الأمن القضائي ومسار بناء دولة الحق والقانون

384

 

 

 

 

الأمن القضائي ومسار بناء دولة الحق والقانون

 

إعداد : د/ عبد الواحد القريشي

أستاذ باحث كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية فاس

 

 

شكل بناء دولة الحق والقانون مفهوما مركزيا في الخطاب السياسي المغربي وهدفا حثت على تحقيقه مجموعة من الخطب الملكية ، وتبعا لذلك تم تحديث الترسانة القانونية وإحداث مجموعة من المؤسسات ارتبطت بالأساس مع الخطاب الملكي لثامن ماي 1990 الداعي الى احداث المحاكم الادارية والمجلس الاستشاري لحقوق الانسان .

ومنذ هذا التاريخ عرف المغرب تطورا تشريعيا ومؤسساتيا ملحوظا لا يتردد الباحث بمناسبة تتبع هذا التطور في القول بأن المغرب يسعى فعلا الى أن يؤسس لدولة الحق والقانون وتكريسها .

وطبيعي أنه من غير الممكن أن توصف دولة بأنها دولة للحق والقانون إلا بتوفر مقوماتها المتمثلة في :

  • وجود قانون يتصف بجودة عالية ، يحمي الحقوق والحريات ويخضع كل نشاط لمبدأ تدرج القاعدة القانونية ؛
  • وجود نظام سياسي قائم على مبدأ الفصل بين السلط وعلى الديمقراطية المواطنة والتشاركية ؛
  • وجود جهاز قضائي مستقل وفعال في تطبيق القاعدة القانونية والمساهمة في تجويدها؛
  • وجود مواطن واعي ومتصف بكل قيم المواطنة الحقة .

كما أنه لا شك في أن أي مقوم من هذه المقومات إلا وله دور كبير في تحقيق بناء دولة الحق والقانون يستحق أن يحظى بالعناية والتمحيص،غير أنه  ونظرا للترابط الوثيق بين جهاز القضاء ودوره في بناء دولة الحق والقانون[1] ، بين جهاز القضاء وضمان ممارسة الحقوق والحريات وحمايتها ، بين جهاز القضاء وجودة النص التشريعي ، فإننا نتساءل عن مفهوم الامن القضائي وعلاقته بمسار بناء دولة الحق والقانون ،هذا المفهوم الذي تم التنصيص عليه دستوريا بمقتضى الفصل 117 الذي نص على أنه :<< يتولى القاضي حماية حقوق الاشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي ، وتطبيق القانون >>

الظاهر من هذا النص هو أن مسؤولية تحقيق الأمن القضائي تقع على عاتق القاضي لفائدة الاشخاص والجماعات .

وهي مهمة يتولاها القاضي إلى جانب حماية حقوق الاشخاص والجماعات وتطبيق القانون .

مفهوم الامن القضائي في ارتباطه  بالقضاة وبجهاز القضاء يمكن أن يحيل إلى دور القضاء بمختلف مكوناته مدنيا دستوريا ، اداريا ، جنائيا وتجاريا إلى إقرار الحق وضمان التطبيق السليم للنصوص القانونية  وإلى جودة العمل القضائي التي تنطلق من تدبير القضايا والبت فيها الى تنفيذها والمساهمة في خلق القاعدة القانونية .

غير أننا نعتبر أن الامن القضائي لا  تنحصر حمايته على القاضي لكونه أوسع وأشمل لاقترانه بمسار دولة الحق والقانون ، وبذلك فهذا المفهوم يحيل ليس فقط الى الحماية القضائية للحقوق والحريات والتطبيق السليم للنصوص القانونية ، وانما أيضا الى حماية القضاة أنفسهم والى الضمانات التي تمكنهم من أداء المهام المنوطة بهم باستقلال وتجرد ونزاهة ، يحيل مفهوم الامن القضائي أيضا الى الظروف الممكنة من الولوج الى حق التقاضي وتبسيط مساطره ، وإلى محيط القضاء وما يرتبط به من ثقة في جهاز القضاء وهيبة لأحكامه .

وعلى هذا الاساس تتضح العلاقة الوثيقة بين تحقيق الامن القضائي ومسار بناء دولة الحق والقانون .

 

 

 

 

وهذا ما سنتناوله باتباع التصميم الاتي :

    أولا : تجليات الامن القضائي المرتبطة بالسلطة القضائية

   1 – استقلال السلطة القضائية

   2 –الخطأ القضائي و الامن القضائي

ثانيا : الأمن القضائي على مستوى الخدمة القضائية

    1 – التدبير الاداري للخدمة القضائية

    2 –جودة الاحكام القضائية

   ثالثا : الامن القضائي والمحيط

    1 – الثقة بجهاز القضاء

     2 – الامن القضائي سبيل التنمية

 

     أولا : تجليات الأمن القضائي المرتبطة بالسلطة القضائية

الأمن القضائي وإن كان يكتسي صعوبة على مستوى التحديد المفاهيمي ، فإنه بالمقابل يظهر بوضوح على مختلف المستويات المرتبطة بإصدار الأحكام والبت في القضايا انطلاقا من جهاز السلطة القضائية الى محيطها .

وهكذا فمفهوم الأمن القضائي على مستوى السلطة القضائية تجسده تلك الضمانات التي تحيط بالقاضي وهو يؤدي مهمته ، إنها مختلف الضمانات التي تشعر القاضي والمتقاضي بالأمن والتي وردت بالتشريعات الدولية والوطنية .

ان استقلال السلطة القضائية يعد احد ابرز الضمانات المجسدة  للامن القضائي ،استقلال يؤدي الى احساس المتقاضين بالامن القضائي ، والى احساس القضاة انفسهم غير انه بالنسبة للقضاء يظل هذا الاحساس معلقا بعدم وقوع القضاة بخطأ قضائي .

 

 

 

 

1 – استقلال السلطة القضائية

نظرا لاهمية مبدأ استقلالية السلطة القضائية فقد نصت عليه مجموعة من الاتفاقات والمواثيق الدولية [2]

حيث نصت المادة العاشرة مثلا من الاعلان العالمي لحقوق الانسان لسنة 1948 على أنه :<< لكل انسان على قدم المساواة أن تنظر في قضيته محكمة مستقلة ومحايدة نظرا منصفا وعلنيا ، للفصل في حقوقه والتزاماته في أية تهمة جنائية توجه إليه.>>

أهمية المبادئ والمرجعية الدولية في استقلالية السلطة القضائية تكمن في كون المغرب في تصدير دستور سنة 2011 يؤكد على تشبت المملكة المغربية بحقوق الانسان كما هي متعارف عليها عالميا ، كما أنه جعل من الاتفاقيات الدولية كما صادق عليها المغرب ، وفي نطاق احكام الدستور ، وقوانين المملكة وهويتها الوطنية الراسخة تسمو فور نشرها ، على التشريعات الوطنية ، والعمل على ملاءمة هذه التشريعات مع ما تتطلبه تلك المصادقة .

انسجاما وهذه المقتضيات تضمن دستور 2011 مقتضيات مهمة تتعلق باستقلال السلطة القضائية حيث نجد بالباب السابع منه ما يمكن اعتباره ضمانات مؤسسة لاستقلال القضاة والسلطة القضائية ، والتزامات عليهم تجسيدا لهذا الاستقلال.

ففيما يخص الضمانات فانها تتمثل فيما يلي :

  • السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية ؛
  • عدم تلقي القضاة لأي أمر أو تعليمات ولا يخضعون لأية ضغوط ؛
  • معاقبة كل من حاول الثأتير على استقلالية القاضي ؛
  • المجلس الاعلى للسلطة القضائية هو من يسهر على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة ، ولا سيما فيما يخص استقلالهم وتعيينهم وترقيتهم وتقاعدهم وتأديبهم ؛
  • المقررات المتعلقة بالوضعية الفردية الصادرة عن المجلس الاعلى للسلطة القضائية قابلة للطعن بسبب الشطط في استعمال اللسلطة أمام أعلى هيئة قضائية ادارية بالمملكة ؛

أما ما يتعلق بالتزامات القضاة في تحقيق استقلال السلطة القضائية فتتمثل فيما يلي :

  • يلتزم القاضي بواجب الاستقلال والتجرد ، ويعد كل اخلال خطأ مهنيا جسيما ، بصرف النظر عن المتابعات القضائية المحتملة ؛
  • يسعى القضاة الى تحقيق المحاكمة العادلة ؛
  • الالتزام بواجب التحفظ و الاخلاقيات القضائية ؛
  • يمنع على القضاة الانخراط في الاحزاب السياسية والمنظمات النقابية ؛
  • وبصفة عامة يتولى القضاة حماية حقوق الاشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي وتطبيق القانون؛
  • على قضاة النيابة العامة تطبيق القانون ، كما يتعين عليهم الالتزام بالتعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها.

ان استقلال السلطة القضائية شكل محورا مهما أثناء الحوار الوطني حول اصلاح منظومة العدالة ، جزء من هذه النقاشات تمت ترجمتها الى مواد قانونية بمشروع القانون التنظيمي للنظام الاساسي للقضاة والذي نصت منه المادة 34 على أنه:<< طبقا للفصل 117 من الدستور يجب على كل قاض أن يسهر خلال مزاولة مهامه القضائية على حماية حقوق الاشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي وتطبيق القانون.>>

كما ان مشروع القانون التنظيمي للسلطة القضائية أكد بدوره على استقلالية السلطة القضائية من خلال عدة مقتضيات منها :

  • تأكيد المبدأ الدستوري المنصوص عليه في الفصل 107 من الدستور المغربي على أن السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية ، والملك هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية ؛
  • يمارس المجلس الاعلى للسلطة القضائية مهامه بصفة مستقلة ؛
  • يتمتع المجلس الاعلى للسلطة القضائية بالاستقلال الاداري والمالي ؛
  • لم يبق وزير بالعدل هو الرئيس المنتدب للمجلس الاعلى للسلطة القضائية ، بل أصبح هو الرئيس الاول لمحكمة النقض ؛
  • يمنع على أعضاء المجلس اتخاذ أي موقف أو القيام بأي عمل يمكن أن يمس بتجردهم واستقلال المجلس ؛
  • يسهر المجلس الاعلى للسلطة القضائية على تعزيز استقلالية القضاة وحمايتهم من أي تأثير أو ضغوطات ؛
  • من حق القضاة الطعن في المقررات المتعلقة بوضعيتهم الادارية أمام الغرفة الادارية بمحكمة النقض؛

هذا و بالاضافة الى مجموعة من المقتضيات الاخرى فقد نصت المادة   99  من مشروع القانون التنظيمي للسلطة القضائية على أن المجلس الاعلى للسلطة القضائية سيضع مدونة للاخلاقيات القضائية تتضمن القيم والمبادئ والقواعد التي يتعين على القضاة الالتزام بها أثناء ممارستهم لمهامهم ومسؤولياتهم القضائية .

لكن ما تجب الاشارة اليه هو انه مهما تضمن القانون من مقتضيات ، فإن هفوات أو أخطاء قد تقع ، ولذلك تم التنصيص أيضا على مقتضيات تتعلق بالخطأ القضائي .

2 – الخطأ القضائي والأمن القضائي 

تعتبر الحماية من ارتكاب اخطاء قضائية احد العناصر الاساسية المتصلة بتحقيق الامن القضائي ، وفي هذا الاطار نص الفصل 122 من الدستور على انه :<< يحق لكل من تضرر من خطأ قضائي الحصول على تعويض تتحمله الدولة >>

واذا كانت العبارات الواردة بهذا الفصل يمكن تفسيرها على انها تتعلق بالخطأ القضائي المرفقي على اعتبار ان الدولة هي من تتحمل التعويض عن مثل هذه الاخطاء القضائية ، وعلى اعتبار النزاعات التي عرضت أمام القضاء الاداري المغربي ، فإنه بالرجوع الى مشروع القانون التنظيمي للنظام الاساسي للقضاة نقف على صنف ثاني من الاخطاء القضائية وهو الخطأ القضائي المنسوب إلى القاضي شخصيا .

فقد نصت المادة 88 على أنه :<< يكون كل اخلال من القاضي بواجباته المهنية او بالشرف أو بالوقار أو الكرامة خطأ من شأنه أن يكون محل عقوبة تأديبية >>

كما أن المادة 89 نصت على أنه :<< يمكن توقيف القاضي حالا عن مزاولة مهامه اذا توبع جنائيا أو ارتكب خطأ جسيما .

ويعد خطأ جسيما بصفة خاصة :

  • إخلال القاضي بواجب الاستقلال والتجرد والنزاهة والاستقامة ؛
  • الخرق العمدي والواضح لقاعدة مسطرية تشكل ضمانة أساسية لحقوق الاطراف؛
  • خرق السر المهني و افشاء سر المداولات ؛
  • الامتناع العمدي عن التجريح التلقائي في الحالات المنصوص عليها في القانون ؛
  • الامتناع عن العمل المدبر بصفة جماعية ؛
  • وقف أو عرقلة السير العادي لعقد الجلسات والمحاكم ؛
  • اتخاذ موقف سياسي أو الادلاء بتصريح يكتسي صبغة سياسية ؛
  • ممارسة نشاط سياسي أو نقابي أو الانتماء إلى حزب سياسي أو نقابة مهنية .>>

والملاحظ أن إقرار الخطأ القضائي وان كان يهدف الى الاحتراز من الهفوات أو الانزلاقات التي قد تقع حماية للمتقاضين ،  فإنها تؤثر من جانب آخر على إحساس القاضي بالأمن وارتياحه وهو يؤدي مهامه ، وهذا ما يؤثر بلا شك على جودة الخدمة القضائية بصفة عامة .

ثانيا : الأمن القضائي على مستوى الخدمة القضائية

تعتبر جودة الخدمة القضائية هدفا ومعيارا لقياس مستوى الخدمة القضائية ، فالجودة مؤشر ومطلب لتحقيق المحاكمة العادلة في نفس الوقت .

ولقياس جودة العدالة وضع عدة معايير منها تلك المعتمدة من الاتحاد الاوروبي والمستنبطة من خلال المعاهدة الاوروبية لحقوق الانسان والحريات الاساسية وهي كما يلي [3]:

  • سهولة الولوج الى مرفق العدالة والاستفادة من خدماتها ؛
  • نزاهة القضاة واحترامهم لشرف مهنتهم ؛
  • احترام حق الدفاع وحضور المحامي ؛
  • حياد القاضي ؛
  • احترام حق التعرض وضمانه لكل من يرغب في استعماله ؛
  • امكانية اطلاع المتقاضين على الملفات التي تهم مصالحهم ؛
  • الحق في الاستعانة بمترجم في التعامل مع القضاء ؛
  • التزام المحاكم بتعليل القرارات التي تصدرها

وإذا كان الامن القانوني باعتباره دعامة أساسية لترسيخ دولة الحق والقانون يقتضي أن كل شخص له الحق في استقرار القاعدة القانونية ، وأن يكون في مأمن من التعديلات المفاجئة التي يمكنها ان تؤثر على ذاك الاستقرار [4] ، فإن الامن القضائي يشترك مع الامن القانوني في الصفتين معا باعتباره اولا دعامة اساسية لبناء دولة الحق والقانون ، وثانيا باعتبار أن أي شخص يمكنه أن يتوقع ولو في حد أدنى حكم القضاء وفصله في النزاعات المحتملة التي قد تهمه إن من الجانب التدبيري الاداري أو الجانب القضائي الصرف .

1 – التدبير الاداري للخدمة القضائية

ويتركز هذا الشق من الخدمة القضائية على التسيير الجيد لمرفق القضاء ، هذا التسيير الذي يمس مختلف جوانب سير العملية القضائية والتي تهم على الخصوص :

  • التدبير الزمني
  • الهيئات الفاعلة في العملية القضائية
  • الخريطة القضائية
  • أنواع المحاكم
  • تفتيش المحاكم
  • التحديث القضائي

إنها فقط بعض جوانب التسيير الاداري والذي يعرف بدوره مستجدات تضمنها مشروع القانون التنظيمي للتنظيم القضائي للمحاكم .

التسيير الاداري وان أسند للمسير الاداري للمحكمة ، فإن جزء مهما منه يظل من اختصاص المسؤولين القضائيين لكل محكمة ، الى جانب سهرهم على تحسين الخدمة القضائية .

         2 – جودة الاحكام القضائية

جودة الاحكام القضائية أو الخدمة القضائية في معناها الضيق التي ينتجها القضاة لها اهمية كبرى في تحقيق الامن القضائي ،انها تتأثر بمختلف العوامل المصاحبة لإصدار الاحكام ، وتلك العوامل نفسها هي التي ترسخ أو تضعف الاحساس بالأمن القضائي ، ومن أهمها :

  • تكوين القضاة
  • السلطة التقديرية للقاضي
  • استقرار الاجتهادات القضائية
  • هندسة الاحكام والقرارات القضائية

التكوين الرصين للقاضي يعد أحد الضمانات المهمة لتحقيق الامن القضائي ، إن من شأن ضعف التكوين ان يرتب نتائج سلبية على القاضي نفسه ، وعلى جودة الخدمة القضائية ، انه يؤثر على مكانة القاضي ومهنيته ،انه يؤثر في النهاية على المساس بالامن القضائي لدى المتقاضين والدفاع ومختلف الهيئات المهنية من عدول،موثقين ، كتابة الضبط ، …وحتى من طرف نفس الهيئة أي الهيئة القضائية،بصفتهم زملاء ، مسؤولين قضائيين أو مفتشين .

أما السلطة التقديرية للقاضي فإنها وان كانت اختصاصا أصيلا للقاضي بناء على ملابسات كل نزاع يعرض أمامه ، فإنها قد تشكل مصدر قلق لدى المتقاضين لأنها في أحيان كثيرة تختلف من قاض الى آخر ، كما هو الامر بالنسبة لأسلوب النيابة العامة المبني على الملاءمة والحفظ  [5]، هذا الامر لا يمس الامن القضائي فقط بل انه يمس الامن القانوني أيضا.

وإذا كان الاجتهاد القضائي يعتبر أحد الوسائل المدعمة للامن القضائي وبته في المجتمع من خلال المحاكمة العادلة ، والمساهمة الفعالة في انشاء القاعدة القانونية ، فإنه يجب أن يتم التعامل مع الاجتهاد القضائي أيضا بنوع من الحكمة والضبط خاصة من طرف محكمة النقض ، حتى لا نكون أمام الاجتهاد والرجوع عن الاجتهاد ، كما أن على المحاكم الدنيا اتباع الاجتهادات المتوصل اليها من محكمة النقض ، والا صرنا امام عدم قدرة أي احد على توقع ما قد تتوصل اليه بعض المحاكم من اجتهادات ، انه التخوف من الاجتهاد ، ولا احساس بالامن  مع التخوف.

لا إحساس بالأمن أيضا فيما يخص شكل الاحكام والقرارات القضائية وصياغتها، فيما يخص هندستها من الديباجة ، الاسباب والمنطوق ، والتي بعدم احترامها قد يهدم الحكم أو القرار برمته ، استئنافا أو نقضا ، وهذا بلا شك يؤثر على جودة الأحكام ، يؤثر على وظيفة القضاء من حيث مساهمته في تحقيق الامن القضائي ويؤثر أيضا في زعزعة الثقة بجهاز القضاء والذي يؤثر بدوره في تحقيق التنمية .

      ثالثا: الأمن القضائي والمحيط

   مهما تجرد القاضي وتعامل بموضوعية ، فهو يظل ابن بيئته ، وكما يتأثر بالمحيط فهو يؤثر في هذا المحيط ويبقى دوره مهما في تحقيق التنمية والتي لن تكون الا بدعم الثقة في جهاز القضاء واستقلاليته .

1 – الثقة في جهاز القضاء

الثقة في جهاز القضاء تنمو كالبدرة ، لا تقوم الا بالرعاية والعناية المتواصلة ، الثقة تنمو بالشفافية والنزاهة والاستقلالية ، تنمو بالسرعة في احقاق الحق والفعالية ، تجسد من خلال تنفيذ الاحكام النهائية .

تجسد أيضا من خلال [6]:

  • المساهمة في ضمان تيسير الوصول للعدالة ؛
  • المساهمة في توعية الجمهور بدور السلطة والتعريف بجهود التطوير القضائي ؛
  • المساهمة في التوعية بحقوق وواجبات المواطن وحرياته الاساسية ومساواتهم أمام القانون في ظل سيادة القانون

الثقة في جزء هام منها تبنى على تصحيح تصور المواطن تجاه قضائه ، وابداء الدور الكبير الذي يقوم به من خلال انفتاح القضاء على محيطه من خلال ايام مفتوحة ووسائل الاعلام وعبر جميع الوسائل المتاحة .

 

وتندثر الثقة بالمقابل بصعوبة الولوج الى العدالة ،ببطء العدالة ، بالاخطاء القضائية ، بضعف التكوين ، …، كلها عوامل تؤدي الى أزمة ثقة وأزمة حول مشروعية المرافق العمومية [7].

تندثر بالأساس في نظام يفتقد لقيم الديمقراطية والنزاهة والشفافية ، ويفتقد فيه الامن القانوني والقضائي ، تفتقد الثقة في كل نظام قانوني متخلف عن ركب التنمية.

2 – الأمن القضائي سبيل للتنمية

      اقتران الامن القضائي بتحقيق التنمية لا يقتصر على التنمية الاقتصادية وجلب الاستثمارات باعتبار المتقاضي زبونا كما تذهب الى ذلك دراسات عديدة ، ولكننا ننظر الى الامن القضائي على أنه دعامة أساسية لتحقيق التنمية على جميع مستوياتها اقتصادية وثقافية وسياسية واجتماعية .

فالأمن القضائي سبيل لتحقيق التنمية السياسية من خلال حرص القضاء على ضمان الحق في المشاركة السياسية وسلامة آليات الديمقراطية التمثيلية وحتى التشاركية ؛

ثم ان الامن القضائي سبيل لتحقيق التنمية الثقافية والاعلامية والضامن لممارسة الحقوق المدنية ، غير انه وفي مقابل مايقدمه جهاز القضاء من دعم  للممارسة القانونية للحقوق والحريات ويحميها من كل تعسف ، فإنه بالمقابل يجب أن يحمى من كل تهجم أو مساس باستقلاله ؛

والامن القضائي سبيل لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية من خلا ل ضمان التطبيق السليم للنصوص القانونية ذات الصلة بهذين المجالين، ومن خلال النظر اليه كسلطة قضائية قادرة على احقاق الحق واظهار الباطل ، سلطة ودعامة أساسية لبناء دولة الحق والقانون .

 

 

                                   د / عبد الواحد القريشي

                               أستاذ باحث شعبة القانون العام

                  كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية فاس

elqoraychi@gmail.com

 

 

 

 

[1]   انظر: القريشي عبد الواحد ، القضاء الاداري ودولة الحق والقانون بالمغرب ، الشركة المغربية لتوزيع الكتاب ، مطبعة النجاح الجديدة ، الدار البيضاء ، 2009 ، 303 ص.

[2]  مثلا العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والذي صادق عليه المغرب بتاريخ 03 ماي 1979.

الاتفاقية الدولية للقضاء على كل أشكال التمييز العنصري والتي صادق عليها المغرب بتاريخ 18 دجنبر 1970

مبادئ الامم المتحدة المتعلقة باستقلال السلطة القضائية الت اقرتها الامم المتحدة بقرارها 40/30 بتاريخ 29 نونبر 1885 وقرارها 40/146 بتاريخ 13 دجنبر 1985.

 

[3]  جمعية عدالة ، الامن القضائي وجودة الاحكام ، دار القلم ، الرباط ، 2013 ، ص: 81.

[4]  غميجة عبد المجيد مبدأ الامن القانوني وضرورة الامن القضائي ،عرض مقدم في اطار الندوة المنظمة من طرف الودادية الحسنية للقضاة بمناسبة المؤتمر الثالث عشر للمجموعة الافريقية للاتحاد العالمي للقضاة بالدحار البيضاء في 28 مارس 2008 ، الموقع الالكتروني :

[5]  غميجة عبد المجيد ، مبدأ الامن القانوني وضرورة الامن القضائي ، م س ، ص: 18.

[6]  جمعية عدالة ، استقلال السلطة القضائية بالمغرب ، دار القلم ، الرباط ، 2013 ، ص: 145.

  [7] RABATE Laurent .>> Pour un Etat plus visible ,<<in :L’Etat moderne et l’administration . sous la direction de Christian Join-Lambert .L.G.D.J ,Librairie générale de droit et de jurisprudence ?Paris. 1994 ,pp : 36.