اجتهاد القاضي الإداري في إنشاء وتطوير المبادئ العامة للقانون

1,454

اجتهاد القاضي الإداري في إنشاء وتطوير المبادئ العامة للقانون

                    ريم صابر

               طالبة باحثة بسلك الدكتوراه –جامعة محمد الخامس بالرباط-

 

يقوم القاضي الإداري بدور محوري في إنشاء وتطوير القانون الإداري عبر بحثه عن الحلول المناسبة لتطبيقها على المنازعات الإدارية التي تكون الإدارة طرفاً فيها، بسبب عدم وجود التنظيم القانوني المتكامل لموضوعات القانون الإداري. فالمشرع لا يستطيع أن يحيط بكل القضايا التي قد تعرض أمام أنظار القاضي إضافة إلى طبيعة القانون المذكور التي تجعل النقص في مجال القضاء الإداري أمرا محتوما، مما يفتح باب الإجتهاد القضائي بوضع النظريات والمبادئ والأحكام التي تفصل في موضوع النزاع تطبيقاً للعدالة وحمايةً لمبدإ المشروعية وتحقيقاً للتوازن المنشود بين مصلحة الإدارة في حسن تسيير المرافق العامة وقيامها بمختلف جوانب نشاطها الإداري من جانب، وحماية حقوق الأفراد وحرياتهم من جانب آخر. فقد يحصل أن النازلة المعروضة أمام أنظار القاضي الإداري هي خارج توقعات المشرع نتيجة تطور الحياة الاجتماعية، وبذلك يمكن طرح الإشكالية التالية: ما مدى اجتهاد القاضي الإداري في ابتداع المبادئ العامة؟

     تتحقق الإجابة عن هذه الإشكالية وفق الإطار العام للاجتهاد القضائي(مبحث أول). ثم بكيفية إنشاء القاضي الإداري للمبادئ العامة للقانون (مبحث ثان).

المبحث الأول: الإطار العام للاجتهاد القاضي الإداري

للاجتهاد القضائي دور مهم في استمرارية القاعدة القانونية، وملاءمتها مع التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمجتمع، من خلال خلق روح جديدة للقواعد القانونية القديمة عبر التوفيق بين نظرتي الاستقرار والاستمرار. فما هو مفهوم الاجتهاد القضائي.

المطلب الأول: ماهية الإجتهاد القضائي[1]

يقصد بالإجهاد القضائي في مفهومه الحديث مجموعة من القواعد الموضوعية التي تستنبط من استقرار أحكام المحاكم على إتباعها في كافة القضايا التي تتولى أمر النظر فيها، لتستقر المحاكم ويطرد رأيها على إحترام قاعدة معينة، بحيث يتبع نفس الحل كلما توافرت شروط انطباق هذه القاعدة، وبذلك يتوافر للقاعدة التي جرى القضاء على احترامها  ما تتميز به القاعدة القانونية من صفة العمومية والتجريد[2].

إلا أن عددا من الفقهاء انتقد فكرة اجتهاد القاضي و إنشاءه للمبادئ العامة ، بدعوى أن مهمة رجال القضاء تنحصر في وظيفتهم الأصلية وهي حل المنازعات المعروضة عليهم ،ولا يمكنه إنشاء مبادئ عامة ، حيث قال المفكر الفرنسي( مونتسكيو):”إن قضاة الوطن ليسوا سوى الفم الذي ينطق كلمات التشريع، وهم إزاء هذا التشريع كائنات لا حياة فيها ولا قوة لها على تخفيف قوته أو شدته”. يقول روبسبير : “إن كلمة الإجتهاد القضائي يجب أن تمحى من لغتنا، ففي دولة لها دستور وتشريع ، الإجتهاد القضائي ليس سوى التشريع نفسه”. بمعنى أن دور القاضي الإداري يقتصر على تطبيق القانون لا إنشاءه. إلا أن الوضع في فرنسا كان مغيرا لما كان عليه الحال أناداك بالنسبة لروما[3]، حيث كان للقضاء دور مهم باعتباره مصدرا للقانون لا يقل أهمية عن التشريع والعرف، فلم يكن مجلس الدولة يقتصر على تطبيق القانون بل يصنعه صنعا عن طريق المنشورات القضائية[4].

ومما سبق يتضح أن الاجتهاد القضائي الإداري هو مساهمة القضاء، أو بتعبير آخر إضافات القضاة، ونتائج جهودهم في تفسير القانون، وسد النقص الموجود فيه أو تكملته، ورفع التناقضات الموجودة بين قاعدتين ، أو تحديد معاني القواعد إذا انتابها الغموض[5] .

  • الإجتهاد القضائي في الشريعة الإسلامية

للاجتهاد القضائي جذور متأصلة في الشريعة الإسلامية لعل أهمها مخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ ابن جبل لما عينه واليا على اليمن فسأله :”بما تقضي قال بكتاب الله، فقال صلى الله عليه وسلم فإن لم تجد قال: فبسنة رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: فإن لم تجد قال: أجتهد رأيي و لا ألو”.

فقد  اعتبرت  الشريعة الإسلامية الإجتهاد شرط  من شروط  تولي القضاء حيث يشترط  في القاضي  أن يكون بالغا عاقلا حرا مسلما عدلا مجتهدا، وبهذا قال الإمام مالك و الشافعي والحنابلة، وحجتهم أن القضاء أكد من الإفتاء ، لأنه إفتاء و إلزام، والمفتي لا يجوز أن يكون عاميا مقلدا، فالقاضي أولى أن لا يكون مقلدا. واحتجوا أيضا بقوله تعالى : ((وأن احكم بينهم بما أنزل الله)) وما أنزل الله يعرفه العالم المجتهد لا المقلد[6].

      وقال فقهاء الحنفية الإجتهاد ليس شرطا لتولي القضاء لأنه يمكن للقاضي غير المجتهد أن يقضي بعلم غيره بالرجوع إلى فتوى غيره من العلماء ، ولأن الغرض من القضاء فصل الخصومات فإذا أمكن ذلك بالتقليد جاز، وهو ممكن بالرجوع إلى فتاوى العلماء وأقوالهم[7].

إلا أن الإجتهاد ضرورة لا مفر منها عند عدم وجود النص القانوني أو غموضه على الرغم من أن الشريعة الإسلامية جاءت جامعة مانعة لا يوجد فيها نقصا ولا عوجا صالحة لكل زمان ومكان.

وتتجلى أهمية الإجتهاد القضائي في الشريعة الإسلامية حتى في حالة خطأ القاضي فإذا أخطأ القاضي بعد اجتهاده،  فلا مسؤولية عليه لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال:”إذا حكم الحاكم فاجتهد فصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد”[8].

     لهذا السبب كان لكل من الفقه والقضاء أثر بارز في الشريعة فكان من الصعب التمييز بين الفقيه والقاضي نظرا امتزاج القضاء مع الفقه. وهناك أسماء معروفة مشهود لها بالعلم أمثال حنيفة وأصحابه ، ومالك بن أنس وأصحابه والشافعي وأصحابه ، وأحمد بن حنبل … وغيرهم من الأئمة المجتهدين ، وما أحوجنا اليوم إلى الإجتهاد الشرعي الذي يمد التشريع الإسلامي بالأحكام المناسبة للوقائع والحوادث، إذ أن هناك قضايا ومسائل عديدة تستدعى إيجاد حلول شرعية ولا سبيل لذلك إلا من خلال اجتهاد قضائي يسد الثغرات التشريعية.

المطلب الثاني : خصائص الاجتهاد القضائي

للاجتهاد القضائي الإداري مجموعة من الخصائص يمكن سردها على الشكل التالي:

أولا : تجاوز القاضي الإداري لدوره كحاكم في النزاع

الأصل أن القاضي الإداري في الشريعة اللاتينية له سلطة متخصصة فقط في تطبيق القانون، ولكن قد يتجاوز تطبيق القانون إلى البحث عن الموازنة بين المصلحة العامة و المصلحة الفردية، ويتجاوز حكمه المهمة العادية باعتباره فاصلا في خصومة معينة و يتحول القاضي الإداري من خلال الحكم الذي يصدره، مصدرا إنشائيا للمبدأ العام الذي يضعه و للقاعدة القانونية التي يتضمنها هذا المبدأ و هذا ما تؤكده الكثير من الدراسات[9].

ممالا شك فيه أن القاضي الإداري في حال عدم فصله في النزاع الإداري لأي سبب كان، حتى عندما يصادفه عدم وجود نص قانوني يضفي الحل المناسب للنزاع الإداري و إلا عد  مرتكبا  لجريمة إنكار العدالة  من  جهة، ومن جهة أخرى لو سلمنا بان القاضي الإداري،  يلعب دورا إنشائيا لقواعد القانون الإداري، فإن ذلك لا يعنى و في كل الحالات و بصفة مطلقة أن يبتدع القاعدة القانونية و ينشأها من العدم .

فسلطة القاضي الإداري تستمد من ابتداع الحلول من الروابط القانونية التي تنشأ وتستمد من المبادئ العامة في القانون [10].

فالقاضي الإداري وهو يفصل في النزاع المعروض عليه ملزم في حالة عدم وجود نص في التشريع و عدم وجود عرف جار به العمل، بالتقييد بما اصطلح على تسميته بالمبادئ العامة للقانون[11].

كما انه لا يمكن إنكار الدور الذي يلعبه القاضي بالنسبة للقانون الإداري ، فالقاضي الإداري على خلاف القاضي العادي إلى جانب تطبيقه لقواعد القانون الإداري و تفسيره لها بما يناسب النزاع المطروح أمامه ، فهو يؤدي دورا ايجابيا أكثر جدية وجرأة في مجال صناعة القاعدة القانونية ذاتها في حالة انعدام النص التشريعي.

لذلك لا يزال القاضي الإداري منشئ للقاعدة القانونية في مجال القانون الإداري بحيث انه في المادة الإدارية هناك الكثير من الحلول المقدمة من القضاء الإداري في غياب أي نص و هي أكثر و ابعد من مجرد تفسير للنص[12].

ثانيا: ارتباط القانون الإداري بالقضاء الإداري وعدم إمكان الفصل بينهما

لا يمكن الحديث عن وجود قانون إداري إلا إذا كان هناك قضاء إداري، وقد أثر سبق ظهور القضاء الإداري الفرنسي على وجود قانون إداري، وكان له الفضل في جعله قانونا مستقلا وخاصا، وهذه خصوصية أخرى تضاف إلى الإجتهاد القضائي الإداري، لكون القانون الإداري يختلف عن القانون المدني في مبادئه ونظرياته، الأمر الذي يقتضي اختلاف الإجتهاد القضائي فيه[13].

وما يستنتج من هذا أن الإجتهاد القضائي الإداري له مميزات عن غيره من الاجتهادات حيث تعود هذه المميزات إلى الأسباب التالية: عدم تقنين القانون الإداري- سرعة تطور القانون الإداري – غلبة الروح الإدارية على اجتهاد القاضي الإداري فمحيط القاضي الإداري يفرض عليه أن يكون ليس فقط قاضيا متخصصا في المادة الإدارية، لكن القاضي له روح رجل الإدارة، قاضي يعي تمام الوعي بأن قراراته مكملة للنشاط الإداري. 

المبحث الثاني: أشكال إنشاء وتطوير القاضي الإداري للمبادئ العامة للقانوني

إن طبيعة القانون الإداري تجعل النقص في مجال تدخل القاضي الإداري ضروريا، رغم كثرة المجالات التي تناولها المشرع بالقوانين المتفرقة لذا وجب إعمال آليات في حالة غياب النص القانوني، باعتبار القانون الإداري هو قانون قضائي من ابتداع القضاء الإداري نفسه[14]، فلا يمكن نكران الدور الذي يلعبه القضاء بالنسبة للقانون الإداري ، فالقاضي الإداري  يؤدي دورا ايجابيا وأكثر جدية وجرأة في مجال صناعة المبادئ العامة ذاتها في حالة انعدام النص التشريعي[15].

المطلب الأول : مصادر إنشاء القاضي الإداري للمبادئ العامة للقانون

رغم تقنين بعض قواعد القانون الإداري فإن القاضي الإداري لم يتوانى عن ممارسة دوره في ابتداع الحلول القانونية لنزاع المعروض عليه من خلال احد المصادر التالية:

أولا: الدستور

تعتبر القواعد المنصوص عليها في الدستور المصدر الأول من مصادر الشرعية، وهي أسمى القواعد القانونية في الدولة، حيث تأتي أهميتها على قمة القوانين في الدولة ، ويتوجب أن تتقيد القواعد القانونية الأخرى من حيث الشكل والمضمون ، بالقواعد الدستورية و التي تعلو على ما عداها في الدولة إذ يضفي الشرعية على ممارسة السلطات، و يكفل الحماية القانونية ورقابة عمل السلطات العمومية في مجتمع تسوده الشرعية.

ثانيا:القانون المدني

إن القاضي الإداري منشئ للقواعد القانونية في مجال عمل القانون الإداري، ففي المادة الإدارية هناك الكثير من الحلول المقدمة من القضاء الإداري في غياب أي نص، و هي أكثر وابعد من مجرد تفسير للنص [16].

فالقاضي الإداري يلجأ أحيانا إلى أحكام القانون المدني ليطبق منها كل ما لا يتعارض مع طبيعة المنازعات الإدارية ، لذلك  نجده  كثيرا  ما يطبق بعض القواعد الواردة في القانون المدني لتناسبها مع حاجات الإدارة، وعدم مجافاتها لاعتبارات القانون العام ،غير انه يتمتع بحرية كبيرة في الرجوع إليها.

وتعد المسطرة المدنية القاعدة الأساسية في رفع الدعاوى في القضايا الإدارية بمقتضى المادة 7 من القانون المحدث للمحاكم الإدارية والتي تنص على أنه: ” تطبق أمام المحاكم الإدارية القواعد المقررة في قانون المسطرة المدنية ما لم ينص قانون على خلاف ذلك“.  ولما كانت للقضايا الإدارية خصوصيات تميزها عن غيرها لاتصالها بالقانون الإداري الذي يهدف بالأساس إلى تحقيق المصلحة العامة وضمان حسن سير الإدارة فإن قانون إحداث المحاكم الإدارية قرر مجموعة من الإجراءات الشكلية التي يلزم احترامها في الدعاوى الإدارية.

و للقاضي الإداري حرية واسعة في تطبيق القاعدة المدنية كما هي، كما يتعين عليه تعديل القاعدة القانونية المدنية تعديلا جوهريا أو ثانويا و ذلك حتى تكون أكثر ملائمة لحل منازعة له وجب أن يفعل ذلك ،أ ما إذا وجد بأنها غير ملائمة فله أن يعرض عن تطبيقها وحينئذ يملك القاضي الإداري سلطة ابتداع قاعدة قانونية جديدة ، لغرض إيجاد الحلول للمنازعات المعروضة عليه[17] .

وبناء عليه، يمكن القول بأن القاضي الإداري قد يلجأ إلى القانون المدني على اعتبار انه الشريعة العامة للقوانين، محاولا أن يجد نصا في القانون العادي يحكمها، و في الأغلب الأعم لا يجد نصا قانونيا ينطبق عليها.

ثالثا: المبادئ العامة للقانون المنشأة سابقا

بالنسبة للمبادئ العامة للقانون التي يستخلصها القاضي الإداري من مجموعة القواعد التي تحكم المجتمع في بلد معين وزمن معين و يلزم جهة الإدارة على احترامها وذلك بإيصال كل عمل مصدر عنها مخالفا لهذه المبادئ [18] وبالتالي فان القاضي الإداري يراعي هذه المبادئ العامة ولا يخالفها .

باعتبار عملية الاجتهاد القضائي، المتوجهة إلى المبادئ القانونية العامة ليست عملية هينة ، و إنما هي عملية شاقة و دقيقة يجب فيها على القاضي الإداري أن يتحرى بحرص مصادر المبادئ التي يفرضها ، و أن يتحقق من مشروعيته المصالح التي يحميها و أن يراعي بعد ذلك أن لا تتنافر هذه المبادئ مع الطبيعة الخاصة للقانون الإداري و أهدافه [19].

وخير استشهاد بالنسبة لقوة المبادئ العامة للقانون، أن مجلس الدولة الفرنسي يعطيها قوة القانون الصادر عن السلطة التشريعية وبالتالي تكون الإدارة ملزمة بتطبيقها ، كما أن المشرع يستطيع أن يعدلها أو يلغيها طالما لها قوة القانون[20].

رابعا :السوابق القضائية

يلجأ القاضي الإداري أحيانا إلى السوابق القضائية ،التي تم إصدارها من قضاة قد سبقوه في حل  مثل النزاع الإداري المعروض عليه، دون أن يتوصل إلى نتيجة لحله ، وهذا ما  يعتبر بعد مدة العرف إداري عندما تتميز هذه السوابق بشروط العرف الإداري، ويتضح بأن القاضي الإداري يعتمد على هذه السوابق  كالمصادر القانونية حتى في غياب القاعدة القانونية، إذ يزيد دوره و اجتهاده أكثر في هذه الحالة .

ومن الضروري احترام ما توصل له القضاة من طرف المشرع ايضا ، وهذا ما يلاحظ في نظرية العلم اليقيني ، التي نشير أن الاجتهاد القضائي الفرنسي لم يهملها، بل طبقها القاضي الفرنسي خلال عشرات السنين ،قبل الوصول إلى عملية التقنين[21] . لذا وجب على القاضي المغربي أن يستخلص النتائج المنبثقة من الحالة العامة للقانون و الوضعية الحالية لترسانته القانونية.

خامسا: الفقه

وكثيرا ما استعان القاضي الإداري بالفقه، ذلك أن الفقيه المهتم بالقانون الإداري يختص بهذا النوع من الفقه فيتعمق في نظرياته وفي أحكامه وفي المبادئ التي أنشأها، ليعلم ما استجد من أمور في دائرة الفقه، وهو ما يؤدي في النهاية إلى تنمية قدراته القانونية ورفع مستوى تأهيله[22]. وبهذا يمكن الاستعانة بما توصل إليه الفقه من الحلول لبعض المسائل التي قد أغفلها المشرع.

ولبيان دوره في مصادر المشروعية عندما لا يسعفنا المشرع بحلول قانونية رسمية للنزاع المعروض عليه ، حينئذ تقوم القاعدة القضائية بذات الدور الذي كانت ستقوم به القاعدة التشريعية، بحيث يعتبر الحل القضائي للقاعدة هنا هو الحل الأوحد المفروض على النزاع وعلى القاضي حتى لا يواجه بإنكار للعدالة[23].

المطلب الثاني : مرحلة الإنشاء

لا تتجلى مهمة القاضي الإداري في تطبيق القانون وحسب بل تتعدها إلى إنشاء مبادئ عامة ساهمت في إرساء قواعد نظام قانوني قائم  بذاته ينبثق من طبيعة روابط القانون العام ، إلى أن إنشاء تلك المبادئ العامة يتطلب إتباع مراحل معينة.

المرحلة الأولي : مرحلة الاكتشاف المزدوج

يكتشف القاضي الإداري في المرحلة الأولى أن النزاع المعروض عليه لم يعالج من قبل المصادر الرسمية للقانون، لذلك وجب عليه في المرحلة الثانية البحث عن الحل الذي يسنه لسد العجز الكامن في النظام القانوني القائم.

فالتشريع الإداري يعاني من قصور في نصوصه وعدم كفايتها وهنا يبرز دور الاجتهاد القضائي لملء هذا الفراغ إما عن طريق توضيح النصوص أو إنشائها في حالة انعدامها وكمثال على ذلك نذكر مسألة معالجة مصادر قانون الوظيفة العمومية في فرنسا،فإلى غاية الحرب العالمية الثانية كانت الوظيفة العمومية تعاني من نقص في مجال التشريع فلم يكن هناك سوى أنظمة خصوصية تسري على فئات معينة وخارج هذه الأنظمة كان يقع على عاتق مجلس الدولة الفرنسي مهمة وضع قواعد تحمي الشرعية، ففتح الباب لجميع الموظفين بإقامة دعوى الشطط في استعمال السلطة ضد المقررات الرامية لحرمان الموظفين من الاستفادة من التعويضات المادية، وبموجب هذا الامتياز وضع مجلس الدولة قاعدة قضائية تتعلق بالضمانات الجماعية لكل الموظفين.

ويأتي هذا الاكتشاف المزدوج نتيجة وعي القاضي بالقاعدة الجديدة عبر خبرة طويلة ، من خلال قصور القانون الوضعي حول مسألة معينة ويبدل جهده لتتميم هذه الثغرة[24].

المرحلة الثانية : مرحلة التجريب

تظهر السرية التي اكتشفت عمل القاضي في المرحلة الأولى، وتحقق بعدها العلانية لميلاد المبدأ العام غير أنها مجرد حل جديد، والتي لم يطلق عليها بعد تدخل عنصر من عناصر النظام القانوني، وللقضاة طرق عديدة للإعلان عن هذا الحل[25]، كالمقالات التي ينشرونها بالمجالات القضائية،أو من خلال الندوات والمحاضرات، وهي مرحلة تجريب القاعدة وفيها يتم قياس مزايا وعيوب القاعدة، حيث تتحلل هذه الأخيرة من طابعها السري لكي تثير ملاحظات خاصة من لدن الفقه.

المرحلة الثالثة : مرحلة الإدماج

يسعى فيها القاضي الإداري إلى إدماج حله القانوني ضمن قواعد القانون الصادر عن المشرع  وهي مرحلة إدراج القاعدة في القانون الوضعي، حيث ينبغي أن تتسم منهجية القاضي الإداري هنا بنوع من الليونة والتدرج لأن القاضي ليس بمشرع، وبالتالي فإن القاعدة الجديدة تتطلب نوعا من التكرار لتكسب ثقة المشرع حيث يجب أن تلقى عدة تطبيقات قبل أن تستقر في القانون الوضعي كقاعدة قانونية.

       ومثال ذلك مبدأ المساواة أمام القانون وأمام ولوج المرافق العامة وأمام تحمل التكاليف العمومية الذي عرف عدة تطبيقات من طرف مجلس الدولة الفرنسي في العديد من القرارات قبل أن يستقر المبدأ بشكل صريح في القانون الوضعي.

في الأخير نخلص أن دور القاضي الإداري، يكون أكثر وضوح عند غياب القاعدة القانونية، باعتبار اجتهاده هو الحل القانوني الأمثل معتمدا في هذا على أي مصدر قانوني يساهم في هذا الحل مستعينا بالآليات و الوسائل التي تساعده في صنع القاعدة القانونية الجديدة  و مدعما في هذا كل سابقة قضائية .

 

 

[1]: يكمن تعريفه لغة ببذل الجهد في استنباط الحكم من مصدره، أما في اللغة الفرنسية عبارة الإجتهاد القضائي”juris prudence” فهي مشتقة من أصل لاتيني من لفظ”juris” وتعني القانون ثم لفظ “prudenlia” الذي يعني المعرفة أو العلم حيث كان يطلق على الإجتهاد القضائي بالعلم التطبيقي للقانون فهو كذلك الطاقة و استفراغ الواسع في تحصيل المطلوب. أنظر عبد الجليل مفتاح و مصطفى بخوش:”دور القاضي الإداري في وضع القاعدة القانونية أمر تطبقها”مجلة الاجتهاد القضائي، كلية الحقوق والعلوم السياسية ،جامعة محمد خيضر،العدد الثاني، بسكرة، 2005 ، ص116.

[2]: عبد الجليل مفتاح ومصطفى بخوش:” مرجع سابق”، ص116.

[3]: أما في إنجلترا فكان الإجتهاد القضائي بمثابة وسيلة الاستئناس ولا يستند إلى إي أساس إلزامي لكي لا يصبح الإجتهاد القضائي تشريعا ملزما ، احتراما لمبدإ فصل السلطات.

[4] : مقال بعنوان الإجتهاد القضائي كمصدر من مصادر القانون، ص 1، منشور بالموقع الإلكتروني www.elawpedia.com

[5]: عبد الجليل مفتاح ومصطفى بخوش:” مرجع سابق”، ص116.

[6]: المغني لابن قدامة:” نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج” الجزء 9 ص 40-41.

[7]:عبد الكريم زيدان :”نظام القضاء في الشريعة الإسلامية” الطبعة الثانية،1989 مؤسسة الرسالة، بيروت،ص29.

[8]: مسند الإمام أحمد بن حنبل:” مع الفتح الرباني لأحمد عبد الرحمن البنا” دار الحديث،القاهرة، الجزء15، ص207.

[9] : Marie christine Rouault ,Droit Adminstratif ,gualion , ed, paris, 2002,p. 67.

[10]: عادل السعيد أبو الخير:”اجتهاد القاضي الاداري في مجال الحقوق والحريات” ، مجلة الاجتهاد القضائي ،مخبر الاجتهاد القضائي،جامعة محمد خيضر بسكرة،العدد 02،نوفمبر 2005،ص 2و348.

[11]: بن حليمة إبراهيم: ” تطور مصادر القانون الإداري و أثره على حركة التشريع اتساعا و انحصارا”، مجلة الإجتهاد القضائي العدد الثالث ، بسكرة ، سنة 2006، ص 163.

[12]: عزري الزين :”القاضي الإداري يصنع القاعدة القانونية” ، مجلة الإجتهاد القضائي ، مخبر أثر الإجتهاد القضائي و أثره على حركة التشريع ، جامعة محمد خيضر بسكرة ، العدد الثاني ، نوفمبر 2005، ص 108.

[13]: عبد الجليل مفتاح ، مصطفى بخوش ، مرجع سابق، ص 331(

[14]: قاسم العيد عبد القادر،”دور القاضي الإداري في حماية الحقوق والحريات الأساسية ” مجلة سداسية تصدر عن مركز التوثيق والبحوث الإدارية المدرسة الوطنية بالجزائر ردمد1111-3561، سنة2000، ص34.

[15] : عزري  الزين ،”القاضي الاداري يصنع القاعدة القانونية”،مجلة الاجتهاد القضائي،مخبر اثر الاجتهاد القضائي و اثره على حركة التشريع ، كلية الحقوق والعلوم الانسانية ، جامعة محمد  خيضر ،العدد الثاني ، بسكرة ، ص 108.

[16]: عبد الجليل مفتاح و مصطفى بخوش،”  دور القاضي الإداري في صنع ، القاعدة القانونية أم تطبيقها” ، مجلة الاجتهاد القضائي، كلية الحقوق والعلوم السياسية جامعة محمد خيضر ، العدد 2، بسكرة، سنة 2005 ، ص 118.

 

[17] : عبد القادر الشيخلي :” ثقافتك القانونية “، دار الثقافة للنشر و التوزيع ، الأردن ، 2005، ص 96.

[18]: فريدة قيصر مزياني :” مبادئ القانون الإداري الجزائري” ، مطبعة عمار قرفي ،باتنة ، طبعة 1،سنة 2001،ص 56.

[19]: عادل السعيد أبو الخير :”المرجع السابق” ، ص 35و36.

[20]  : محمد كامل لیلة:”القانون الدستوري”  سنة 1962 نقلاً عن الدكتور عبد الله طلبة، ص62 وما بعدها الرقابة

على أعمال الإدارة ، دمشق سنة1975.

 

[21]:Fouad Hadjri ,le juge administratif et les réalités  juridiques, Dar el gharb ed,Oran ,2005,p65.

[22]:عمار بوضياف : “النظام القضائي الجزائري ، المرجع السابق ، ص 227،228.

[23]:عزري الزين : “القاضي الإداري يصنع القاعدة القانونية” ، المرجع السابق ، ص108.

[24]: عزري الزين،”القاضي الاداري يصنع القاعدة القانونية”،مجلة الاجتهاد القضائي،مخبر اثر الاجتهاد القضائي و اثره على حركة التشريع، كلية الحقوق والعلوم الانسانية ،جامعة محمد خيضر ،العدد الثاني،بسكرة، ص303.

[25]: عزري الزين ،”مرجع سابق” ص 303.