Site icon مجلة المنارة

مشروع القانون رقم”22.20″ المتعلق بشبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح والشبكات المماثلة بين طموحات الفاعل الحقوقي ورؤية المشرع

مشروع القانون رقم”22.20″ المتعلق بشبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح والشبكات المماثلة بين طموحات الفاعل الحقوقي ورؤية المشرع

مشكور محمد صادق

دكتور في القانون العام

                                                                                                             إطار بوزارة الداخلية

تندرج هذه الورقة البحثية في إطار المساعي الحثيثة، الرامية إلى المساهمة في تعميق النقاش العمومي حول مشروع القانون رقم 22.20 المتعلق بشبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث الرقمي المفتوح والشبكات المماثلة، انطلاقا من إشكالية رئيسية تتمحور حول مدى حاجة المنظومة التشريعية المغربية إلى نص قانوني يساهم في مواجهة الفراغ التشريعي في مجال تقنين وتخليق المجال الرقمي، والتطلع إلى مواكبة المجهودات الدولية في مجال مكافحة الجريمة الالكترونية، وبالتالي ملاءمة القوانين الداخلية مع التحولات الجارية على المستوى العالمي. ومنذ  المصادقة عليه بتاريخ 19 مارس 2020، وحتى بعد  سحبه من طرف وزير العدل، لازال هذا المشروع يثير الكثير من ردود الفعل، التي تكاد تجمع على أنه مشروع متجاوز، وخرق سافر للوثيقة الدستورية ولاسيما الفصل 25 منها، وإجهاز غير متوقع على كل المكتسبات التي عرفها المغرب في مجال حقوق الإنسان والحريات العامة. وتبعا لهذا التدافع السياسي والحقوقي والأكاديمي، بدا لنا أنه من الضروري تسليط الضوء على محتويات هذا المشروع من خلال دراسة جوانبه التنظيمية، و جزاءاته سواء الإدارية أو الزجرية، وكذلك مقاربة جدلية التوفيق بين حرية الرأي والتعبير وتخليق شبكات التواصل الاجتماعي.

مقدمة:

   أثيرت مؤخرا نقاشات عمومية مختلفة، وحادة، تفاوتت درجتها حسب طبيعة الفاعل هل هو حقوقي أم سياسي  أم باحث جامعي أم مهتم مدني….، حول مشروع القانون رقم 22.20 المتعلق باستعمال شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح والشبكات المماثلة، والذي تدارسه مجلس الحكومة المغربية، وصادق عليه بتاريخ 19مارس2020، مع الأخذ بعين الاعتبار كل الملاحظات التي تقدم بها بعض أعضاء الفريق الحكومي، والتي شكلت لها لجنتين تقنية ووزارية من أجل استدراك كل التقييمات الايجابية، والهادفة إلى تجويد أبواب و فصول ومواد هذا المشروع في صيغة نهائية، هي التي ستحال على البرلمان طبقا للنصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل. وإذا كان المشرع يعتبر أن هذا المشروع يندرج في إطار المجهودات المبذولة لسد الفراغ القانوني الحاصل في مجال بعض الجرائم الخطيرة المرتكبة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، فإن جهات أخرى (هيئات سياسية وحقوقية، جمعيات، باحثين…)[1] ترى فيه خرقا سافرا للوثيقة الدستورية لفاتح يوليوز2011، وتجاوزا واضحا للمعاهدات والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، و تعديا مباشرا على حرية الرأي والتعبير، ومسا خطيرا بالمكتسبات التي راكمها المغرب في باب الحقوق والحريات العامة، وأن الهدف الحقيقي وراء هذا المشروع هو تقييد حرية الرأي والتعبير، وخاصة مواده التي تقر عقوبتي الحبس أو السجن على الجرائم المرتكبة على شبكات التواصل الاجتماعي، وبالتالي الوقوف في وجه تعبيراتهم وآرائهم المتاحة لهم في فضاءات التواصل الاجتماعي، وضع دفع العديد من الهيئات السياسية والحقوقية، وثلة من الباحثين الجامعيين، وفعاليات المجتمع المدني إلى الدفع في اتجاه سحب هذا المشروع لسببين: أولهما أن الظرفية التي يعيش فيها المغرب غير مناسبة لعرض هذا المشروع، والتي هي ظرفية طوارئ صحية نتيجة “لجائحة كورونا”، ثم ثانيا، أن هذا النوع من مشاريع القوانين يستدعي نقاشا عموميا موسعا وعميقا يروم التوصل إلى صيغة توافقية تحفظ حقوق وحريات المواطنين والمواطنات من جهة، وتتصدى للجرائم الخطيرة المرتكبة على شبكات التواصل الاجتماعي، وتحقيق هدف المشرع المغربي في ملاءمة القانون المغربي مع المعايير المعتمدة في مجال محاربة الجريمة الاليكترونية[2] من جهة أخرى.

وتبعا لذلك، وأمام تصاعد الجدل بين مختلف الفاعلين حول هذا المشروع، وتبادل الاتهامات السياسية، قررت وزارة العدل تأجيل أشغال صياغة مشروع القانون رقم 22.20 من طرف اللجنتين التقنية والبين وزارية اعتبارا للظرفية الخاصة التي تجتازها الدولة المغربية في ظل حالة الطوارئ الصحية. إلى حين انتهاء هذه الفترة، وإجراء المشاورات اللازمة مع كافة الهيئات المعنية، في أفق تحقيق صياغة نهائية لهذا المشروع مستوفية للمبادئ الدستورية ذات الصلة، ومعززة للمكاسب الحقوقية ببلادنا[3].

لكن الملاحظ، وهذا هو الأهم، أن المنظومة التشريعية المغربية المرتبطة بالمجال الرقمي هي في حاجة ماسة إلى هذا المشروع، نظرا للأدوار الوظيفية التي سيؤديها في اتجاه تقنين الولوج إلى شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح  والشبكات المماثلة.

وبالتالي، فإن هذا الاستنتاج يضعنا في قلب إشكالية هذه الورقة البحثية، المتمثلة في ما يلي: إبراز المحتوى التشريعي لمشروع القانون رقم 22.20 من خلال إبراز الجوانب التنظيمية والزجرية الواردة فيه، ثم تسليط الضوء على بعض الآراء والتصورات التي أبدت ردود فعل تكاد تكون واحدة حول الأبعاد الحقوقية لهذا المشروع، علاوة على تبيان أهميته القانونية في تقنين استعمال شبكات التواصل الاجتماعي والشبكات المفتوحة والشبكات المماثلة. وتبعا لذلك نتساءل حول محتويات هذا المشروع؟ وما مدى واقعية الملاحظات والانتقادات الموجهة لهذا المشروع؟ وهل يمكن الحديث عن تصادم بين مكونات الأغلبية الحكومية حول مفهومي الحرية والواجب؟ ولماذا لا يمكن الاعتقاد بأن هذا المشروع سيسمح بتقنين فضاءات التواصل الرقمي بالمملكة المغربية ؟ ثم ما هي الدواعي الحقيقية وراء إيداع مشروع هام واستراتيجي في هذه الظرفية بالذات؟

و بناء عليه، يكتسي هذا الموضوع أهمية محورية من خلال إبراز أهمية هذا المشروع في المنظومة التشريعية المغربية، فالمملكة المغربية تعتبر من الدول القليلية التي تسعى إلى تقنين استعمال فضاءات التواصل الاجتماعي، التي باتت تعرف استعمالا وانتشارا غير مسبوقين في تاريخ التواصل الاجتماعي بين الحضارات البشرية، فالأنظمة الكلاسيكية في التواصل بدأت تتلاشى، لتترك المجال لأنماط تفاعلية جديدة لا تعرف الحدود ولا القيود. والتي تطرح العديد من التحديات والرهانات مرتبطة أساسا بالجريمة الاليكترونية “كنشر الأخبار الزائفة ، والشائعات، والسب والقذف……”. مشروع يستدعي الوقوف عند مضامينه و تمفصلاته التنظيمية والزجرية، حتى يكون القارئ على بينة من مضامينه ومحتوياته، وبالتالي المساهمة في تعميق النقاش العمومي حول المحددات التشريعية  لهذا المشروع، والتدافع الحقوقي والسياسي الذي صاحبه.

ولأجله، سنتناول هذه الورقة البحثية في مبحثين، حيث نقارب في المبحث الأول الجوانب التنظيمية والزجرية الواردة في مشروع القانون رقم 20.22. في حين نعالج في المبحث الثاني التدافع الحقوقي والسياسي حول مضامين هذا المشروع، مع الإشارة إلى الآفاق التي يفتحها على مستوى تقنين وتخليق استعمال شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح والشبكات المماثلة.

المبحث الأول: الجوانب التنظيمية والزجرية الواردة في مشروع القانون رقم22.20 المتعلق بشبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح والشبكات المماثلة

يندرج مشروع القانون رقم 22.20 ضمن رؤية المشرع المغربي الهادفة إلى تقنين استعمال فضاءات التواصل الاجتماعي، من خلال تحديد الحدود الفاصلة بين الحق والواجب، وفق نسق يسمح بالتوفيق بين ضمان حرية التواصل الرقمي عبر شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح وباقي الشبكات المماثلة، دون المساس بالمصالح المحمية قانونا[4]. وهكذا جاء هذا المشروع حاملا ل 25 مادة قانونية، موزعة على ثلاثة أبواب و تسعة فصول، ناظمة بذلك لكل التمفصلات المرتبطة بتقنين المجال الرقمي المفتوح(المطلب الأول) مع ترتيب الجزاء في حالة عدم الامتثال إلى قواعده(المطلب الثاني).

المطلب الأول: المحددات التنظيمية لاستعمال شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح و الشبكات المماثلة

تندرج شبكات التواصل الاجتماعي[5] ضمن الآليات العصرية التي تعمل على جمع الناس وتمكينهم من التعبير عن أنفسهم وتبادل اهتماماتهم وأفكارهم وتكوين صداقات جديدة مع أناس يشاركونهم ذات الاهتمامات[6]. لذلك حرص المشرع المغربي على إيلاء أهمية قصوى لهذه الشبكات من خلال تنصيصه على ضمان حرية التواصل الرقمي عبر شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح وباقي الشبكات المماثلة، وهي حرية ينبغي أن تمارس طبقا للدستور، ووفق الشروط والضوابط الواردة في هذا القانون وفي النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل[7]. معطى حقوقي مهم يعطي الانطباع بأن حرية التعبير واردة في هذا المشروع، وغير مسموح بالمساس بها مادامت تمارس انسجاما مع أحكام الدستور و طبقا للقانون. والمراد من ذلك أن حرية التواصل الاليكتروني مضمونة ما دام محتواها يتمتع بالمشروعية المحددة بموجب الدستور والنصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن مقتضيات هذا القانون لا تطبق على منصات الإنترنت التي تقدم محتوى صحفي أو تحريري، والتي لا تعتبر شبكة من شبكات التواصل الاجتماعي في مفهوم هذا القانون، وتظل خاضعة للنصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل في الصحافة والنشر[8]. وهنا نميز بين شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الاليكترونية ذات المحتوى الصحفي، فهذه الأخيرة تخضع في تدبيرها وتنظيمها للقوانين المتعلقة بالصحافة في شقها المرتبط بالصحافة الاليكترونية. والذي تجدر ملاحظته في هذا الإطار أنه كان على المشرع أن يستعمل اصطلاح الصحافة الاليكترونية بدل المواقع الالكترونية ذات المحتوى الصحفي.

وتبعا لذلك، فإن أحكام مشروع القانون رقم22.20 تسري على المزودين الذين يستغلون منصات الإنترنت لتقديم خدمات شبكات التواصل الاجتماعي أو خدمات شبكات البث المفتوح أو أي خدمة مماثلة للمستعملين من العموم بهدف تحقيق ربح مادي، ويطلق عليهم حسب منطوق هذا المشروع بمزودي الخدمات الذين فرض عليهم المشرع وضع مسطرة داخلية فعالة وشفافة لمعالجة الشكايات المتعلقة بالمحتويات الاليكترونية غير المشروعة، مع تمكين المستعملين من إجراءات مبسطة وسهلة الولوج ومتاحة بشكل دائم للتبليغ وتقديم الشكايات، وعليه يقوم مزودي الخدمة بما يلي[9]:

وطبقا لأحكام المادة الخامسة من مشروع القانون رقم 22.20 تتولى الإدارة أو الهيئة المعنية لهذا الغرض بمهام الإشراف والرقابة على الخدمات المقدمة من طرف شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح والشبكات المماثلة، علاوة على صلاحيتها الأهم، المتمثلة في منح الرخص لمزودي الخدمات المتواجدين فوق التراب الوطني[10]. على أنه يمكنها إبرام اتفاقيات تعاون وشراكة مع المزودين المتواجدين خارج التراب الوطني[11].

وبناء عل ذلك، نسجل أن هذا القانون جاء بمجموعة من المحددات التنظيمية، الهادفة إلى جعل هذا المجال محكوم بالقانون، وفق أحكام تفصل بين المحتوى الالكتروني المشروع والآخر غير المشروع، حيث بات من غير المقبول ممارسة نشاط تواصلي من قبل مزودي الخدمة دون الحصول على ترخيص من قبل الهيئة الإدارية المعنية، إلا أن هذا المقتضى القانوني يتطلب ضبط مسطرة الترخيص من خلال تحديد شروط منحه وسحبه، مع الأخذ بعين الاعتبار كون هذه الشبكات لا وجود مادي لها، ما سيثير التساؤل حول الكيفية التي سيتم بواسطتها التعامل مع شبكات دولية لا تقع تحت سلطة الدولة المغربية[12]. إلا إذا كانت آلية اتفاقيات التعاون والشراكة ستحل محل الرخص بالنسبة للشركات الأجنبية التي لا تزاول مهامها فوق التراب الوطني، علما أن الحجية القانونية للاتفاقية تختلف عن حجية الرخصة. و كذلك الأمر بالنسبة لطبيعة القانون الذي سيتم الاحتكام إليه هل هو القانون الوطني أم الدولي.

وإذا كان المشرع قد أشار إلى أنه ثمة هيئة أو إدارة معينة هي التي ستتولى الإشراف والسهر على تنفيذ مقتضيات هذا القانون، فإنه لم يحدد ماهيتها ولم يسميها، وكيفية تشكيلها، الأمر الذي دهب بالبعض إلى القول بأن الحكومة لا تملك تصورا عن الجهة التي ستقوم بهذه المهمة الأساسية[13] .

بقي أن نشير إلى جدوى تخويل مزودي الخدمات بسلطة تقديرية فيما يخص حذف أو حظر أو توقيف أو تعطيل كل محتوى إلكتروني غير مشروع، في حين أن هذه الإمكانية ينبغي أن تكون في يد الهيئة الإدارية المشرفة وتحت رقابة السلطة القضائية المختصة، وذلك ضمانا لحقوق وحريات المواطنين. دون أن ننسى ضرورة تقييد طلب المعطيات الخاصة بالمحتويات الالكترونية من طرف الجهات الأمنية، بأن يتم ذلك تحت إشراف ورقابة السلطات القضائية المختصة. لأن ذلك قد يتحول في لحظة من اللحظات إلى التعسف في استعمال السلطة، فالأمر يتعلق هنا بسلطة تقديرية، وذلك يتبدى من الصياغة القانونية للفقرة السادسة من المادة  الثامنة التي تبقى صياغة مرنة تترك الأمر مفتوحا للجهات الأمنية بين اتخاذ أكثر من قرار، لذلك نعتقد أن تقييد هذا المعطى القانوني يفرض ذاته من خلال العمل على صياغته صياغة جامدة، يعني أن اختصاصها الوارد في هذا القانون يجب أن يكون اختصاصا مقيدا، وبالتالي لا تملك الإدارة الأمنية أدنى سلطة تقديرية أثناء مباشرة مهامها المرتبطة بالمحتويات الالكترونية للمستعملين.  

المطلب الثاني: جزاءات تطبيق مقتضيات مشروع القانون رقم 22.20 المتعلق بشبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح والشبكات المماثلة

تعلمنا في أبجديات المدخل إلى دراسة القانون، أن من خصائص القاعدة القانونية، بالإضافة إلى العمومية والتجريد والإلزامية، خاصية الجزاء التي تفيد أن القاعدة القانونية تترافق مع  جزاء توقعه السلطة العامة بحق من يخالف تلك القاعدة، وخاصية الجزاء هو ركن جوهري في وجود القاعدة القانونية. وبالرجوع إلى مواد مشروع القانون رقم 22.20، يبدو أن المشرع رتب مجموعة من الجزاءات حال مخالفة أحكام هذا القانون، مميزا بين جزاءات إدارية و أخرى زجرية. حيث ترتب الجزاءات الإدارية في حق مزودي الخدمات في حال إخلالهم بأحد الالتزامات الواقعة على عاتقهم بمقتضى المواد 2 و3 المشار إليها أعلاه، وذلك بتوجيه إنذار لوقف المخالفة والقيام بالمتعين داخل أجل 5أيام من تاريخ التوصل بالإنذار. وفي حال عدم الاستجابة، يعاقب المخالف بغرامة إدارية قدرها خمسمائة ألف درهم، مع إيقافه بصورة مؤقتة عن مزاولة أنشطته إلى حين إزالة المخالفات داخل أجل لا يتعدى 5 أيام. وفي حال الاستمرار في ارتكاب نفس المخالفة دون الاستجابة داخل الأجل المذكور يتم سحب رخصة المزاولة، ومنعهم بصفة نهائية من مزاولة أنشطتهم داخل التراب الوطني. وتبقى الهيئة الإدارية المعنية هي المسؤولة المباشرة عن توجيه الإنذارات، وتحصيل الغرامات.

أما الجزاءات الزجرية فهي التي حددها المشرع في المواد المتضمنة في الفصول الأربعة من الباب الثالث من مشروع القانون رقم 22.20. مميزا بين الجرائم الماسة بالأمن وبالنظام الاقتصادي، وجرائم نشر الأخبار الزائفة، والجرائم الماسة بالشرف والاعتبار الشخصي، وأخيرا الجرائم الواقعة على القاصرين. وهكذا يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى خمس سنوات وغرامة مالية من 10000 إلى 100000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط، من قام عمدا عبر شبكات التواصل الاجتماعي أو عبر شبكات البث المفتوح أو عبر الشبكات المماثلة بنشر أو ترويج محتوى إلكتروني يتضمن كيفية تصنيع معدات التفجير المعدة من مساحيق أو مواد نووية أو بيولوجية أو كيميائية أو من أي منتج آخر مخصص للاستخدام المنزلي أو الصناعي أو الفلاحي[14].

كما يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة من 5000 إلى 50000درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط، من قام عمدا عبر شبكات التواصل الاجتماعي أو عبر شبكات البث المفتوح أو عبر الشبكات المماثلة بالدعوة إلى مقاطعة بعض المنتوجات أو البضائع أو الخدمات أو القيام بالتحريض علانية على ذلك[15]. وكذلك الشأن بالنسبة لمن قام بحمل العموم أو تحريضهم على سحب الأموال من مؤسسات الائتمان أو الهيئات المعتبرة في حكمها[16].   

وحسب المادة 16 من مشروع القانون رقم 22.20 يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين وغرامة مالية من 1000 إلى 5000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط من قام عمدا عبر شبكات التواصل الاجتماعي  أو عبر شبكات البث المفتوح أو عبر الشبكات المماثلة بنشر أو ترويج محتوى الكتروني يتضمن خبرا زائفا، مع تكريس إمكانية مضاعفة العقوبة فور إثارة هذا الخبر الفزع بين الناس وتهديد طمأنينتهم. وإذا كان الخبر الزائف من شأنه المساس بالنظام العام أو بأمن الدولة و استقرارها أو السير العادي لمؤسساتها، تتراوح العقوبة بين سنتين إلى خمس سنوات وغرامة من 3000 إلى 30000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط[17].

وإذا كان الخبر الزائف من شأنه التشكيك في جودة وسلامة بعض المنتوجات والبضائع وتقديمها على أنها تشكل تهديدا و خطرا على الصحة العامة والأمن البيئي، فإن العقوبة تمتد من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة من 2000 إلى 20000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط[18]. وهي ذاتها العقوبة المطبقة في حالة ما إذا كان الخبر الزائف من شأنه إلحاق الضرر بشخص ذاتي أو اعتباري[19].

في حين تشمل الجرائم الماسة بالشرف والاعتبار الشخصي من قام عمدا عبر شبكات التواصل الاجتماعي أو عبر شبكات البث المفتوح أو عبر الشبكات المماثلة بانتحال الهوية الرقمية للغير أو استعمال أي معطيات من شأنها أن تمكن من التعرف عليه، وذلك بقصد تهديد طمأنينته أو طمأنينة الغير أو المساس بشرفه أو بالاعتبار الواجب له[20]، أو بنشر محتوى إلكتروني يتضمن عنفا أو اعتداء جسديا على شخص[21]، فهذه الأفعال تتراوح عقوبتها الحبسية بين ستة أشهر وثلاث سنوات وغرامة من 3000 إلى 30000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين. بينما ترتفع هذه العقوبة من سنة إلى خمس سنوات وغرامة من 3000 إلى 30000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين من قام بابتزاز شخص عن طريق التهديد بالنشر عبر شبكات التواصل الاجتماعي أو عبر شبكات البث المفتوح أو عبر الشبكات المماثلة لتسجيل أو وثيقة تتضمن صورا أو حوارات ذات طابع جنسي أو غيره[22].

بقي أن نشير إلى العقوبات الواقعة بمناسبة ارتكاب جرائم على القاصرين، حيث يعاقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وغرامة مالية من 3000إلى30000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط، من قام عمدا عبر شبكات التواصل الاجتماعي أو عبر شبكات البث المفتوح أو عبر الشبكات المماثلة بوضع أو نقل أو بث أو نشر محتوى إلكتروني ذي طابع عنيف من شأنه المساس بالسلامة النفسية والجسدية للقاصرين ودوي العاهات العقلية[23]. وتصل هذه العقوبة إلى خمس سنوات وغرامة مالية من 5000 إلى 100000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط من قام عمدا بوضع أو نقل أو بث أو نشر عرض أو محتوى إلكتروني ذي طابع إباحي موجه للقاصرين[24]، وإذا كان الأمر يتعلق بتحريض القاصرين على المشاركة في ألعاب خطيرة من شأنها تعرضهم لخطر نفسي أو جسدي أو المتاجرة بهذا النوع من المحتويات عندما تكون متاحة للقاصرين، فإن العقوبة الحبسية تتراوح بين سنة وثلاث سنوات وغرامة من 5000 إلى 50000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط[25]. وإذا نتج عن تعرض القاصر نتيجة لذلك المحتوى الالكتروني لجروح أو أضرار بدنية فإن العقوبة الحبسية تمتد من سنة إلى أربع سنوات وغرامة من 5000 إلى 50000 درهم[26]. وإذا نتج عن ذلك فقدان القاصر لعضو أو بتره أو الحرمان من منفعته أو عمى أو عور أو أية عاهة دائمة أخرى فإن العقوبة هي الحبس من سنتين إلى خمس سنوات وغرامة من 10000درهم إلى 100000 درهم[27]. أما إذا نتج عن ذلك الوفاة فإن العقوبة هي السجن من خمس إلى عشر سنوات وغرامة من 20000إلى 150000 درهم[28]

وهكذا، توحي العقوبات أعلاه بالملاحظات التالية :

المبحث الثاني: جدلية التوفيق بين حرية الرأي والتعبير وتخليق شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح والشبكات المماثلة:

مما لا شك فيه أن مشروع القانون رقم 22.20 ساهم في بروز جدل حقوقي كبير جدا حول أبوابه وفصوله ومواده، انطلاقا من زاوية حرية الرأي والتعبير، حيث عمدت مجموعة من الفعاليات السياسية والمدنية والحقوقية والأكاديمية إلى تقديم تصورات أولية حول مضامين وأبعاد هذا المشروع (المطلب الأول)، الذي يعتبر قيمة مضافة في المنظومة التشريعية المغربية، إذا ما تم بدل المزيد من الجهد في سبيل تعديل بعض مواده وتجويدها انسجاما مع حرية الرأي والتعبير المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية لفاتح يوليوز2011، وحماية للحياة الخاصة للأفراد، والمصالح العليا للدولة المغربية(المطلب الثاني).

المطلب الأول: التدافع السياسي والحقوقي و المدني حول مشروع القانون رقم 22.20 المتعلق بشبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح والشبكات المماثلة

كثيرة هي التصورات والآراء التي اجتهدت في تقديم قراء أولية لمشروع القانون رقم 22.20 المتعلق باستعمال شبكات التواصل الاجتماعي، وشبكات البث المفتوح والشبكات المماثلة، تصورات تكاد تجمع على تصنيف هذا المشروع ضمن خانة الآليات التشريعية المعتمدة من طرف المشرع لتقييد حرية الرأي والتعبير، ولاسيما الطريقة التي قدم بها ضمن جدول أعمال مجلس الحكومة المغربية ليوم19 مارس2020، حيث تقرر المصادقة على مشروع القانون في صيغته المعروضة على أن يتم تشكيل لجنتين تقنية وأخرى وزارية للتوصل إلى صيغة نهائية، هي التي سيتم إيداعها على البرلمان. هذا التصور رأى فيه البعض مخالفة واضحة لقانون الحق في الحصول على المعلومة الذي يجعل مشاريع القوانين ضمن المعلومات الواجب توفيرها بالنشر ألاستباقي[31]، لذلك، فأي تشريع في هذا المجال يجب أن يراعي ضمان ممارسة الحقوق والحريات الأساسية في نطاق المسؤولية، ومن ضمنها حرية الفكر والرأي والتعبير بكل أشكالها، وجميع المقتضيات التشريعية التي تتعارض مع ممارسة الحريات المقررة والمكفولة دستوريا، تعتبر مرفوضة[32]، مما يستوجب تأجيل عرض هذا المشروع على البرلمان مراعاة للظرفية الاستثنائية التي تجتازها الدولة، والتي تقتضي مواصلة التضامن والالتفاف حول ملك البلاد وصيانة الروح الوطنية المشبعة بنفس التعبئة والإجماع والانشغال بواجب الوقت الذي هو التصدي لجائحة كورونا، و ترصيد المكتسبات والنجاحات التي حققتها الدولة في هذا الإطار، والتي نالت بها الإشادة عالميا[33]. ومن جهة أخرى، فإن طبيعة هذا المشروع تحتاج إلى توسيع التشاور المؤسساتي بواسطة إشراك المؤسسات الدستورية المعنية[34]. من خلال حوار وطني موسع يمكن من بلورة مشروع يحظى بتوافق وطني أسوة بما تم العمل به في مختلف الأوراش والملفات ذات الصبغة المجتمعية[35]. خصوصا على مستوى صيانة المكاسب الدستورية التي حققتها المملكة المغربية فيما يتعلق بالحقوق والحريات، ومجالات ممارستها، وما يستتبعها من واجبات[36]. ومن هنا، فإن “تأجيل النظر في بنود مشروع القانون رقم 22.20 مناسبة لتصحيح الأوضاع وإعادة الاعتبار للمسؤولية الجماعية، وإعادة النقاش المؤسساتي والعمل الجماعي إلى سكته”[37].

ومن زاوية أخرى، اعتبر حزب الاستقلال أن مشروع القانون رقم 22.20 يعتبر مسا خطيرا بحرية الرأي والتعبير وتراجعا واضحا على المكتسبات التي حققتها بلادنا في مجال الحريات العامة وحقوق الإنسان، كما أن التعتيم  الذي صاحب هذا المشروع فيه خرق سافر للحق في المعلومة المنصوص عليه في الفصل 27 من دستور فاتح يوليوز2011[38]. مما أثار صدمة وتخوفات الكثير من الحقوقيين والسياسيين والرأي العام، بسبب ما حمله المشروع من تشديد و تضييق غير مسبوقين على حرية الرأي والتعبير كحقين مكفولين بنص الدستور[39]. وبالتالي فهذا المشروع متجاوز بشكل كبير، ولا يليق بالمغرب، لأنه لا يمكن تقييد الحرية على المنصات الرقمية، التي أصبحت حاضنة للحريات، علما أن مشروعا من هذا القبيل كان ينبغي أن يعرض على المجلس الوطني لحقوق الإنسان قصد استشارته[40].

هذا، في الوقت الذي كان ينبغي على الحكومة أن تحترم مقتضيات قانونية تحتم عليها الاستشارة في شأنه مع المجلس الوطني للصحافة، بحكم علاقة هذا المشروع بصفة مباشرة بحريات التعبير والنشر والصحافة، وهو مشروع يتنافى مع المقتضيات الدستورية خصوصا الفصول 25 و 26 و27 و 28 منه[41]، وتراجع عن الإجماع الذي حصل بخصوص مضمون هذا الدستور[42]. ويناقض كل المواثيق والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحرية التعبير والصحافة والنشر وحقوق الإنسان التي صادق عليها المغرب[43]

وفي إطار ضوء مختلف هذه البلاغات والبيانات والتعبيرات، نستخلص أن التوجه العام الذي يوحدها هو اعتبار مشروع القانون رقم 22.20 تطبعه ثلاثة خصائص أساسية، في مقدمتها المقاربة التي اعتمدت في بلورة هذا المشروع، التي غيبت منهج التشارك، الذي يعتبر مناط مشاركة كافة الهيئات السياسية والحقوقية والمدنية والأكاديمية في إبداء الرأي، فكانت الشفافية غائبة، وبالمطلق، الشاهد عندهم الطريقة التي أدرج بها المشروع لدى مجلس الحكومة المنعقد بتاريخ 19 مارس 2020، حيث لم يسمح المشرع للجميع بالاطلاع على مشروع القانون رقم 22.20، لذلك، لم تتح فرصة المشاركة الفاعلة والفعالة لمختلف الهيئات المعنية في تقديم تصوراتها وملاحظاتها وتوصياتها الرامية إلى تحسين مضامين وآفاق المشروع.

الخاصية الثالثة تتعلق بمضمون مشروع القانون رقم 22.20، مضمون فيه تماس سلبي مباشر مع حقوق وحريات المواطنين، يسعى إلى تقييد هذه الحقوق والحريات وفق ما جاء في الوثيقة الدستورية لفاتح يوليوز2011، وكذلك تراجع ممنهج عن المكاسب التي حققها المغرب في مجال الحقوق والحريات العامة.

الخاصية الثالثة مرتبطة بطبيعة الظروف التي يجتازها المغرب، تحت تأثير حالة الطوارئ الصحية المفروضة نتيجة لجائحة كورونا، و هي لحظة للإجماع الوطني والتعبئة الجماعية قصد المساهمة في نجاح التدابير الاحترازية المعتمدة لاحتواء جائحة كورونا والنجاح في التخفيف من تداعياتها السلبية على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للدولة. علما أن الأمر يتعلق بمشروع قانون سيكون مصحوب بالكثير من النقاش والجدل نظرا لارتباطه باستعمال شبكات التواصل الاجتماعي، التي يرى فيها العامة الحاضن البديل لحرية الرأي والفكر والتعبير.

لكن في المقابل، نسجل على كل هذه التقييمات غياب الإشارة وبنفس التفاصيل التي طبعت مواقفها المشار إليها أعلاه، إلى السياقات التي فرضت هذا المشروع، وكذلك إلى الجوانب الايجابية التي جاء بها في مجالات كثيرة. فهل فعلا هذا المشروع غير ذي جدوى بالنسبة للمنظومة التشريعية المغربية؟           

المطلب الثاني: مشروع القانون رقم 22.20 وآفاق تخليق شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح والشبكات المماثلة

لكل قانون غايات وأهداف يسعى إلى تحقيقها، ولعل من بين أهم غايات مشروع القانون رقم 22.20 سد الفراغ التشريعي الذي تعانية المنظومة القانونية المرتبطة بالجريمة الاليكترونية، ولاسيما عندما يتعلق الأمر بشبكات التواصل الاجتماعي، وشبكات البث المفتوح، والشبكات المماثلة. ذلك أن التحولات التي يعرفها المجال الرقمي متسارعة ولا حدود لها، ومما يزيد في انتشارها الطفرة الاليكترونية التي عرفتها الهواتف الذكية، حيث أصبح الفضاء الأزرق متاحا أمام الجميع دون استثناء، وبالتالي، فنحن أمام مجال غير مراقب وغير متحكم فيه، وهامش الحرية فيه مطلق وواسع، ويقع خارج نطاقي التأطير والتكوين، ومادام كذلك، فإن إمكانية أو إمكانيات المساس بحقوق وحريات الاغيار واردة وبشكل أكيد. ذلك أن التدافع بين الأفراد والهيئات قد يأخد منحى غير سليم من الناحية الحقوقية والقانونية، يؤدي إلى بروز مشاكل قانونية يجب الفصل فيها من طرف المحاكم المختصة، لذلك، لابد من إطار قانوني مرجعي يحتكم إليه القاضي للفصل في القضايا المعروضة عليه. و هنا تأتي أهمية هذا المشروع في سد الفراغ التشريعي، وعدم ترك المجال للاجتهاد القضائي، الذي قد يفسر في أحكامه بالمس بحقوق وحريات الأفراد أو الانحياز إلى وجهة النظر الرسمية أو الخضوع لضغوطات لوبي معين. ولأجله، فإن هذا المشروع سيساهم في تجاوز حالة الفراغ التشريعي، وتمكين السلطة القضائية من سند تشريعي تحتكم إليه في القضايا القضائية ذات الصلة مادامت المنظومة القانونية الحالية غير كافية لردع كافة السلوكيات المرتكبة في مواقع التواصل الاجتماعي والشبكات المماثلة، في ظل تنامي بعض الجرائم الخطيرة المرتكبة[44].

ومعلوم، أنه إذا كان المتداول في الدراسات المرتبطة بحقوق الإنسان والحريات العامة[45]، أن السلطة التنفيذية لا يمكن أن تكون هيئة لخلق حقوق الإنسان، ولا أيضا هيئة لحمايتها، فان السلطة القضائية، وفي حالة الفراغ التشريعي سوف تلجأ إلى الاجتهاد القضائي، الذي قد يفتح الباب لإمكانية المساس بحقوق وحريات الأفراد، خصوصا وأن طبيعة العملية القضائية لا تستبعد التعسف. لذلك فإقدام المشرع على تنظيم المجالات المعنية بها أبواب وفصول ومواد هذا المشروع يتأطر ضمن هذا المنظور.

وفي جانب آخر، يحمل هذا المشروع في وجهه الظاهر، أجوبة نوعية حول حدود استعمال فضاءات التواصل الاجتماعي، وفي هذا تحديد لحقوقهم وحرياتهم، والحدود التي لا ينبغي تجاوزها، فهو إطار مرجعي لرواد التواصل الاجتماعي في مواجهة القانون، لكن هل هذه الحقوق والحريات موسعة أم أنها جاءت ضيقة، فذلك سؤال آخر، سيجيب عليه البرلمان إبان مناقشته سواء في إطار اللجان الدائمة أو في إطار الجلسات العامة. لأن التطور السريع لوسائل الاتصال، وما تتيحه لمستخدميها في التنقل عبر الحدود بدون قيد أو رقابة بشكل نسبي محدود[46] يتطلب إيجاد نصوص تشريعية تحكم استعمالها، مع استحضار، أن هذا التشريع ليس بالنهائي، فهو قابل للتعديل والتطوير والتجويد، ومسايرة التحولات الرقمية، من طرف المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وهيئات الحكامة المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية لفاتح يوليوز2011، لأن المراحل التي تمر منها العملية التشريعية معقدة وطويلة، وتبقى أهم محطة فيها الإحالة على المحكمة الدستورية التي تقضي في مدى دستورية النصوص التشريعية، لاسيما وأن المشرع الدستوري وسع من إمكانيات الإحالة على المحكمة الدستورية بالنسبة للرقابة الاختيارية على دستورية القوانين العادية قبل إصدار الأمر بتنفيذها، وذلك بإحالة من الملك، أو رئيس الحكومة، أو رئيس مجلس النواب، أو رئيس مجلس المستشارين، أو خمس أعضاء مجلس النواب، أو أربعين عضوا من أعضاء مجلس المستشارين[47].

والذي تجدر ملاحظته في هذا الإطار، أن فضاءات التواصل الاجتماعي باتت في جانب كبير منها مصدرا للشائعات، والأخبار الزائفة، وخير دليل على ذلك ما صاحب جائحة كورونا، فلولا يقظة السلطات الأمنية المختصة التي تحركت في الحين للإفصاح عن أصحاب هذه الممارسات، لأدى ذلك إلى شيوع نوع من الذعر والخوف والهلع وسط المجتمع، وما لذلك من انعكاسات سلبية على باقي الأنشطة المجتمعية. كما باتت هذه الفضاءات وسائل لنشر الأخبار الزائفة الماسة بحياة الأفراد والشركات، علاوة على التطاول ودون احترام للضوابط الأخلاقية على الخصوصيات الخاصة بحياة الأفراد، ما جعلها تتحول إلى مصدر للابتزاز. لذلك، فإنه، ورغم قداسة حرية الرأي والتعبير، المكفولة بموجب الدستور والقانون، فإنه من الضروري وضع ضوابط لتنظيم ممارسته حتى نحمي المجتمع من الفتن والصراعات[48]، وهنا نتساءل من كان وراء حملة المقاطعة التي استهدفت شركات بعينها دون أخرى إبان نهاية 2017 وبداية 2018.

وعلى نحو آخر، فإن هذا المشروع يتضمن بنودا جيدة تساعد على ضمان الحياة الخاصة للأفراد، كما تضمن حماية قانونية للقاصرين ودوي العاهات العقلية، عند المساس بسلامتهم النفسية أو الجسدية عبر شبكات التواصل الاجتماعي أو عبر شبكات البث المفتوح أو عبر الشبكات المماثلة[49]، كما أنه من غير المعقول السماح بشيوع الأخبار الزائفة والشائعات، لما لها من تداعيات سلبية على النظام العام في أبعاده المرتبطة بالأمن العام والصحة العامة والسكينة العامة، و أصبحت بعض المحتويات الرقمية تكسر حاجز الآداب والأخلاق العامة بهدف خلق أكبر نسب مشاهدة فقط. لذلك، باستثناء بعض المواد التي تتعارض مع الفصل 25 من الدستور الذي يكفل حرية الفكر والرأي والتعبير بكل أشكالها للجميع، لكن ذلك يتوقف على مراعاة الفصل 24 منه، الذي يعطي الحق لكل شخص في حماية حياته الخاصة. فإن باقي المواد تكتسي أهمية تنظيمية مهمة، ستكون قيمة مضافة في المنظومة التشريعية المغربية.

ويأتي هذا المشروع في سياق تتميم الجهود المبذولة من طرف الدولة المغربية، الرامية إلى ملاءمة القوانين الوطنية مع باقي القوانين المقارنة والمعايير المعتمدة في مجال محاربة الجريمة الالكترونية، خاصة بعد المصادقة على اتفاقية بودابست المتعلقة بالجريمة المعلوماتية بتاريخ 29 يونيو 2018. والتي صادق عليها المغرب بهدف تعزيز ترسانته القانونية وملاءمة قوانينه الداخلية مع أحدث التشريعات الدولية في مجال الجريمة الالكترونية[50].

ويرى المشرع، أن هذا المشروع سيلعب دورا هاما في مجال تجاوز ازدواجية التجريم والعقاب بالنسبة لبعض الأفعال المنصوص عليها في مجموعة القانون الجنائي والقانون رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر، وكدا تفادي التضارب في تنزيل أحكامها خاصة على مستوى تكييف الجرائم المرتكبة عبر شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح والشبكات المماثلة[51].

لكن، وفي جانب آخر، ينبغي التأكيد على أن السلوك السياسي الذي طبع مشروع القانون رقم 22.20، عرف بعض التجاوزات، على وجه الخصوص تغييب المقاربة التشاركية، انسجاما مع فلسفة الوثيقة الدستورية لفاتح يوليوز2011، لأن الأمر يتعلق بنص تشريعي دو حساسية حقوقية، يستهدف تنظيم مجال يهم شريحة عريضة وكبيرة من المجتمع، مقاربة سيكون لها دور ايجابي في تعديل وتجويد بعض الفصول، ومن ثمة الوصول إلى نص تشريعي يحظى بالتوافق إلى حد ما. كما أن المناسبة التي تقرر في مناخها تقديم هذا المشروع إلى المجلس الحكومي المنعقد بتاريخ 19 مارس2020 غير مواتية، على اعتبار أن الدولة المغربية تعيش في ظل حالة طوارئ صحية نتيجة لجائحة كورونا.  

خاتمة:

يستنتج من واقع الممارسة أن الجريمة الاليكترونية حاضرة وبقوة في شبكات التواصل الاجتماعي، وشبكات البث المفتوح، والشبكات المماثلة، وتبعا لذلك، نعتقد أنه في أعيننا وفي أعين الكثيرين، تشكل جدلية الحرية و فضاءات التواصل الاجتماعي المفتوح تحديا قيميا وأمنيا، يستدعي ضرورة اعتماد إطار قانوني مرجعي يعوض الفراغ التشريعي، لتنظيم ممارسة هذه الحرية وسن الإجراءات الكفيلة بحمايتها، في مقابل حماية الدولة والمؤسسات والشركات والهيئات و الأفراد من الشائعات، والأخبار الزائفة، ومن كل أنوع التضليل و الابتزاز والمساس بالخصوصيات….فالحرية المطلقة قد تؤدي إلى المساس بالنظام العام، و التقييد المطلق قد يؤدي إلى المساس بحقوق وحريات الأفراد.

وهذا النوع من القوانين يحتاج إلى تفعيل المقاربة التشاركية من خلال إفساح المجال أمام جميع الفعاليات ولاسيما الحقوقية(الرسمية والمدنية) والأكاديمية للمساهمة في تعميق النقاش العمومي حول أبواب وفصول ومواد هذا المشروع، وتبقى الأيام الدراسية والندوات الوطنية أحد الآليات التي ينبغي الشروع في برمجتها مباشرة بعد انتهاء جائحة كورونا. علاوة على العمل على استحضار التوافق بين مختلف المكونات المجتمعية حول المحتوى التشريعي لهذا المشروع، من خلال السهر على التوسط والتحكيم بين المصالح المتضاربة من أجل الوصول إلى إجماع واسع حول مشروع القانون رقم 22.20، وإن أمكن حول المصلحتين العامة والخاصة.


[1] – يتعلق الأمر بمختلف الآراء والمواقف المعبر عنها في شبكات التواصل الاجتماعي من طرف مختلف الفاعلين ما بين تاريخ20 مارس2020 و تاريخ 03ماي2020.

[2] – تعرف الجريمة الالكترونية حسب مؤتمر الأمم المتحدة  العاشر حول موضوع الجريمة الاليكترونية “كل جريمة يمكن ارتكابها بواسطة نظام حاسوبي أو شبكة حاسوبية أو داخل نظام حاسوب”.

[3] – عبد الرحيم العسري”وزارة العدل تتراجع عن مشروع القانون  رقم 20.22 وتعد بمقاربة تشاركية”. جريدة هسبريس الاليكترونية(www.hespress.com ) بتاريخ 03ماي2020 .

[4] – مذكرة تقديم مشروع القانون رقم 20.22 المتعلق باستعمال شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح والشبكات المماثلة.ص: 5.

[5] – حسب مدلول المادة الأولى من مشروع القانون رقم20.22 بالمواقع الاليكترونية المتوفرة على منصة الانترنت والمبنية على أسس معلوماتية معينة، والتي تمكن مستعمليها من إنشاء حسابات شخصية أو صفحات شخصية ومن التواصل ونشر وتقاسم المحتويات الاليكترونية وكذا من التفاعل مع منشورات باقي المستخدمين. أما شبكات البث المفتوح، فالمراد بها المواقع الاليكترونية المتوفرة على منصة الانترنت والمبنية على أسس معلوماتية معينة، والتي تمكن مستعمليها من بث مباشر أو غير مباشر لمقاطع سمعية أو سمعية بصرية. كما أماط المشرع اللثام عن مفاهيم أخرى تتعلق أساسا بدلالات البيانات والمحتوى الاليكتروني والهوية الرقمية، وذلك في اتجاه مزيد من التوضيح والتدقيق.

[6] – ما هي شبكات التواصل الاجتماعي .منشور بالموقع الاليكتروني www.toluna.co.                                  

[7] – المادة 2 من أحكام مشروع القانون رقم 22.20 المتعلق بشبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح والشبكات المماثلة.

– المادة  4 من مشروع القانون رقم 22.20 مشار إليه سابقا.[8]

[9] – المادة 8 من مشروع القانون رقم 22.20 مشار إليه سابقا.

[10] – المادة 6 من مشروع القانون رقم 22.20 مشار إليه سابقا.

[11] – المادة 7من مشروع القانون رقم 22.20 مشار إليه سابقا.

[12] – مذكرة وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان والعلاقات المكلفة مع البرلمان حول مشروع القانون رقم 22.20..

[13] – مذكرة وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان والعلاقات المكلفة مع البرلمان……مرجع سابق.

[14] – المادة 13من مشروع القانون رقم 22.20 مشار إليه سابقا.

[15] – المادة 14من مشروع القانون رقم 22.20 مشار إليه سابقا.

[16] –  الماد15من مشروع القانون رقم 22.20 مشار إليه سابقا.

[17] – المادة 17من مشروع القانون رقم 22.20 مشار إليه سابقا.

[18] -المادة 18من مشروع القانون رقم 22.20 مشار إليه سابقا.

[19] – المادة 19من مشروع القانون رقم 22.20 مشار إليه سابقا.

[20] – المادة 20من مشروع القانون رقم 22.20 مشار إليه سابقا.

[21] – المادة 22من مشروع القانون رقم 22.20 مشار إليه سابقا.

[22] – المادة 21من مشروع القانون رقم 22.20 مشار إليه سابقا.

[23] – المادة 23 من مشروع القانون رقم 22.20 مشار إليه سابقا.

[24] – المادة 24 من مشروع القانون رقم 22.20 مشار إليه سابقا.

[25] – المادة25 من مشروع القانون رقم 22.20 مشار إليه سابقا.

[26] – المادة  25 من مشروع القانون رقم 22.20 مشار إليه سابقا.

[27] – المادة 25من مشروع القانون رقم 22.20 مشار إليه سابقا.

[28] – المادة 25 من مشروع القانون رقم 22.20 مشار إليه سابقا.

[29] – ذ كنب أمين”واقع و آفاق الجريمة المعلوماتية بالمغرب” منشورات الموقع الالكتروني: www.maroclaw.cim .

[30] – ذ بوي المهدي”السلطة التقديرية للقاضي الجنائي وفقا للتشريع المغربي والمقارن” منشورات الموقع الالكتروني: www.maroclaw.com..

[31] – النائبة البرلمانية بمجلس النواب أمينة ماء العينين في تعليق لها بصفحتها على شبكة التواصل الاجتماعي “الفايسبوك”.

[32] – بلاغ حزب العدالة والتنمية المنبثق عن اجتماع أمانته العامة  بتقنية التواصل عن بعد يوم السبت 2 ماي 2020.

[33] – بلاغ حزب العدالة والتنمية المنبثق ………” مرجع سابق.

[34] – بلاغ حزب العدالة والتنمية المنبثق………” مرجع سابق.

[35] – بلاغ حزب الحركة الشعبية، الموقع الالكتروني لجريدة الجريدة 24www.aljarida24.ma.

[36] – بلاغ حزب التجمع الوطني للأحرار المنبثق عن اجتماع لجنته التنفيذية بتقنية الفيديو يوم 30 أبريل 2020.

[37] –  عبد الإله شبل “الاتحاد الاشتراكي يحمل العثماني  مسؤولية مشروع قانون رقم 22.20 “جريدة هسبريس الالكترونية(05ماي2020) www.hespress.com..

[38] – بلاغ حزب الاستقلال المنبثق عن اجتماع أمانته العامة بتقنية التواصل عن بعد مساء الثلاثاء28 أبريل2020.

[39] – “البام” يرفض مشروع قانون رقم22.20 المتعلق باستعمال شبكات التواصل الاجتماعي.جريدة المواطن الالكترونية.www.mowatine.com

[40] – محمد الراجي” بوعياش: مشروع القانون رقم 22.20 متجاوز .. ولا يليق بالمغرب” جريدة هسبريس الالكترونية www.hespress.com.

[41] – نقابة الصحافة المغربية ترفض “قانون 22.20” جريدة هسبريس الالكترونية: 29أبريل2020.

[42] –  تعليق الدكتور عبد الرحيم منار سليمي على صفحته بشبكة التواصل الاجتماعي فايسبوك بتاريخ 05ماي2020.

[43] – نقابة الصحافة المغربية ترفض “قانون 22.20” جريدة هسبريس الالكترونية: 29أبريل2020.

[44] – د نورالدين الناصري”قراءة في مشروع القانون رقم 22.20 المتعلق باستعمال شبكات التواصل الإجتماعي وشبكات البث المفتوح والشبكات المماثلة”منشورات الموقع الالكتروني www.marocdroit.com.

[45] –  للمزيد يرجى الرجوع إلى  كتاب د (ة)رقية المصدق”الحريات العامة وحقوق الانسان”، طبع هذا الكتاب بمساهمة مؤسسة كونراد آديناور،مطبعة النجاح الجديدة،الطبعة الاولى1999.

[46] – ذ: العربي الحضراوي:”شبكات التواصل الاجتماعي بين حرية التعبير وقمع التفكير” الموقع الاليكتروني للجزيرة مباشر: mubasher.aljazeera.net..

[47] – د محمد الرضواني”مدخل إلى القانون الدستوري”سلسلة بدائل قانونية وسياسية،مطبعة المعارف الجديدة ، الرباط، الطبعة الثانية 2016.ص: 122.

[48] – ذ: العربي الحضراوي:”شبكات التواصل الاجتماعي بين حرية التعبير وقمع التفكير” الموقع الاليكتروني للجزيرة مباشر: mubasher.aljazeera.net..

[49] – د نورالدين الناصري”قراءة في مشروع القانون رقم 22.20 ………” مرجع سابق.

[50] –  مذكرة تقديم مشروع القانون رقم 22.20 مشار إليه سابقا.ص:4.

[51] – مذكرة تقديم مشروع القانون رقم 22.20 مشار إليه سابقا.ص:5.

Exit mobile version