يشرفني أن أقدم هذا المؤلَّف الجماعي الموسوم بـ »منازعات المسؤولية الإدارية في ضوء التوجهات الحديثة للقضاء الإداري المغربي والمقارن«، والذي يضم بين دفتيه مجموعة من المساهمات العلمية الرصينة، تشكّل مداخل أساسية لفهم مجالات تدخل القضاء الإداري المغربي في البت في المنازعات المرتبطة بالتعويض، بما يسهم في تحقيق العدالة الإدارية وتعزيز حماية الحقوق والحريات الأساسية.
وتُعدّ المسؤولية الإدارية من أدق وأهم موضوعات القانون الإداري، نظراً لتشعب عناصرها، وتعدد أُسسها، وتنوع تجلياتها، في ظل التوسع المتزايد لوسائل تدخل الإدارة في مختلف مناحي الحياة. وإذ لا يخفى أن تعدد مجالات النشاط الإداري من شأنه أن يفرز منازعات متزايدة بين الإدارة والأفراد، ذلك أن الإدارة، وهي تضطلع بمهامها في إطار وظيفتها وتنفيذاً للنصوص التشريعية والتنظيمية السارية بواسطة موظفيها، قد تصيب في عملها كما قد تخطئ سواء عند تفسير النصوص القانونية أو تطبيقها على الوقائع المعروضة عليها.
فإذا شاب تصرف أحد الموظفين خطأ ما، وترتب عنه المساس بمركز قانوني لأحد الأفراد، نشأ عن ذلك ضرر يوجب التعويض، سواء تعلق الأمر بضرر مادي أو معنوي أو بهما معاً. كما أن هذه الأضرار قد لا تقتصر على الخطأ الشخصي، بل قد تمتد لتشمل الخطأ المرفقي، بما يوسع من نطاق المسؤولية الإدارية ويعكس تعقيدها.
ومن تم، فإن إرساء آليات وقواعد وهيئات قضائية مختصة للفصل في هذه المنازعات وفق مساطر ملائمة وإجراءات فعالة، يشكل إحدى أهم الضمانات وأفضل الوسائل لتكريس دولة الحق والقانون، بما يحقق التوازن بين متطلبات المصلحة العامة وضرورة حماية حقوق الأفراد وحرياتهم.
وفي هذا الإطار، تم إحداث المجلس الأعلى بمقتضى ظهير 27 سبتمبر 1957 حيث ضم هذا الأخير مجموعة من الغرف ومن ضمنها الغرفة الإدارية، وكذا إحداث المحاكم الإدارية بموجب القانون رقم 41.90 الصادر في 10 شتنبر 1993، حيث شكلت المحاكم الإدارية لبنة في مسيرة تطور القضاء الإداري ببلادنا، وانطلاقة قوية في مجال تطبيق مبدأ الشرعية على الإدارة وإجبارها على احترام الحقوق والحريات، تلاه إحداث محاكم الاستئناف الإدارية بموجب القانون رقم 80.03 الصادر بتاريخ 14 فبراير 2006.
كما تجدر الإشارة إلى أنه بموجب القانون رقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي، كما وقع تغييره وتتميمه، تم إحداث أقسام متخصصة في القضاء الإداري بالمحاكم الابتدائية، وذلك وفقاً للفقرة الأولى من المادة 44 منه، التي نصت على إحداث هذه الأقسام وتحديد مقارها ودوائر اختصاصها المحلي بمرسوم، بعد استطلاع رأي المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة والهيئات المهنية المعنية. كما أتاح القانون نفسه إمكانية إحداث أقسام متخصصة في القضاء الإداري بمحاكم الاستئناف، طبقاً للمادة 68 منه، وفق الشروط والإجراءات ذاتها.
وتتجلى الغاية من إحداث هذه الأقسام المتخصصة في تقريب القضاء من المتقاضين وتحقيق عدالة ناجعة وفعالة، وتكريس دولة الحق والقانون، عبر ضمان رقابة قضائية متخصصة على أعمال وقرارات الإدارة، وحماية حقوق وحريات الأفراد في مواجهتها، فضلاً عن تخفيف العبء عن المحاكم العادية، وتعزيز التخصص في معالجة النزاعات الإدارية ذات الطابع المعقد، بما يسهم في توحيد الاجتهاد القضائي وتحقيق الأمن القضائي، وتعزيز ثقة المواطن في القضاء.
وترتيباً على ما سبق، فقد تضمن هذا المؤلَّف الجماعي مجموعة من المقالات المتنوعة التي سلطت الضوء على موضوع بالغ الأهمية يشكل مادة خصبة للعمل القضائي في المجال الإداري، ويتعلق الأمر بالمسؤولية الإدارية، سواء بناء على الخطأ أو بدون خطأ أو بناء على مبدأ التضامن الوطني، التي تستأثر بحيز وافر من اهتمام الباحثين والممارسين على حد سواء. ويرجع ذلك إلى ارتباطها الوثيق بالنشاط الإداري بتعدد مجالاته وإجراءاته، وما قد يعتريه من أخطاء، سواء كانت بسيطة أو جسيمة، الأمر الذي يجعل من دراسة هذه المسؤولية مدخلاً أساسياً للوقاية من المنازعات الإدارية أو الحد من تفاقمها.
وقد رصد هذا المؤلَّف نماذج دالة من العمل القضائي، شملت مقررات محاكم الموضوع ومحكمة القانون، وهو ما يشكل قيمة مضافة حقيقية، تُمكّن الباحث والمهتم من الوقوف على تطور العمل والاجتهاد القضائي الإداري بمختلف درجاته.
وتبعا لذلك، لا يسعني إلا التأكيد على أن هذا المؤلَّف الجماعي يشكل مساهمة علمية جادة وقيمة مضافة أكيدة للمكتبة القانونية الوطنية، وسيجد فيه الأساتذة والباحثون والمختصون مرجعا غنيا من شأنه الإسهام في إغناء الخزانة القانونية ببلادنا.
وفي الختام، أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى كافة الأساتذة والباحثين المشاركين في هذا المنجز العلمي، كما أخصّ بوافر الامتنان فضيلة الدكتور احمد ابراهيمي على مجهوداته القيمة والمتميزة التي أسهمت في إخراج هذا المرجع العلمي إلى حيز الوجود.
نطلب من العلي القدير التوفيق والسداد، إنه سميع مجيب.
في الرباط، بتاريخ 10 فبراير 2026
الدكتور أحمد بوعشيق
أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس – الرباط
ومدير المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية
