إصلاح الإدارة العمومية بين الاكراهات الواقعية والحلول الممكنة على ضوء مقتضيات الدستور الجديد

1,205

إصلاح الإدارة العمومية بين الاكراهات الواقعية والحلول الممكنة على ضوء مقتضيات الدستور الجديد

مصطفى ميمون

طالب باحث بسلك الدكتوراه

جامعة عبد المالك السعدي

كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية طنجة

إطار لدى وزارة الداخلية

 

 

الإنسان كائن اجتماعي بطبيعته، يحتاج دائما إلى الاستعانة بخدمات غيره من الناس لضمان وجوده وبقائه[1]، غير أن العيش داخل مجتمع يتكون من مجموعة من الأفراد من شأنه أن يؤدي إلى تعارض وتضارب مصالحهم، فينتشر بالتالي الاضطراب والفوضى داخل المجتمع، مما فرض ضرورة وضع قوانين تؤطر وتنظم علاقات الأفراد ببعضهم من جهة، وعلاقاتهم بالسلطة العامة في الدولة من جهة أخرى.

والمغرب كغيره من الأنظمة القانونية، مر بعدة أحداث أثرت في طبيعة القواعد القانونية المعمول بها من ضمنها القواعد المتعلقة بقانون الوظيفة العمومية.

فباعتبار المغرب بلدا إسلاميا، فإنه عرف مؤسسة الإدارة منذ أن دخل الإسلام إليه في القرن الأول الهجري، معتمدا في ذلك على أحكام الشريعة الإسلامية السمحة[2] وقواعد المذهب المالكي[3]. وقد ظل هذا الوضع ساريا بالمغرب إلى أن فُرضت عليه معاهدة الحماية في 30 مارس من سنة 1912، حيث استمر العمل بهذا النظام – نظام الحماية- إلى غاية سنة 1956، حيث انتزع المغرب استقلاله وأعيد النظر في النصوص التي صدرت في عهد الحماية لسد الفراغ التشريعي الذي كان ملاحظا في بعض المجالات وإخضاعها لخصوصيات الواقع المغربي الأصيل.

ومن أهم النصوص التي صدرت خلال هذه الفترة، يمكن الإشارة إلى النظام الأساسي للوظيفة العمومية بتاريخ 24 فبراير 1958، الذي تضمن قواعد تتولى تنظيم الإدارة العمومية ونشاطها وكيفية عملها، وطرق تعيين الموظفين وما يتمتعون به من حقوق وما يفرض عليهم من واجبات.

إلا انه بالرغم من تغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية السائدة، فإن النظام الأساسي للوظيفة العمومية المذكور، لا زال يحمل مقتضيات تعود لحقبة الخمسينات لا تواكب التطور الذي يعرفه المغرب المعاصر في شتى المجالات، الأمر الذي يفرض على المشرع التدخل من جديد لتعديل قانون الوظيفة العمومية بما يتماشى وخصوصيات الواقع المغربي الحديث، وبما يراعي حقوق الموظف العمومي من جهة، ومصالح المواطنين والمستثمرين من جهة ثانية.

كل ذلك ينعكس سلبا على فعالية المرافق العمومية في تقديم خدمات جيدة للمواطنين، الأمر الذي يفرض على المشرع، أكثر من أي وقت مضى، التدخل من جديد لتعديد النظام الأساسي للوظيفة العمومية وتحديثه، خدمة للمرتفقين، والمستثمرين بوجه عام.

لذا، فإن أي إصلاح للنظام المذكور، لا يمكن أن يحقق النتائج المرجوة منه،إلا باعتماد مقاربة تشاركية تأخذ بعين الاعتبار أراء كل من الدولة والموظف والمواطنين، نهيك عن أراء مختلف الفاعلين والمتدخلين في الشأن الإداري.

كما نجزم، بأن انفتاح الإدارة العمومية بالمغرب على محيطها الخارجي بما يخدم مصالح المرتفقين، رهين بتظافر جهود الأطراف الثلاث؛ الدولة، الموظف، ثم المواطن، فضلا عن تحديث آليات الاشتغال وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة داخل المرفق العمومي.

ولقد تم تكريس هذا التوجه في دستور 2011، الذي حث على تغيير أنماط التدبير الإداري والمالي، والالتجاء إلى التقنيات الحديثة للتنظيم المتمثلة في الحكامة الجيدة، والاستغناء عن الطرق التقليدية. وانطلاقا من هذه المحطة الدستورية أصبح موضوع الحكامة أكثر اهتماما من قِبل الباحثين والمهتمين بمجال التدبير العمومي، وعلى هذا الأساس سنحاول دراسة هذا الموضوع.

والسؤال الذي يطرح في هذا الإطار، يدور حول أهم الاكراهات التي تعتري تدبير الإدارة العمومية بالمغرب؟ واهم الحلول الكفيلة بتجاوز هذه الاكراهات بما يضمن جودة الخدمات الإدارية؟.

للإجابة على هذه الأسئلة، ارتأينا معالجة هذه الموضوع في مبحثين، نتناول في الأول الاكراهات التي تعاني منها الإدارة المغربية، وفي الثاني أهم الحلول الكفيلة بتجاوزها.

المبحث الأول: الإشكالات التي تعاني منها الإدارة المغربية

يمكن إجمال أهم العوائق التي تحد من فعالية الخدمات التي تقدمها الإدارة العمومية للمرتفقين؛ في جمود النصوص القانونية التي تعود لحقبة الخمسينات وما تتضمنه من تعقيدات مسطرية (الفقرة الأولى)، ثم إلى الاكراهات التي ترجع إلى ممارسات بعض الموظفون وبعض المرتفقين (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الاكراهات التشريعية والمسطرية.

من البديهي الحديث عن الثغرات والنقائص التي تعتري النصوص القانونية، ما دام أن القانون الوضعي، وخلافا للتشريع الإلهي، من صنع الإنسان، فهذا الأخير مهما كانت اجتهاداته؛ فإنه قد يصيب وقد يخطئ، لهذا كان من الأجدر تحيين النصوص القانونية مع تغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية السائدة في كل بلد.

وإذا كان التشريع الإلهي صالح لكل زمان ومكان، فإن نظيره الوضعي يحتاج بين الفينة والأخرى إلى التغيير والتجديد بما يتماشى ومتطلبات العصر وحاجيات الإنسان.

فالإدارة التي تعتبر أهم موضوعات العصر، تتقاطع في إطارها جميع العمليات الاستثمارية وتحقيق المشاريع والمخططات وانجاز البرامج والخطط التنموية وتقديم الخدمات المتعددة للمواطنين[4].

ولهذا كان من الضروري، تحديد أهم الإشكالات التي تعترض سيرها بما يخدم مصالح المواطنين والمقاولات وغيرها من المرتفقين.

فبقاء النظام الأساسي للوظيفة العمومية كما تم إصداره في فترة الخمسينات، دون تحيينه، وتعديله، لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يساير المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يعرفها المغرب، خاصة مع انفتاحه على العالم الخارجي وتوقيعه على مجموعة من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية ذات الطابع التجاري والاستثماري.

بحيث أن تحسين مناخ الاستثمار ببلادنا، يتطلب تحديث منظومة المال والأعمال، وتبسيط الإجراءات الإدارية والتعقيدات المسطرية، علاوة  على تكريس مبادئ الحكامة الجيدة، وحوسبة المرافق العمومية.

الحكامة الجيدة للمرفق العام، تتطلب مساطر مبسطة وتراتبية إدارية مصغرة، تكون سهلة وفي متناول المواطنين إتباعها، والأهم في هذا المحور هو عدم تركيز السلطة في يد شخص أو جهة معينة، فضعف التفويض يؤدي إلى التأخر في صدور القرارات الإدارية وكذا إلى تكدس الملفات وتراكمها نتيجة انتظار الموافقة أو إمضاء الجهات العليا، مما يؤدي إلى إرباك السير العام للمرفق وإحباط المرؤوسين وتكريس نوعا من عدم الرضا في نفوس المرتفقين، وهكذا فإن تفويض الصلاحيات والاختصاصات يقلص من مسألة الشطط في استعمال السلطة، ويساهم في تسريع وثيرة حصول المواطنين على خدمات الإدارة وعدم طول انتظارهم.

ومن أجل إصلاح الإدارة، مر المغرب من عدة محطات منذ سنة 1981 بتشكيل لجنة وطنية للإصلاح الإداري، بحيث فحصت المشاكل التي تواجه الإدارة، وأصدرت مجموعة من التوصيات إلا أن غالبيتها تمحورت حول المشاكل القانونية، كمراجعة القانون الأساسي للوظيفة العمومية، وإصلاح الهياكل الإدارية. وجاء تقرير البنك الدولي لسنة 1995 صادما لواقع الإدارة المغربية، ودعا إلى إصلاحات مستعجلة، معتبرا أن طرق تسيير الإدارة جد تقليدية، فضلا عن روتينية العمل الإداري وجمود المساطر وغياب النزاهة والشفافية، دون أن يغفل المركزية المبالغ فيها .ثم جاءت المناظرة الوطنية الأولى حول الإصلاح الإداري، والتي انعقدت بتاريخ 7 و 8 ماي 2002، والتي رفعت شعار “الإدارة المغربية وتحديات 2010″، ويمكن إجمالها فيما يلي: دعم اللاتركيز الإداري وإعادة تحديد مهام الإدارة؛ ودعم الأخلاقيات بالمرفق العام؛ وتأهيل الموارد البشرية وتطوير أساليب تدبيرها؛ وإصلاح منظومة الأجور في الوظيفة العمومية؛ وتحسين علاقة الإدارة بالمتعاملين معها؛ وتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية؛ وأخيرا تنمية استعمال تكنولوجيا المعلوميات والاتصال.

الفقرة الثانية: غياب حس المسؤولية من طرف الموظف والمرتفقين.

لا يختلف اثنان في كون ضعف التكوين الذي يتلقاه بعض الموظفون؛ سواء خلال فترة الدراسة بأسلاك الجامعات[5]، أو خلال دوارات تدريب التي تنظمها القطاعات الوزارية بعد كل عملية توظيف، ينعكس سلبا على مردودية وجودة خدمات المرافق العمومية.

فغياب حس المسؤولية وانعدام الضمير، من أكثر الممارسات التي تطغى على العمل الوظيفي لأغلب موظفي الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية، نهيك عن التهاون في احترام مواقيت العمل القانونية، وعدم التعامل مع مطالب المرتفقين بروح الوطنية والمواطنة.

إذا كان للموظف حقوق، فإن القانون؛ اوجب عليه مجموعة من الالتزامات يتعين عليه القيام بها تحت طائلة المسؤولية القانونية؛ المدنية والجنائية منها، بحيث يتوجب عليه أن يتحلى بواجب الوقار والشرف والمروءة والمهنية بما يخدم مصالح المواطنين في جو من الشفافية والنزاهة ونكران الذات.

فالوظيفة واجب وتكليف، وليست امتياز كما يرى البعض، ومن ثم يتوجب على كل من يعتلي هذا المنصب، مراعاة هذا المبدأ بما يحقق طموحات المواطنين في الاستجابة لمتطلباتهم وطموحاتهم بشكل مناسب.

إلا انه، أكثر ما يعرقل السير العادي للمرفق العمومي؛ الالتحاق المتأخر للموظف بمكتبه ومغادرته قبل الموعد القانوني المحدد لذلك، إضافة إلى بعض الظواهر السلبية التي يمارسها بعض الموظفون؛ كالأسلوب المنحط والبذيء الذي لا يتناسب مع حجم مسؤوليتهم تجاه المواطنين، أضيف إلى ذلك، الزبونية والمحسوبية في تقديم الخدمات الإدارية للمرتفقين، وما يرافقها من مطالب بالرشوة والإتاوات واستغلال النفوذ وغيرها من أشكال الفساد الإداري.

الغريب في الأمر، أن هذه الممارسات، أصبحت تجد لها قبولا وتبريرات  داخل فئات عريضة من المجتمع، باعتبارها اقتصادا موازيا يساهم في تسهيل التعامل مع الإدارة وتجاوز رتابة وتعقد مساطرها.

ومن ثم، تعتبر الموارد البشرية العامل الأساسي في تطوير وتحديث الإدارة المغربية، وعلى هذا الأساس، فإن إشكالية تدبير هاته الموارد من الأمور التي تشكل حاجزا أمام تحقيق حكامة جيدة، فحسن التدبير لا يمكن أن يتم إلا إذا وكلت إدارة أقسام ومصالح الموارد البشرية لمن لهم رصيد مهم من التجارب ولهم دراية وتكوين في هذا التخصص.

وتجدر الإشارة، إلى أن جل هذه السلوكات تأتي نتيجة الاختيار السيئ لأعوان المرافق العمومية، بحيث لا يراعى فيه مبادئ الشفافية والنزاهة والكفاءة والخبرة بقواعد التدبير الإداري الحديث والتكوين الجيد القائم على”الاستحقاق”[6].

وإذا كانت هذه بعض الاكراهات التي تحد من فعالية خدمات المرافق العمومية والعائدة إلى الموظفي العمومي، فإن المواطن بدوره ليس بمنأى عن ذلك، بل هو بنفسه، كل حسب مستواه الثقافي، يساهم في استمرار هذه السلوكات الصادرة عن أعوان المرافق العمومية، سواء عن طريق دفع المال الحرام لقاء الحصول على خدمة عمومية، أو من خلال عدم فضح هذه الممارسات وتقديم بدائل للتدبير العمومي بما يحققه مطالب وطموحات المواطنين. وهذا رهين بالدرجة الأولى بارتفاع سقف الوعي لدى المجتمع، وقد جاء الدستور الجديد بما يخول للمواطنين والمواطنات إمكانية تقديم ملتمسات وعرائض إلى السلطات العمومية فيما يخص تنفيذ السياسات العمومية والدفاع عن حقوقهم[7].

المبحث الثاني: الحلول الكفيلة بتجاوز الاكراهات التي تعرفها الإدارة بالمغرب.

إذا كانت إدارة القرب تعد إفرازا طبيعيا للممارسة الديمقراطية، فإنها في نفس الوقت تعتبر أسلوبا متقدما في تدبير القضايا المحلية، وهو أسلوب يفترض أن يكون مسايرا لمختلف التطورات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يشهدها المجتمع، مما يحتم إدخال مجموعة من الإصلاحات والتعديلات على التنظيم الإداري للدولة، حتى يستطيع أن يواكب هذه التحولات، وتحتل خلالها إدارة القرب المكانة المتميزة باعتبارها الأداة الأساسية لتحقيق التنمية المحلية وتنظيم أمور المواطنين وتدبير شؤونهم وإشباع رغباتهم.

وتحقيقا لذلك، يتعين على المشرع المغربي التدخل لإعادة تموقع الإدارة العمومية، خاصة في مهامها المتمثلة في تقديم خدمات للمواطنين وتنشيط التنمية الوطنية والمحلية، حيث كان من الضروري في ظل الدستور الجديد الانتقال إلى مرحلة جديدة من التدبير الجيد والديمقراطية التشاركية، والتي تتمثل أسسها في دعم أساليب العصرنة والتحديث مع تدعيم وترسيخ قواعد الحكامة الجيدة التي جاء بها الباب الثاني عشر من الدستور.

وبناء عليه، سنتناول هذه الموضوع؛ من خلال مطلبين، نخصص الأول للحديث عن عصرنة الإدارة العمومية بما يتماشى والتطور التكنولوجي الذي يعرفه العالم، بينما سنخصص الثاني للحديث عن إرساء مبادئ الحكامة الجيدة في تدبير الشأن الإداري.

المطلب الأول: تحديث منهجية الاشتغال داخل المرافق العمومية

إن أي تحديث للإدارة العمومية، يتطلب بالدرجة الأولى؛ ترتيبا عميقا وذلك باعتماد  فهم مدقق لأداء الإدارة العمومية، مما يقتضي تحقيق تعاون تداخلي بين الإدارات المعنية، وكذا تقاسم الرؤية بين مختلف الهيئات[8].

وتمثل تكنولوجيا المعلومات والاتصال رافعة أساسية لتحديث القطاع العمومي، فأمام محيط يعرف تحولات متواصلة واكراهات مختلفة، تجد الإدارة نفسها، بكل مكونتها، مدعوة إلى التلاؤم مع هذا السياق والى تبسيط المساطر لإنجاح مشروع التغيير الذي تحدثه الوسائل التكنولوجية في أفق إقرار إدارة الكترونية[9].

إذ أن إدراج هذه الوسائل في التدبير الإداري، قد يساهم في إحداث تغييرات ايجابية على العلاقة بين الإدارة والمتعاملين معها.

وتحقيقا لذلك، فإن تحديث الإدارة، يتطلب المرور عبر الاعتماد على التكنولوجيات الجديدة من أجل تسهيل ولوج المواطنين لمختلف الخدمات الإدارية الأساسية بشكل معلوماتي وتخفيف العبء الإداري.

كل هذا، لن يتأتى، إلا من خلال اعتماد مبادئ الشفافية والنزاهة في الولوج إلى مناصب المسؤولية بعيدا عن اعتبارات الزبونية والمحسوبية، إضافة إلى اعتماد معايير الكفاءة والتكوين الجيد للأطر بمناسبة كل عملية توظيف تقوم بها الدولة، بما فيه حسن استخدام البرامج المعلوماتية، الشيء الذي سيساهم في تفعيل الاوراش الكبرى التي انخرط فيها المغرب مطلع القرن الواحد والعشرون خاصة منها ورش الحكومة الالكترونية ومخطط المغرب الرقمي 2013[10].

وهكذا، فإن استغلال تكنولوجيات الإعلام والتواصل الحديثة من شأنه إعادة تشكيل عميق للخدمات العمومية بما يحقق أكثر فعالية وكفاءة موجهة كليا لخدمة المواطن والمقاولة، وتقريب الإدارة من حاجيات المرتفقين من حيث الجودة والشفافية.

غير أن مشروع تحديث الإدارة، لا يمكن أن يحقق الأهداف المرجوة من إطلاقه، إذا لم يرافقه تبسيط للمساطير الإدارية وعقلنتها بما يساهم في تطوير جودة الخدمات العمومية ودعم شفافية العلاقة بين الإدارة والمرتفقين وتحسين مناخ الاستثمار ببلادنا.

المطلب الثاني: ترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة في تدبير الشأن العام

تعتبر الحكامة الجيدة مقاربة عصرية في صنع القرار والتدبير الجيد للشأن العام، تعتد بتطوير المفاهيم التقليدية المستعملة في مجال التدبير، وهي تعبر عن ممارسة السلطة السياسية وإدارتها لشؤون المجتمع بمستوياته (الترابية والوطنية والعالمية) وموارده المختلفة، عن طريق منهجية للعمل المتعدد الأطراف (سلطة عمومية، قطاع خاص، ومجتمع مدني)[11]، وعن طريق آليات للفعل تعتمد معايير حكماتية من قبيل (المشاركة، المشروعية، الشفافية، والمسؤولية…الخ)، وذلك لهدف عام هو تحقيق شرط التنمية بأبعادها (السياسية، الاقتصادية والاجتماعية)، وهي بذلك عبارة عن آلية أو منهجية أو نسق، يتطلب التعدد في الأطراف المتدخلة، والتنوع في الأسس والمرجعيات المعتمدة، والتوحد في الغاية والهدف العام وهو تحقيق شرط التنمية المجتمعية الشاملة[12].

وفي ظل هذا التوجه، يعتبر مفهوم الحكامة الجيدة من أقوى المفاهيم التي جاء بها الدستور المغربي الجديد، كتعبير عن الفلسفة العامة التي أسسها من اجل إحداث التغيير المنشود، والحد من الفساد وسوء التدبير الذي تعاني منه مؤسسات الدولة والمجتمع[13]. فقد خصص الدستور الجديد للحكامة الجيدة بابا كاملا _الباب الثاني عشر _ من 18 فصلا (الفصول 154 إلى 171)، ينقسم إلى شقين، يتعلق الأول بالمبادئ العامة، والثاني بتحديد المؤسسات والهيئات العاملة على تفعيل هذه المبادئ[14].

وهكذا، وفي سبيل ضمان حسن أداء المرافق العمومية _بمختلف أنواعها _ لأنشطتها وتلبيات حاجيات المرتفقين في أحسن الظروف، أخضعها الدستور المغربي الجديد لمجموعة من المبادئ العامة لحكامة تدبير الشأن العام، والتي يمكن إجمالها في ما يلي[15]:

أولا:المساواة والاستمرارية

تشكل المرافق العمومية هوية المجتمع ومعيار رقيه أو تأخره، حتى باتت التعبير القانوني لفلسفة سياسة الدولة، والمرتكز الأساسي في تحديثها، ويعتبر العمود الفقري للدولة الديمقراطية، وأداة لتطبيق إستراتيجية التنمية وتنفيذ البرامج الحكومية، ومن هنا تأتي صوابية العلاقة بين المرفق العام والمجتمع، والمعبر عنها بأن كل تخليق في المرافق العمومية هو تخليق في المجتمع نفسه، لذلك أولى الدستور المغربي الجديد أهمية خاصة لمبادئ الحكامة الجيدة في تنظيم المرافق العمومية على أساس المساواة بين المواطنات والمواطنين في الولوج إليها، والإنصاف في تغطية التراب الوطني والاستمرارية في أداء الخدمات[16].

يعد مبدأ المساواة من الضمانات الأساسية التي جاء بها الدستور المغربي الجديد، جاعلا منها قاعدة مهمة في الولوج إلى الخدمات التي تقدمها الإدارة العمومية على أساس المساواة بين جميع الأفراد دون تمييز بينهم بسبب الدين أو اللون أو العرق أو اللغة، ولا فرق بين غني و فقير أو رجل وامرأة أو كبير و صغير، متى توفرت فيهم شروط الاستفادة من تلك الخدمات، سواء فيما يخص الاستفادة من خدماتها أو المساهمة في تحمل أعبائها من جهة ثانية.

والى جانب مبدأ المساواة، ارتقى الدستور المغربي بمبدأ أخر، وهو مبدأ الاستمرارية، إلى درجة قاعدة دستورية، جاعلا منه الضمانة الأساسية في أداء الإدارة العمومية خدماتها على وجه الدوام والاستمرار ودون انقطاع، والقرب من المواطنين. وعلى المرفق العمومي الاستمرار في تقديم خدماته حتى في حالة التناوب على عملية التدبير الإداري بين النخب السياسية، إذ لا يتصور أن حكومة معينة وقعت التزامات واتفاقات إدارية أثناء فترة انتدابها، ثم تأتي حكومة بعدها تتنكر لتلك الالتزامات، لأن من شأن ذلك أن يؤدي إلى نتائج سلبية على المتعاملين مع المرفق العمومي خاصة لارتباط هذا الأخير بمصالحهم اليومية من جهة ثانية.

ثانيا: الجودة والشفافية

في سبيل إرساء مسلك الحكامة الجيدة في تدبير الشأن العام، باعتبارها نظام جديد لتدبير الفعل العمومي، ألزم الدستور المغربي المرافق العمومية باعتماد مبادئ حديثة والتي تقوم على معايير الجودة والشفافية، وجعلها تخضع في تسييرها للمبادئ والقيم الديمقراطية التي اقرها الدستور المغربي الجديد، من اجل استعادة ثقة المواطنين في الإدارة العمومية، وإعادة الاعتبار لنبل المرفق العمومي.

ثالثا: المحاسبة والمسؤولية

كما اوجب الدستور المغربي الجديد على المرافق العمومية، باعتماد مبدأي المسؤولية والمحاسبة، وهي من أهم المعايير المعمول بها في دولة الحق والقانون.

وقد اقر الدستور المغربي الجديد ربط المسؤولية بالمحاسبة، في تدبير الشأن العام، في الفصل الأول منه، والذي نص في الفقرة الثانية على انه “يقوم النظام الدستوري للمملكة على أساس فصل السلط، وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة”.

هذه المبادئ، من شأنها أن تقطع الطريق على أصحاب النوايا السيئة في تدبير السياسات العمومية وتنفيذها، كما أنها ستساهم في التصدي لإساءة استخدام السلطة والنفوذ وتبذير المال العام. وهي معايير كفيلة بإعادة ثقة المغاربة في مؤسساتهم، وفي الحياة السياسية والاهتمام بالشأن العام.

رابعا: النزاهة والحياد

ألزم الدستور المغربي أعوان المرافق العمومية عند ممارسة وظائفهم، الخضوع لمبادئ احترام القانون والحياد والشفافية والنزاهة والمصلحة العامة[17]، وقد ارتقى المشرع الدستوري بهذه المبادئ إلى مصاف القواعد الدستورية نظرا للدور الذي أصبح يحتله العنصر البشري العامل بالمرافق العمومية والحاجيات المتعددة التي يقوم بها، ليس الإدارية فحسب، بل الاقتصادية والاجتماعية والمالية، وهكذا لا تنمية بدون عنصر بشري كفء.

يمثل العنصر البشري الركيزة الأساسية لكل عملية تنمية في معظم الأنظمة المعاصرة، لهذا كان بالضرورة، دسترة الحكامة المرفقية، لضمان حسن سير الإدارة العمومية لما فيه مصلحة عموم المواطنين، وتحقيق العدل والإنصاف بين الناس، ودرءا لكل الشبهات.

خامسا: المراقبة والتقييم

اوجب المشرع الدستوري المرافق العمومية بتلقي ملاحظات مرتفقيها، واقتراحاتهم وتظلماتهم، وتؤمن تتبعها كأحد المظاهر الأساسية لحكامة الإدارة العمومية[18]، من اجل تجاوز عجز الإدارة عن تحقيق طموحات المواطنين في الاستجابة لمتطلباتهم وطموحاتهم بشكل مناسب، وتجاوز الإشكالات التي تعيق التواصل بين الإدارة والمواطن.

كما ألزم الدستور المغربي المرافق العمومية بتقديم الحساب عن تدبيرها للأموال العمومية، طبق للقوانين الجاري بها العمل، وتخضع في هذا الشأن للمراقبة والتقييم، غايته المثلى في ذلك توفير هذه المرافق المعلومات الدقيقة في وقتها، وإفساح المجال أمام الجميع للاضطلاع على المعلومات الضرورية، الأمر الذي يساعد على اتخاذ القرارات الإدارية المناسبة توسيعا لدائرة المشاركة والرقابة والمحاسبة، باعتبارها مقومات للمقاربة الجديدة لمنظومة الحكامة في المجال الإداري، إذ أنها عناصر ذات “جرأة حكامتية” قوية إذا ما قورنت بعناصر مطلب الإصلاح الإداري أو بمفاهيم مثل التنمية والتحديث الإداري، والتي بالإمكان اعتبارها هي الأخرى مداخل كبرى للحكامة الإدارية[19].

والجدير بالذكر، أن تنزيل ورش الحكامة المرفقية رهين بصدور ميثاق المرافق العمومية والجهات والجماعات الترابية الأخرى والأجهزة العمومية[20]. بحيث يشكل هذا الميثاق لبنة جديدة لإرساء الحكامة الجيدة في تدبير الشأن العمومي، يحدد التزامات الإدارة وأعوانها وقواعد تنظيمها وتدبيرها والقواعد المنظمة لعلاقة الإدارة بالمرتفق، وسن قواعد التدقيق الإداري وتعليل القرارات الإدارية ونشرها وقياس الأداء والجودة وعقلنة وترشيد الهياكل الإدارية لتفادي تداخل الاختصاصات وتضخم المصالح الإدارية، بناء على انجاز عمليات تدقيق تنظيمي بصفة مستمرة.

كما يشكل ميثاق المرافق العمومية سياسة تدبيرية تجعل من  الموارد البشرية قطب الرحى في إعداد وتنفيذ السياسات العمومية، باعتماد عدة إجراءات تشمل مواصلة الإصلاحات الهيكلية الشاملة والعميقة لمنظومة تدبير الموارد البشرية، والمتضمنة لمناهج حديثة تأخذ بعين الاعتبار الوظائف والكفاءات، وتقييم الأداء، وتثمين التكوين المستمر، اعتماد الكفاءة والاستحقاق والشفافية في ولوج الوظائف العمومية، وتولي المناصب العمومية، وتقييم سياسة التكوين الإداري، في أفق إعادة النظر في التكوين الموجه للإدارة العليا.

خلاصة القول، إن الرهان الأساسي في وقتنا الحاضر، بشأن تحديث الإدارة المغربية، متوقف بالأساس على تفعيل مبادئ الحكامة الجيدة التي جاء بها الدستور، والعمل على تأهيل العنصر البشري بالتكوين المستمر، وتكوينه على تكنولوجيا المعلوميات لاستخدامها في علاقته بالمواطنين، وتظافر جهود كل الفاعلين والمهتمين، بدءًا بالمواطن، الموظف، الدولة، منظمات المجتمع المدني، الأحزاب السياسية، النقابات، على التفعيل الأمثل والجدي لإدارة القرب والإدارة المستقبلة والمتواصلة والشفافة والمنتجة والمسؤولة.

[1] محمد بنحساين: “مدخل لدراسة القانون الوضعي”، مطبعة الرباط نيت المغرب، الطبعة الأولى 2006، الصفة 7.

[2] فمبادئ هذه الشريعة السمحاء باعتبارها مصدرا من مصادر القانون الإداري هي التي تضمن احترام مبدأ الشرعية الذي يخضع له جميع القوانين.

[3] ومما يدل على النظام الذي كان معمول به قبل فترة الحماية ينطوي على أحكام الشريعة الإسلامية، إنشاء الدواوين أو ما يعرف حاليا بالوزارة كديوان الشكايات، وكذلك إنشاء القضاء الإداري الذي كان يعرف بولاية المظالم، ذلك أن الرسول صل الله عليه وسلم حينما أرسل معاذ ابن جبل وليا على مصر، فقال له بماذا تحكم إن عرض لك عارض فقال: “احكم بكتاب الله، قال فإن لم تجد قال بسنة رسول الله، قال فإن لم تجد في سنة رسول الله فقال اجتهد رأيي ولا ألو”. انظر صحيح البخاري.

[4] التوفيق السعيد: “مدخل لدراسة القانون الإداري”، مطبعة طوب بريس_الرباط، الطبعة الأولى ابريل 2006، الصفحة 7.

[5]  الإشكال الكبير الذي تعاني منه اغلب الجامعات المغربية، يكمن في غياب تخصصات مهنية، تروم تكوين العنصر البشري على مختلف المجالات، منها البرامج تعنى باستخدام تكنولوجيا المعلوميات بشكل يتناسب وحاجيات السوق.

[6] الفصل 31 من الدستور المغربي الجديد الذي نص على: “ولوج الوظائف العمومية حسب الاستحقاق”.

[7]نص الدستور المغربي الجديد في الفصل 14 على انه: “للمواطنين والمواطنات، ضمن شروط وكيفيات يحددها قانوني تنظيمي، الحق في تقديم اقتراحات في مجال التشريع”، كما نص الفصل 15 منه على انه: “للمواطنين والمواطنات الحق في تقديم عرائض إلى السلطات العمومية.

ويحدد قانون تنظيمي شروط وكيفيات ممارسة هذا الحق”.

[8] الموقع الالكتروني للحكومة المغربية:

الحكومة-الالكترونيةwww.maroc.ma/ar/content/

[9]الإدارة الالكترونية، وزارة الوظيفة العمومية وتحديث الإدارة، منشور على موقع الالكتروني للوزارة التالي:

www.mmsp.gov.ma

 

[10] يروم مخطط المغرب الرقمي الذي تم تقديمه أمام أنظار جلالة الملك محمد السادس في اكتوبر 2009، إلى استعمال تكنولوجيات الاتصال الحديثة بالقطاع العمومي، وقد انبثق عن المشروع منذ انطلاقه عدة خدمات منها: نظام تدبير الجوازات البيومترية المغربية وبوابة الخدمات العمومية، وبوابة الخدمات الضريبية عن بعد وبوابة الصفقات العمومية وغيرها.

[11] عبد العزيز أشرقي: “الحكامة الجيدة (الدولية، الوطنية والجماعية) ومتطلبات الإدارة المواطنة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2009، ص 10.،

[12] كريم لحرش: “مغرب الحكامة: التطورات، المقاربات والرهانات”، مطبعة طوب بريس، الرباط، الطبعة الثانية 2011، الصفحة 30.

[13] كريم لحرش: “الدستور الجديد للمملكة المغربي” شرح وتحليل، سلسلة العمل التشريعي والاجتهادات القضائية، العدد 3، طبعة 1433-2012، الصفحة 206.

[14] تم تصنيف هيئات ومؤسسات الحكامة الجيدة في ظل الدستور المغربي الجديد إلى ثلاث أصناف؛ الصنف الأول يشمل الهيئات التي تعنى بحماية حقوق الإنسان والنهوض بها وهي المجلس الوطني لحقوق الإنسان (الفصل 161)، الوسيط (الفصل 126)، مجلس الجالية المغربية بالخارج (الفصل 163)، والهيئة المكلفة بالمناصفة ومحاربة جميع أشكال التميز (الفصل 164)، والصنف الثاني يعنى بالحكامة الجيدة والتقنين، وهي الهيئة للاتصال السمعي البصري (الفصل 165)، ومجلس المنافسة (الفصل 166)، والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها (الفصل 167)، بينما الصنف الثالث والأخير يعنى بالنهوض بالتنمية البشرية المستدامة والديمقراطية التشاركية ويتعلق الأمر بالمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي (الفصل 168)، والمجلس الاستشاري للأسرة و الطفولة (الفصل 169)، والمجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي (الفصل 170).

[15]نص الفصل 154 من الدستور المغربي الجديد على انه: “يتم تنظيم المرافق العمومية على أساس المساواة بين المواطنات والمواطنين في الولوج إليها، والإنصاف في تغطية التراب الوطني، والاستمرارية في أداء الخدمات.

تخضع المرافق العمومية لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية، وتخضع في تسييرها للمبادئ والقيم الديمقراطية التي اقرها الدستور”.

[16] كريم لحرش: “الدستور الجديد للمملكة المغربي” شرح وتحليل، مرجع سابق، الصفحة 206.

[17] نص الفصل 155 من الدستور على انه: “يمارس أعوان المرافق العمومية وظائفهم، وفقا لمبادئ احترام القانون والحياد والشفافية والنزاهة والمصلحة العامة”.

[18] جاء في الفصل 156 من الدستور: “تتلقى المرافق العمومية ملاحظات مرتفقيها، واقتراحاتهم وتظلماتهم، وتؤمن تتبعها. تقدم المرافق العمومية الحساب عن تدبيرها للأموال العمومية، طبقا للقوانين الجاري بها العمل، وتخضع في هذا الشأن للمراقبة والتقييم”.

[19]كريم لحرش: “الدستور الجديد للمملكة المغربية”، شرح وتحليل، مرجع سابق، ص 209.

[20] ينص الفصل 157 من الدستور: “يحدد ميثاق للمرافق العمومية قواعد الحكامة الجيدة المتعلقة بتسيير الإدارات العمومية والجهات والجماعات الترابية الأخرى والأجهزة العمومية”.