سياسة التجريم من حيث الزمن

سياسة التجريم من حيث الزمن

Criminalization policy in terms of time

ابراهيم بن لعليد :

 أستاذ التعليم العالي مساعد بجامعة محمد الأول/ الكلية المتعددة التخصصات بالناظور

ملخص  بالعربية

يرتكز هذا المقال على الاتفاقيات الدولية والمجتمع من زاوية التجريم في الزمن. ففيما يخص الاتفاقيات الدولية يتناول المقال مفهومين أساسيين أولهما يتعلق بالسرعة في تجريم بعض الأفعال وثانيهما يرتبط بالبطء في إلصاق الصفة التجريمية ببعض الأفعال. وفيما يخص المجتمع يبرز المقال فكرة تقدم المجتمع على سياسة التجريم ونقيضها كما يشرح نسبية التجريم في الزمان في نفس المجتمع مثل المغرب.

الكلمات المفتاح : التجريم ، السرعة،  التباطؤ،الجريمة

The policy of incriminations in time deals with international conventions and society. This article deals with two fundamental notions, the first is the speed in criminalizing some acts, the second is the slowness of incriminating some acts. With regard to society, this article discuss the idea of society’s progress over the criminalization policy and its opposite. Its also explains the relativity of criminalization over time in the same society like Morocco.

 criminalization- speed –  slowdown- crime

مقدمة

لقد اصطلحت المجتمعات على تسمية الخروج على ما رسمته من مبادئ بأنواعها بأنه جريمة، وأن فاعلها أو أن مرتكبها مجرم. فالجريمة هي نوع من الخروج على قواعد السلوك التي يضعها المجتمع لأفراده. فالمجتمع إذن هو الذي يحدد ماهية السلوك العادي وماهية السلوك الإجرامي وفقا لقيمه ومعاييره[1].

من هنا، كانت المجتمعات تميز بين دائرة الممنوع ودائرة المباح بناء على الأعراف والتقاليد تارة والدين والمعتقد تارة أخرى. والمغرب بدوره كان يميز بين المسموح به والممنوع بناء على الأعراف[2]، هذه الأخيرة تعرضت بدورها لتأثير الاسلام فأصبح يعتمد على الأعراف والدين معا[3] إلى حدود ولادة الدولة الاستعمارية حيث أصبح القانون هو المحدد الأساسي، إلى جانب الأعراف والدين، للأفعال المباحة والمجرمة.

إن المجموعة الجنائية الحالية تعود لبداية الستينان من القرن الماضي إذ صدرت بتاريخ 26 نونبر1962. هذه المجموعة عرفت ثبات واستقرار[4] لمدة ليست بالقصيرة، غير أنها عرفت مجموعة من التعديلات والإضافات سيما في العقدين الأخيرين[5] بعضها ارتبط بشق التجريم وبعضها الآخر بشق العقاب.

ولما كان عنوان هذا المقال يخص شق التجريم دون شق العقاب، فسنقتصر على الشق الأول دون الثاني من خلال الخطة التالية:

المطلب الأول : ضبط شق التجريم في الزمن على عقارب الاتفاقيات الدولية

المطلب الثاني : ضبط شق التجريم في الزمن على عقارب المجتمع

المطلب الأول : ضبط شق التجريم في الزمن على عقارب الاتفاقيات الدولية

من المعلوم أن المشرع يعتمد على الاتفاقيات الدولية في عملية التجريم، لذلك تحرص الدولة المغربية أن تتلاءم جميع قوانينها، لا سيما القانون الجنائي، مع الاتفاقيات الدولية.

إن المهمة الكبرى للملاءمة، في أبعادها السياسية، القانونية والدستورية، هي مواكبة الحراك الذي تشهده الاتفاقيات الدولية لحقوق الانسان عن طريق الدفع باستكمال انضمام المغرب إلى المنظومة الحقوقية الدولية، ورفع التحفظات الواردة على بعض المعاهدات والاتفاقيات الدولية المصادق عليها، فضلا عن رصد ودراسة كل الحقوق والحريات الأساسية المضمنة في هذه الاتفاقيات، ثم إضفاء الصبغة الحمائية عليها عبر إدراجها في الجسم التشريعي الوطني[6].

عندما نتفحص بشيء من الانتباه الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب[7] نستطيع أن نميز بين الاتفاقيات الدولية التي يتلكأ في التوقيع والمصادقة وبين الاتفاقيات الدولية التي يسرع في التوقيع والمصادقة عليها؛ بمعنى أن ضبط شق التجريم على عقارب الاتفاقيات الدولية يتميز أحيانا بالسرعة ( الفقرة الأولى ) وأحيانا بالتباطؤ ( الفقرة الثانية ).

الفقرة الأولى : السرعة في ضبط شق التجريم على عقارب الاتفاقيات الدولية

يرى البعض[8] أن الدول تتهافت على المصادقة على المواثيق التي تنمي وتطور قدراتها الزجرية، ومن الأمثلة الناصعة والوضحة في هذا الشأن نسوق مثالين:

أولا : الجريمة الإرهابية

أمام تصاعد أعمال الإرهاب في أنحاء مختلفة من العالم وما نتج عن ذلك من إزهاق العديد من الأرواح البشرية البريئة والمساس باستقرار وأمن المجتمعات بالإضافة للآثار السلبية للأعمال الإرهابية على اقتصاد الدول المستهدفة ورغبة المجتمع الدولي في حفظ السلام والأمن الدوليين تم إقرار عدة

اتفاقيات إقليمية[9] ودولية[10] تهدف كلها إلى محاربة الإرهاب بجميع أشكاله[11].

وبالرجوع للأحداث الإرهابية بنيويورك لسنة 2001 والأحداث الإرهابية بالدار البيضاء لسنة 2003، وباستحضار تعديل القانون الجنائي حتى يتماشى مع الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بالإرهاب، تظهر السرعة والمدة الزمنية القصيرة في إدراج بنود ومواد الاتفاقيات الدولية في النسيج القانوني المغربي.

هذه السرعة يمكن فهمها بأنها في صالح الدولة مادامت ستفرض تدابير استثنائية تهدد حقوق الأفراد وتعرض حرياتهم للتآكل يوما بعد يوم[12]، أما التماطل فيفسر بأن الاتفاقية في صالح الأفراد.

ثانيا: الجريمة المنظمة

إن الهدف من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية هو تعزيز التعاون الدولي للتصدي لهذا النوع من الجرائم ومكافحتها بالمزيد من الفعالية، وقد تم اعتمادها من طرف الأمم المتحدة في مدينة باليرمو بإيطاليا بتاريخ 12/12/2000، وصادقت الدولة المغربية عليها 19 شتنبر 2002 وصدر بشأنها ظهير شريف بتاريخ 4/12/2003 والقاضي بنشرها في الجريدة الرسمية.

إن هذه الاتفاقية[13]، شأنها شأن باقي الاتفاقيات، تلزم الدول الأعضاء بأن تدرج بنود هذه الاتفاقية في تشريعاتها الداخلية. وللإشارة هناك من يرى بأن المشرع المغربي قبل المصادقة على هذه الاتفاقية اعتمد على مجموعة من المبادئ والأحكام الواردة فيها[14].

الفقرة الثانية : التباطؤ في ضبط شق التجريم على عقارب الاتفاقيات الدولية

يرى البعض[15] أن الدول تتلكأ عن المصادقة على الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحماية حقوق الانسان، وهي الحالات التي تتعلق بأفعال السلطة اتجاه حقوق وحريات المواطنين. هذا التماطل يظهر جليا في تجريم التعذيب الذي تمارسه أجهزة الدولة وجريمة الاختفاء القسري.

أولا : جريمة التعذيب

 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة بموجب قرارها رقم 39/46 في 10 دجنبر 1984 ودخلت حيز النفاذ في 26 يونيو 1987 بعد مصادقة 20 دولة عليها. والمغرب وقع على هذه الاتفاقية سنة 1986 وصادق عليىها سنة 1993 ونشرت في الجريدة الرسمية  سنة 1996[16] ورغم ذلك لم يدرجها في الجسم التشريعي الجنائي إلا في سنة 2006.

إن مبادرة المشرع المغربي في ملاءمة التشريع الجنائي مع مقتضيات الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب امتدت لحوالي 18 عاما على دخول الاتفاقية حيز النفاذ، وعشر سنوات على نشرها بالجريدة الرسمية. وهنا يرى البعض[17] أن هذه الملاءمة لم تعكس اقتناعه الصميم بل ترجع إلى الضجة التي أحدثها عدد من المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية، خاصة منها منظمة العفو الدولية والفدرالية الدولية لحقوق الانسان واللجنة الأممية لمناهضة التعذيب، والتي أشارت جميعها في تقاريرها إلى وجود ممارسات ل ” التعذيب” بالمغرب، خاصة تلك التي صاحبت اعتقالات ما بعد أحداث 16 ماي الإرهابية سنة 2003.

واستحضارا هنا للزمن، نجد المشرع قد تماطل في تجريم التعذيب كجريمة تمارسها أجهزة الدولة، فبين المصادقة على الاتفاقية ونشرها بالجريدة الرسمية تماطل ثلاث سنوات تقريبا، وبين النشر بالجريدة الرسمية والنشر بالقانون الجنائي عشر سنوات تقريبا مع إبداء مجموعة من التحفظات على الاتفاقية، هذا مع العلم أن القانون الجنائي تم تعديله بموجب قانون الإرهاب لسنة 2003 وكانت الفرصة سانحة لإدراج جريمة التعذيب في نفس التعديل.

عموما، بعد ضغط المنظمات الوطنية والدولية، تخطو الدولة خطوة أولى بطيئة نحو المصادقة مع التحفظ على مجموعة من المواد أو البنود. وبعد إصدار التقارير وتوجيه التوصيات تخطو خطوة أخرى محتشمة، مما يجعل تجريم فعل معين تمارسه أجهزة الدولة مسألة ممتدة في الزمن كما هو الشأن لجريمة الإبادة والحرب والجرائم ضد الإنسانية المنصوص عليها في نظام روما.

ثانيا : جريمة الاختفاء القسري

اعتمدت الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري وعرضت للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 177/61 المؤرخ في 20 دجنبر 2006، ودخلت حيز النفاذ بتاريخ 23 دجنبر 2010، وفقا للمادة 39 من الاتفاقية.

والمغرب قد وقع عليها في 6 فبراير 2007، وصادق عليها بتاريخ 14 ماي 2013، ونشرت في الجريدة الرسمية عدد   6078 بتاريخ 30 غشت 2013[18].

وبالرجوع للتاريخ المغربي المعاصر، نجد الشعب المغربي عانى من ويلات هذه الجريمة البشعة إبان سنوات الرصاص[19] ومستمرة في الزمن خاصة المعتقل السري للتمارة. وعلى كل، في إطار مسودة المشروع المطروحة للتداول والنقاش، تم إدراج جريمة الاختفاء القسري وتم تعريفه طبقا للمادة 231 على أنه كل اعتقال أو احتجاز أو اختطاف أو أي شكل من الأشكال السالبة للحرية يرتكبه موظفون عموميون أو أشخاص يتصرفون بموافقة الدولة أو بإذنها أو بدعم منها، يتبعه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حرية أو إخفاء مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده منها يحرمه من الحماية التي يكفلها له القانون[20].

ومع سحب مسودة مشروع القانون الجنائي، فلا وجود لجريمة الاختفاء القسري ضمن فصول القانون الجنائي وإن كان المغرب، طبقا للمادة الرابعة من الاتفاقية، يلتزم لكي يشمل الاختفاء القسري جريمة في قانونها الجنائي. وهذا إن دل على شيء إنما يدل على أن الدولة لا يهمها الزمن في مواكبة التشريعات الدولية خاصة لما يتعلق الأمر بالجرائم التي ترتكبها أجهزة الدولة أو لصالحها. ومع ذلك يبقى إدراج جريمة الاختفاء القسري في القانون الجنائي مسألة وقت.

ليس من السهل إدراج فعل معين ضمن دائرة التجريم في القانون الجنائي، فدائما يجب على المشرع أن يولي وجهه شطر الاتفاقيات الدولية والمجتمع وهو ما سنتولى مناقشته في المطلب الموالي.

المطلب الثاني:  ضبط شق التجريم في الزمن على عقارب المجتمع

علاقة القانون الجنائي في شقه التجريمي بالمجتمع علاقة دائمة لا انفصام لها؛ فالقانون ينبغي أن يعكس مستوى المجتمع إلا أنه يكون متقدم عليه أحيانا ومتجاوز في أخرى   ( الفقرة الأولى ) ، ومادام المجتمع يتطور فلا غرابة أن تكون هناك نسبية في سياسة التجريم ( الفقرة الثانية ).

الفقرة الأولى : علاقة التجريم بالمجتمع

يمكن أن نميز بين القانون التجريمي الذي يلهث وراء تطور المجتمع والقانون التجريمي الذي سبق تطور المجتمع .

أولا : القانون التجريمي متقدم بالنسبة للمجتمع

مبدئيا بتطور المجتمع يتطور القانون، فالقانون والمجتمع خطين ينبغي أن يسيرا بنفس الوثيرة، إلا أنه قد نجد بتعبير البعض قانون متقدم بالنسبة للمجتمع[21] كما هو الشأن للقانون الجنائي لسنة 1962. هذا الأخير لم يكن يهدف إلى تنظيم المجتمع بل كانت عين محرروه على المستقبل، ومن جهة أخرى كان هذا القانون مقتبس من القانون الفرنسي في نسخته المعدلة أي التي حددت ثغراته، تناقضاته وحدوده فتم ملء تلك الثغرات وتم حل جميع الصعوبات المتعلقة بالتطبيق[22].

بمعنى آخر، تعود ولادة قانون معين في دولة ما إلى عقود من الزمن، وتحت ضغط الواقع يتغير مضمون ذلك القانون من حين لآخر. فالدولة التي تود اقتباس هذا القانون إنما تقتبسه في نسخته المعدلة عدة مرات، أي ما معناه نسخة تجاوزت الثغرات والهفوات التي أفرزها واقع تلك الدولة والمختلف تماما عن واقع الدولة التي اقتبسته. طبعا المتحكمين في زمام التشريع لا يرون غير التشريع الأجنبي؛ إنها التبعية التشريعية في صورتها الواضحة، وهو الجانب السلبي بعينه.

ثانيا : القانون التجريمي متجاوز بالنسبة للمجتمع

نجد أحيانا المجتمع متقدم بالنسبة للقانون الذي لم يعد يواكبه، ونحاول دائما أن نؤكد على أهمية واقع المجتمع ودوره الحاسم ونغذي بذلك ثقافة العودة إليه بالرغم من أنه يكتنفه الكثير من الغموض والابهام؛ فمحاولة فهمه ليس بالأمر اليسير بل من الصعوبة بمكان الإحاطة به واستيعابه.

قد يبدو الواقع من بعيد سهل لمن يود صياغته في قالب لغوي قانوني، لكن لسان الحال يقر عكس ذلك. فواقع المجتمع يتغير باستمرار وبسرعة كبيرة في بعض المجالات ويرى في القانون أصفادا لاسيما الفضاء الالكتروني الذي يعتبر دائما السباق للقانون على اعتبار أن في كل دقيقة وفي كل ساعة هناك جديد على مستوى التطبيقات APPLICATIONS  وعلى مستوى المعاملات الالكترونية أو الرقمية بينما يظل القانون جامدا لسنوات، لذلك فناقوس واقع المجتمع يرن دائم وباستمرار في كل قانون بل في كل فصل وكل مادة.

ففي ظل التطور التكنولوجي في كل المجالات، أصبح من المستحيل مواكبة القانون التجريمي لكل مستجد في المجتمع  كما هو الحال بالنسبة لجريمة النصب الالكتروني التي لم يستشعر المشرع بعد ضرورة التدخل لمناهضة هذه الجريمة بنصوص أخرى أو تعديل الموجود منها.

إن سرعة الأداء في الأنترنيت يجعل إمكانية وقوع البعض في النصب مرتفعة لا سيما النصب عبر المواقع الالكترونية من خلال عدم تسليم البضاعة للمشتري رغم قيامه بدفع ثمنها[23].

هكّذا يتأثر القانون بفعل الزمن فيصدأ ويخفت دوره. ومن شأن استمرار الاحتكاك بالتكنولوجيا الدفع إلى مراجعته باستمرار وإعادة هندسة المفاهيم والقواعد الكلية والفرعية الأساسية مع الكشف المتجدد للخصائص الجوهرية الكامنة وراء أغشية الصدأ المتراكمة.

الفقرة الثانية : نسبية التجريم في الزمن

من المعلوم أن الصفة التجريمية لبعض الأفعال لا تظل على حالها دوما في المجتمع ( أولا ) وقد تبقى لصيقة ببعض الأفعال للأبد في المجتمع ( ثانيا ) .

أولا : الجرائم المؤقتة في القانون الجنائي المغربي

قد يعد المشرع فعلا واحدا في فترة ما جريمة، ثم يبيحه فيما بعد؛ ومن أبرز الأمثلة على ذلك نورد جريمتي التسول والتشرد التي رفعت مسودة مشروع القانون الجنائي عنهما صفة التجريم[24]. فمن الملاحظ أنه نادرا ما تثار متابعات جنائية بشأنهما[25] ، وهنا نتحدث عن قانون متجاوز[26].

فعلى مستوى بعض التشريعات نسجل أن بلجيكا مثلا قامت  برفع الصفة التجريمية عن مجموعة من الأفعال لاسيما الزنا/ الفساد والمشروبات الروحية وغيرها من الأفعال[27]، كما نسجل أن تعاطي الخمور والاتجار فيها يتردد بين الإباحة والتجريم ثم الإباحة في الولايات المتحدة الأمريكية في ظرف سنوات قليلة[28].

بناء على ما سبق، يظهر أن التجريم يختلف من زمن لآخر في نفس المجتمع، فلا غرابة إذن إن أصبح الإفطار العلني والعلاقات الجنسية الرضائية أفعال مباحة في المجتمع المغربي مستقبلا[29].

فلا غرابة أن نجد في كل عصر جيلا من القوانين يختلف عن جيل العصر السابق و العصر اللاحق، فهناك أجيال من القوانين على غرار أجيال بني الانسان، و كل جيل من القوانين ليس بلا شك إلا نتيجة لتفاعل كل تلك العوامل و تضافرها، بحيث تعطي له طابعا خاصا يختلف قليلا أو كثيرا عن طابع العصر القانوني السابق عليه أو اللاحق[30] و هو أمر بديهي ، لأن النصوص غير مرشحة للدوام مادام الواقع يتغير باستمرار.

ثانيا : الجرائم الدائمة في القانون الجنائي المغربي

تعتبر الجريمة من الوقائع الاجتماعية التي لازمت المجتمعات البشرية منذ أقدم العصور، وعانت منها الإنسانية على مر الزمن[31] ومعنى ذلك أنها مشكلة تواجه كافة المجتمعات الإنسانية منذ بدأت هذه المجتمعات حتى اليوم و ما بعد اليوم [32] . و لاشك أن للجريمة معنى عام مشترك في جميع العالم ، فكل الدول تحمي الانسان في ماله و في حياته و بدنه[33] ، إننا بصدد ما يسمى بالجرائم الطبيعية[34] .

في هذا السياق، يرى بعض الباحثين أن هناك جرائم يمكن اعتبارها جرائم دائمة أو طبيعية وهي الأفعال التي كانت فيما مضى وستكون دائما في عداد الجرائم كالقتل والسرقة[35].

على سبيل الختم  :

ينتبه المشرع للزمن أشد انتباه عندما يتعلق الأمر بالجرائم التي يرتكبها الأفراد في حق الدولة، بينما لا يعر أدنى اهتمام للزمن كلما كانت طبيعة الجرائم ترتبط بصور الإجرام الدائر في فلك إساءة استعمال السلطة خاصة التعذيب والاختفاء القسري.

وفيما يخص تطور الجرائم في الزمن نشير إلى جرائم جديدة ينبغي على المشرع إضافتها إلى المجموعة الجنائية لأنها تحدث اضطراب بالمجتمع، كما يجب على المشرع رفع الصفة الإجرامية عن بعض الجرائم التي هي منتشرة في واقع المجتمع المغربي.

عموما، يتأثر التجريم وفقا لاختلاف الأزمنة في المجتمع نفسه، ووفقا لاختلاف الأمكنة بين مجتمعات مختلفة في الزمن الواحد. ومعنى ذلك أن التجريم ليس مطلقا في كل زمان ومكان.


[1]  سامية حسن الساعاتي ، الجريمة و المجتمع ، دار النهضة العربية للطباعة و النشر ، الطبعة الثانية 1983 ، ص 16.

[2]  ظهير 16 ماي 1930 الذي ينص على سير العدالة بالقبائل ذات الأعراف البربرية والتي لا توجد بها محاكم لتطبيق الشريعة الإسلامية.

[3] La survivance des coutumes comme une résistance au droit musulman : mohyedine amzazi, islam et droit pénal marocain, archives de politique criminelle, N 9, 1987, p253.

[4]  يمكن فهم استقرار قانون معين من جهة الأمن القانوني ويمكن فهم ذلك الاستقرار بالجمود وعدم مواكبة التغيرات المجتمعية.

[5]  يسجل البعض تسارع وتيرة التشريع وتكاثر النصوص منذ منتصف التسعينات بشكل ملفت للنظر بالمقارنة مع الوضع ما بين 1912 و 1995: محمد الادريسي العلمي المشيشي، سياسة التجريم الواقع و الآفاق، منشورات مجلة الحقوق، سلسلة المعارف القانونية والقضائية، قراءات في المادة الجنائية، الجزء الأول، الطبعة الأولى 2013، ص 16 .

[6]  عبد العزيز لعروسي، المداخل العشرة لتدبير منظومة عالمية حقوق الانسان بالمغرب، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتمية، العدد 138/139، يناير-أبريل 2018، ص 40.

[7]  يراجع في هذا الشأن : عبد العزيز لعروسي، ملاءمة التشريع المغربي مع الاتفاقيات الدولية لحقوق الانسان، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال، 2007/2008.

[8]  ميراي ديلماس مارتي، محيي الدين أمزازي، التحولات الممكنة للسياسات الجنائية العربية، المجلس الوطني لحقوق الانسان، EDITIONS LA CROISEE DES CHEMINS، 2013، ص 11.

[9]  نشير على سبيل المثال إلى الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب المعتمدة من طرف الدول بالقاهرة يوم 22/09/1998، وقد صدر بشأنها الظهير الشريف رقم 240/99/1 بتاريخ 22/11/2001 القاضي بنشرها بالجريدة الرسمية عدد 4992 بتاريخ 4/4/2002.

[10]  نشير على سبيل المثال إلى الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب المعتمدة من طرف الدول بنيويورك يوم 10/1/2000 وصدر بشأنها الظهير الشريف رقم 131/02/01 بتاريخ 12/12/2002 القاضي بنشر الاتفاقية في الجريدة الرسمية في فاتح ماي 2003.

[11]  الحسن فارس، ملاءمة القانون الجنائي مع الاتفاقيات الدولية في مجال منع الجريمة، السياسة الجنائية بالمغرب واقع وافاق، المجلد الثاني، أشغال المناظرة الوطنية التي نظمتها وزارة العدل بمكناس أيام 9 و10 و 11 دجنبر 2004 ، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، سلسلة الندوات والأيام الدراسية، مطبعة فضالة، الطبعة الأولى، العدد 4، 2005، ص 222.

[12]  ميراي ديلماس مارتي، محيي الدين أمزازي، مرجع سابق، ص 48.

[13]  لهذه الاتفاقية ثلاث بروتوكول مكافحة الاتجار بالبشر وبروتوكول ثاني لتهريب المهاجرين وبروتوكول ثالث لصنع الأسلحة النارية بصورة غير مشروعة وتهريبها.

[14]  الحسن فارس، مرجع سابق، ص 230-231.

[15]  ميراي ديلماس مارتي، محيي الدين أمزازي، مرجع سابق، ص41.

[16]  المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الانسان ، الاتفاقيات الأساسية في مجال حقوق الانسان التي يعد المغرب طرفا فيها، منشورات المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الانسان ، الطبعة الثانية، يناير 2015، ص 209.

( [17] )  يراجع :

  • محمد نشطاوي، مشروع القانون الجنائي المغربي والقانون الدولي الإنساني، أية علاقة؟، الجريمة والعقاب قراءات نقدية في مسودة القانون الجنائي، تنسيق حسن طارق وعبد الرحيم العلام، طوب بريس الرباط، الطبعة الأولى يونيو 2015، ص 130.
  • خالد الشرقاوي السموني ،جرائم التعذيب والقانون المغربي، مقال متاح على الرابط الالكتروني التالي: https://www.mohamah.net/law اطلع عليه بتاريخ 2 دجنبر 2022.

[18]  فبين التوقيع والمصادقة 6 سنوات وبين المصادقة ومسودة المشروع 4 سنوات.

 [19]  راجع  التقرير الختامي لهيئة الانصاف والمصالحة، الكتاب الأول ، ص 66-67- 68، والكتاب الثاني، ص121.

[20]  للتوسع يراجع :

  • أحمد قيلش، جرائم القانون الدوي وحقوق الانسان من خلال مسودة مشروع القانون الجنائي، المجلة المغربية للقانون الجنائي والعلوم الجنائية، العدد الثالث 2016، ص165-166- 167.
  • محمد نشطاوي، مرجع سابق ، ص 132-133-134.
  • يوسف البحيري، حقوق الانسان : المعايير الدولية واليات الرقابة، المطبعة والوراقة الوطنية الداوديات،  الطبعة الثانية، أكتوبر2012، ص 119.

[21] يلاحظ أن القانون في الديموقراطيات الغربية يساير تطور المجتمع، ويحاول تقعيد علاقات القوى السائدة فيه، لكن في بلداننا القانون هو متقدم بالنسبة للمجتمع: بوجمعة بوعزاوي ، علم الاجتماع القانوني ، مطبعة بني ازناسن ، الطبعة الثانية 2015، ص 72.

[22] Mohyiedine AMZAZI, évolutions pénales, revue juridique politique et économique du Maroc, numéro 24, année 1990 p 61.

[23]  للتوسع في جريمة النصب عبر الأنترنت يراجع :  عبد الرزاق رفيق، النصب عبر الأنترنت، مجلة الشرطة، مارس – أبريل 2016، العدد 15، ص 22-25.

[24]  في ظل الفقر والبطالة من الأجدر رفع الصفة التجريمية عن التسول وإلا أصبحت السجون مكتظة بهذه الجريمة وحدها.

[25]  نور الدين العمراني، ساسة التجريم والعقاب في إطار المجموعة الجنائية : أية ملاءمة؟ ،مجلة الملف، العدد 15، نونبر 2009،  ص57.

[26]  بوجمعة بوعزاوي ، مرجع سابق ، ص67.

[27] ” La décriminalisation partielle du débit de boissons spiritueuses, la décriminalisation de l’adultère”  : Françoise Tulkens, Michel Van de Kerchove, certitudes et incertitudes dans l’évolution du droit pénal en Belgique, archives de politique criminelle, N11, Editions A. PEDONE, 1989, p225-226.                

[28]  سامية حسن الساعاتي ، مرجع سابق، ص 17.

[29]  الأكثر من ذلك أصبحنا في ظل اتفاقية مناهضة التمييز ضد المرأة نعيش نقاش المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة.

[30]   حسن شحاتة سعفان ، منتسكيو ، نشر مكتبة نهضة مصر، ص 124.

[31] ) سامية حسن الساعاتي ، مرجع سابق ، ص 14.

[32]  حافظ أبو الفتوح أبو المعاطي ، شرح القانون الجنائي المغربي، القسم العام، الطبعة الأولى 1980، ص18.

[33] نجيب بوالماين، الجريمة و المسألة السوسيولوجية دراسة بأبعادها السوسيوثقافية و القانونية، أطروحة دكتوراه 2007/2008، الجزائر، ص 29.

[34]  تختلف المراجع في تسميتها فهناك من يسميها بالجرائم التقليدية و هناك من يسميها الجرائم الأجتماعية و هناك من يسميها الجرائم القانونية و هي تشمل في غالب الأحيان الجرائم التي عاشرت الانسان كظله منذ تواجده على البسيطة كالسرقة و القتل و الضرب و القذف. و في مقابل هذه الجرائم نجد الجرائم المصطنعة و الجرائم الحديثة التي عرفتها البشرية مؤخرا بفضل التطور .

[35]  سامية حسن الساعاتي ، مرجع سابق، ص 18.

إقرأ أيضاً

الرقابة على الدستورية والأمن القانوني دراسة في ضوء الإجتهاد القضائي الدستوري المغربي

الرقابة على الدستورية والأمن القانوني دراسة في ضوء الإجتهاد القضائي الدستوري المغربي Constitutional control and …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *