أثر المستجدات التكنولوجية على التشغيل

515

أثر المستجدات التكنولوجية على التشغيل

 

لفتوحي حسناء

 طالبة بصف الدكتوراة

بكلية الحقوق، أكدال-الرباط

 

مقدمة

عرف العالم في الآونة الأخيرة تطورا ملحوظا في استعمال وسائل التكنولوجيا الحديثة على مستوى جميع القطاعات .

ولم يكن ميدان الشغل بمنأى عن إكراهات ثورة الإعلام والاتصال.إذ عرف قطاع التشغيل تطورات هامة.وأفرزت هذه المستجدات التكنولوجية فرصا جديدة ومهنا جديدة تعتمد استخدام التكنولوجيا بشكل كبير .

ويعد قطاع الخدمات المجال الخصب لاعتماد وسائل تكنولوجيا الإعلام والاتصال خاصة فيما يتعلق بوسائل الإنتاج.

وقد شهد تنظيم وتسيير المقاولة تطورا ملحوظا بفضل استعمال تقنيات الاعلام والتواصل انترانيت،انترنيت،اكسترانيت والبالمفهوم الواسع المعلوميات بشكل أعم .[1]

ونتيجة لذلك تغيرت وسائل الانتاج المعتمدة في النظام التقليدي للعمل، وبرزت أنماط جديدة للعمل والتي تتعلق خاصة بشروط استخدام الأجراء .

فقد عرفت طبيعة العمل تحولا عميقا، فظهرت المقاولة الافتراضية بتطور الانترنيت، وظهور محركات البحث Googleو Yahoo، وإحداث أبواب خاصة لاستخدام الأجراء عن طريق تسجيل هؤلاء لسيرهم الذاتية curruculum vitae، وظهور العمل عن بعد tèlètravail وتطور شبكة العمال المستقلين [2].

وبذلك فقد طرأت تحولات على مستوى إحداث مناصب الشغل، إذ ارتأت المقاولات العمل بأنماط جديدة لاستخدام الأجراء للرفع من مردوديتها وتشغيل يد عاملة ذات كفاءة وخبرة عالية، وذلك لتتكيف مع المتطلبات التي تفرضها المنافسة.

وبذلك، فقد أفرزت الثورة المعلوماتية أساليب جديدة لاستخدام الأجراء لم تكن تتوفر بالوسائل التقليدية، كما أحدثت أنماط حديثة لأداء العمل .

في ظل تنامي استخدام وسائل الإعلام والاتصال داخل المقاولة، أضحت هذه الأخيرة ملزمة بمواكبة متطلبات عصر التكنولوجيا، وهو ما أدى إلى تطوير الوسائل المعتمدة لتشغيل الأجراء وبروز أنماط من المهن الجديدة .

فقد أضحت تكنولوجيا الإعلام والاتصال تلعب دورا هاما في تحديد الوظائف المطلوبة، والتي تتطلب مهارات لم تتوفر مع الطرق المتبعة التقليدية القديمة.

فقد أحدثت تغييرات عميقة في مضمون الوظائف وأنماط العمل المتعارف عليها، وأصبحت الوظائف الجديدة تتطلب مستوى أعلى من الكفاءة والمعرفة.

وبذلك فستلعب هذه التكنولوجيا الحديثة دورا مهما في تحديد مهن المستقبل بتجددها، حيث باتت تستلزم نوعا معينا من الفئة العاملة وتشترط تأهيلا معينا.

إضافة إلى ذلك، فالأنظمة المتبعة لتشغيل الأجراء في ظل هذه المستجدات التكنولوجية تختلف في كثير من جوانبها عن الأنظمة التقليدية، التي لاتساير هذه التقنيات الحديثة المعتمدة داخل المقاولة.

كما أن التشريع المتعلق بالشغل يفرض ضرورة مواكبة هذه التحديات الجديدة في ميدان التشغيل.

فما هي هذه المظاهر الجديدة للتشغيل التي ظهرت بفعل الثورة المعلوماتية، ومامدى استيعاب مدونة الشغل المغربية لها؟

 

 

 

 

 

وانطلاقا مما سبق يتعين علينا الإحاطة بالأنماط الجديدة للعمل والتي سنبرزها من خلال المظاهر الجديدة للتشغيل كنقطة أولى (المحور الأول) لننتقل إلى التطرق إلى مدى كفاية التأطير القانوني لتشغيل الأجراء باستخدام التكنولوجيا الحديثةكنقطة ثانية (المحور الثاني).

المحور الأول : المظاهر الجديدة للتشغيل

 

تعمل التكنولوجيا الجديدة بمختلف أنواعها على توسيع نطاق خيارات التشغيل، وذلك بالاستعاضة عن الوظائف التقليدية والطرق المتبعة لهذه الغاية.

فهذه التكنولوجيا تساهم في الحد من الوظائف الروتينيية وهو ما سنتطرق له كنقطة أولى، لنتطرق إلى المعايير المستخدمة الجديدة بفعل وسائل التكنولوجيا الحديثة.

 

أولا: اندثار المهن التقليدية :

في ظل الثورة المعلوماتية أضحى أصحاب المهارات والخبرات دون وظائف يرتبطون بعدة مكاتب مزودة للخدمات، توظف مهاراتهم ومعارفهم وخبرتهم في عملياتها التسويقية والتنفيذية ويحققون بها إيرادات دون وظيفة. ومن تم فالأعمال الجديدة التي يطرحها عصر الثورة المعلوماتية لاترتبط لابزمان ولابمكان [3].

وهكذا فقد برزت بعض المقاولات بالمفهوم الحديث للتكنولوجيا تعتمد على الشبكة الالكترونية عن طريق استخدام أجهزة الاتصال عن بعد،لاغية بذلك وحدة المكان .

وعلى حد تعبير بعض الفقه “نرى بأن المقاولة الافتراضية تشكل من كلمتين:مقاولة لم يعرفها المشرع المغربي الذي استعملها في بعض النصوص القانونية كمدونة التجارة في القسم المتعلق بصعوبة المقاولة .

لكن يمكن تعريفها بأنها وحدة لإنتاج الثروة،أما كلمة افتراضية فتدل ليس فقط على المسافة المادية الفاصلة بين المستخدمين ولكن أيضا غياب أي وحدة قانونية كاملة.

إذن فالمقاولة الافتراضية تشكل مجموعة من الكفاءات التي تنتمي إلى هويات مختلفة والتي تتعاون فيما بينها لتحقيق مشاريع متعددة بدون توفرهم على بنيات قانونية ،لكن الروابط تستمر بينها إلى حين تنفيذ كل مشروع على حدة “[4].

كما أصبحت بعض المقاولات تستقطب أجراء متعددي الجنسيات، واللجوء إلى مختلف أشكال التعاقد عبر التوظيف الخارجي وبواسطة عقود بالبريد الإلكتروني لإنجاز العمل إلكترونيا… وهو مايلغي العنصر البشري من العلاقات المهنية بعدما أضحى التعامل والتعاقد والترقية ودفع الأجور والتسريح يتم عبر الآلة؛ ومن ثم فإن تشريع الشغل الحالي أصبح يثير لدى الأجير إحساسا بانعدام الأمن الوظيفي والاستفراد أمام السوق وضوابطه مع ما يترتب على ذلك من آثار اقتصادية واجتماعية ونفسية[5].

فالتطورات التكنولوجية سهلت عملية تدويل أو تسويق بعض المهن اتجاه دول غير مكلفة اليد العاملة بها[6].

ومن هنا نتساءل عن إمكانية إبرام عقد العمل عن بعد، باعتباره من المستجدات التي فرضتها التطورات التكنولوجية.

وللجواب يمكن القول أن إمكانية إبرام عقد الشغل عن بعد قد يتحقق في إطار تطبيق القواعد العامة، من الجانب المتعلق بالشروط مع مراعاة الخصوصيات التي تفرضها طبيعة العلاقات التعاقدية المبرمة الواردة على العمل، والتي يميزها عنصر التبعية كركن أساسي لها[7].

وتبعا لذلك يعد عقد الشغل مبرما بتراضي المشغل والأجير على الشروط الجوهرية أولا وتحقق المحل والسبب بنفس الشروط المحددة في القانون المدني ثانيا،وذلك ما نلمسه في المادة 15 من مدونة الشغل والذي ينص على ضرورة توفر هذه الشروط إلى جانب الأهلية بالشكل المحدد في قانون الالتزامات والعقود.غير أنه تنضاف بعض الشروط الخاصة بالنظر إلى طبيعة عقد الشغل المبرم بطريقة إلكترونية،بالإضافة إلى كونه يبرم عن بعد دون تطلب الحضور المادي لأطرافه [8].

أضف إلى ذلك أن اعتماد التكنولوجيا داخل المقاولة أدى إلى اندثار العديد من المهن، فالأجراء الذين يمتلكون مهارات تقليدية تم الاستغناء عنهم باسم التقنيات الحديثة، حيث أن المقاولات أصبحت تفضل استخدام يد عاملة ذات مؤهلات حديثة عوض إعادة تأهيل عمالها والذي يجنبها تكاليف إضافية[9]، وهوما من شأنه أن يزيد من مشكل البطالة بسبب اعتماد الآلة واليد العاملة القليلة.

وقد أفرز الأنترنيت أنماطا جديدة من المهن الخاصة بالعمل في المنزل أو مايعرف ″بالتوظيف الذاتي″، والتي ساهمت في إمتصاص البطالة من خلال مساعدة الأفراد في اختيار وظائف كالتجارة الإلكترونية وغيرها، وتوفر للأجير مداخيل تفوق تلك المعمول بها داخل المقاولة[10]. .

ثانيا: تجاوز معايير ولوج منصب الشغل التقليدية :

لقد أثرت تكنولوجيا الإعلام والاتصال بشكل كبير على مستوى ولوج منصب الشغل وذلك بالاعتماد على تقنيات جديدة لاستخدام الأجراء بشكل قد ينعكس استخدامها سلبا على حقوق الشخص الباحث عن العمل.

فقد أضحى الإعلان المرتبط بالشغل يغلب عليه الطابع التكنولوجي عوض التعليق في أماكن العمل[11].

إذ استغل المشغلون إمكانية التقنيات الحديثة لوسائل الإعلام والاتصال بهدف الإعلان عن عروض العمل الشاغرة ،مما أتاح لهم الاستفادة من طرق جديدة للاستخدام، فأصبح نشر العروض عن طريق هذه الإمكانيات هو المبدأ، أصبحت معه شبكىة الانترنيت تبدو كفضاء جديد لتلاقي عروض وطلبات العمل [12].

وهكذا أصبح المشغل يلتجأ إلى خدمات الكمبيوتر كوسيلة لتقييم طالبي الشغل.

فالفرص التحليلية المعروضة من قبل مجموعة من البرامج وقوة المعالجات تسمح بتقليص عدد من العناصر الموضوعية وغير الموضوعية المتعلقة بطالبي الشغل عن طريق المعلومات المتعددة والتي تؤخذ بشكل منفصل. ويسمح الفراغ القانوني للمقاولات باستخدام هذه التقنيات بحرية عن طريق استبيانات التشغيل[13]، وذلك بهدف تقييم ملفات الترشيح.

ومن ثم فقد أضحت هذه التكنولوجيا الحديثة تفرض أن يكون لدى طالبي العمل مستوى من المعرفة التكنولوجية، كما تحتم على هذا الأخير أن يتوفر على بريد إلكتروني، والذي أضحى يعوض إلى حد ما العنوان الشخصي للأجير [14].

كما أضحى المؤاجر يستخدم تقنيات داخل جهاز حاسوب التشغيل مثل تقنية الإشارات أوالإيماءات، ويهتم علم الإيماءات بالسلوك الجسدي للمترشح الذي يعكس شخصية الإنسان، فمثلا فمجرد تربيع اليدين أو الرجلين بمناسبة مقابلة الحصول على عمل تدل على إنطواء في شخصية المترشح، كما أن هناك تقنيات تمكن من تحليل الجمجمة[15].

علاوة على ذلك ساهمت التطورات المرتبطة بعلم الوراثة والتي لها صلة بالتكنولوجيا في الحصول على معلومات حول الوضع الجيني بشكل أسهل .ذلك أن الفحص الجيني قد تترتب عنه آثار مهمة على مكان العمل،حيث قد يكون لأصحاب العمل مصلحة باستبعاد الأشخاص الذين قد يظهر فحصهم الجيني استعدادا للإصابة بأمراض في المستقبل[16] .

إذ أن جسم الأجير يعد الأداة التي من خلالها سيتم إنجاز العمل،وأي نقص سيؤثر لا محالة على أداء المقاولة وهو ما لا يمكن تقبله في ظل سياسة المنافسة العالمية الشرسة ،وهو ما يلزم المشغل بإخضاع الشخص المرشح للعمل للخضوع لفحوصات طبية لازمة قبل فترة التجربة ،للتأكد من مدى سلامته ولياقته الصحية لأداء العمل المطلوب منه ،وهو ما أكدته المادة 318 من مدونة الشغل.ومع التقدم التكنولوجي والاكتشافات العلمية الحديثة أضحى المشغل لا يكتفي بالاختبارات الطبية العادية بل تجاوزها إلى استعمال هذه الاختبارات الجينية [17].

ويطرح تساؤل يتعلق بمدى مشروعية التعاقد أو الإحجام عن ذلك بالنسبة للشخص المرشح للعمل انطلاقا من نتائج هذه الاختبارات الجينية ؟

أمام غياب نص في مدونة الشغل يتطرق إلى هذه المقتضيات ،نتوجه إلى المشرع الفرنسي الذي نص في مدونة الشغل الفرنسية في الفصل 1132-1المعدل بموجب قانون2016-832  الصادر بتاريخ 27 يونيو 2016 ،على عدم إمكانية استبعاد المرشح للعمل بسبب خصائصه الجينية .

في حين تستخدم مقاولات أخرى بعض التقنيات من قبل دراسة الخط،علم الأعداد،وعلم التنجيم…الخ،ويمكن أن تكشف بعض هذه الاختبارات المعالم والتفضيلات المهنية للفرد، شخصيته، أمانته، ومقياس تحديد قيمة الفرد، والمواقف والاستعداد للتصرف بطريقة معينة [18].

وبالإضافة إلى هذه الاختبارات فإن المشغل قد يلجأ أيضا لاختبار كشف الكذب كنتيجة لتطور الاختبارات الحديثة في ميدان التشغيل ،وهو اختبار يتم إجراءه من خلال جهاز كشف الكذب (dètecteur du monsonge )  [19].

ويساهم أيضا الوسيط الإلكتروني في التشغيل لعب دور مهم بين المشغل بصفته صاحب العرض والمترشح كطالب للعمل.

ويمكن تعريف الوسيط الإلكتروني في التشغيل بكونه الموقع ( البوابة ) الإلكتروني والذي يعتمد على تقنيات تمكن من نشر ومعالجة المعلومات بهدف تسهيل التقاء العرض والطلب في سوق الشغل[20].

وتسمح بعض المواقع الإلكترونية للتشغيل لطالبي الشغل بالإجابة عن العديد من الأسئلة والتي تتعلق بكفاءته وبالمجال الوظيفي الذي يبحث عنه، والمناطق التي يرغب العمل بها، ومعلومات أخرى من قبيل الأجر المقترح ومعلومات عن المشغل[21].

كما أن بعض المواقع الإلكترونية، تسمح لطالبي الشغل تلقي إخطار بالوظائف التي تناسبه عبر البريد الإلكتروني الشخصي، أو أن ينشر سيرته الذاتية في بنك السير الذاتية الخاصة بالموقع، بشكل يمكن المشغل الباحث عن شخص مناسب الاتصال به مباشرة[22].

 

المحور الثاني: مدى كفاية التأطير القانوني لتشغيل الأجراء باستخدام التكنولوجيا الحديثة:

إن الاستخدام المكثف لتكنولوجيا الإعلام والاتصال، وما فرضته من أنماط عمل مستحدثة وظروف جديدة لتشغيل اليد العاملة، أصبحت تتطلب مواكبة تشريع العمل لهذه المقاولات.

ولذلك فإننا سوف نتناول هذا المحور في نقطتين، نتطرق في الأولى منه  إلى ضعف الحماية التشريعية في مدونة الشغل، ثم نتطرق في الثانية  إلى محدودية إحاطة المشرع بالمخالفات المرتبطة بالتشغيل، والتي سنركز فيها على الجانب الجنائي.

 

أولا: ضعف الحماية التشريعية في مدونة الشغل :

إن الحماية المقررة لطالبي الشغل تبقى غير كافية أمام تنامي استخدام وسائل الاتصال والإعلام داخل المقاولة، وذلك في ظل غياب تشريع واضح محدد لمظاهر التشغيل المعتمدة بفعل هذه التقنيات.

وقد قرر المشرع المغربي عقوبة جنائية متى تبث أن الأسئلة المتعلقة بالعرق، الدين، الرأي السياسي، الانتماء النقابي والتي تتضمنها استبيانات التشغيل كانت حاسمة للحصول على العمل. كما أن مدونة الشغل تنص في إطار المادة 9 في الفقرة الثانية منها [23]والمادة 478 أنه لايمكن رفض تشغيل أي شخص لسبب من هذه الأسباب، وأن مخالفة هذه الأحكام توجب عقوبة نصت عليها المادة 12 من المدونة، تتعلق بغرامة من 15000درهم إلى 30000درهم[24].

لكن المشرع المغربي لم يوضح على من سيقع عبئ إثبات ذلك، هل المشغل أم طالب العمل؟

إذ أن المشرع المغربي في مدونة الشغل توقف عند المادة التاسعة لإدانة التمييز المنبني على الاعتبارات المشارإليها في تلك المادة دون أن يتناول موضوعي الإثبات والجزاء،في الوقت الذي أكد المشرع الفرنسي في الفصل 1132-3-3[25]على أنه يتعين على المرشح لتعيين أو تدريب أو فترة تكوين بالمقاولة في حالة حدوث نزاع أن يقدم العناصر الواقعية التي تسمح بافتراض التعامل بتمييز مباشر أو غير مباشر،ويثبت الطرف المدعى عليه ذلك بعناصر موضوعية ،ويأمر القاضي عند ذلك بكل إجراءات التحقيق المناسبة [26].

ويرى جانب من الفقه المغربي أن  عبئ إثبات الإخلال بهذه الإلتزامات يلقى على عاتق الأجير وإن كان ذلك مستحيل ما لم يقم المؤاجر إخبار الشخص طالب العمل سبب رفضه كتابة. والعقوبة المقررة في القانون المدني هي بطلان القرار المتخذ، في حين يصعب تطبيق ذلك في حالة رفض التشغيل، ويبقى الحل في هذه الحالة المطالبة بالتعويض عن الضرر[27].

إضافة إلى ذلك لم يعمل المشرع المغربي على تنظيم الوسيط الإلكتروني في التشغيل إلا ما أشارت إليه المادة 491 من مدونة الشغل بشكل عام، والتي تلزم المسؤول عن كل جريدة أو مجلة أو نشرة كيفما كان نوعها، والتي تدرج ضمن إعلاناتها عرضا أو طلبا يتعلق بالشغل أن يقدم لأعوان تفتيش الشغل وللموظفين المكلفين بالمصلحة المحدثة من لدن السلطة الحكومية المكلفة بالشغل بناء على طلبهم، جميع البيانات اللازمة حول أسماء وعناوين أصحاب عروض وطلبات التشغيل التي تضمنها الإعلان[28].

كما لجأت بعض الدول إلى تنظيم إبرام عقد العمل عن طريق التوقيع الإلكتروني، والذي يشكل ضمانة أكثر بالنسبة للأجير من عقد العمل التقليدي، والتي لن تتأخر بدورها كثيرا لتطبيقها على علاقات الشغل المغربية[29].

لكن المشرع المغربي لم يتطرق إلى مسألة تنظيم إبرام عقد الشغل عن طريق التوقيع الإلكتروني والذي فرضته مستجدات التكنولوجيا الحديثة من أجل تقنين هذه العقود حتى يتم تحديد المخاطر التي قد تترتب عنها فيما يتعلق بالحقوق الفردية للأجير لأجل حماية فعالة في إطار علاقة الشغلوهو مايلزم تدخل المشرع المغربي .

ولسد هذه الفجوة بين مدونة الشغل الحالية والواقع العملي يمكن القول أن الرجوع الى القواعد العامة يبقى الحل الأنسب لسد هذا الفراغ التشريعي.

بالإضافة إلى ماسبق، يتضح من خلال تفحص مدونة الشغل أن المشرع المغربي لم يضع نصوصا تنظم وضع الجذاذات الإسمية، باستثناء ما تم الإشارة إليه من ضرورة معالجة البيانات الشخصية لطالبي الشغل من قبل وكالات التشغيل الخصوصية، بشكل يراعي الحياة الخاصة للمعنيين بالأمر، واقتصارها على القضايا التي ترتبط بالمؤهلات والخبرات المهنية، غير أن المشرع يلزم وكالات التشغيل دون المشغلين، كما أنه لم يتطرق لمدة تخزين البيانات الشخصية، وهو ما يتنافى مع ما ورد في المادة6 من الاتفاقية رقم 181 المتعلقة بوكالات التشغيل الخصوصية المصادق عليها من طرف المغرب[30].

ويرى بعض الفقه أن الأمر يسري حتى على المشغل بحجة أن المشرع يهدف حماية طالبي الشغل من خطر معالجة بياناتهم الشخصية، ومن تم يكون من الضروري تمديد هذ  الحماية للأجير كذلك[31].

ويرى بعض الفقه أنه يتعين على المشرع المغربي التفكير في استنباط آليات تهدف إلى تعزيز مكانة التكنولوجيا لبناء اقتصاد قوي قادر على مواجهة التنافسية، وذلك عن طريق مراجعة مدونة الشغل وإدراج مضامينها في التحولات المهنية التي أفرزتها الثورة التكنولوجية والاقتصاد الرقمي.

ثانيا: محدودية إحاطة المشرع بالجرائم المرتبطة بالتشغيل :

في الوقت الذي تطورت فيه  المستحدثات التكنولوجية، ظهرت إلى حيز الوجود بعض الجرائم التي فرضها التطور المتجدد للمعلوميات، والتي تحتم على المشرع الجنائي ضرورة التصدي لها بترسانة قانونية واضحة حاسمة تنظم أوجه الحماية الجنائية للأجير في مرحلة طلب التشغيل.

ومن هذه الجرائم خرق المقتضيات المتعلقة بالوسيلة المستعملة في التشغيل، ذلك أن المشغل أضحى يقوم بتشغيل الأجراء باستعمال شبكة الأنترنيت، عن طريق إنزال إعلان على الموقع الإلكتروني للمقاولة، أو على شبكة الإنترنيت بصفة عامة[32]، وهو مايتنافى مع المقتضيات المنصوص عليها في المادة 476 من مدونة الشغل والتي جاء فيها “تتم الوساطة بين العرض والطلب في مجال التشغيل عن طريق مصالح تحدث لهذه الغاية من قبل السلطة الحكومية المكلفة بالشغل”، فقيام المشغل بالاستخدام المباشر لطالبي الشغل، دون المرور عبر وكالات التشغيل يعد جريمة تتنافى و مقتضيات هذه المادة.

علاوة على ذلك، بالرجوع إلى ديباجة مدونة الشغل نجد أن المشرع حاول سد ثغرات التشريع السابق الذي تجاهل مبدأ المساواة، فحاول التأكيد على هذا المبدأ والاستثناءات الواردة عليه من خلال عدة نصوص أهمها المادة التاسعة والتي جاء فيها:

“يمنع كل تمييز بين الأجراء من حيث السلالة أو اللون أو الجنس أو الإعاقة أو الحالة الزوجية أو العقيدة أو الرأي السياسي أو الانتماء النقابي أو الأصل الوطني أو الأصل الاجتماعي يكون من شأنه خرق أو تحريف مبدأ تكافؤ الفرص، أو عدم المعاملة بالمثل في مجال التشغيل أو تعاطي مهنة، لاسيما فيما يتعلق بالاستخدام ، وإدارة الشغل…”[33].

وعلى هذا الأساس فإن التمييز في ظل التطورات التكنولوجية أصبح يتم على أساس انتقاء الأجراء عن طريق الاستعانة ببرامج الحاسوب، والتي تتضمن مجموعة من الأسئلة بهدف تقييم المترشح انطلاقا من مجموعة من المعطيات: قدراته العقلية والنفسية،  ومعطياته الاجتماعية والمهنية…[34]

 

 

خاتمة

يتضح من خلال هذه الدراسة المتواضعة أن الثورة المعلوماتية فرضت تحديث المقاولة بوسائل تكنولوجية حديثة والتي أصبحت تفرض تقنين المشغل لاستخدام الأجراء باعتماد هذه التكنولوجيا في ظل قصور القواعد العامة المنصوص عليها في مدونة الشغل،وهو ما يتطلب مواكبة التشريع لتطور استعمال وسائل الاتصال الحديثة أثناء التشغيل،كضمانة لتقييد سلطة المؤاجر وعدم منحه حرية مطلقة قد تؤثر على فرص العمل بالنسبة لطالبي الشغل وعلى الحقوق الشخصية لهم .

 

 

 

 

 

[1]مراد الفضولي،المقاولة الافتراضية ودورها في التنمية البشرية،المجلة الالكترونية لندوات محاكم فاس ،العدد الرابع.يونيو 2006   www.cafes.ma/ar/actualite/revue%20CA-n4.docص 2

[2]مراد الفضولي،مرجع سابق ص 44 و 45

[3] علال المنوار،من أجل مرونة منتجة في مجال الشغل بالمغرب، مطبعة البيضاوي الطبعة الأولى 2013 ص 30

[4]مراد الفضولي ،مرجع سابق ص 3

[5]علال المنوار،مرجع سابق ،ص 36

[6] سميرة كميلي : قانون الشغل و التطورات التكنولوجية ، مجلة القانون المغربي، العدد 13، مارس  2009ص 71 .

[7]نبيل بوحميدي، التأصيل لإبرام عقد العمل عن بعد وإمكانية إثباته، المجلة المغربية للدراسات والإستشارات القانونية، العدد 4-2013، ص83 .

[8] مليكة العراسي،تكنولوجيا الإعلام والاتصال وآثارها على علاقات الشغل الفردية،جامعة محمد الخامس

الرباط،كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية سلا  السنة الجامعية 2015/2016 ص 90

وللمزيد من الإيضاح راجع المرجع أعلاه من ص 90 إلى ص 105

[9] سميرة كميلي، مرجع سابق “قانون الشغل والتطورات التكنولوجية، ص71 .

[10]علال المنوار مرجع سابق ، ص 214-215 .

[11]سميرة كميلي، قانون الشغل والتطورات التكنولوجية، مرجع سابق، ص70 .

[12] مليكة العراسي،مرجع سابق ص 89

[13]Mohammed korri Youssoufi “Mutations technologiques et les rapports du travail à la lumière du code du travail, revue marocaine d’administration locale et de développement, 97-98; mars-juin 2011, p81.

[14] سميرة كميلي،قانون الشغل والتطورات التكنولوجية ،مرجع سابق ،ص 70

[15]مولاي الحسن أبو طاهر،حقوق الأجراء في ظل عولمة الاقتصاد على ضوء القانون الاجتماعي في المغرب،رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا للجامعة في قانون الأعمال  و المقاولات،جامعة محمد الخامس كلية العلوم القانونية  والاقتصادية  والاجتماعية السويسي الرباط ،السنة الجامعية2007 2008ص 35

[16]التقرير العالمي لمنظمة العمل الدولية ضمني وغير آمن:المساواة في العمل،عالم العمل،مجلة منظمة العمل الدولية ،عدد 59 نوفمبر  2007 .www.ilo.org/beirut/publications/wow-magazine/lang—ar/next/row—10/index.htm. ص 6

[17] مليكة العراسي،مرجع سابق ص 229 .

[18] Mohammed  korri youssoufi ,op .cit page 82

 

[19] مليكة العراسي،مرجع سابق ص 234 .

[20]عبدالله القاسمي “الوسيط الإلكتروني في التشغيل” قراءة قانونية أولية، دجنبر 2010، ص5

http//www.droitplus.ma/index.php ?option=com_content@viewer le 4/2/2016 à11 :30h.

[21]اعبدالله القاسمي، مرجع سابق، ص7 .

[22]عبدالله القاسمي، مرجع سابق، ص7 .

[23] جاء في الفقرة الثانية من المادة التاسعة من مدونة الشغل :″كما يمنع كل تمييز بين الأجراء من حيث السلالة أو اللون ،أو الجنس،أو الإعاقة،أو الحالة الزوجية،أو العقيدة،أو الرأي السياسي،أو الانتماء النقابي،أو الأصل الوطني،أو الأصل الاجتماعي،يكون من شأنه خرق أو تحريف مبدأ تكافؤ الفرص،أو عدم المعاملة بالمثلفي مجال التشغيل أو تعاطي مهنة،لاسيما فيما يتعلق بالاستخدام،وإدارةالشغل،وتوزيعه،والتكوين المهني،والأجر،والترقية،والاستفادة من الامتيازات الاجتماعية،والتدابير التأديبية،والفصل من الشغل ″.

[24]Mohammed korri Youssoufi, op cit, p84.

[25] قانون رقم 2013-1177  بتاريخ 6 دجنبر 2013

[26]عادل العشابي ،سلطة المشغل في تسيير مقاولته بين حاجيات المقاولة وحماية حقوق الأجراء-دراسة مقارنة-،المجلة الالكترونية فاس ،مرجع سابق  ص 87

[27]Mohammd korri Youssoufi, op cit, p85.

[28]عبدالله القاسمي، مرجع سابق، ص5 .

[29]سميرة كميلي “قانون الشغل والتطورات التكنولوجية” ص70 .

[30]علال المنوار “مرجع سابق”، ص 216 .

[31]علال المنوار “مرجع سابق”، ص 217 .

[32] سميرة كميلي، القانون الجنائي للشغل، الجزء الأول، العدد 14،الطبعة الأولى 2015، مطبعة بني يزناسن ص 36

[33]عمر تيزاوي،مدونة الشغل بين متطلبات المقاولة وحقوق الأجراء، الطبعة الأولى 2011، دار النشر سوماكرام، ص272 و273 .

[34]سميرة كميلي، تأملات حول القانون الجنائي للشغل في ظل التطورات التكنولوجية ،مرجع سابق، ص7 .