الإستراتيجية التركية في الشرق الأوسط في ضوء التحولات الإقليمية

74

 

الإستراتيجية التركية في الشرق الأوسط

في ضوء التحولات الإقليمية

صقر الدروع

باحث دكتوراه في القانون الدولي العام و العلوم السياسية

كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية سلا

جامعه محمد الخامس -الرباط

المقدمة:

لم تخف تركيا قط أهدافها في أن يكون لها دور قيادي متميز في منطقة الشرق الأوسط ، وهو هدف انتقل من زمن الخلافة العثمانية إلى تركيا الأتاتوركية العلمانية وتركيا الأطلسية ذات العضوية في منظمة المؤتمر الإسلامي .

امتدت اهتمامات تركيا الإستراتيجية إلى دوائر إقليمية ثلاث فرضها عليها الموقع الجغرافي ، الدائرة الأوروبية ، الدائرة العربية بامتدادها الإسلامي ، والدائرة الأسيوية الوسطى ، تمثل تلك الدوائر الثلاث فضاءات لحركة تركيا الإقليمية ونموها الدولي وقدرتها العسكرية ، والسياسية والاقتصادية ولرغبتها في أداء دور مربع الأبعاد أوروبيا ، وشرق أوسيطا ، وإسلاميا ، وعربيا.

وعلى أثر المتغيرات الدولية والإقليمية لاسيما انتهاء الحرب البادرة وزوال الخطر الشيوعي وتدمير القوة العسكرية العراقية وإخضاع الصراع العربي الإسرائيلي لعملية السلام وزوال حركة القومية العربية ، اطمأنت تركيا إلى أن الأرض ممهدة للالتفات إلى الدائرة العربية التي تمثل ميدانا للمصالح والمنافع الاقتصادية والمالية والاستشارية والتجارية .

لقد شهدت السنوات الأخيرة تزايد الاهتمام التركي بمنطقة الشق الأوسط وقضاياه لاسيما منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا في نوفمبر عام 2002 وتأكيد قيادات حزب العدالة والتنمية على تبنيهم إستراتيجية جديدة لسياسة تركيا الخارجية وعلاقاتها الإقليمية والدولية ، باعتبارها دولة مركزية في الدوائر المختلفة التي تنتمي إليها وبخاصة في الدائرة الشرق أوسطية ، سواء فيما يتعلق بالقضية العراقية أو الصراع العربي – الإسرائيلي بمساراته المتعددة أو تطورات أزمة البرنامج النووي الإيراني وأخير دورها وموقفها من ثورات الربيع العربي الذي كان الحدث الأبرز لنشاط وبروز هذا الدور الجديد لتركيا في المنطقة الإقليمية .

 

إشكالية الدراسة :

الاشكالية الرئيسية التي تناولتها الدراسة . تتمثل في كونها تعالج قضية دولة تحولت بفعل سياستها الجديدة من دولة ( هامشية ) إلى دولة ( مركز) و تحاول هذه الدولة الخروج من مطرقة الثنائيات التي لازمتها منذ التشكيل ( الغرب والشرق ) ,( الإسلام والعلمانية ) ,(الشمال والجنوب) ,( آسيا وأوروبا) .

هذه الثنائيات جميعا انعكست على الدور التركي ، محدداته وفواعله وطبيعته وقدرته ، هذا الدور الذي جعل منها دولة متحركة بقوة ولكن سياسات وأدوار هذه الدولة محكوم بجدلية المبدأ والمصلحة والقدرة.

وستطرح الدراسة فرضية مركزية تقول بأن ( الدولة ) تحرص في كل ممارساتها على تحقيق أكبر قدر ممكن من القوة وعلى صيانة مصالحها القومية والمحافظة على أمنها القومي ، لذلك فإنها تعمل على توجيه سياستها الخارجية نحو الوصول إلى أهداف تضمن لها هذه المصالح ، وتحقق لها هذا الأمن.

لقد سعت الدراسة إلى تناول الإستراتيجية التركية الحديثة في الشرق الأوسط خلال الفترة الممتدة منذ عام 2002 لغاية 2014 وهي محاولة موضوعية تحاول وضع المعلومات في سياقها الصحيح والعلمي وبالتالي الخروج بنتائج تميل إلى الحيادية.

وسنحاول في مقالنا هذا تقسيم الدراسة إلى ما يلي :

أولاً : مقومات وإمكانات الإستراتيجية التركية الحديثة .

ثانياً: دوافع ومبررات التوجهات التركية الجديدة.

ثالثا : أسس ومبادئ السياسة الخارجية التركية الجديدة .

رابعاً : ملامح الإستراتيجية التركية الحديثة .

خامساً : التجسيدات العملية للإستراتيجية التركية الحديثة .

سادساً : خلاصة وتقييم الإستراتيجية .

 

أولاً : مقومات وإمكانات الاستراتيجية التركية الحديثة.

منذ إعلان الجمهورية التركية ومقومات القوة التركية في تبدل و نمو ومنذ سبع وعشرين سنة ومقومات القوة التركية لم تتغير بصورة كبيرة إلا أن أولوياتها قد تبدلت إذ تقدم مكون على الآخر ومن ذلك الموقع الاستراتيجي ( بين الشرق والغرب ) والبلقان والقوقاز والإسلام والمسيحية والبحرين الأبيض والأسود والإرث الحضاري ، وموقع الثقل في التوازنات الدولية حتى انتهاء الحرب الباردة والقوة العسكرية الضاربة ، والاقتصاد المتنامي ( السادس عشر في العالم ) والسياحة الهائلة وهوامش الديمقراطية ( النيابية والبلدية ) والعلمانية في مجتمع متعدد دينيا ومذهبيا ( مع غلبة الدين الإسلامي ) والقضاء إلى حد كبير على الفساد [1].

 

أما حديثا وفي فترة حزب العدالة والتنمية ومنذ عام 2002 فقد شهدت تركيا تحولا كبيرا ليس داخليا فقط ولكن على مستوى السياسة الخارجية في ظل استثمار عوامل القوة التي ذكرنا وكان المحور الأساسي قائما حول سؤال هام طرحته القيادة التركية على نفسها وهو كيفية المحافظة على عوامل القوة المستقاة من التحالفات الدولية والإقليمية ، مع نسج علاقات إيجابية جديدة مع من كانوا يصنفون أعداء الأمس ، وقد قامت المعادلة الجديدة على قراءة سياسية وعسكرية لتوازنات القوة ، فرضت دخولا في عمق المجال الحيوي لتركيا على الصعيد الجغرافي والحضاري والتاريخي ، فضلا عن الحسابات الاقتصادية المشروعة وفضلا عن الالتفات التركي الجاد نحو صيانة الأمن القومي .

ويمكن تحديد أهم مكونات القوة والقدرة التركيا بما يلي:

 

  • المكون البشري والجغرافي.

تركيا دولة ضخمة بشريا حيث يبلغ عدد السكان قرابة (75) مليون نسمة وتبلغ مساحتها الجغرافية حوالي 779452كم2 إضافة إلى احتلالها موقعا جيواستراتيجي هام في العالم حيث أنها تشكل جسر بين الشرق والغرب وتسيطر على أهم المنافذ والمضائق البحرية[2].

 

 

  • مكون النظام الديمقراطي .

تركيا محكومة بنظام علماني ديمقراطي شكل دعامة قوية للأمن القومي وحل مشكلة تداول السلطة بالوسائل السلمية الأمر الذي دفع بالدولة نحو التقدم والتطور وأوصلها إلى قمة الديمقراطية والمتمثل بوصول حزب ذو جذور إسلامية لسدة الحكم.

 

  • مكون عضوية حلف الأطلسي.

مصدر مهم من مصادر القوة التركي هو عضويتها في حلف شمال الأطلسي وهذا يعني أن تركيا قد ربطت أمنها القومي بأمن العالم الغربي الأمر الذي منحها حصانة أمنية ضد أي حرب وخاصة مع دول الشرق الأوسط ، كما أن ذلك أعطى لتركيا فرصة بناء جيش كبير وقومي ومجهز بأحدث الأسلحة الغربية[3] .

 

  • مكون العلاقات التركية – الإسرائيلية.

بغض النظر عن تطور العلاقات التركية الإسرائيلية في الوقت الحالي وتفاقم خلافاتهم إلا أن الدولتان استطاعتا بناء مجموعة من التحالفات والاتفاقيات العسكرية والاستخبارية مكنت تركيا من الاستفادة من النفوذ الإسرائيلي في أمريكا وأوروبا إضافة إلى تعاون اقتصادي تجاري ساهم في الثورة الاقتصادية التركية الحالية[4] .

 

  • مكون الأغلبية الإسلامية.

من المعلوم أن أكثرية الشعب التركي من المسلمين وأن تركيا تملك أرثا تاريخيا هائلا من كونها آخر معاقل الخلافة الإسلامية وهذا كله أعطاها مصدر مهم للقوة في مجال استعادة نفوذها الشرقي من خلال ارثها الحضاري والإسلامي .

 

  • الإمكانات الاقتصادية والصناعية .

ساهم الموقع الجغرافي لتركيا من حيث التمركز بين ثلاث قارات وإطلالتها على أهم المعابر والمنافذ البحرية وعلى طرق التجارة العالمية وطرق إمدادات النفط والطاقة إضافة إلى تنوع المناخ وامتلاكها قدرات وثروات زراعية هائلة ساهم ذلك كله على تعزيز المكانة الاقتصادية لتركيا وزيادة إنتاجها القومي لتتبؤ المركز السادس عشر في اقتصاديات دول العالم .

 

ثانياً : دوافع ومبررات التوجهات التركية الحديثة .

حدثان بارزان شكلا ركائز اهتمام تركي واسع وعملي بمنطقة الشرق الأوسط وهما :

الحدث الأول : أحداث 11/سبتمبر عام 2001 .

الحدث الثاني : احتلال العراق عام 2003 وتدمير قدراته الاقتصادية والعسكرية.

 

أربك الحدث الأول العالم كله وفي القلب منه العالم الإسلامي الذي تحول إلى ساحة للعدوان على كل من يخالف السياسات الأمريكية تحت ذريعة محاربة (الإرهاب الإسلامي) ولم تكن تركيا كونها بلد إسلامي الأغلبية بمنأى عن تأثيرات الحرب على الإسلام والتي أنتجت حربين كبيرتين في أفغانستان والعراق .

أما الحدث الثاني فقد كان على تركيا الأخطر بما لا يقاس فاحتلال العراق خلق واقعا جديد في المنطقة غير مسبوق في منطقة الشرق الأوسط حيث أدى إلى تدمير دولة مركزية في الشرق الأوسط وإنشاء كيان كردي مستقل في شمال العراق وأدى كذلك إلى بداية تغلغل النفوذ الإيراني في المنطقة الأمر الذي حتم على تركيا بناء إستراتيجية جديدة تتوازى مع متطلبات المرحلة القادمة ومن هنا يمكن إيجاز أهم الدوافع والمبررات التركية للتحرك بفعالية بمنطقة الشرق الأوسط وهي : [5]

  • محاولة استرجاع الأهمية الجيوسياسية لتركيا خصوصا بعد تراجع هذه الأهمية بعد انتهاء الحرب الباردة وذلك من أجل الضغط على أوروبا لتتفهم الطبيعة الجغرافية والحضارية لتركيا ضمن السياسات الغربية المعلنة .
  • ترسيخ دورها الإقليمي كدولة قائد في المنطق وقيادة النظام الأمني سواء في الوجود العسكري المباشر أو من خلال اتفاقيات عسكرية أمنية تعقدها مع دول المنطقة.
  • إملاء الفراغ الاستراتيجي في المنطقة بعد انحسار وتراجع القومية العربية وتحييد القوة العراقية والمشاركة بفعالية في كافة السياسيات المختلفة مع دول المنطقة والعمل على منع تغلغل النفوذ الإيراني والحد منه.
  • أن الشرق الأوسط هو المجال الجغرافي الوحيد في الجوار التركي الذي يمكنها أن تلعب فيه دور إقليمي دون الاصطدام بقوى عالمية بالمقارنة بالقوقاز حيث النفوذ الروسي وفي البلقان حيث النفوذ الغربي الأوروبي .
  • المصالح الاقتصادية التركية في المنطقة حيث تشكل المنطقة العربية سوقا استهلاكية للصناعات التركية من جهة ومناطق إمدادات الطاقة اللازمة لتركيا من جهة أخرى[6].
  • فشل تركيا في حجز مقعد لها في دول الاتحاد الأوروبي جعلها تفكر جديا بتغيير استراتيجيها ومحاولة البحث عن أماكن نفوذ ومعالم جديدة ولتؤكد للأوروبيين أنها قادرة على التوجه شرقا واستعادة أمجاد الماضي .

 

ثالثاً : أسس ومبادئ السياسة الخارجية التركية الجديدة .

منذ وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة في تركيا والقادة الأتراك يعلنون في أكثر من مكان ولقاء عن أسس جديدة للسياسية الخارجية التركية تحقق وتؤدي إلى علاقات تركية خارجية جديدة مع دول المنطقة وأبرز هذه المبادئ ما يلي[7] .

  • التوفيق بين الحريات والأمن ففي وقت كان اللاعبون العالميون وفي مقدمتهم الولايات المتحدة يغلبون الاعتبارات الأمنية على ما عداها بعد 11/سبتمبر كانت تركيا البلد الوحيد الذي نجح في التقدم على صعيد الإصلاح السياسي من دون التفريط بالمتطلبات الأمنية ولهذا جعل منها نموذجا للبلاد أخرى.

 

  • إنزال المشكلات بين تركيا وجيرانها إلى نقطة الصفر حرصت تركيا ومنذ وصول حزب العدالة على سياسه صفر مشاكل مع الجيران وإخراج تركيا من صورة البلد المحاط بالمشكلات إلى بلد محاط بالأصدقاء.

 

  • أتباع سياسة خارجية متعددة الأبعاد والمسالك ففي الظروف الدولية الحالية المتحركة من غير الممكن إتباع سياسة ذات بعد واحد لذلك حرصت تركيا على عدم النظر إلى أي خيار على أنه بديل عن الأخر ولا التعاطي مع كل الخيارات في الوقت نفسه على أنه تناقض[8].
  • تطوير الأسلوب الدبلوماسي وإعادة تعريف دور تركيا في الساحة الدولية، حيث كان التعريف الشائع في المرحلة الماضية أن تركيا بلد جسر تصل بين طرفين في المرحلة الجديدة على تركيا ألا تكون جسرا بل هي بلد مركز.

 

  • الانتقال من السياسة الجامدة في الحركة الدبلوماسية إلى الحركة الدائمة والتواصل مع كل بلدان العالم المهمة لتركيا.

 

وإلى جانب هذه الأسس التي يحددها منظر السياسة التركية أحمد أوغلو فإن توفير الأدوات الضرورية لنجاحها يتطلب أيضا إعادة توجيه البوصلة الفكرية لموقع تركيا وجعلها منسجمة مع عمقها التاريخي والحضاري والثقافي المتمثل بالعالم الإسلامي ومنه العربي بعدما ابتعدت عنه منذ انهيار السلطة العثمانية وأصبحت جزءا تابعا للمنظومة العربية الإسرائيلية .

 

رابعاً: ملامح الإستراتيجية التركية الجديدة .

كثير من الدول فهم وأدرك عمق المتغيرات الدولية في فترة ما بعد الحرب الباردة والكثير من هذه الدول توصلت لقناعة أن ما كان يصلح قبل عقد من الزمن لم يعد صالحا لمواكبة التغير الجديد فأخذ البعض منها يرسم سياساته وتحديد استراتيجياته وفقا للواقع الجديد وبشكل يحمي المصالح الوطنية والقومية وتركيا من هذه الدول التي أدركت تغير قواعد الصراع والتعاون الدولي . [9]

 

ومن هنا نلاحظ أن المشهد السياسي الداخلي في تركيا وبعد أقل من عام على أحداث 11/سبتمبر والمتمثل بوصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة شكل انعكاسا واضحا للفهم السياسي الدقيق في تركيا وبداية التغير في توجهات وآراء الناخبين الأتراك الذي بطبيعة الحال سيؤدي إلى تغير في توجهات الحكومة التركية الخارجية.

 

وبمنهج الواقعية السياسية رسمت تركيا خطوات إستراتيجيتها الجديدة مع هذا العالم ابتداء من فنائها القريب وجوارها العربي الإسلامي وفق إستراتيجية جديدة يمكن حصر أبرز وأهم ملامحها بما يلي[10].

  • التوجه شرقاً.

بعد قرابة أكثر من نصف قرن فشلت تركيا في حجز مقعد لها في الاتحاد الأوروبي رغم دورها القوي في الحرب الباردة وضمن سياسة حلف الأطلسي إلا أن جميع طلباتها في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قوبلت بالرفض بشدة ولأسباب كثيرة ومتعددة.

وأمام هذا التعنت الأوروبي أدركت تركيا أن خلفيتها الإسلامية ستبقى تشكل عائقا أمام انضمامها لأوروبا المسيحية وبالتالي برزت مجموعة من المقاربات التي تحاول أن ترجع تركيا إلى حاضنتها الشرقية الإسلامية على اعتبار أن تركيا لها رصيد تاريخي في الشرق يمكن أن تستند إليه ويكون عامل ايجابي في تحسين علاقاتها مع دول الشرق العربية والإسلامية.

 

  • تغير الدور والموقف من الصراع العربي – الإسرائيلي .

كانت واقعة مؤتمر دافوس الشهيرة وأحداث سفينة مرمره التركية أكبر وضوح على تغير النظرة التركية من الصراع العربي – الإسرائيلي وقد أدركت تركيا وضمن استراتيجيها الجديدة أن أي دور يمكن أن تؤديه أو أي موقع متقدم يمكن أن تصل إليه في الشرق الأوسط لا بد أن يتم من خلال موقفها ونظرتها للصراع العربي الإسرائيلي .

وتوصلت تركيا لهذه الحقيقة منذ أن أقدمت لتستعيد دورها في الشرق الأوسط وأرادت منذ البداية أن يكون هذا الدور على مسافة متوازية نسبيا ما بين مقتضيات ( الشرعية) فيما يتعلق بقضية فلسطين وحق الشعب الفلسطيني وبين متطلبات ( المصالح) فيما يتعلق بالعلاقة مع إسرائيل والغرب ولقد نجحت الإستراتيجية التركية في تحقيق شرط التوازن نوعا ما ووقوفها مع مطالب الشعب الفلسطيني وبين مصالحها مع إسرائيل[11] .

 

  • ضرورة تنشيط الدور التركي في المنطقة .

تقوم الإستراتيجية التركية الجديدة على رفض السياسات الانعزالية السابقة التي كانت تقتصر الدور التركي في المنطقة على التعامل مع التهديدات الحقيقة فقط ، وتطرح حكومة العدالة الكثير من المبررات والنظريات لضرورة توسيع النشاط التركي في المنطقة والانتقال من سياسة خارجية تقوم على الفعل وليس ردة الفعل .

 

خامساً : التجسيدات العملية للإستراتيجية التركية الجديدة .

جسدت تركيا على امتداد سنوات حكم حزب العدالة والتنمية سياستها الجديدة وفقا للتكتيكات التالية .

  • قوة المبادرة الدبلوماسية [ الدبلوماسية الناعمة ] .

عملت تركيا على تجسيد منهج القوة الناعمة منذ اللحظات الأولى لتسلم حزب العدالة والتنمية السلطة وانتقلت إلى موقع الطرف المبادر لا المنتظر لما يجري أو سيجري.

ومن أبرز تجليات سياسة القوة الناعمة الدبلوماسية الوسيطة في عدد كبير من القضايا منها:

  • الوساطة بين باكستان وإسرائيل.
  • التواصل مع حركة حماس.
  • التوسط في إجراءات المصالحة اللبنانية .
  • التوسط بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية .
  • خفض التوتر مع كل من اليونان وارمينا والعراق .
  • التوسط بين إسرائيل وسوريا.
  • أزمة البرنامج النووي الإيراني .
  • التحرك أثناء ثورات الربيع العربي.[12]

 

  • العمل ضمن المؤسسات الإقليمية الدولية.

أدركت تركيا أهمية دور المنظمات الإقليمية في تعزيز الاستقرار والتعاون في محيطها الإقليمي وإذا كانت تركيا في الأساس عضوا في المؤسسات إلا أن تركيزها كان على تفعيل منظمة المؤتمر الإسلامي نظرا لأهمية الأوضاع في المنطقة الإسلامية وتجلى اهتمام تركيا بمنظمة المؤتمر الإسلامي بحصول التركي كمال الدين إحسان اوغلو على منصب أمين عام منظمة المؤتمر الإسلامي كذلك أصبحت تركيا عضوا مراقبا في جامعة الدول العربية بالإضافة لتفعيل دورها في جميع المنظمات الدولية الناجحة المنبثقة عن الأمم المتحدة .

  • قوات حفظ السلام .

لم تتردد تركيا في أن يكون حضور فاعل في بعض مناطق التوتر في العالم فشاركت بقوات اليونيفيل في جنوب لبنان وأرسلت قوات حفظ سلام إلى الصومال وأفغانستان وأعلنت استعدادها لإرسال مراقبين لوقف إطلاق النار في غزة .

 

  • الانفتاح الاقتصادي والثقافي[13].

برز الدور التركي صاعدا بقوة على الصعيدين الاقتصادي والثقافي وعلى الرغم من أن المحور الأساسي للاقتصاد التركي بقي الاتحاد الأوروبي فإن حجم التجارة بين تركيا والأقطار العربي ةتنامى بشكل قوي في عهد حزب العدالة والتنمية أكثر من ثلاث مرات وبرز في حجم الاستثمارات العربية في تركيا في المجالات المختلفة .

كذلك نشطت تركيا في توقيع العديد من الاتفاقيات التجارية مع الدول العربية ورفض القيود الجمركية وتسهيل مرور البضائع ومن الناحية الثقافية ازدادت النشاطات المتبادلة والوقود الطلابية والتعليمية ما بين تركيا والدول العربية.

 

 

 

 

خلاصة واستنتاجات:

بعد إلقاء نظرة سريعة على أجزاء هذه الدراسة أمكن لنا التوصل إلى الاستنتاجات التالية:

  • أن الإستراتيجية التركية الجديدة ليست محصورة في منطقة الشرق الأوسط فقط بل هي تمتد لتشمل كافة المحيط بتركيا والذي يشكل المجال الحيوي لتركيا .
  • أنا مبادئ السياسة الخارجية التركية المعتمدة على القوة الناعمة ورفض سياسة المحاور وتصغير المشكلات والموقف الوسطي من جميع الأطراف كلها عوامل ساهمت على قبل الدور التركي والترحيب به.
  • أن الفراغ والخواء في الدور العربي في المنطقة جعل الدور التركي يتقدم ليبدو كأنه يريد ملء الفراغ على حساب الدور العربي.
  • أن تركيا لم تطرح نفسها بقوة على الآخرين بل كانت تستجيب للحالات كثيرة لرغبة الأطراف المتنازعة نفسها.
  • أنا هناك تساؤلات تطرح حول مدى استمرارية الدور التركي في المنطقة وارتباطه باستمرار وجود حزب العدالة والتنمية بالسلطة من جهة ومن جهة أخرى مدى تأثر الدور بعضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي.
  • أن السياسات التركية الحالية وخصوصا موقفها من الصراع العربي – الإسرائيلي أدى إلى نجاح أنقرة بإزالة الصورة السيئة التي كانت موجودة عند العرب تجاه تركيا ونجحت أنقرة بكسب رصيد سياسي إيجابي كبير عند شريحة من العرب الذين يرحبون بالدور التركي ويفضلونه على كثير من الأدوار والسياسات.

 

أخيراً يجب التنويه أن تركيا ورغم كل التغير الحاصل في سياستها الخارجية إلا أنها ما زالت تصر وعلى لسان جميع قادتها ومسؤوليها على أن الانضمام للاتحاد الأوروبي هو الخيار الاستراتيجي لتركيا والذي يتقدم على كل الخيارات الأخرى البديلة .

 

 

 

[1] أحمد البرصان – الإسلام السياسي والديمقراطية في تركيا دار زهران – عمان – 2013، ص 28.

 

 [2] أحمد سمير إبراهيم – التوجهات التركية نحو التكامل الإقليمي – المركز الدولي للدراسات المستقبلية – 2009، ص 13.

[3] لقمان عمر النعيمي – تركيا والاتحاد الأوروبي – مركز الإمارات للدراسات الإستراتيجية 2007 ، ص 8 .

 

[4] جلال عبد الله معوض – التعاون العسكري التركي – الإسرائيلي مجلة المستقبل العربي – مركز دراسات الوحدة العربية عدد (227) عام 1998م، ص 6 .

 

[5]  محمود عبد الرحمن خلف – تركيا ومشروع الشرق الأوسط – دراسات إستراتيجية عدد (3/22) عام 2011، ص 576 .

 

[6]  محمود عبد الرحمن خلف ، مرجع سابق، ص 577 .

 

[7] احمد داود أوغلو تركيا والعمق الاستراتيجي – الدار العربية للعلوم – بيروت (2011)، ص 441 .

 

[8] علي جلال معوض – الدور الإقليمي لتركيا في منطقة الشرق الأوسط (2002 – 2007) رسالة ماجستير جامعة القاهرة عام 2009، ص 162 .

 

[9]  علي حسين باكير – تركيا الجديدة – الصعود الإقليمي وصراع الاجندات – مركز سبأ للدراسات الإستراتيجية – اليمن العدد الأول عام 2009، ص 111.

 

[10]  Mesue Ozcan, Harmonizing foreign policy; turkey, the EU and the Middle East, Burlington, 2008,P.65 .

 

 

[11]  مصطفى اللباد – تركيا وإسرائيل – واقع العلاقات وآفاقها وتداعياتها على القضية الفلسطينية والوطن العربي – المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – الدوحة ، (2012)، ص711.

 

[12]  علي حسن باكير – مرجع سابق، ص 132 .

 

[13]  محمد نور الدين – تركيا إلى ابن دور وتحديات – مجلة المستقبل العربي ، العدد 364 ،  2009، ص 39.