إشراك المواطن في إدارة الشأن العام صالح الراشدي طالب بسلك الدكتوراه بجامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي

53

إشراك المواطن في إدارة الشأن العام
صالح الراشدي
طالب بسلك الدكتوراه بجامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي

مقدمة:
أصبحت المشاركة في الحياة السياسية ركيزة أساسية للديمقراطية، وهي لا تمثل غاية بل هدفا ووسيلة، فهي هدف لأن الحياة الديمقراطية ترتكز على إشراك المواطنين في تحمل مسؤوليات وطنهم والسعي الدؤوب لتحقيق مصالحه، وهي وسيلة لصياغة نمط الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الدولة، فالمشاركة السياسية تعتمد اعتمادا كبيرا على درجة الوعي السياسي بالبيئة الاجتماعية والقضايا الراهنة .
ولذلك تعتبر عملية إشراك المواطن في تدبير الشأن العام أعلى مستويات الديمقراطية ودليل على وعي المجتمع ونضجه السياسي. وهنا، ظهرت العديد من الآليات التي يتم من خلالها العمل على ضمان مشاركة المواطنين في مسلسل اتخاذ القرارات العمومية، حيث تعتبر هذه الآليات أهم المداخل الفعالة لتحقيق المشاركة المدنية المواطنة في مجال السياسات العمومية، وتحقيق التنمية في مختلف أبعادها، وتجويد عمل المرافق العمومية.
كما أن إشراك المواطن في مسلسل اتخاذ القرارات العمومية وفي مجال السياسات العمومية، تعتبر المدخل الأساسي لضمان الانخراط الإيجابي للمواطنين في تدبير الشأن العام، وتشكل آلية هامة لتقييم السياسات العمومية على المستويين الوطني والمحلي، لأنها تشكل نموذج حي للرقابة الشعبية والمجتمعية على متخذي القرارات، وبالتالي تحقيق أكبر قدر من الفعالية في تدبير الشأن العام.
وإذا كان مفهوم إشراك المواطن يدخل ضمن إطار أوسع هو إطار الديمقراطية التشاركية كنتيجة حتمية لإفرازات الدولة الحديثة التي تصحح مسارها باستمرار من خلال تجاوز مطبات الديمقراطية النيابية وعجز النخب السياسية وبعدها النخب التكنوقراطية عن إشباع الحاجيات المتزايدة للناس، والوفاء بالمتطلبات اليومية للمجتمع، كان ذلك كله يذهب في اتجاه تبني نموذج تدبيري جديد قوامه تفعيل مشاركة وإشراك المواطن في تدبير الشأن العام ووضعه في قلب الفعل العمومي.
لأن النظام السياسي الديمقراطي هو ذلك النظام التي تكون جميع مؤسساته وعملياته تعمل بطريقة أكثر شفافية، حيث هناك سيطرة مشتركة بين المؤسسات، والخدمات المقدمة ذات جودة عالية، والأهم من ذلك وجود مستوى عال من مشاركة المواطنين في عمليات صنع القرار ، الذي بدونها تفرغ العملية الديمقراطية من محتواها وتبقى مجرد شعارات لملء الواجهة السياسية للدولة وإضفاء شرعية مزعومة لا تقف أمام التحديات المتزايدة التي يفرضها العصر الحديث.

المحور الأول: تدبير إشراك المواطن في الفعل العمومي
سنحاول إعطاء نبذة عن أهمية إشراك المواطن في التدبير العمومي قبل أن نتوقف عند تجربة المغرب في تفعيل المشاركة المواطنية على مستوى الدستور الجديد لسنة 2011 وكذلك من خلال القانون التنظيمي للجماعات الترابية.
أولا: في أهمية إشراك المواطن في صنع القرار العمومي
لقد أضحت المشاركة واقعا لا مفر منه، خصوصا بعد التأثير الذي تمارسه تقنيات المعلومات والاتصالات الجديدة التي توفر للمواطنين وسائل لتبادل المعلومات والمعرفة بسرعة. كما أنها توفر فرصًا جديدة للتصويت أو على نطاق أوسع للتدخل في صنع القرار الحكومي. فالتكنولوجيا لا تحدد السياسة ، لكنها تقدم تحديات وفرصًا جديدة.
تتيح الشبكة العنكبوتية فرصا جديدة من الترابط العالمي، التي من المؤكد أنها تسمح بتكثيف الروابط الدولية وتعمل على تدويل الشؤون الداخلية للدول، بل وتتعداها إلى نطاق صنع القرار في العالم. ومن أبرز الأمثلة على ذلك: القضايا الاقتصادية والبيئية، باعتبارهما مجالان ترتبط فيه الأبعاد الوطنية والدولية بقوة أكبر من الماضي. يتجلى تدويل صنع القرار، الذي ينعكس في التشريعات والقواعد والاتفاقيات ويردد صداها على المستوى المحلي، في العديد من القطاعات. إن عملية العولمة باتت لها انعكاسات على سياسة الدولة القومية، ولكنها أيضًا تقلص المساحة المتبقية للسياسة المحلية وتقوض في نهاية المطاف قيمة مشاركة المواطنين في الحياة المحلية، قد يكون المواطنون قادرين على “التفكير عالمياً والتصرف محلياً” لكنهم يتأثرون بقرار صنع في مكان ما ووجد صداه في حيز جغرافي أخر، ببساطة فرضت وسائل الاتصال نمطا جديدا من المشاركة لا مفر للدول من التعاطي معها بشكل إيجابي .
إذا كانت الديمقراطية المباشرة هي أساس الديمقراطية من الناحيتين الفكرية والتاريخية كما حدث في النموذج الأثيني في القرن الخامس قبل الميلاد فإن الديمقراطية غير المباشرة القائمة على التمثيل البرلماني عن طريق الأحزاب السياسية والانتخابات قد انتشرت في العالم الغربي الرأسمالي حيث ارتبطت جذورها بالنظام البرلماني البريطاني ، وأصبحت تعرف بعد ذلك باسم الليبرالية لارتباطها بمبدأ الحرية الفردية فالشعب فيها هو السيد بلا حدود يكلف أقلية من الأفراد بتمثيله في عدد من الوظائف و بإعطاء نتيجة لإرادته بطريقة اكثر انسجاما .
لكن الديمقراطية التمثيلية وإن كانت لا تزال هي المهيمنة، فإنها في كثير من الأحيان لا تمثل الشعب كله خصوصا بعد انخفاض مستويات المشاركة الشعبية في الانتخابات وعزوف كثير من الناس عن الإدلاء بأصواتهم والمشاركة بآرائهم، مما يتحتم عليه التفكير في طرق أخرى لتدبير مشاركتهم في القرار العمومي، لأن ذلك يعني عدم رضاهم عن الطريقة التي يتم بها تمثيلهم والتعبير عن موافقهم بصورة حقيقية، لذلك تبقى الديمقراطية التشاركية رغم مطابها، تقدم فرصا جيدة لإشراك المواطن في الفعل العمومي.
وعليه، بات من المنطقي إعطاء مساحة كبيرة لإشراك المواطن في التدبير العمومي، وبالأخص في السياسات العمومية التي هي بالأصل موجهة إليه، فلا يعقل أن يكون المستفيد من سياسة عمومية معينة لا يقول كلمته فيها ولا يؤخذ رأيه بعين الاعتبار، وإلا فإن نتائجها تكون لها أثار عكسية ضررها أكثر من نفعها .
ثانيا: تجربة المغرب في إشراك المواطن
لقد تضمن دستور 2011 مجموعة من المواد التي تؤطر دستوريا إشراك المواطن من أجل تدبير أفضل للشأن العام، والانتقال من مرحلة ممارسة الديمقراطية التمثيلية إلى مرحلة الديمقراطية التشاركية ، وتوطيدها في مختلف مجالات التدبير للشأن العمومي، حيث نصت مجموعة من المواد على إشراك مكونات المجتمع المدني والأطراف المعنية، ليس فقط في الاقتراح والمراقبة بل أيضا في المشاركة في صياغة وإعداد السياسات العامة للبلاد ومراقبتها ، ويأتي في هذا الإطار الفصل 12 الذي يؤكد في فقرته الثالثة على” تُساهم الجمعيات المهتمة بقضايا الشأن العام، والمنظمات غير الحكومية، في إطار الديمقراطية التشاركية، في إعداد قرارات ومشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية، وكذا في تفعيلها وتقييمها. وعلى هذه المؤسسات والسلطات تنظيم هذه المشاركة، طبق شروط وكيفيات يحددها القانون “.
وكذلك الفصل 13 مؤكدا على أن ” تعمل السلطات العمومية على إحداث هيئات للتشاور، قصد إشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين، في إعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتنفيذها وتقييمها “. وكذلك يمكن ” للمواطنات والمواطنين، ضمن شروط وكيفيات يحددها قانون تنظيمي، الحق في تقديم ملتمسات في مجال التشريع” . كما أن “للمواطنات والمواطنين الحق في تقديم عرائض إلى السلطات العمومية “.
أما على المستوى الترابي فقد جاء الدستور حافلا بإشارات في هذا الاتجاه متضمنا ما يلي:( تضع مجالس الجهات والجماعات الترابية آليات تشاركية للحوار والتشاور، لتيسير مساهمة المواطنات والمواطنين والجمعيات في إعداد برامج التنمية وتتبعها، ويمكن للمواطنات والمواطنين والجمعيات تقديم عرائض، الهدف منها مطالبة المجلس بإدراج نقطة تدخل في اختصاصه ضمن جدول أعماله ) .
كما حمل القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات إشارات واضحة لتفعيل مبادئ الديمقراطية التشاركية أخذا في عين الاعتبار التوجهات التي رسمها دستور 2011، حيث تعاطى القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات مع الديمقراطية التشاركية بشكل ينم عن إرادة حقيقية لتعزيز المسار الديمقراطي التشاركي.
وقد أكد هذا القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات على أن تحدث لدى مجلس الجماعة هيئة استشارية بشراكة مع فعاليات المجتمع المدني تختص بدراسة القضايا المتعلقة بتفعيل مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع تسمى هيئة المساواة وتكافؤ الفرص و مقاربة النوع . وكذلك أكدت المادة 121 على حق المواطنين في تقديم العرائض إلى مجلس الجماعة من أجل إدراج نقطة تدخل في صلاحياته .
وتنص المادة 123 من القانون التنظيمي على أن المواطنات والمواطنين الراغبين في تقديم العريضة يجب أن يكونوا من ساكنة الجماعة أو يمارسوا بها نشاطا اقتصاديا أو تجاريا أو مهنيا ، أن تتوفر فيهم شروط التسجيل في اللوائح الانتخابية العامة ولهم مصلحة مباشرة مشتركة في تقديم العريضة ، على أن لا يقل عدد التوقيعات عن 100 توقيع بالنسبة للجماعات التي يقل عدد سكانها عن 35.000 نسمة و200 توقيع بالنسبة لغيرها من الجماعات أما الجماعات ذات نظام المقاطعات فيجب ألا يقل عدد الموقعين على 400 مواطنة ومواطن.
ومن جملة الشروط التي يجب أن تستوفيها الجمعيات بناءً على المادة 124 من نفس القانون التنظيمي أن تكون الجمعية معترفا بها ومؤسسة في المغرب لمدة تزيد على ثلاث سنوات وان تكون في وضعية سليمة إزاء القوانين والأنظمة الجاري بها العمل وان يكون مقرها أو احد فروعها واقعا بتراب الجماعة المعنية بالعريضة وأخيرا أن يكون نشاطها مرتبطا بموضوع العريضة.
أما عن مسطرة وكيفية إيداع العرائض فذلك ما توضحه المادة 125 من نفس القانون حيث توضع العرائض بادئ ذي بدء لدى رئيس الجماعة الذي يحيلها على مكتب المجلس للتحقق من توفرها على الشروط الضرورية وفي حالة قبولها يخبر رئيس المجلس بذلك وكيل العريضة أو الممثل القانوني للجمعية حسب الحالة ،ثم تسجل في جدول أعمال المجلس في الدورة العادية الموالية وتحال إلى اللجنة أو اللجان الدائمة المتخصصة لدراستها قبل عرضها على المجلس للتداول في شانها.
وفي حالة رفض العريضة يتعين تبليغ المعنيين بالأمر بقرار الرفض وبأسبابه وذلك داخل اجل ثلاثة اشهر ابتداء من تاريخ التوصل بالعريضة .وبمقتضى نص تنظيمي يتم تحديد شكل العريضة والوثائق التي يتعين إرفاقها بها.
يتيح انفتاح المشرع الدستوري المغربي على الديمقراطية التشاركية، خصوصا فيما يتعلق بالمجتمع المدني ومشاركة المواطنين في الملتمسات التشريعية وتقديم العرائض وغيرها، العديد من المميزات، لعل أبرزها أنه يتفادى سلبيات الديمقراطية النيابية أو التمثيلية التي لا تمنح إمكانية إدماج المواطنين في صلب القرار السياسي، بل تقتل روح المبادرة الشعبية، وتحصرها في زمن محدد كالانتخابات التشريعية أو الجهوية والمحلية، مما يؤدي إلى احتكار صوت الشعب من طرف فئة نيابية لا تعود إليه إلا عندما تحتاج إلى صوته .

المحور الثاني: عوائق الديمقراطية التشاركية
تتعدد العوائق التي تحول دون تفعيل الديمقراطية التشاركية وهي إما عوائق ترتبط ببنية النظام السياسي وعدم تفاعله مع التحولات الجديدة التي تشهدها الساحة الدولية، أو عوائق ثقافية مرتبطة أساسا بانخفاض منسوب الوعي لدى المجتمع تجعله قادرا على أجرأة حقوقه وتفعيلها على أرض الواقع.
أولا: هيمنة الجهاز التنفيذي على صياغة القرار العمومي
عندما نتحدث عن السلطة التنفيذية، إنما نريد بها الحكومة ورئيس الدولة، أي أن التفوق قد تم لصالحهما معا كقوة واحدة.
وتتميز صناعة القرار العمومي بتعدد الفاعلين والمتدخلين، بين فاعلين رسميين (الجهازين التنفيذي والتشريعي) وفاعلين غير الرسميين (الرأي العام، المجتمع المدني، والقوى الضاغطة).
إن تعدد الفاعلين وكثرة أولئك الذين يتدخلون في صناعة القرار يجعل أمر تحديد من يقرر صعبا، بل قد يبدو في بعض الأحيان مستحيلا، غير أنه قد تبرز في بعض مراحل سيرورة القرار شخصية فاعل دون آخر خصوصا إذا كان يتمتع بالكارزماتية والقوة الشرعية وكذلك إذ كان يتوفر على الوسائل الضرورية لفرض قراره، وعلى الرغم من كل هذه الخصائص التي تبقى إحدى المحددات الرئيسية لقرار معين، فإنه لا بد من حصول توافق بين مختلف الفاعلين المتدخلين خاصة في المراحل النهائية لاتخاذ القرار.
يشكل العمل الحكومي حجر الأساس بالنسبة للسياسات العامة، فالحكومة في دراستها للمشاكل تعتمد على إدارة متخصصة عكس البرلمانين غير القادرين على الإحاطة بالمشاكل وتحديدها في محاولة لإيجاد الحلول المناسبة لها .
إن الحكومة بالمغرب يصعب النظر إليها بصفتها هيئة جماعية منسجمة، وفي هذا الاعتبار تكمن كل الحدود التي من شأنها أن تضيق من العمل الحكومي هذا العمل الذي ينتظر منه أن يقود التحديث ويقدم تصورات للسياسة العمومية ويمارس السلطة التنفيذية وينسق كل مكونات الحكومة .
فسيطرة التكنوقراط سواء على مستوى المراكز العليا للقرار أو من خلال الدواوين الوزارية جعلتهم قوة بارزة على الساحة السياسية بل إنهم أصبحوا يشكلون دائرة من دوائر القرار السياسي وهو ما جعل بعض الباحثين يتحدث في مجال السياسات العمومية عن ديكتاتورية التكنوقراط لدرجة أصبح البعض يقول بنهاية التكنوقراط انطلاقا من دعوات المجتمعات الأوربية إلى إعادة الاعتبار للديمقراطية التمثيلية باعتبارها المصدر الأساسي والأصلي لسلطة التقرير في المجتمع ، فهل هذا يعتبر عودة إلى النظام الأصلي وتجاوز هيمنة نخب التكنوقراط أم أن الأمر يبقى كما هو الحال عليه .
كما أن طبيعة العمل الحكومي المتميز بالتنوع والتعقيد على مستوى المتطلبات وآليات العمل تفرض تواجد شبكة من الفاعلين وقد ساهم تزايد أنشطة الدولة وتوالي المتغيرات المحلية والدولية في ظهور مصادر جديدة للقرار ستعزز البنيات الحكومية وستجسد مشروعيتها في الكفاءة والتدبير السياسي، كما منح العمل الحكومي لهذه الفئات (البولتقراط) القوة والامتداد حيث سيتجاوزون منطق التقسيم الإداري والخضوع للسلطة السياسية لينتقلوا إلى موقع الهيمنة على إجراءات النشاط العام وإن توالت الحكومات واختلفت مكوناتها.
وفي النظرية السياسية الأنجلوساكسونية يحيل مصطلح حكومة إلى المؤسسات الرسمية للدولة، فالحكومة ظلت تستأثر بحق اتخاذ القرارات وتنفيذها، وبذلك ارتبط المصطلح بالخصوص بالمساطر الشكلية والمؤسساتية على مستوى الدولة بهدف تأمين وحفظ النظام العام وتسيير العمل الجماعي .
لقد اتسع نطاق تطبيق العمل الحكومي قبل انبثاق خطاب الحكامة الجيدة ليشمل كل مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ويجد اتساع نطاق تطبيق العمل الحكومي مبرره في كون الحكومة كممثل رئيسي للدولة كانت ملزمة ببسط يدها على كل القطاعات التي يرى الرأي العام بأن تنميتها لا يمكن أن تتحقق بالمبادرة الخاصة .
ثانيا: ضعف الديمقراطية التمثيلية
بالرجوع إلى الدستور المغربي لسنة 2011، نجد يتناول في التصدير ” إن المملكة المغربية، وفاء لاختيارها الذي لا رجعة فيه، في بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون، تواصل بعزم مسيرة توطيد وتقوية مؤسسات دولة حديثة، مرتكزاتها المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة”.
الديمقراطية التمثيلية أسلوب لتدبير الشأن العام يسمح للسكان بالمشاركة في تدبير شؤونهم بواسطة ممثليهم الذين ينتخبونهم على المستوى الوطني والترابي. ويتوقف دور الناخبين عند عملية التصويت و ليس لهم الحق في التدخل في التدبير خلال مدة الانتداب.
وتعتبر الديمقراطية التمثيلية هي الأصل، والديمقراطية التشاركية تضاف إليها لأنها تنظم العلاقة بشكل آخر مع الهيئات المنبثقة عن عملية الانتخاب.
بينما المشاركة السياسية أو الانتخابية التي تكرسها الديمقراطية التمثيلية، تمارس أساسا بمناسبة الانتخابات من أجل اختيار ممثلين على الصعيد الوطني أو الإقليمي أو البلدي. ويشارك المواطن بالتصويت أو الترشيح.
وتقبى أسباب ضعف السلطة التشريعية ترجع إلى أن نشاط السلطة التنفيذية يتسم بطابع فني معقد يصعب على البرلمانيين التصدي له، حيث مازالت البرلمانات تضم رجالا يمكن وصفهم بسياسيين هواة لا تتوفر فيهم المعرفة العلمية الكافية والتخصص الفني اللازم الذي يمكنهم من فهم المشاكل الفنية المعقدة التي يثيرها عالم اليوم، وبالتالي فهذا الوضع الجديد قد أصاب البرلمانات بالشلل وحولها إلى جمعيات استشارية .
وتعتبر مسألة انعدام الثقة في المؤسسات التشريعية في جل الدول العربية، والقناعة الراسخة لدة عامة الناس بأنها لا تخدم مصالحهم كما ينبغي وبالشكل المطلوب منها أهم المعيقات التي تعيق العلاقة التواصلية بين المنتخبين والناخبين.
إن موضوع التطوير البرلماني في الحياة السياسية العربية المعاصرة لا يزال قضية فكرية، وربما محلا للتسييس الزائد والصراع الإيديولوجي بدلا من أن يكون نواة لبناء اتفاق عام حول مستقبل التطور السياسي، ولإيجاد مساحة للاختلاف البناء حول استراتيجيته .
يرى بعض الفقه أن النائب يجب أن يمتلك حاسة تشريعية وإدراكا واسعا بشؤون الموازنة والضرائب، كذلك القدرة على المتابعة المستمرة لأعمال الحكومة وإلا أصبح موقفه لا يحسد عليه، فيصبح مجرد صوت يؤخذ إلى جانب الحكومة أو صوت يعارض دون أن يفيد بعلم أو فكرة . فهذه القدرة التي يجب على النائب امتلاكها تختفي أمام تقل الأعباء والمسؤوليات الملقاة عليه.
ومن بين التقييدات الأخرى الواردة على العمل البرلماني، والتي تعمل على إضعافه، وتساهم في تدهور أدائه، تلك المتعلقة باختصاصه في المجال المالي.
كما ذهب بعض الفقه إلى أنه لا يجوز، من حيث المبدأ، منع البرلمان من استعمال وسائله في الرقابة، ومنها تشكيل لجان التحقيق بمجرد قيام الحكومة بإحالة الموضوع محل التحقيق إلى القضاء، لأننا لو أخذنا بهذا المنطق على إطلاقه لأدى الأمر إلى منع البرلمان من مباشرة اختصاصاته الرقابية بشكل نهائي ليس على مجرد تشكل لجان التحقيق وإنما قد يمتد إلى حالة الاستجواب.
إن المقاربة التشاركية في نسق الدول الديمقراطية جاءت كثمرة ومجهود لتدعيم معدلات التنمية الإيجابية التي تم تحقيقها على مختلف الأصعدة، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتي كان للديمقراطية التمثيلية التي انتهجتها أنظمتها السياسية دورا أساسيا في ذلك، بينما في نسق التجربة المغربية يأتي طرح المقاربة التشاركية في ظل معدلات التنمية ذات المنحى السلبي وفي ظل إخفاقات الهيئات التمثيلية في الوفاء بالتزاماتها .
بفعل امتلاك الجهاز التنفيذي المعلومة واحتكارها، وتوفره على الخبرة المتخصصة داخل الإدارة. فهذا يضفي عليه صفة التميز في مواجهة السلطة التشريعية.
تتمثل هذه العيوب، على سبيل المثال لا الحصر في ما يلي:
• عيب التفويض المطلق: فالأسلوب التمثيلي يحيل إلى مفهوم ممثل الأمة أو مفوض عن الأمة، والحال أن التفويض يفيد رجوع المفوض إلى من فوضه وهو الشعب، في حين أن الواقع يبين أن ممثل الأمة لا يرجع إلا نادرا أو لا يرجع إطلاقا إلى الذين فوضوه. ومن هنا يبقى روح الأسلوب التمثيلي الذي عليه أن يكون معبرا عن إرادة وسيادة الشعب، وليس إرادة فردية، بحيث أن النائب يتصرف وكأن التفويض الذي حصل عليه من طرف الشعب تفويض مطلق؛
• عيب غموض التمثيل: فالنائب لا يمكنه أن ينوب عن كل شرائح المجتمع، وإنما ينوب عن شريحة ينتمي إليها في الأصل، حيث يعرف مشكلاتها ويندمج فيها ويصعب عليه فهم الشرائح الأخرى، ومن هنا محدودية التمثيل الشعبي؛
• عيب حرية الانتخابات: فالمواطن أو الناخب يعتقد أن له حرية كبيرة في انتخاب نائب الأمة، لكن في الواقع هو انتخاب محدود ومقيد بلوائح أعطيت له سلفا من قبل الأحزاب، وتم تحضيرها مقدما، وتم اختيار المرشحين سلفا، وما على الناخب إلا الاختيار بين اللوائح المقدمة إليه؛
• عيب الهوة الفاصلة بين الناخبين والمنتخبين: فالمنتخب بمجرد انتخابه ينعزل عن هموم الشعب وينبي لنفسه عالما بعيدا عن عالم الذين انتخبوه؛ فهو لا يعرف حقيقة هموم شعبه بشكل دقيق ويومي .ومن هنا، فإن الأسلوب التمثيلي ينتج نخبا سياسية بعيدة عن هوم شعوبها الحقيقية، وإنما تصنع هموما أخرى قد تكون ثانوية، وهذا مرتبط بالعيب السابق؛ أي عدم التواصل والرجوع إلى المواطنين باستمرار؛
• عيب المشروعية: ذلك أن الأصوات المحصل عليها في عملية الاقتراع لا تعكس مصداقية ومشروعية الناخب، فقد يحصل على أغلبية نسبية من الأصوات وليست أغلبية مطلقة . هذا إذا أخذنا مسألة العزوف السياسي ، والمقاطعين لعملية الانتخابات، فإننا نحصل على نسبة ضعيفة من الأصوات، لا تعطي للناخب مصداقية ومشروعية؛
• عيب انحصار مساهمة المواطن: حيث تنحصر مساهمته في ظل الأسلوب التمثيلي، في الفعل الانتخابي، دون وجود آليات أخرى لإشراكه في الشأن العام .
بتجاوز هذه العيوب ومعالجتها، سعت الأنظمة الديمقراطية ذات الأسلوب التمثيلي إلى ابتكار عدد من الآليات التي تحقق إشراك أكبر عدد من الأفراد في عملية صنع القرار وخلق مواطن فعال ومشارك في العملية السياسية وتقرير السياسات واتخاذ موقفه منها، وكذا تقديم اقتراحاته وتحديد الأولويات الاجتماعية التي على محترف السياسة الاهتمام به.
وخلاصة القول، فإشراك المواطن في تدبير الشأن العام لاشك أنه يبقى مدخلا أساسيا لإصلاح الإدارة، لأن إشراك المواطن يقع في صلب الحكم الجيد الذي يصب في إعادة الثقة في أجهزة الدولة بحيث يصبح المواطن شريك في تدبير السياسات الحكومية، وهو الأمر الذي يجنب سخط المواطن وتدمره لأنه بات شريك حقيقي في تحمل تبعات نتائج تلك السياسات، وهكذا يصبح المواطن له إمكانية التقويم والتتبع والمراقبة والتقييم.