها، أن تمكن المستأجر من أن يصبح مالكا لكل أو بعض الممتلكات المستأجرة عند انتهاء عقد الإيجار كأقصى أجل.

 عمليات إيجار الأصول التجارية أو أحد عناصرها المعنوية التي تمكن المستأجر، كيفما كان تكييف تلك العمليات، من أن يتملك الأصل التجاري أو  مقابل ثمن متفق عليه يراعى أحد عناصره المعنوية في تاريخ يحدده مع المالك، في تحديد جزء منه على الأقل المبالغ المدفوعة على سبيل الإيجار، باستثناء كل عملية إيجار تفضي إلى تفويت الأصل التجاري المذكور أو أحد عناصره للمالك الأصلي.

ويعتبر قانون المالية لسنة 1992 أول من أطر الجوانب المالية لعقد الائتمان الإيجاري، حيث أخضعه للقواعد الضريبية، كما أن القانون البنكي الصادر بتاريخ 06 يوليوز 1993، كان أول نص تشريعي عرف الائتمان الإيجاري من خلال الفصل 3 منه، مع الإشارة إلى أن هذا القانون وقع تعديله بموجب قانون 34.03 في 14 فبراير2006، ومن بعده بمقتضى قانون 103.12.

ويأتي تنظيم هذا العقد، ومعه باقي العقود التجارية المنصوص عليها في مدونة التجارة، بعد توقيع المغرب على معاهدة روما، التي ألزمت الدول الموقعة عليها بتوحيد تشريعاتها التجارية، وهو ما جعل بلادنا تنتقل من منطق طلب المساعدة إلى منطق الشراكة القائمة على الحقوق والواجبات.

وعقد الائتمان الإيجاري يتشابه مع بعض العقود الأخرى كعقد الإيجار المفضي إلى تملك العقار، ذلك أن نقطة التشابه  بينهما هي في انتهائها جميعا إلى البيع عند نهاية المدة، حيث يتحول المستفيد إلزاما إلى مالك.

الجدير بالذكر أن عقد الائتمان الإيجاري العقاري الذي هو موضوع دراستنا، لا تطبق عليه مقتضيات القانون رقم 67.12 المتعلق بتنظيم العلاقات الكرائية التعاقدية بين المكري والمكتري للمحلات المعدة للسكنى، أو للاستعمال المهني.  وكذا مقتضيات القانون رقم 49.16  المتعلق بكراء العقارات أو المحلات المخصصة للاستعمال التجاري، أو الصناعي، أو الحرفي، ومقتضيات القانون رقم 07.03 المتعلق بكيفية مراجعة أثمان المحلات المعدة للسكنى أو الاستعمال المهني، أو التجاري، أو الصناعي، أو الحرفي (المادة 434 من م.ت).

وهو ما يطرح السؤال حول الطبيعة القانونية التكوينية لعقد الائتمان الإيجاري العقاري، ومراحل إبرامه؟ وما هي أحكامه والشروط التي قد يتضمنها مرورا بعلاقة أطرافه، وصولا إلى كيفية انقضائه؟

 

المحور الأول:
تكوين عقد الائتمان الإيجاري العقاري وشهره

 

نص المشرع المغربي في المادة الثالثة من القانون المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها على ما يلي: ” تعتبر عمليات الائتمان كل تصرف بعوض يقوم بمقتضاه شخص من الأشخاص: …بعمليات الإيجار التي يكون فيها للمستأجر حق شراء العين المؤجرة إن أراد ذلك خصوصا عمليات الائتمان الإيجاري سواء تعلق الأمر بمنقولات أو عقارات. ”

 

 

وقد بينت المادة 8 من القانون ما تشمله عمليات الائتمان الإيجاري المشار إليه في المادة الثالثة أعلاه والتي منها :

“…العمليات التي تقوم بموجبها منشأة من المنشآت بإيجار عقارات معدة لغرض مهني تكون قد اشترتها أو بنتها لحسابها إذا كان من شأن هذه العمليات كيفما كان تكييفها أن تمكن المستأجرين من أن يصيروا ملاكا لكل أو بعض السلع المستأجرة عند انصرام أجل عقد الإيجار على أبعد تقدير”.

من هنا يتضح أن عقد الائتمان الإيجار العقاري لابد له من أطرف تلتقي إرادتها في عقد واحد بإيجاب وقبول، وأن ينصب العقد على عقار مبني أو غير مبني، وفي جميع الأحوال فالملكية لا تنتقل للمستفيد إلا بعد نهاية مدة العقد وأداء كامل الأقساط، مع احتفاظ مؤسسة التمويل طيلة هذه المدة بملكية العقار إلى حين تحويلها للمستفيد مالم تطرأ ظروف قد تؤثر عليه وعلى علاقة الأطراف فيه.

الفقرة الأولى: تكوين عقد الائتمان الإيجاري

عقد الائتمان الإيجاري كأي عقد اخر لابد عند إبرامه من تلاقي إيجاب وقبول طرفيه، ويتمثل الإيجاب في الطلب المقدم من طرف العميل الى مؤسسة الائتمان الإيجاري التي اختارها، في حين لا يأتي قبول المؤسسة الممولة إلا بعد القيام ببعض الإجراءات المتمثلة في دراسة الملف، وما يشتمل عليه من بيانات ومستندات، ويبقى قبولها معلقا الى حين التأكد من قدرة صاحب الطلب على تحمل الأعباء المالية المشترطة، وفي حالة ما تم قبولها تقدم على شراء العقار.

وإذا كان العقار محل الائتمان الإيجاري غير مبني يتدخل مقاول البناء. وتدخله رهين بتملك الأرض من طرف مؤسسة الائتمان الإيجاري، حيث لا يبدأ سريان العقد إلا بعد القيام بالإجراءات الإدارية المتمثلة في الحصول على رخصة البناء.

وفي الغالب تقوم مؤسسة الائتمان الإيجاري العقاري بإعداد نماذج للعقود يكتفي المكتري بالتوقيع عليها. هذا بالإضافة الى تكوين ملف يحتوي على المستندات المطلوبة من طرفها، والمتمثلة في هوية الأطراف وتبيان معلوماتهم بكيفية جد  دقيقة، سواء أكان المستفيد شخصا طبيعيا أو معنويا، وفي الحالة الأخيرة تحديد شكل الشركة ورأسمالها، ورقم قيدها بالسجل التجاري وتاريخ تأسيسها وطبيعة النشاط الممارس من طرفها، والبنك الذي اختير للتعامل معها، مع تعيين رقم الحساب  والإدلاء بما يثبت ميزانيتها السنوية وأعبائها الضريبية، والقروض التي حصلت عليها مع بيان الأعباء المالية الناشئة عنها والضمانات التي تمنحها للمقرضين، الى جانب تحديد المعلومات التي تهم المال المراد تمويله تعينا دقيقا، كذكر الرسم العقاري الخاص به، وفي حال اقتناء المستفيد لأرض من اجل بناء عقار عليها، يتعين عليه ذكر اسم المهندس المعماري الذي سيتكلف بالمشروع. وانطلاقا من هذه المعلومات تتمكن مؤسسات الائتمان الإيجاري من الوقوف على مدى نجاح المشروع وكذا مدى تحمل المكتري للأعباء المالية التي ستلقى على عاتقه.  وبتوافر هذه المعلومات بين يدي مؤسسة الائتمان الإيجاري يتبين لهذه الأخيرة حجم المخاطر المرتبطة بتنفيذ العقد.

كما لا يغيب عن مؤسسة التمويل في هذه الدراسة، الوضع المتعلق بتسويق المال عند استرداده ،سواء كان ذلك تنجية فسخ العقد بمجرد التوقف عن إداء الأقساط، أو عند عدم ممارسة خيار التملك من جانب المكتري، ولهذا فهي تحرص على قيمته الحقيقية لتسويقه إذا ما تصرفت فيه بعد ذلك.

وقياسا على ما سبق يمكن تقسيم مراحل تكوين عقد الائتمان الإيجاري من خلال ما يلي:

  • المرحلة الأولى: وهي التي يتصل فيها طالب الائتمان العقاري بمالك العقار الذي يرغب في اقتنائه، بحيث يتفق معه على أجل التسليم والثمن، إذ يتفاوض وكأنه سيشتري العقار من ماله الخاص ولفائدته مع أن الذي سيتملك ما ذكر هي مؤسسة الائتمان الإيجاري.[1]

ومن هنا أطلق على هذه المرحلة أنها مجرد وعد بالبيع من جانب واحد هو مالك العقار، وهذا الوعد في صالح أي شخص سيعينه الراغب في الحصول على الائتمان.

  • المرحلة الثانية: تهم العقد حيث يتواصل طالب الائتمان بالمؤسسة التي اختار التعامل معها، بحيث يعرض عليها العقار المراد اقتناؤه، مشفوعا بملف يتضمن معلومات تنصب:

أولا:  معلومات تتعلق بالعقار المراد اقتناؤه والمزايا التي يمكن الحصول عليها منه، مع تحديد موقعه ومساحته، ومرجعه العقاري، وفي غالب الأحيان يمد الطالب مؤسسة التمويل بنسخة من الشهادة العقارية، حتى تتمكن من إجراء اطلاع على الرسم العقاري بالمحافظة العقارية مباشرة، مخافة أن يكون مثقلا برهون أو تكاليف عقارية.

ثانيا: معلومات حول شخص طالب الائتمان، وتتحدد حول مؤهلاته المالية، مراجعه البنكية، تصميم التمويل والحسابات الواجب عليه تقديمها عن السنوات الثلاثة الأخيرة لميزانيته.

وقد تقوم مؤسسة الائتمان الإيجاري ببحث خاص للتأكد من مدى جدية وجدوى العملية المطلوبة، ونسجل أنه في حالة رفض الملف فالمستفيد لا يسأل في مواجهة البائع وليست عليه أي مسؤولية، أما إن حضي طلبه بالموافقة، يوقع الأطراف على العقد بعد اطلاع كل منهما على الشروط المضمنة به، والتي هي في الغالب كما سبق القول لفائدة مؤسسة الائتمان الإيجاري، ما دامت هي من تحضر العقد.

ولم تشر مدونة التجارة الى نوع الشروط التي يتعين إدراجها في العقد، وإنما أوجبت فقط تحت طائلة البطلان التنصيص على الشروط التي يمكن فيها فسخ العقد أو تجديده بطلب من المتعاقد المكتري، الى جانب تضمينها كيفية التسوية الودية للنزاعات الممكن حدوثها بين المتعاقدين (المادة 433 من م.ت). ولعل إرادة المشرع اتجهت من خلال هذا المقتضى الى منح  الأطراف هامش أكبر من الحرية في صياغة الشروط التي يرونها ضرورية لضمان التزاماتهم في إطار القانون ودون مخالفة للنظام العام.

و من أهم الشروط التي تدرج بهذه العقود:

–  تعهد مؤسسة التمويل بشراء العقار الذي يحتاجه طالب التمويل بالثمن الذي وقع الاتفاق عليه مع الممول.

–  تشترط مؤسسة التمويل على المستأجر، بأن يتعهد بأداء أقساط الكراء خلال مدة العقد ومع دفعات حسب الاتفاق، وإذا توقف عن الأداء أعلم بذلك بالوسائل القانونية المقررة بهذا الشأن، وفي حالة عدم الاستجابة يفسخ العقد بقوة القانون استنادا الى الفصل 260 من قانون الالتزامات والعقود الذي ينص على أنه: ” إذا اتفق الطرفان على أن العقد يفسخ عند عدم وفاء أحدهما بالتزاماته وقع الفسخ بقوة القانون، بمجرد عدم الوفاء“.   وبما أن هذا الشرط يجيزه نص قانوني صريح هو الفصل 230 من ق.ل.ع، فإن المستأجر يفقد صفته لحيازة العقار موضوع العقد.

–  تخول للمستأجر الخيارات الثلاثة: شراء العقار – تجديد عقد الكراء – استرجاع العقار.

المرحلة الثالثة: وهي مرحلة التنفيذ حيث تقوم مؤسسة التمويل المتعاقدة بتوجيه طلبها إلى البائع أو مقاول البناء مبدية رغبتها في الشراء، وتحدد فيه الشركة أن المستفيد هو من سيتسلم العقار موضوع الائتمان، وعند تمام الاتفاق يتسلم البائع الثمن، ويتسلم المستفيد العقار ويبقى ملتزما بأداء أقساط الكراء المتفق عليها.[2]

لابد أن نشير، الى أن الشروط المدرجة في عقود الائتمان، دائما ما تفيد بكيفية صريحة الى اختصاص رئيس المحكمة الابتدائية بوصفه قاضيا للمستعجلات بالنظر في الصعوبات المتعلقة بالتنفيذ، وله أن يأمر بإرجاع العقار وفسخ العقد بقوة القانون عند التوقف عن الأداء استنادا للفصل 158 ق.م.م الذي ينص في فقرته الثانية على ما يلي:…إذا ظهر لرئيس المحكمة أن الدين ثابت ومستحق الأداء، إما جزئيا أو كليا، أصدر أمرا بقبول الطلب قاضيا على المدين بأداء أصل الدين والمصاريف والفوائد عند الاقتضاء”. كما أكدت المادة 435 من مدونة التجارة على نفس المقتضى من خلال التنصيص على أنه: ” في حالة عدم تنفيذ المكتري لالتزاماته  التعاقدية المتعلقة بأداء المستحقات الناجمة عن الائتمان الإيجاري الواجب الأداء، فإن رئيس المحكمة مختص بصفته قاضيا للمستعجلات للأمر بإرجاع العقار بعد معاينة واقعة عدم الأداء.

لا يلجأ الى المسطرة موضوع الفقرة الأولى إلا بعد استنفاذ كل الوسائل الودية المشار إليها في المادة 433 لإنهاء النزاع”.

وقياسا على ما نصت عليه الفقرة الأخيرة من المادة أعلاه، أوجب القانون 103.12 المتعلق بمؤسسات الائتمان الإيجاري والهيئات المعتبرة في حكمها من خلال المادة 158 في فقرتها الأولى، على مؤسسات الائتمان أن تنظم الى نظام وساطة بنكية تهدف الى تسوية ودية للنزاعات القائمة بينها وبين عملائها. كما أجازت  المادة 159 ، لكل متضرر من جراء عدم تقيد إحدى مؤسسات الائتمان بالنصوص القانونية المنظمة لعملياتها، أن يقدم طلبا بذلك الى بنك المغرب الذي يتخد في شأنها ما يراه مناسبا، وذلك بعد اطلاعه على جميع الوثائق والمعلومات التي يعتبرها ضرورية لبحث الطلب.

يمكن القول أن القانون 103.12 وإن وجد لضبط عمليات مؤسسات الائتمان باعتبارها مؤثر أساسي في  النظام المالي للدولة، إلا أنه لم يغفل في المقابل وضع  اليات تمكن الزبون عند تعامله مع مؤسسات الائتمان من المطالبة بحقوقه إن تم المساس بها.

كما أن هذه الحماية لا تتوقف عند حدود المقتضيات المشار إليها أعلاه، بل إن الأحكام المضمنة من خلال القانون رقم 31.08 القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك، تمنح هي الأخرى حماية قوية للزبون، حيث خولت المادة 33 من المرسوم التطبيقي لقانون 31.08، (منشور بالجريدة الرسمية عدد 6192 بتاريخ 26 ذو القعدة 1434/ 3 أكتوبر 2013، ص 6384) لكل من السلطة الحكومية المكلفة بالتجارة والسلطة الحكومية المكلفة بالمالية، بعد أخد رأي والي بنك المغرب تحديد:

–  مميزات ورقة الاعتراض على التعديلات المقترحة من طرف المقرض عند تجديد العقد وكذا البيانات التي يجب أن تتضمنها هذه الورقة.

–  النماذج التي يتم وفقها إعداد العرض المسبق الضروري لعمليات القرض.

– السعر الأقصى لفوائد التأخير الذي يجب على المقترض دفعه في حالة توقفه عن الأداء.

  طريقة حساب القيمة المحينة للأكرية غير الحال أجلها.

–  مبلغ قيمة المصاريف المتعلقة بدراسة الملف التي يجوز للمقرض أن يقتطعها أو يطالب بها المقترض عند عدم إبرام العقد.

–  مبلغ التعويض عن الفوائد التي يحق للمقرض المطالبة بها في حالة التسديد المبكر”.

واستنادا الى مقتضيات قانون 31.08 دائما، يتولى بنك المغرب الاشراف على احترام مؤسسات الائتمان لأحكام هذا النص القانوني من خلال السلطات الممنوحة لمديرية الإشراف البنكي، فتتأكد من وجود اليات ناجعة تمكن من إخبار الزبون باعتباره مستهلكا ، بكل المعلومات الكافية والضرورية عن الخدمة التي يقوم بشرائها. كما يتأكد بنك المغرب، من احترام مؤسسات الائتمان لكل الأحكام الواجب مراعاتها عند منح القرض، من ذلك الاشهار والعرض المسبق للقرض واجال التراجع…، أو ما يتعلق بالأحكام الواجب احترامها أثناء تحويل العرض المسبق للقرض الى عقد لمنح القرض. وما يتعلق بإبرام العقد وسريان القرض، من ذلك الحصول على نسخة من العقد موقعة من قبل مؤسسة الائتمان وعلى جدول الاستهلاك…، أو ما يتعلق بفسخه قبل الأجل المحدد له سلفا، أو التسديد المبكر للقرض حيث من أهم ما يطلبه الزبون في هذه المرحلة هي وثيقة رفع اليد.1

الفقرة الثانية: شهر عمليات الائتمان الإيجاري العقاري

إن ملكية العقار في مادة الائتمان قد لا يعرف لمن تعود، ولهذا يبقى الوضع الظاهر هو المعول عليه، وهو وضع له سلبياته على عملية الائتمان الإيجاري العقاري، لذا أوجد مشرع مدونة التجارة الية الشهر، وإن كان هذا المصطلح لا ينسجم مع القوانين المغربية التي تستعمل دائما كلمة التسجيلات.

ويعتبر كل حق عيني متعلق بعقار محفظ موجود وغير ثابت، ولا يمكن الاحتجاج به، إلا من تاريخ تسجيله بالرسم العقاري، وهو أمر أكد عليه مشرع التحفيظ العقاري من خلال الفصلين 66 و67 منه.

كما أن الفصل 65 نص على ضرورة تسجيل الحقوق الخاضعة للتسجيل بالسجل العقاري، والتي من بينها الأعمال والاتفاقات الناشئة بين الأحياء مجانية كانت أو بعوض، وعقد الائتمان الإيجاري واحد من بينها لكونه يبقى غير نافذ في مواجهة الغير، دون المساس بالحقوق العينية المقررة لمؤسسة الائتمان.

وتأكيدا للفصول أعلاه أخضعت مدونة التجارة من خلال المادتين  441 و 442 عمليات الائتمان للشهر، لتفادي الاثار السلبية التي قد تنجم عن الوضع الظاهر لعملية الائتمان الإيجاري العقاري، حيث يمكن الأغيار من التعرف على العقد ومواجهتهم به. والواضح أن المادتين تتحدثان عن شهر عقد الكراء وكل تعديل يلحق به لوحده، دون عقد البيع أو التفويت الذي فوت به العقار بداية من المالك أو المقاول لمؤسسة الائتمان، وكأن الأمر بالنسبة لشهر هذا العقد أمر مسلم به. لكن واقعيا نجد أن غالبية عقود الائتمان الإيجاري لا يتم تسجيلها بالسجل العقاري، ويكتفى فيه بالتسجيل لدى إدارة التسجيل مقابل واجب ثابت محدد في  1000.00 درهم، وهو ما  تنص عليه المادة 135 من المدونة الجديدة للضرائب:

” تخضع للتسجيل مقابل الواجب الثابت المحدد في 1000.00 درهم :

  • …..
  • عقود مؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها التي بواسطتها تقوم هذه المؤسسات بوضع عقارات أو أصول تجارية رهن إشارة زبائنها في إطار عمليات الائتمان الإيجاري”.

وفي تحديد واحتساب قيمة الضريبة الواجبة على عقود الائتمان الإيجاري، يأخذ بعين الاعتبار القيمة المتبقية للعقارات أو الحقوق العينية المذكورة كما هي ناتجة عن العقد.

هذا ولم تحدد المادة 441 من مدونة التجارة الجهة الملزمة بالشهر بالنسبة لعقود الائتمان الإيجاري العقاري، وفي نظرنا تبقى الجهة الملزمة بالشهر مؤسسة الائتمان انطلاقا من تملكها للعقار المكري، قياسا على الفقرة الثانية من المادة 436 التي أخضعت عمليات الائتمان الإيجاري للتسجيل، إن تعلق الأمر بمنقول، بناء على طلب مؤسسة الائتمان، في سجل مفتوح لهذه الغاية بكتابة الضبط التي تمسك السجل التجاري وكذلك الشأن بالنسبة للتعديلات.

فالملاحظ أن انعدام القيام بالشهر يجعل أحكام عقد الائتمان الإيجاري العقاري غير نافذة في مواجهة الغير بمنطوق المادة 442 من مدونة التجارة: “لا يواجه الأغيار بالعقد إن لم يتم شهره.”

وعدم القيام بعملية الشهر لعقود الائتمان في نظرنا فيه العديد من السلبيات، ذلك أن المستفيد من عقد الكراء لا يظهر اسمه بالسجل العقاري، وأنه في حال تعرض مؤسسة التمويل لأي صعوبة مالية أو في التسيير عموما، وانعكاس ذلك على نشاطها العام، قد تصبح في حال توقف عن الدفع، ويؤدي بها ذلك إلى صعوبات المقاولة، وإن كان وضعها مستفحلا إلى تصفيتها القضائية، وفي هذه الحالة تضيع حقوق المستفيد المكتري للعقار لعدم تسجيل وشهر عقده بالسجل العقاري.

يبقى أن نشير إلى أن الفصل 441 من مدونة التجارة يعتبر استثناء من قانون 14.07 حسب الأستاذ محمد خيري، والذي لا يسمح إلا بتسجيل الحقوق العينية الأصلية والتبعية العقارية ، وأنه حصر جزاء عدم صريان العقد بالنسبة للأغيار لعلة عدم التسجيل فقط دون المتعاقدين، ومن هنا صار لازما إدراج عقد الائتمان الإيجاري ضمن مقتضيات الفصل 65 من قانون 14.07.

 

المحور الثاني

 انقضاء عقد الائتمان الإيجاري العقاري

يعتبر عقد الائتمان الإيجاري من العقود المستمرة التي تمتد اثارها وتتجدد مع الزمن، لذلك يكون انتهاءه، إما بانتهاء المدة المتفق عليها، وإما أن يتضمن العقد شروطا فاسخة يتم إعمالها بدون قيد أو شرط ودون أية مطالبة قضائية كالتوقف عن أداء أقساط الأجرة، كما يمكن إيراد شروط جزائية.

الفقرة الأولى: انقضاء عقد الائتمان الإيجاري العقاري بانتهاء مدته.

انتهاء عقد الائتمان الإيجاري بانتهاء المدة المتفق عليها، يرتب اثارا تتمثل في قيام المستأجر باستعمال الخيارات المتاحة له، والتي يتم تضمينها في  صلب العقد وهي إما:

– شراء المستأجر للعقار المؤجر.

– إعادة إرجاع العقار المؤجر.

– إعادة تأجير العقار المؤجر لفترة ثانية.

فبالنسبة للاختيار الأول فإنه لا يتم بطريقة تلقائية، ولكن ينبغي على المستأجر إذا ما أراد شراء العقار، أن يفصح عن رغبته في الشراء وذلك بموجب رسالة مضمونة مع الاشعار بالتوصل، وتؤدى القيمة المتبقية ويراعى في تقديرها جدول الاستهلاكات المحددة في عقد الائتمان الإيجاري[3].

أما في الحالة التي لا يعبر فيها المستأجر عن رغبته في الشراء عند نهاية مدة العقد، وعند عدم استجابته للإنذار الموجه إليه من قبل مؤسسة الائتمان الإيجاري، فإنه يكون ملزما بإرجاع العقار إلى هذه الأخيرة. وتطرح هذه الحالة عدة إشكالات حول تاريخ أو أجل الإرجاع، ووضعية الشيء، والطرف المتحمل لصوائر هذه العملية:

الأجل:  يمكن أن يتضمن العقد هذه الجزئيات، فإذا نظمها فإن القاعدة تقضي أن العقد شريعة المتعاقدين. أما في الحالة التي لا يتضمنها العقد فإنه يجب أن يتصل ذلك خلال أجل قصير جدا.

المتحمل لصوائر العملية: المكتري هو الملزم بأداء صوائر هذا الإرجاع باعتباره هذه العملية تتميما لتسليم الشيء لمؤسسة الائتمان الإيجاري .

الوضعية: إذا كان إنهاء العقد يقتضي إرجاع الطرفين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد، فإنه يقتضي أيضا إرجاع الشيء في وضع صالح للاستعمال دون أن يضر ذلك مصالح أي المتعاقدين. ويظهر هنا أن مؤسسة الائتمان الإيجاري هي المتأثرة بهذه الوضعية، فهي المتضررة من حالة إرجاع العقار المعيب، والمستفيدة إذا أرجع في حالة أحسن مما كان عليه. أما المستعمل المكتري فهو الذي يتحمل صوائر الضرر .

الفقرة الثانية: الانقضاء قبل انقضاء المدة

يعتبر عقد الائتمان الإيجاري من العقود الملزمة للجانبين، ويترتب عن ذلك أنه في حالة إخلال أحد الأطراف بالالتزامات الملقاة على عاتقه، أمكن للطرف الاخر المطالبة بفسخ العقد حتى يتحلل هو الاخر من التزامه.

وفسخ عقد الائتمان الإيجاري يمكن أن يكون من طرف مؤسسة الائتمان الإيجاري، كما يمكن أن يكون من طرف المستأجر.

فبالنسبة لمؤسسة الائتمان الإيجاري، فإنها لا تتردد في غياب تنظيم للعلاقة الرابطة بين الأطراف في تضمين عقودها النموذجية بمجموعة من الشروط، تحافظ من خلالها على مصالحها، عن طريق الشرط الجزائي وكذا الشرط الفاسخ.

فالشرط الفاسخ ،يمكن أن يضمن في العقود النموذجية بمجموعة من الشروط التي تعدها مؤسسات الائتمان الإيجاري كجزاء عن إخلال المستأجر بالتزامه المتمثل  في أداء أقساط الكراء، وذلك دون قيد أو شرط  ودون اللجوء الى طرق باب القضاء.  إلا أن ذلك لا يتم بصورة تلقائية أي بمجرد توقف المستأجر عن الدفع، وإنما ينبغي على المؤسسة توجيه إنذار الى المستأجر بواسطة رسالة مضمونة مع الاشعار بالتوصل، وتحدد له المدة التي ينبغي عليه القيام بتسوية وضعيته، وهي في الغالب 8 أيام من تاريخ التوصل، وبالتالي إذا انصرمت المدة دون قيام المستأجر بتسوية وضعيته فإن العقد يفسخ بقوة القانون.

كذلك يمكن لمؤسسة الائتمان الإيجاري، اللجوء الى السيد رئيس المحكمة التجارية بصفته قاضيا للمستعجلات لمعاينة إخلال المستفيد بالتزاماته قصد الأمر بإرجاع العقار، إلا أنه لا يمكن اللجوء إلى هذه المسطرة إلا بعد استنفاذ كل  الطرق  الودية التي أشرنا إليها سابقا.

وإذا كان إعمال الشرط الفاسخ لا يطرح إشكالا من حيث تطبيقه في الظروف العادية، فإنه يتميز بخصوصيات في الحالة التي يكون فيها المستفيد خاضعا لإحدى مساطر صعوبات المقاولة، إذ أنه في هذه الحالة يخضع الشرط الفاسخ للمقتضيات القانونية المنظمة للعقود الجارية.

وبالرجوع الى مدونة التجارة، نجد أن المشرع المغربي أعطى للسنديك الصلاحية لتحديد موقفه من العقود الجارية، إما بالاستمرار في تنفيذها أو عدم الاستمرار، وهو ما أشارت إليه المادة 588 من مدونة التجارة بقولها: ” بإمكان السنديك وحده أن يطالب بتنفيذ العقود الجارية بتقديم الخدمة المتعاقد بشأنها للطرف المتعاقد مع المقاولة، ويفسخ العقد بقوة القانون بعد توجيه إنذار الى السنديك يظل دون جواب لمدة تفوق شهرا….”

وهكذا إذا قرر السنديك الاستمرار في تنفيذ العقود الجارية فإن مؤسسة الائتمان الإيجاري تكون ملزمة بالرضوخ الى قرار السنديك، وبالتالي فإن العقد لا يفسخ بمجرد التوقف عن الدفع.

إلى جانب ذلك يمكن لمؤسسات الائتمان أن تدرج في عقودها النموذجية شرطا جزائيا، تضمن به حقوقها في الحالة التي يمتنع فيها المستأجر عن تنفيذ العقد أو يتأخر في ذلك، كالتعويض عن الأضرار التي تصيبها من جراء ذلك دون ترك أمر تحديد ذلك لسلطة القضاء، وقد كانت تستغل مؤسسات الائتمان الإيجاري غياب نص قانوني يعطي للقضاء سلطة التدخل لتعديل قيمة الشرط الجزائي إذا كان مبالغا فيه، لتفرض شروطا جزائية تضر بالمستأجر الذي يجد نفسه عاجزا عن مواجهتها.

أما اليوم فإن الشرط الجزائي يخضع للرقابة القضائية من خلال الفقرة الثالثة من المادة 264 ق.ل.ع التي تنص على أنه: “يمكن للمحكمة تخفيض التعويض المتفق عليه إذا كان مبالغا فيها، أو الرفع من قيمته إذا كان زهيدا، ولها أيضا أن تخفض من التعويض المتفق عليه بنسبة النفع الذي عاد على الدائن من جراء التنفيذ الجزئي “.

كذلك يمكن للمستأجر أن يطلب فسخ العقد سواء عن طريق اللجوء الى القضاء، أو بناء على الشرط الفاسخ المضمن بعقد الائتمان الإيجاري، أي أن الفسخ إما أن يكون اتفاقيا أو قضائيا.

فبخصوص الفسخ الاتفاقي فإنه بالرجوع الى المادة 433 من مدونة التجارة، نجدها تخول للمستأجر إمكانية فسخ العقد بإرادته المنفردة، إلا أن هذا الحق وإن كان يبدو في ظاهره ميزة يتمتع بها المكتري، إلا أنه يخفي ورائه العديد من الإكراهات والضغوط التي تقيد إرادة المكتري وتجعله عاجزا عن التفكير في الفسخ مخافة الوقوع في حرج عدم القدرة على الاستجابة لمطالب مؤسسات الائتمان، لذلك فهو عقد أشبه ما يكون بعقد صوري، إلا أنه مع ذلك ينبغي على المستأجر في حالة فسخ العقد بصورة انفرادية أن يقوم بأداء تعويض لمؤسسة الائتمان الإيجاري نتيجة الضرر الذي يصيبها من جراء ذلك.

وتجدر الاشارة، الى أنه يمكن للمستأجر حين يعبر عن رغبته في فسخ العقد قبل انصرام مدته ، أن يقدم الى مؤسسة الائتمان الإيجاري مشتر جديد أو مستأجر جديد للعقار يلتزم بدفع الأقساط المتبقية الى حين تمام البيع بعد موافقة مؤسسة الائتمان.

إضافة الى ذلك يمكن للمستأجر اللجوء الى القضاء لاستصدار حكم بفسخ العقد الذي يربطه بمؤسسة الائتمان الإيجاري إذا ما أخلت بالتزاماته التعاقدية مع المطالبة بالتعويض. إلا أنه مع ذلك نجد بأن مؤسسات الائتمان الإيجاري تتملص من المسؤولية تاركة دعوى الرجوع بالضمان تقع على عاتق البائع، مع العلم أن هذا الأخير كان أجنبيا عن العقد الذي أبرمته مؤسسة الائتمان الإيجاري مع المكتري.

 

ختاما، يمكن القول أن موضوع الائتمان الإيجاري العقاري يبقى من المواضيع التي يكتنفها بعض اللبس والغموض لتداخله مع العديد من الأنظمة والعقود. لكن يبقى بالرغم من ذلك أحد الوسائل التي تحمل بين طياتها مجموعة من الامتيازات الضريبية التي يسهل معها تملك العقار، كما أنه يغني عن اللجوء الى القروض بما تتضمنه من فوائد مرتفعة، خاصة وأن المشرع في قانون 103.12 وسع من نطاق العقارات التي يمكن أن تكون محلا للائتمان الإيجاري بعدما كانت مقصورة على العقارات ذات الطابع المهني.

 

 

 

 

 

[1]– محمد الكشبور، مجلة المحامون، عقد الائتمان الإيجاري عدد 98 ص 176.

[2]– بوشعيب الإبراهيمي، الائتمان الإيجاري، تقرير دبلوم الدراسات العليا المعمقة ( قانون الأعمال ) السنة الجامعية 1998-1999.

[3]– محمد أمال، الائتمان الإيجاري العقاري، دبلوم الدراسات العليا، جامعة الحسن الثاني الدار البيضاء، سنة 2006-2008 ص 80.