هل يمين استظهار أم استيثاق؟
طبيعة اليمين الواردة في المادة 154 من قانون م.م الجديد رقم 58.25
هل يمين استظهار أم استيثاق؟
■ ذ. مروان بوسيف
بعد صدور قانون المسطرة المدنية الجديد رقم 58.25 ودخوله حيز التطبيق بتاريخ 24 غشت 2026، أتى بالعديد من المستجدات القانونية همَّت الدعوى المدنية منذ تقييدها بمقال افتتاحي إلى حين صدور وتنفيذ مقرر قضائي نهائي بشأنها، حماية للحق المدعى به في الموضوع. وبين هاتين المرحلتين، توجد مواضيع قانونية مهمة يثار النقاش الفقهي والقضائي بشأنها في جلسة القضاء، من بينها ما يرتبط بالإثبات وإجراءاته في المنازعات، سواء في جانب إثبات التصرفات القانونية أو الوقائع المادية. لذلك قيل إن “من حاز الدَّليل عرف وجه القضاء”، ونقول إن “من فقه أدلة القضاء سهل عليه الاقتضاء”.
وفي هذا السياق، جاء قانون المسطرة المدنية الجديد بمستجد يتصل بإجراءات تقديم وسائل الإثبات، ضمن ما سماه المشرع المغربي بـ “إجراءات تحقيق الدعوى”، والحديث هنا عن “اليمين” التي تمَّ تنظيم مقتضياتها المسطرية في المواد من 149 إلى 154. والتي لم تحظ بنقاش علمي عملي مستفيض، على غرار ما عرفته بعض المقتضيات الأخرى كالمادة 77 والمادة 389 مثلا. ولم تتم الإشارة إليها في الدوريات المعنية بتنفيذ وتطبيق قانون المسطرة المدنية من طرف الجهات المعنية.
ومن باب الشيء بالشيء يذكر، فإن المشرع المغربي سبق أن أخذ بيمين الاستيثاق، من خلال الفصل 390 من قانون الالتزامات والعقود، الذي يؤطر قرينة الوفاء القانونية المجهولة المستمدة من مرور مدة التقادم المعلومة، هذه القرينة التي يتمسك بها المدين في مواجهة الدائن، في حين يبقى لهذا الأخير حسب الفصل 390 من ق.ل.ع الحق في توجيه اليمين في مواجهة المدين أو ورثته، حسب كل حالة على حدة.
كما جرى العمل في القضاء الأسري على الأخذ بيمين الاستيثاق في العديد من الأقضية، من ذلك ما قضت به غرفة الأحوال الشخصية والميراث بمحكمة النقض في قرارها عدد 540/1 في الملف الشرعي رقم 2021/1/2/257 بتاريخ 25 أكتوبر 2022 الذي جاء فيه “لكن، حيث إن المقرر فقها في القول باستحقاق الزوجة لصداقها كاملا ويغني عن مناقشة واقعة البناء من عدمها ما ورد للشيخ خليل في مختصره: “وتقرر بوطء وإن حرم وبموت أحدهما وبمرور سنة”. ولما كان البين من أوراق الملف أن زواج الطرفين كان بتاريخ 2017/07/21 ودعوى الزوجة الرامية إلى تطليقها من الطاعن بتاريخ 2019/09/05، أي مر على زواج الطرفين ما يفوق السنتين، مما يغني عن مناقشة واقعة البناء والخلوة. والمحكمة مصدرة القرار المطعون فيه لما اعتبرت ما صرح به الطالب بمثابة إقرار بالخلوة والمسيس، وجعلت يمين الاستيثاق على المطلوبة، ورتبت على ذلك آثار الطلاق بعد البناء، فإنها عللت قرارها تعليلا سليما، وما بالنعي على غير أساس”.
وارتباطا بموضوع وجهة النظر، تعرَّف اليمين في الإثبات بأنها “إخبار عن أمر مع الإشهاد بالله تعالى على صدق الخبر من حيث تعلقها بإثبات أمر حاضر أو مضى”، وفيما يتصل بأحكامها ورد في لامية الزقاق المالكي في القضاء: كجمع الدعاوى في يمين سوى التي *** تُرَدُّ ومن يحلف بِلاَ من له العُلاَ
وحاصل اليـمين تحكيم ذمة الـحالف بالله سبـحانه وتعالـى
وضميره، لذلك كانت دليلا مكملا في الإثبات أو دليلا متمما لمن لا دليل تام له، إذ لو جاز التعويل على اليمين وحدها في الإثبات، لادعى الناس حقوقا بغير وجه حق، لأن النفس البشرية أمارة بالسوء ميالة إلى الجحود والإنكار، خصوصا في زمننا هذا الذي فسدت فيه الذمم وضعف الوازع الديني واستحكمت الأهواء في النفوس. لذلك لا يعول على اليمين إلاَّ في أحوال مخصوصة ومناح معينة، ولخطورة اليمين في الأموال، جعل عبء إقامة البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه المنكر لمزاعم المدعي، فغدت بذلك البينة حجة لإثبات خلاف الأصل، واليمين سبيلا لإبقاء الأصل المستصحب، وفي ذلك يقول “التسولي” في مؤلف “البهجة في شرح التحفة” عن صواب “من ميَّز بينهما فقد عرف وجه القضاء”.
والإشكال محل النقاش ينصب على منطوق نص المادة 154 من ق.م.م التي تنص على أنه: “توجه المحكمة تلقائيا، لمن ادعى حقًا على التركة وأثبت وجوده، يمينا على أنه لم يستوف الحق من المتوفى بنفسه أو بغيره، ولا أنه أبرأ المتوفى منه أو أحاله على غيره، وأنه لم يستوف دينه من الغير، وأنه لم يكن عليه للمتوفى في مقابل هذا الحق دين أو رهن”. والذي نجسده -أي الإشكال محل النقاش- في السؤال التالي: هل اليمين المنصوص عليها في المادة 154 من ق.م.م يمين استظهار أم استيثاق؟ وفي أي نوع تدخل هذه اليمين، هل ضمن اليمين الحاسمة أم اليمين المتممة؟
ومن باب توضيح نطاق استعمال هذه اليمين قبل بيان طبيعتها، فإن هذه اليمين في الغالب الأعم يتم إعمالها في المنازعات المدنية التي تكون بين الخلف العام للسلف “الورثة” وبين الخلف الخاص للسلف “صاحب الحق”. هذا الأخير الذي قد يواجه من طرف ورثة المورث بانقضاء مديونته عن طريق استيفاء حقه تجاه سلفهم، أو يعزوه دليل إثبات استيفاء حقه تجاه المدين “المتوفى” بعد قدرته على إثبات المديونية بينهما.
وتتقاطع هذه اليمين الجديدة مع المقتضيات المنصوص عليها في الفصول 399 و400 و455 من قانون الالتزامات والعقود، التي تنظم عبء الإثبات في وجود الالتزامات أو انقضائها، من خلال تحديد الطرف المكلّف بإثبات بوجود الالتزام والطرف المكلّف بإثبات انقضائه أو عدم نفاذه في مواجهته، وعلاقة ذلك بالقرائن المتوافقة القوية والخالية من اللبس باليمين القضائية. ووجه التقاطع يتجلى في الطرف الذي يثبت وجود الالتزام بينه وبين المتوفى مالك التركة، لكن يعوزه الدليل على انقضائه، وإثبات وجود الالتزام قرينة قوية على صحة زعم ما يدعيه الدائن، وهنا تأتي اليمين المنصوص عليها في المادة 154 من ق.م.م لسد النقص أو الافتقار الذي حصل في جانب الطرف المُثبتِ للالتزام، من جهة، ولكي يطمئن القاضي وتكتمل قناعته من جهة أخرى بشأن خلو التركة من تعلق دين أو رهن أو حق.
وهذا النوع من اليمين كما وردت في المادة 154 من ق.م.م المغربي، سبق أن أخذت به بعض الدول العربية منذ الخمسينيات والسبعينيات من القرن الماضي، كالتشريع المدني الأردني في مادته 83 والمادة 54 من قانون البينات الأردني، والمادة 123 من قانون البينات السوري، والتي يرجع أصلها للمادة 1746 من مجلة الأحكام العدلية، وكل هذه التشريعات اصطلحت على هذه اليمين بــ “يمين الاستظهار”.
وأصالة هذه التسمية، ترجع لفقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة، أما فقهاء المالكية فهناك من اصطلح عليها بــ “يمين القضاء” و “يمين الاستحقاق” و “يمين الاستبراء”، وفي أصناف اليمين نَظم ابن عاصم الأندلسي قوله في “تحفة الحكام في نكت العقود والأحكام”: وهي يمين تُهمةٍ أو القضا *** أو منكر أو مع شاهدٍ رضا ***وللَّتي بها القضا وجوبُ ***في حق من يُعْدَم أو يغيبُ، دون الإشارة إلى يمين الاستيثاق.
مع أن هناك من الفقهاء من يضع “يمين الاستظهار والاستيثاق” في موضع واحد، كالفقيه “وهبة الزحيلي” في مؤلفه “الفقه الإسلامي وأدلته”، الذي اعتبر أن يمين الاستيثاق أو الاستظهار “[…] يلجأ إليها القاضي عادة إذا كانت الدعوى بحق غائب أو ميت، ويحتمل أن يكون المدعي قد استوفى دينه من الميت أو الغائب أو أبرأه منه، أو أخذ رهنا مقابله، وليس للشاهدين علم بذلك […]، وقد أجيزت استحسانا بسبب احتمال الشبهة والشك عند غياب المدين”. وعلاقة بالمعنى الأخير جاء في “شرح ميارة على التحفة” أن هذه اليمين أجيزت من طرف فقهاء المالكية استحسانا، وليس لها نص من كتاب أو سنة بل ولا من القياس، وهو نفس قول “ابن فرحون” في “تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام”.
من جانب آخر، أطلق على اليمين المنصوص عليها في المادة 154 من ق.م.م “يمين التركة” من طرف الوكالة القضائية للمملكة في الدليل العلمي الذي أعدته حول مستجدات قانون المسطرة المدنية، ولعمري إنه إطلاق غير سليم فيما نعتقد، واعتقادنا هذا، نرده إلى أمرين، أولهما، أنه لا وجود لهذه التسمية “يمين التركة” بين فقهاء المسلمين فيما يسَّر لنا الله الاطلاع عليه، وثانيهما، أن اليمين التي ترد على التركة الأقرب لهذا الاصطلاح حسب ما ورد في مظان الكتب الفقهية، هي اليمين التي يحلف بها ورثة المتوفى، إما لاستيفاء لدين لمورثهم عليه شاهد أو لدفع ادعاء تمسك الزوجة بعدم قبض صداقها وطلب استيفائه من تركته…، والغالب أن حلفهم اليمين كحلف المدعى عليهم، لا المدعين. أما اليمين المنصوص عليها في المادة 154 من ق.م.م فهي يمين يؤديها المدعي صاحب الحق لا الورثة.
وصفوة القول، نرى أن اليمين التي نصَّت عليها المادة 154 من ق.م.م، هي يمين لا يصح أن نطلق عليها “يمين القضاء” تبعا لما ورد عند فقهاء المالكية، لأن “يمين القضاء” من حيث القانون الوضعي لفظ عام يستغرق كل الأيمان التي تؤدى في مجلس القضاء، لكن الاصطلاح الفقهي الذي يتماشى مع استقرائنا لمنطوق القانوني لنص المادة 154 من ق.م.م في علاقته بما ورد في التشريعات المقارنة وبما ورد في بطون أمهات الكتب، حسب ما نرى هو “يمين الاستظهار” لا “يمين الاستيثاق”.
والعلة في ذلك أن هذه الأخيرة يؤديها المدعى عليه وهي يمين يوجهها القاضي إلى الخصم، لتؤيد أو لتؤكد دليلاً قائماً في الدعوى على براءة ذمته، ويرى القانون أنه غير كاف للحكم لمصلحة هذا الخصم على أساسه، أو يمكن القول أنها يمين استثنائية شرعت لتعزيز قرينة الوفاء، أما يمين الاستظهار فيحلف بها المدعي، وهي التي يوجهها القاضي بمقتضى نص القانون إلى المدعي الذي أثبت دعواه بالبينة القانونية على حقه في تركة المتوفى على أنه لم يستوف هذا الحق بنفسه أو بغيره من الميت بوجه ولا أبرأه ولا أحاله على غيره ولا استوفى دينه من طرف أحد، وليس للميت في مقابلة هذا الحق رهن، وهي يمين متممة وجوبية لا جوازية.
