Site icon مجلة المنارة

دور المحاكم المالية في تكريس الشفافية ومحاربة الفساد الإداري و المالي

 

 

 

دور المحاكم المالية في تكريس الشفافية ومحاربة                                                                      الفساد الإداري و المالي

 

رشيد قاعدة

باحث بمركز الدراسات و الأبحاث للدكتوراه

بكلية الحقوق الرباط السويسي

مما لا شك فيه أن للشفافية المالية دور أساسي في حماية الأموال العمومية وصيانتها من جميع الاختلالات لذا فإن تكريس هذه الشفافية من قبل القاضي المالي تستدعي ليس فقط الاعتماد على الرقابة في مفهومها الكلاسيكي وإنما اعتماده على وسائل وآليات جديدة، من خلال اعتماد المناهج الحديثة للتدبير العمومي للحديث المتبعة في ميدان الرقابة. إذ من شأن اعتماد هذه الوسائل الحديثة أن تجعل من القاضي المالي قادرا على تقييم فعالية ونجاح التسيير بمختلف الأجهزة الخاضعة للتدقيق والمراقبة. وكذا الوقوف على مكامن ضعفها ولاسيما تنظيمها وتسييرها؛ خاصة وأن التطورات التي عرفها مقال الرقابة على المستوى الدولي أصبحت ترتكز اليوم أكثر من أي وقت مضى على التحقيق المندمج لكونه يهدف إلى إدماج آلياته ومناهجه ضمن مقاربة التنمية وفي إطار مقترب شمولي.

كل ذلك ساعد في تعزيز وتجسيد آليات الشفافية المالية في تدبير وتسيير الأجهزة الخاضعة لعملية التدقيق الخارجي الإلزامي والمحاكم المالية خاصة، وذلك لما لها من إمكانيات قانونية تضفي على اقتراحاتها وتقاريرها الطابع الإلزامي قوته ومكانته اللائقة في حقل ومجال التسيير الإداري ([1]).مما يساعد على محاربة الفساد الإداري و المالي .

و انطلاقا مما سبق يمكن طرح الإشكالية المحورية لموضعنا قيد الدرس كتالي“إلى أي حد ساهمت المحاكم المالية بالمغرب في تجسيد الشفافية و محاربة الفساد المالي كأحد أهم مكونات التدبير العمومي الحديث؟.

و للإجابة عن هذه الإشكالية الأساسية سنحاول تقسيم هذه المقالة المتواضعة لمبحثين أساسيين كتالي:

بحيث سنخصص المبحث الأول “لرقابة المحاكم المالية على المال العام ودورها في تكريس الشفافية ومحاربة الفساد”.

فيما سنخصص المبحث الثاني “للفساد المالي بالمغرب وانعكاساته على التدبير العمومي ومدى مساهمة المحاكم المالية في محاربته“.

 

 

المبحث الأول: رقابة المحاكم المالية على المال العام ودورها في تكريس

الشفافية ومحاربة الفساد

إن الحديث عن الشفافية ودور المحاكم المالية في تكرسها لابد من الحديث عن أسسها النظرية وموقع المحاكم المالية ضمنها (المطلب الأول). ثم بعد ذلك تحديد مدى مساهمة المحاكم المالية في تدعيم الشفافية بالمغرب (المطلب الثاني).

 

المطلب الأول:الأسس النظرية للشفافية وموقع المحاكم المالية ضمنها

تتحدد الأسس النظرية للشفافية على مجموعة من المقومات لا تستقيم دونها، لكن قبل الحديث عنها لابد من تحديد مفهوم الشفافية (الفرع الأول)، ثم تحديد موقع المحاكم المالية ضمنها (الفرع الثاني).

الفرع الأول: تعريف الشفافية:

تعد الشفافية المسألة المحورية في عملية التنمية إذ في غيابها يتعذر على الحكومة والدولة عموما تحقيق أي تقدم، كما تعتبر الشفافية العنصر الأساسي التي تعتمد المحاكم المالية على التأكد من وجودها في العمليات والمحاسبية و التدبيرية الإدارية أثناء عملياتها الرقابية للأجهزة الخاضعة لرقابتها.

وتعتبر الشفافية ضرورة ملحة للحكومات التي تتطلع لمراقبة تدبير مواردها الاقتصادية خصوصا في ظل ندرة وشح هذه الموارد، والشفافية كمصلح عام تعني القيام بالأمور على الوجه الصحيح، من خلال الوضوح التام والعلنية المطلقة في كل التصرفات التي تقوم بها الإدارة، كما يقصد بها توفر المعلومات في وقتها، وإفساح المجال أمام الجميع للاطلاع على المعلومات الضرورية، ما يساعد في اتخاذ القرارات الصائبة، وكذلك من أجل توسيع دائرة المشاركة والرقابة والمحاسبة، ومن أجل التخفيف من هدر المال العام ومحاصرة الفساد، وذلك لكون الشفافية تعتبر عاملا مهما للتخفيف من نسبة العلاقات المشبوهة وغير الشرعية المحتملة مع المسؤولين. والتصدي للفساد يتطلب أولا وجود درجة عالية من الشفافية، وهي تعني بوضوح ما تقوم به الإدارة من وضوح في علاقتها مع المواطنين وعلنية الإجراءات والغايات والأهداف فهي نقيض السرية والغموض والتعقيد وقد شاع هذا المفهوم مع تأسيس منظمة الشفافية الدولية (Transparency international) عند بداية تسعينات القرن الماضي، حيث تركز على تقاسم المعلومات والمكاشفة عن مختلف القواعد والأنظمة والتعليمات واللوائح في وضع وتنفيذ السياسات واتخاذ القرارات، وتقي من ارتكاب الأخطاء وهذا يعني ضرورة توفير الإحصاءات والبيانات والمعلومات في أجواء شفافة دون معوقات.

إن تعزيز الشفافية وسياسة الإفصاح عن المعلومات ستساعد على رفع من مستوى الوعي والتي يفترض أن تكون وفقا لمبادئ ميثاق مبادرة الشفافية العالمية الالتزام بما يلي:

1-حرية الوصول إلى المعلومات؛

2-الإفصاح التلقائي؛

3-الوصول إلى اتخاذ القرارات؛

4-حق طلب الحصول على المعلومات؛

5-استثناءات محدودة؛

6-الالتماسات؛

7-تقديم الحماية لمن يكشف عن الممارسة المخافة؛

8-تعزيز حرية المعلومات.

وقد عمل الدستور المغربي المراجع لسنة 2011 على توفير الضمانات الأساسية والآليات المؤسساتية لمحاربة الفساد وحماية المال العام في تبني الشفافية.

ومن ضمن هذه المؤسسات المحاكم المالية التي كرست لها الوثيقة الدستورية اختصاصات الرقابة العليا على المال العام خاصة من خلال الرقابة على الأموال المخصصة للأحزاب السياسية أثناء الحملات الانتخابية وكذلك من خلال التأكيد على اختصاص التصريح الإجباري على الممتلكات لبعض الفئات التي حددها القانون رقم 54.06 في هذا الإطار  كل ذلك بهدف تدعيم الشفافية وتخليق الحياة العامة.

وتعتمد المحاكم المالية لتدعيم الشفافية في هذا الإطار على مقاربتين أساسيتين:

المقاربة الأولى: وتقوم على الاعتماد على القوانين الفعالة والدقيقة؛ التي من شانها المساعدة على الوقوف على مختلف الاختلالات في الممارسة التدبيرية في صرف المال العام الخاضعة لرقباتها؛ وإعلامها ذلك عبر الملاحظات الوارد في تقاريرها الموجهة لهذه وسلطات الوصاية في هذا الإطار.

المقاربة الثانية: تقوم على حرية المعلومات ويقصد بذلك ما نص عليه الدستور المراجع لسنة 2011 بضرورة نشر مختلف الأعمال القضائية والغير القضائية لأعمال المحاكم المالية ووضعها رهن إشارة العموم إضافة إلى نشر التقارير السنوية للمجلس الأعلى للحسابات من انعكاسات على تدعيم الشفافية وتخليق الحياة العامة؛ حيث غالبا ما تتضمن هذه التقارير فضائح للعديد من المسؤولين على التدبير الإداري والمالي سواء على المستوى الوطني والمحلي مما يشكل فرصة ذهبية للإعلام وعموم المواطنين لمعرفة أهم الخروقات في صرف المال العام وهو ما يشكل عقوبة نفسية وسياسية معنوية وأكثر مما هي مادية لهؤلاء المستهترين وناهبي المال العام.

إن منح المواطنين وبموجب الوثيقة الدستورية حق الاطلاع على هذه التقارير بما تتضمنه من أعمال قضائية وغير قضائية يجعل أعمال المسؤولين على التدبير  الإداري والمالي بالمغرب تحت أشعة الشمس؛ لذلك أصبحت المحاكم المالية اليوم مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتحسين الروابط التي تجمعها بجميع المتدخلين في حماية المال العام الوطني والمحلي وكذلك بعموم المواطنين وذلك عن طريق تعزيز أسلوب الشفافية والوضوح الذي يقتضي القيام بوظيفة الإخبار والإعلام على الوجه الأكمل حتى يتسنى لها التأقلم مع التحولات الحالية التي أصبح يعرفها المجتمع المغربي والدولي في هذا الإطار.

الفرع الثاني: منظومة الشفافية والمساءلة، والرقابة المالية بالمغرب وموضع المحاكم المالية ضمنها.                                                      

الفقرة الأولى :الإطار القانوني والمؤسساتي([2]).

يتوفر المغرب على أدوات قانونية دستورية وإدارية ومالية وقضائية عديدة ومتنوعة (أولا) كما يتوفر على مؤسسات حديثة في مجال الرقابة والشفافية والمحاسبة والمساءلة (ثانيا).

البند الأول: الإطار الدستوري

نص الفصل 60 من الدستور على أن “الحكومة مسؤولة أمام الملك وأمام البرلمان”. وينتج عن هذه المسؤولية أن البرلمان يمارس بصفة غير مباشرة رقابة عامة على المال العام وسبل صرفه والوقاية من تبذيره، كما يمارس رقابة مباشرة لتقصي حقائق مصروفات مشكوك في أمرها.

تتجلى آليات الرقابة في:

s مناقشة البرنامج الحكومي والتصويت عليه. ومن نتائج هذه المسؤولية استقالة الحكومة استقالة جماعية في حالة رفض البرلمان للبرنامج الحكومي.

s طلب الثقة وقد يؤدي التصويت إلى سحب الثقة من الحكومة (ف.75 من الدستور).

s ملتمس الرقابة. وقد يؤدي الموافقة عليه إلى استقالة جماعية للحكومة (ف.76 من الدستور).

s الأسئلة ومنها الشفوية والكتابية.

s الطعن في دستورية القوانين.

s تشكيل لجن تقصي الحقائق.

وللإشارة فإن التأطير الدستوري لاختصاصات المؤسسة البرلمانية يحد بشكل واضح من إمكانية تأثريها على التدبير العمومي، من خلال تعديل مشاريع النصوص المقدمة من طرف الحكومة أو ممارسة رقابة فعالة على عمل هذه الأخيرة. ونخص بالذكر “لجان تقصي الحقائق”.

البند الثاني: الإطار المؤسساتي

أ-القضاء الدستوري:

يمارس المجلس رقابة تلقائية على دستورية القوانين المالية وبناء على إحالة من البرلمان على دستورية قوانين المالية. وبالفعل أصدر المجلس عدة قرارات هامة في هذا الصدد منها إعادة إدراج المصالح المسيرة بطريقة مستقلة في وثيقة القانون المالي السنوي، وهو ما من شأنه ضمان شفافية تلك الوثيقة الهامة. كما سبق له أن رخص بحرية استخدام الصحن اللاقط.

ب- القضاء الإداري:

كانت المحاكم الابتدائية تملك حق النظر في القضايا الإدارية، قبل إحداث الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى ثم إقرار المحاكم الإدارية بظهير 10 شتنبر أيلول 1993. إذ يمكن للمتظلم اللجوء إلى هذا القضاء الذي قد يلغي قرارات إدارية بسبب الشطط أو التجاوز أو الانحراف في استعمال السلطة.

ب-القضاء العدلي:

بإصلاح 1962 تكرس القانون الجنائي الموحد بعدما كان موزعا حسب نوعية المحاكم وحسب المناطق الثلاثة للاحتلالين الفرنسي والإسباني ثم إصلاح سنة 1965 الذي تركز على التوحيد والتعريب والمغربة. وأخيرا إصلاح 1974 الذي جاء من اجل تبسيط المنظومة.

وقد خص المشرع المغربي الباب الثالث من القانون الجنائي للجنايات والجنح التي يرتكبها الموظفون ضد النظام العام وقد نظمها في ستة فروع منها الفرع الرابع وعلى الخصوص الجزء المتعلق بالرشوة الذي ينقسم إلى فصول للتعريف بأنواع الفساد وأخرى للجزاءات فضلا عما يتعلق بالقضايا القانونية التقليدية.

ج-المجلس الأعلى للحسابات:

كونت أول هيئة سميت باللجنة الوطنية للحسابات بظهير 14 أبريل 1960 بعد اللجنة المحلية المغربية للحسابات التي أقرتها سلطات الحماية الفرنسية عام 1932. وقد كانت حصيلة النقاشات والصراعات حول حماية المال العام وضرورة المراقبة وزجر المخالفات من طرف محاكم مالية فرض رؤيا الجهاز التنفيذي والقصر وإقصاء خيار المعارضة. ولم تمارس هذه اللجنة أي مهام وظلت جهازا صوريا.

وفي أواخر السبعينات وبعد قرار الملك الرجوع إلى الحياة الدستورية والبرلمانية عاد مغرب 1977-1978 في أول برلمان بعد حالة الاستثناء تشارك فيه المعارضة إلى نفس النقاشات والصراعات حول دور المحاكم المالية. بل إن أهم حزب إداري كان يترأسه صهر الملك عارض عن طريق برلمانييه إنشاء المحكمة كما عارضتها وتخوفت من إنشائها مصالح وزارة المالية وخصوصا المفتشية العامة ما يدل على أن المشروع وكما العادة طبخ في كواليس خارج مؤسسات الدولة الرسمية والظاهرة. لهذا صرح وزير العلاقات مع البرلمان بأن المشروع يجب أن يمر قبل نهاية أكتوبر تشرين أول 1978، لتضبط الأغلبية الحكومية وتصوت عليه. وفي الحقيقة فقد ارتبط المشروع بتصريح ليما حول الخطوط التوجيهية للرقابة على المال العام سنة 1977 والضغوطات التي مارستها الجهات المانحة على المغرب لتبني محكمة مالية مغربية والظرف السياسي المتمثل في المطالب الدستورية والتوترات المصاحبة للاعتقالات في صفوف اليسار بشتى ألوان طيفه.

وهكذا تم تبني نص قانون أساسي بمقتضى قانون 12/79 بتاريخ 14 شتنبر أيلول 1979 وهو نص ثري بالمستجدات والتجارب الخارجية والاختصاصات الواسعة التقنية مع استثناء التنصيص الدستوري والاستقلالية. كما أسندت رئاسته لأحد خدام البلاط وابن أحد كبار الإقطاعيين وقواد الاستعمار. وسيظل هذا المجلس مجمدا وتغادره جل الأطر بفعل التسلط والشطط في استعمال السلطة وانسداد آفاق العمل والتطور للمجلس نفسه إلى أن تم تعديل نصوصه القانونية سنة 2002 وذلك لافتقاد الاستقلالية ولانعدام الإرادة السياسية لتفعيله أو مده بالوسائل المادية للعمل. وأكبر فضيحة/تحد واجهة هو انفجار فضيحة الخطوط الجوية الملكية دون أن يكون له دور يذكر. فالمحيط الذي يوجد فيه هو محيط التسييس المفرط للإدارة وللمؤسسات العمومية وانعدام أي إرادة للدولة في تبني النزاهة في تدبير القطاع العام. وفي الجانب العملي تجدر الإشارة إلى أن المجلس لم تكن له مصداقية ليجلب شخصيات مرموقة ولم يتوفر على نصوص تطبيقية لقانونه الأساسي تمكن من توضيح مساطير التحقيق وتأليف لجن التقارير وتكوين المحققين والنظام الأساسي الخاص بالموظفين غير القضاة. كما يتحمل رئيسه مسؤولية انحيازه التام للجهاز التنفيذي ولدواليب الإدارة حيث لم تتم أي مساءلة ولا تقديم أي تقرير رغم توالي عشرات الحكومات المختلفة طوال خلوده على رأس الجهاز من سنة 1979 إلى سنة 2002.

غير أن صدور القانون رقم 99.62 المتعلق بمدون المحاكم المالية يعتب بمثابة ثورة حقيقية في مجال تعزيز الديمقراطية وتخليق الحياة العامة ومحاربة نهب المال العام وهو ما تجسد من خلال الخروقات التي وصفت عليها المحاكم المالية منذ سنة 2002 والتي ساهمت بالإطاحة بالعديد من كبار المفسدين والمتلاعبين بالمال العام بالمغرب.

د-محكمة العدل الخاصة سابقا (ظهير 6 أكتوبر 1972 كما تم تغييره بظهير 24 أبريل 1975 وظهير 25/12/1980).

مع بداية الستينات وتضخم الوظيفة العمومية وانطلاق الاستثمارات العمومية لوحظ تنام للفساد من رشوة واختلاس إلى زبونية واستغلال للنفوذ فكان لابد من ضبط هذه الظاهرة على عقارب النسق العام لتطور المجتمع وأجهزة الدولة.

فبمقتضى القانون 4.64 بتاريخ 20 مارس 1965 تم تأسيس محكمة العدل الخاصة من أجل زجر جنيات الغدر والرشوة واستغلال النفوذ المقترفة من طرف الموظفين العموميين. وقد ألغي هذا القانون وعوض بظهير 72/157 بتاريخ 6 أكتوبر 1972 لكننا لا نجد بالقوانين معا أي مقدمة أو تمهيد يبين أسباب إنشاء هذه المحكمة. بينما قدمت المناقشات في البرلمان عدة أسباب للنزول. فقد كثرت الانتقادات حول تدبير نفقات المشاريع الضخمة لأول مخطط خماسي طموح في مغرب الاستقلال، وكانت المطالب ملحقة حول حماية المال العام ثم هنالك حديث الحسن الثاني مع القضاة([3]). حيث بين لهم “مهمة المحكمة في الضرب على أيدي من تسول له نفسه اختلاس الأموال العامة، وثانيا العمل على مكافحة الجرائم الوظيفية من قبيل الرشوة واستغلال النفوذ واختلاس المال العام…وما يرتبط بها من جرائم كالتزوير مثلا”.

وقد أدخلت على قانون 1972 بدوره تعديلات بمقتضى ظهير 24-04-1975 وظهير 25 دجنبر (كانون أول) 1980. ورغم ذلك فطبيعة المحكمة لم تتغير حيث أنها تنتمي إلى المحاكم الاستثنائية وتخرج عن منظومة المحاكم العادية.

يحدد الفصل 31 من قانون محكمة العدل الخاصة اختصاصاتها بالنسبة لمجموعة من جرائم الفساد عرفها في الفصول من 32 إلى 39 وذلك خلافا لمقتضيات الفصول 241 إلى غاية 256 من القانون الجنائي. ويعاقب عليا طبق ما هو منصوص عليه في الفصول المذكورة إذا كان مجموع المبالغ النقدية المختلسة أو المبددة أو المحتجزة بدون حق أو المخفية أو المزايا أو المنافع المحصل عليها بصفة غير قانونية، أو الأرباح المنجزة بدون حق تبلغ قيمة تساوي أو تتجاوز خمسة وعشرون ألف (25000) درهم، كيفما كانت تقسيط هذه القيم وترتيبها من حيث الزمان سواء كان المتهم قد حصل على هذه المنافع من شخص واحد أو من عدة أشخاص بمناسبة أفعال متباينة أو كان قد ارتكب اختلاسا من صندوق واحد أو عدة صناديق كان يتصرف فيها بحكم وظيفته. ويمكن أن ينتج كذلك حساب الربح بدون حق عن مجموع الأرباح المحصل عليها بواسطة مخالفات متباينة مثل الاختلاس والرشوة.

هـ- المجالس الإدارية للمؤسسات العمومية:

بما أن القطاع العام يتمتع بالاستقلالية الذاتية، جريا على العموم به عالميا في هذا النوع من الحكامة المؤسساتية، فمن الطبيعي أن يكون خاضعا للتقييم والمساءلة. لكننا نجد في التجربة المغربية عجزا على مستوى دور الدولة في تحديد الأهداف، وفي تتبع التدبير ومراقبته مما يرمي بهذه المسؤوليات على عاتق المجالس الإدارية.

وتتعقد الأمور أكثر عبر تعيين مدراء للمؤسسات العمومية من النخب ذلت الحظوة والحماية.

و-أجهزة الرقابة الوزارية:

تباشر الوزارات نوعين من الرقابة على المنشآت العمومية الأولى عن طريق المفتشيات العامة الداخلية التي يمكن اعتبارها مراقبة سياسية/قطاعية مرتبطة بتوجهات الوزير المكلف بالقطاع والثانية إدارية/فنية مرتبطة بالتسلسل الإداري وبالإشراف على السير الفني والإداري في الخط العام للوزارة ولمخططات أو برامج السياسة الاقتصادية والمالية للحكومة.

1-الوصاية الفنية:

تخضع المؤسسات والمقاولات والوكالات العمومية إلى وصاية فنية تمارسها وزارة من الوزارات ذات الكفاءة في الميدان الذي تشتغل فيه هذه الهيئات العمومية. وتتنوع هذه الوصاية حسب ميدان الاشتغال وما يتطلبه من تأطير أو ما تخططه الدولة في سياساتها التنموية وغالبا ما يتم تكوين لجان مشتركة يكون فيها حضور الوزارة الوصية قويا.

1.1-رقابة وزارة الداخلية:

تتوفر الوزارة القوية في إطار الرقابة على جهازين أساسيين:

s المفتشية العامة للإدارة الترابية:

تتبع هذه المفتشية مباشرة لوزير الداخلية وتناط بها “مهمة المراقبة والتحقق من التسيير الإداري والتقني والمحاسبي للمصالح التابعة لوزارة الداخلية والجماعات المحلية وهيئاتها”([4]). بما فيها المؤسسات العمومية والمجالس المحلية المنتخبة.

s المديرية العامة للجماعات المحلية:

حسب المادة 18 من المرسوم المحدد لاختصاصات وتنظيم وزارة الداخلية، يعهد إلى المديرية العامة للجماعات المحلية بمهمة تحضير القرارات التي يتخذها وزير الداخلية في إطار سلطاته المتعلقة بالوصاية على الجماعات المحلية والسهر على تتبعها ومراقبة تنفيذها.

1.2- رقابة وزارة المالية:

تتوفر وزارة المالية على عدة مديريات تقوم بدور المراقبة المالية على المؤسسات العمومية. أهم جهاز في ترسانتها هي المفتشية العامة للمالية لكونه جهاز تدقيق مستقل عن التدبير اليومي. أما الأجهزة الأخرى من مديرية الميزانية إلى مراقبة الالتزام بالنفقات مرورا بمديرية المؤسسات العمومية والخزينة العامة فتهتم بالمتابعة اليومية.

s المفتشية العامة للمالية:

يعود القانون التنظيمي للمفتشية العامة للمالية إلى تاريخ 14 أبريل نيسان 1960 ولازال ساري المفعول إلى اليوم رغم مطالبات دائمة بتحيينه. وهي جهاز للمراقبة ذو طبيعة إدارية يشمل جل الوزارات والإدارات والمؤسسات العمومية وكذا الجماعات المحلية وتدبير الآمرين بالصرف والمحاسبين العموميين لكنه لا يمارس مراقبة دائمة ومنهجية. تعمل المفتشية العامة للمالية وفق برنامج سنوي يحدده وزير المالية مع الأخذ بعين الاعتبار طلبات التحقيق والمراجعة المقدمة من طرف الوزارات الأخر. وتقوم بتحقيقات ودراسات حول قضايا مالية وبتدقيق المشاريع العمومية الممولة من طرف الهيئات المالية الدولية.

توضح حصيلة عمل “المفتشية العامة للمالية”، أن هاته الأخيرة أكثر بتدقيق حسابات المشاريع الممولة من طرف المانحين الدوليين، وذلك على حساب دورها الأولي والأساسي في مراقبة المحاسبين العموميين والآمرين بالصرف.

s مديرية المؤسسات العمومية والمساهمات:

تعتمد هذه المديرية على مراقبين ماليين ووكلاء محاسبين يمارسون رقابة قبلية للتأكد من مشروعية وصحة العمليات المتعلقة بالأداءات والمداخيل.

s مديرية الميزانية:

تشارك هذه المديرية في المراقبة عبر تأشيرتها الضرورية على ميزانيات المؤسسات العمومية والمنشآت العامة ذات الطابع الإداري ومن خلال المصادقة على الأنظمة الأساسية لمستخدمي هذه المؤسسات.

لكن الملاحظ أنه بالرغم من جسامة المسؤولية الملقاة على عاتق هاتين المديريتين وخطورتها فإنهما لا تقدمان إلا تقريرا سرديا بالأنشطة.

s مراقبة الالتزام بنفقات الدولة:

ينظمها المرسوم رقم 2.75.839 الصادر في 30 دجنبر/كانون أول 1975 بشأن مراقبة الالتزام بالنفقات. و هي وسيلة لضمان المراقبة قبل أي التزام عمومي بصفقة ما أو نفقة ما مع أي احد.

كما يرمي إحداث هذه المراقبة إلى اطلاع وزير المالية على شروط تنفيذ الميزانية وتقديم العون والمساعدة إلى مصالح التسيير للآمرين بالصرف ولمساعدتهم ولاسيما المصالح المكلفة بالصفقات.

وتمارس عن طريق مراقبين مركزيين وجهويين تحت إمرة رؤساء مصالح يقودهم مراقب عام. وقد كان هذا الجهاز محل انتقادات كثيرة.

لقد تم دمجها سنة 2006 تنظيميا بالخزينة العامة للمملكة، مع احتفاظها المبدئي باستقلالها الوظيفي.

s الخزينة العامة للملكة:

يقوم محاسبو الخزينة العامة بأدوار ثلاثة هي: الرقابة على عمليات الآمرين بالصرف والرقابة على عمليات المحاسبين ثم تدبير مالية الجماعات المحلية.

في سنة 2005 ستنتقل بعض الصلاحيات التحصيلية لمحاسبي الخزينة العامة إلى مديرية الضرائب إضافة إلى عملية الدمج مع مراقبة الالتزام المشار إليها سابقا.

المطلب الثاني: المحاكم المالية ومساهمتها في تدعيم الشفافية وتحديث التدبير العمومي

إن رهان إرساء بنيات مؤسساتية توفر بنية اقتصادية وتشريعية وأمنية وقيمية صلبة وملائمة بالموازاة مع إدارة مالية تتبنى أدوات الحكامة المالية الجديدة من تخطيط استراتيجي ومنهج للمراقبة والتقويم ومنظومة للتنظيم والهياكل والإعلام([5]). يتوقف على تخليق الحياة العامة باعتبارها مطلب تمليه العواقب الوخيمة التي نجمت عن استفحال ظاهرة الفساد الإداري والمالي التي انعكست على أداء المرفق العام وصيروة التنمية.

إن حالات سوء التسيير الإداري والمالي البنيوية التي أضحت عليها العديد من المرافق العمومية، وتطورها في العديد من الأحيان إلى انحرافات إدارية خطيرة وفضائح مالية كبيرة أدت إلى التأثير على مصداقية المرفق العام وبالتالي فقدان الثقة في الإدارة نتيجة انحراف الممارسات المالية، وإعادة توجيه المال العام إلى مجالات وفئات غير مستهدفة مما أدى ظاهرة الاغتناء غير المشروع واستفحال ظواهر الرشوة والاختلاس وتطور أدواتهما وأساليبهما واتخاذهما تنظيما محكما داخل التنظيمات الإدارية،لم تحد منه تعدد الترسانة القانونية الزجرية، الأمر الذي يبرز أن صرامة القوانين لا تكفل وحدها حماية المال العام والالتزام بالانضباط المطلوب في التدبير، لدى فإن صيانة المال العام والارتقاء بتدبيره إلى مستوى النجاعة والمردوية رهينة سيادة القيم.

وهكذا أضحى الالتزام بتدعيم الشفافية في تدبير المال العام بالنسبة للمحاكم المالية إجراء بيداغوجي وسلوك متقدم يقتضي تحسيس كل الفاعلين والفرقاء الاقتصاديين والاجتماعيين ومختلف المسؤوليين والموظفين والأعوان بأهمية الانخراط فيه ودعم كل أركانه وكل مبادرته لخلق نوع من الأعراف والمقتضيات الجديدة في تدبير الشأن الوطني والمحلي([6]) لاسيما أن الإدارة بحكم موقعها أصبحت تواجه بالإضافة إلى التزاماتها التقليدية تحديات جديدة تفرضها العولمة والتنافسية والتطور التكنولوجي وتنامي سرعة وشفافية في تقديم خدماتها وأكثر تشبتا بالأخلاق التي ينبغي أن تسود علاقاتها ومعاملاتها، بالإضافة إلى وجوب توخيها الترشيد والعقلنة في تدبير الموارد المتاحة لديها وفتح باب الحوار والتواصل مع مختلف مكونات محيطها([7]).

ومن هذا المنطلق تبدو أهمية الشفافية بالنسبة لمحاكم المالية أساس لتخليق الحياة العامة في جانبها الإداري والمالي والأنشطة والخدمات العمومية، والرفع من القدرة التنافسية لهذه الأجهزة وتشجيع تدفق الاستثمارات والرساميل، وانفتاح الإدارات، بجانب دعم تكافئ الفرص بين مختلف الفئات الاجتماعية في ظل مناخ يجسد روح المسؤولية والشفافية ومنهج المراقبة والمحاسبة والتقويم ويكرس سيادة القانون وسلطة القضاء ويدعم الجوانب القانونية والسياسية والأسس التربوية لتعميم المواطنة الحقة باعتبارها واجب وطني والتزام أخلاقي([8]) لخلق مناخ يستوعب الإصلاحات الهيكلية للإدارة ويدفع بالمصالح العمومية لإنجاز مهامها بفاعلية ونجاعة وأقل تكلفة في ظل تغيير السلوكات السلبية السائدة([9]).

وقد جسد المشرع ذلك من خلال منح المحاكم المالية آليات جديدة بالإضافة إلى تلك المتضمنة في مدونة المحاكم المالية لتدعيم الشفافية فيصرف المال العام كما سبق وأن رأينا كمراقب مالية الأحزاب السياسية بمناسبة الحملات الانتخابية بالإضافة إلى مد رقابة المحاكم المالية على ممتلكات فئات هامة من منتخبين ومسؤولين وطنيا ومحليا توكل لهم مهمة التدبير المالي والإداري. وذلك كخطورة أساسية لضمان نزاهتهم وشفافيتهم في صرف المال العام. ورغم أهمية هذه الخطورة في تخليق الحياة العامة المؤسساتية والإدارية يبقى التطبيق الفعلي للمبادئ والقواعد التي تضمنتها هذه الإصلاحات القانونية رهينة بالتوفر على العدد الكافي للقضاة الممكن إسناد هذه المهمة لهم وذلك بالنظر للعدد الكبير للخاضعين لرقابة المجلس في إطار التصريح الإجباري للممتلكات مما يحول دون إمكانية تتبع مختلف هذه الملفات للمصرحين بالنظر لتواضع عدد قضاة المحاكم المالية سواء على المستوى المركزي أو الخارجي بالمجالس الجهوية للحسابات إضافة إلى الصعوبات التي تصادفها المحاكم المالية بمناسبة تدقيق حسابات الأحزاب السياسية المستفيدة من دعم الدولة أثناء الحملات الإنتخابية؛ كل هذه الصعوبات تحول دون بلورة هاته الاختصاصات الجديدة التي منحها المشرع للمحاكم المالية على أرض الواقع وبالتالي إفلات المفسدين اللذين مدت أيديهم للمال العام من موظفين ومنتخبين وعموما لكل من له صلاحية صرف المال العام.

وعموما فإن دور المحاكم المالية في تقرير الشفافية وتحديث التدبير العمومي رهين بمدى وجود إرادة سياسية راسخة ودقيقة لمعالجة الاختلالات الوظيفية في سير عمل المؤسسات والإدارات العمومية والترابية عبر انخراط فعلي للإدارات المركزية والإدارة الترابية بجمع مكوناتها من جماعات وسلطات محلية ومصالح غير مركزة في إنجاح هذا الورش الإصلاحي الكبير الذي تمارسه المحاكم المالية بالمغرب خاصة في الجانب المتعلق بالترشيد المالي والإداري.

وبالرغم مما سبق فإن الواقع يكشف أن المحاكم المالية ومن خلال ما يستشف من التقارير السنوية للمجلس الأعلى للحسابات أنها تساهم ولاشك في ترسيخ القيم والمبادئ النبيلة وتقويم السلوكات داخل الأجهزة الخاضعة لرقابتها وتهذيب الحياة العامة ودعم أخلاقيات المرفق العمومي وتأمين أجواء صحية له والحيلولة دون انتعاش بؤر الفساد المالي والإداري والحفاظ على الذم المالية للموظفين والمنتخبين.

فالشفافية المالية التي تسعى المحاكم المالية لتجسيدها وتوطينها تعد عاملا مهما للتخفيف من نسبة المعيقات المشبوهة في واقع الأمر؛ كما تضمن الكشف في الوقت المناسب عن المعلومات الملائمة والكافية للإدارة.

فرقابة شفافية المال العام لدى المحاكم المالية، تعد المسألة المحورية في العملية الرقابية للأجهزة الخاضعة لرقابتها وهي لا تشارط فقط الإشراف والمساءلة حول النفقات العامة فحسب، وإنما تفرض كذلك الحرص على عقلانية هذه النفقات للحد من هدر المال العام والثروات الوطنية([10]).

ففي غياب الشفافية يتعذر على الإدارات العمومية والجماعات الترابية عموما تحقيق أي تقدم لاسيما تلك الشفافية المتصلة بالمحاسبة الصارمة كما أن التمسك بالشفافية يقلل من وقع الأزمات الاقتصادية وتساعد على معالجة القضايا عند استفحالها واتساع مداها.

ومن هنا، فإن مسألة الشفافية المالية أصبحت تدخل ضمن الأهداف والانشغالات الكبرى للمحاكم المالية بالمغرب وذلك انسجاما مع الأهداف الكبرى التي ما فتئت المنظمة الدولية للرقابة العليا على المال تتوخى تحقيقها على نحو متواصل، نظرا لما تعنيه قضية الرقابة على المال العام من تكريس لروح المسؤولية والمحاسبة إذ لا مجال للحديث عن الشفافية في ظل سيادة اللا محاسبة واللا مساءلة فهي –الشفافية-تعد من أهم الركائز والمبادئ التي بنيت عليها الديمقراطية.

فالشفافية تهدف للتأكد من أن الأموال العمومية قد صرفت وفق الخطة الإستراتيجية المحددة مسبقا حتى تعود بالنفع العام على المواطن وتساهم في تثبيت أساسيات التنمية الوطنية والمحلية.

كما يمكن القول بأن الشفافية المالية، تشكل مبدأ يهدف إلى تحقيق المصلحة العامة، وكذا فحص الحسابات واكتشاف المخالفات المالية بإصدار العقوبات المنصوص عليها مما يجعلها تجسيدا للرغبة الأكيدة في تفعيلها وإعطائها بعد زجريا وردعيا دون المس بالمال العام الذي وجد لخدمة أهداف التنمية.

إن الشفافية المالية تعرف نوعا من الحضور الفعال خاصة أثناء فحص المشروعات العامة الوطنية والمحلية والصفقات العمومية، وتحقيقها وتفعيل المحاسبة والمساءلة وهذا الحضور كرسته معايير دولية تهدف إلى سيادة جو من الثقة وحسن التدبير وتحقيق نوع من التقدم الذي لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال تحسين المسؤولين والفاعلين في هذا المجال، لأنه في الحقيقة، أي إهمال الشفافية المالية هو إهمال لهم بمقتضى التغيير والتطور وهو إهدار للمصلحة العامة للمواطنين وإصرار على التخلف والانهيار([11]).

وعموما، يمكن القول بأن رقابة شفافية المال العام من طرف المحاكم المالية، وجدت بغية ترسيخ ثقافة وأخلاق العمل والاجتهاد والاستقامة وخدمة الصالح العام، كما تساهم أيضا في تخليق الحياة العامة وتحسين تسيير الأموال العامة وحمايتها من كل تلاعب أو إنفاق غير تنموي وأن لا تظل، الشفافية المالية حبيسة النظريات والمفاهيم المجردة ولا تعليمات مستوردة تليها ضغوط المؤسسات الدولية ولا شعارات تلينها الهيئات الوطنية والمحلية في أي إدارة عمومية أو جماعة ترابية لإضفاء الشرعية.

 

المبحث الثاني :الفساد المالي بالمغرب انعكاساته على التدبير العمومي الحديث

ومدى مساهمة المحاكم المالية في محاربته

يشكل الفساد بمعناه الشامل إشكالية تنموية وسياسة ذات أبعاد متعددة وتنتج هذه الظاهرة غالبا عن “الإساءة في استخدام السلطة من أجل الفائدة الشخصية” التي تساهم في إفراز مجموعة من الجرائم والسلوكات كالرشوة والاختلاس واستغلال النفوذ وتضارب المصالح والمحسوبية والغش، وغير ذلك.

وتجدر الإشارة إلى أن الفساد أصبح يشكل الآن ظاهرة وطنية تشير إلى أعمال ترتكب محليا، وأخرى عبر الحدود الوطنية، حيث تطورت الممارسات الإجرامية موازاة مع العولمة، وما أفرزته من ترابط بين الدول والشركات، وتشابك في الصفقات المالية والتجارية والاستثمارية وقنوات التواصل وآليات تدفق الرساميل.

وبخصوص الأسباب التي تؤدي إلى تفشي ظاهرة الفساد والتي تأخذ أبعادا سياسية واقتصادية واجتماعية، أن نشير على سبيل التمثيل لا الحصر إلى:

s وجود الاحتكارات واتساع مجالات اقتصاد الريع.

s الانفراد باتخاذ القرارات واتساع دائرة الشطط في استعمال السلطة.

s شيوع حالات اللاعقاب وعدم المساءلة.

s انغلاق التدبير العمومي وتعقيد المساطر الإدارية.

s عدم فعالية أجهزة المراقبة الداخلية والخارجية.

أما عن آثار الظاهرة وانعكاساتها على استقرار وأمن المجتمعات فمن الممكن اختزالها في الأضرار التالية:

s تقويض القيم الأخلاقية والعدالة والديمقراطية.

s التعارض مع ترسيخ دولة القانون.

s انتهاك الحقوق الأساسية من خلال الحرمان من المساواة في توفير الخدمات العمومية.

s عرقلة مجهودات التنمية سواء من خلال تقليص فرص التجارة والاستثمار وتقويض التنافس الاقتصادي، أو من خلال الإضرار بفعالية برامج مكافحة الفقر والتهميش.

لهذه الأسباب انعقد إجماع دولي على ضرورة العمل على التخليق الشامل ومكافحة الفساد باعتبارهما إحدى مستلزمات الحكامة الجيدة التي تشكل بدورها الدعامة الأساسية للتنمية المستدامة.

وقد بادر المغرب إلى الانخراط الفعلي والتدريجي في هذه الدينامية الدولية لمكافحة الفساد([12]).

وذلك عبر توفير آليات مؤسساتية وقانونية كما سبق وأن رأينا، إضافة إلى انخراط المحاكم المالية في المنظومة العالمية لمكافحة الفساد.

لكل ذلك سنحاول تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين أساسيين (المطلب الأول) سنخصصه لمفهوم الفساد المالي وأنواعه وأساسه ومظاهره فيما سنخصص (المطلب الثاني) لدور وموقع المحاكم المالية بالمغرب ضمن المنظومة العالمي لمحاربة الفساد المالي.

المطلب الأول: مفهوم الفساد المالي وأنواعه وأسبابه وأشكاله وآثاره 

يعتبر الغش والفساد وجهان لعملة واحدة، يشكلان خطرا يواجه الدول النامية والمتقدمة على حد سواء باعتبارهما معوقا رئيسا لتحقيق التنمية المستدامة من خلال المساهمة في ضعف النمو الاقتصادي، وتكريس الاختلافات والتشوهات في توزيع الدخل والثروة وتمركزها في يد فئة قليلة، وزيادة أعدا الفقراء بالمجتمع، إضافة إلى تدني كفاءة القطاع العام وأدائه، وارتفاع حجم الإضرار بالمال العام.

وتتباين أشكال الفساد وممارساته وانتشاره تبعا لمستوى تطور واستقرار البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة، وهو ما ينعكس في طبيعة ووسائل المواجهة المستخدمة ومدى النجاح في التصدي له والتقليل من آثاره.

وتعمل الدول جاهدة على استنهاض أجهزتها وإمكانياتها لوضع السياسات والمتطلبات اللازمة للقضاء على الفساد أو الحد منه. وقد شكل ربط عمليات التسليف والإقراض التي تقوم بها المنظمات والهيئات الدولية كالبنك الدولي للدول المحتاجة بموقع هذه الدول وترتيبها في سلم الفساد ودرجة نجاحها في محاربته دافعا آخر لاهتمام الدول بموضوع الفساد ومحاربته.

وسنحاول إلقاء الضوء على ظاهرة الفساد وأسبابه ومظاهره مع بيان خصوصيته في الحالة الفلسطينية ودور الرقابة المالية والإدارية في مواجهته، والأساليب والتقنيات المستخدمة في الحد منه والقضاء عليه.

الفرع الأول: الغش والفساد المالي

كما قدمنا سابقا فإن الغش والفساد يمثلان وجهان لعملة واحدة يشتركان في طبيعة الممارسة غير القانوني ووصولا لتحقيق منافع شخصية، كما يشكلان انتهاكا فظا لمنظومة المبادئ والقيم والمعايير الأخلاقية.

هذا ويعرف الغش بأنه “خلط الشيء الرديء بالجدي بغرض إظهار الشيء على غير حقيقته لتحقيق منفعة شخصية” وهو بذلك يشكل جزء من الفساد في معناه الواسع والذي يعرف بأنه “كل عمل يتضمن سوء استخدام للسلطة العامة لأغراض خاصة، وهو أيضا خروج عن النظام والقانون أو استغلال غيابهما وتجاوز السياسة والأهداف المعلنة والمعتمدة من قبل السلطة السياسية وغيرها من المؤسسات الشرعية وذلك بغية تحقيق منفعة شخصية سواء أكانت سياسية أو اجتماعية أو مالية للفرد أو للجماعة”.

الفقرة الأولى: أسباب الفساد المالي وأشكاله

تتعدد أسباب الفساد المالي وأشكاله وتختلف حدتها من مجتمع لآخر تبعا لطبيعة البيئة والعوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقيم الدينية والأخلاقية المتفاعلة فيه. كما تتأثر بدرجة كفاءة الجهاز الإداري للدولة. وبصورة عامة فإن منظومة الفساد تتأثر طرديا بضعف العوامل المشار إليها آنفا، وتزداد فرص الفساد وتستشري في مراحل التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وتتعدد أسباب الفساد ويمكن تحديد أسباب الفساد المالي فيما يلي:

أ-أسباب سياسية:

ويقصد بالأسباب السياسية غياب الحريات والنظام الديمقراطي ضمن مؤسسات المجتمع المدني وضعف الإعلام والرقابة.

ب-أسباب اجتماعية:

متمثلة في الحروب وآثارها ونتائجها على المجتمع والتدخلات الخارجية الطائفية والعشائرية المحسوبيات والقلق الناجم عن عدم استقرار الأوضاع والتخوف من المجهول القادم وبالتالي جمع المال العام ونهبه بأي وسيلة لمواجهة هذا المستقبل المجهول والغامض.

ج-أسباب اقتصادية:

الأوضاع الاقتصادية المتردية والغير المحفزة والمساعدة على تنامي ظاهرة الفساد المالي إضافة إلى ارتفاع التكاليف المعيشية بالمجتمع، مما يؤثر على الاقتصاد وهروب الاستثمار وتهريب الأموال العمومية للخارج وبالتالي يساهم ذلك بشكل مباشر في ضياع أموال الدولة والتي كان من الأجدر استكمالها في مشاريع تخدم المواطنين.

ورغم تعدد أسباب الفساد وممارسته من دولة لأخرى؛ إلا أنه يمكن حصر أشكال وممارسة الفساد المالي التي تنتشر بالدول وخاصة النامية على النحو التالي:

s استغلال المنصب العام: حيث يلجأ البعض لاستغلال الوظيفة العامة في الحصول على امتيازات خاصة؛ وقد تمثل ذلك بشكل واضح في احتكار شخصيات نافذة وذوي مناصب عليا في السلطة بعض الخدمات والسلع والمواد الأساسية، وحصول آخرين على بعض الوكالات التجارية، ومشاركة رجال أعمال وتجار ومستثمرين من الباطن، إضافة إلى التصرف بالأملاك العامة بطريقة غير قانونية.

s الاعتداء على المال العام: من خلال الحصول على إعفاءات ضريبة وجمركية أو تراخيص لأشخاص أو شركات بشكل غير قانونية وبدون وجه حق. كما في حالات أخرى أخذ أموال عامة تحت مسميات إعانات أو مساعدات مباشرة وغير مباشرة بدون وجه حق.

s غياب النزاهة والشفافية في الامتيازات الحكومية: وذلك من خلال منح امتيازات وإعفاءات بطرق غير شرعية لشركات ذات علاقة بمسئولين كبار في السلطة أو لأقربائهم. إضافة إلى استخدام الوسائل غير القانونية والحيل في ترسية المشتريات الحكومية ومواصفاتها.

s مخالفة قانون الوظيفة العمومية خاصة في مناصب المسؤولية: تمثل في قيام العديد من المسؤولين وأصحاب المناصب العليا بالتعيينات العشوائية في أجهزة السلطة دون حاجة حقيقية، إضافة إلى تعيينات في مناصب دون مؤهلات مما أدي إلى إهدار المال العام وترهل الجهاز الإداري وتضخمه وضعف الأداء العام.

s تهريب الأموال: من خلال قيام بعض المسؤولين بتهريب الأموال العامة التي تم الاستيلاء عليها بشكل غير قانونية وبدون وجه حق إلى الخارج.

الفقرة الثانية: آثار الغش والفساد

لا يختلف اثنين على مضار الفساد وتأثيره على بنية المجتمع وجوانبها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ويزداد أثره على المجتمعات النامية، ويمكن رصد أهم الآثار السلبية للفساد المالي في الجوانب التالية:

s ضعف المناخ الاستثماري وهروب المستثمرين بسبب طلب مشاركة المتنفذين لهم وإعاقة أعمالهم مما اثر سلبا على بنية القطاع الاقتصادي وضعف النمو الاقتصادي وهو ما انعكس في حالة الفقر وزيادة نسبة البطالة.

s زيادة الفرقة الاجتماعية بين أفراد المجتمع وشعور شريحة كبيرة من المجتمع بالظلم وعدم الحصول على حقائقها مما انعكس في تذمر المواطنين وعدم الثقة في السياسات الحكومية، وهو ما ينعكس في عدم الالتزام بدفع الضرائب بل والتهرب منها وكذلك عدم الاهتمام بالمحافظة على المرافق العامة وبالتالي انخفاض الإيراد الحكومي وزيادة الإنفاق العام وبالتالي ضعف مشاركة الدولة في دعم البنية التحتية والخدمات الأساسية لعدم توفر الأموال اللازمة لذلك.

s عدم الاكتراث بالقانون واحترامه من قبل أفراد المجتمع والنظر إليه أنه يحمي فئة التنفيذيين بالسلطة مما يؤدي إلى سيادة منطق الغاب والاهتمام بالمصلحة الخاصة على حساب المصلحة العامة.

s التضخم الوظيفي والترهل الإداري يمثل أحد أهم أسباب وأثار الفساد على حد سواء وذلك من خلال قيام المتنفذين باستخدام نفوذهم في توظيف أعداد كبيرة من الموظفين دون حاجة خدمة لمصالحهم أو مقابل رشاوى وعوائد شخصية وهو ما يزيد من تردي الأداء الحكومي وزيادة الإنفاق العام على الجوانب التشغيلية بدلا من التركيز على الجوانب الإنتاجية.

s ضعف جودة البينة الأساسية والخدمات العامة بسبب قلة الموارد وعدم كفاءة الموظفين وهو ما يؤثر بشكل ملحوظ على قدرة الدولة على توفير الخدمات العامة الأساسية، كما يضعف من شرعية الدولة وسلطتها.

s إضعاف شرعية الدولة، وانعكاساته في حدوث الإنفاق الأمني وزيادة الاضطرابات وترسيخ العائلية مما يقود إلى تهديد أمن واستقرار المجتمع.

s يؤدي الفساد إلى نمو فئة متنفذة وثرية مما يساهم في زيادة الطبقية في المجتمع، ويؤثر سلبا على الشريحة الفقيرة من المجتمع ويزيد من نسبة المهمشين سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

s الفشل في الحصول على المنح والقروض الخارجية، إضافة إلى عدم القدرة على توجيهها نحو الأولويات الوطنية العليا.

s عدم القدرة على جذب الكفاءات، بل أن استشراء الفساد يقود إلى هجرة العقول والكفاءات إلى الخارج وهو ما يؤدي إلى إضعاف التنمية بل تقويض مرتكزاتها([13]).

وقد عمل المشرع المغربي على توفير الإمكانيات والآليات القانونية والمؤسساتية لمحاربة الفساد المالي وذلك على سبيل المثال من خلال المحاكم المالية بالمغرب اختصاصات قضائية وأخرى غير قضائية تعتبر كفيلة بمكافحة الفساد المالي؛ وذلك بالنظر لاستقلاليتها التي من شأنها ضمان نزاهتها وشفافيتها وفعالية عملها القضائي باعتبارها قضاء متخصص في مجال مكافحة الفساد يستجيب لمتطلبات التخليق الشامل والقادرة على التجاوب مع المتغيرات المتعلقة بتنوع جرائم الفساد المرتبط بتطور الأنشطة التجارية والاقتصادية للأجهزة الخاضعة لرقابتها؛ وذلك على اعتبار أن المحاكم المالية هي الضامن الأمثل لإعطاء مفعول عقابي لجرائم الأموال؛ والمؤهل لتطويق مختلف الجرائم المالية المستجدة والساهرة على سيادة القاعدة القانونية التي يحاسب في ظلها جميع من تمتد يده للمال العام دون وجه حق.

كما تعززت أهمية المحاكم المالية في مكافحة الفساد والحفاظ على المال العام من خلال التكريس الدستوري لسنة 2011 لدورها وتخويلها سلطة الرقابة ليس فقط على التدبير المالي والإداري للخاضعين لرقابتها بل أيضا للذمم المالية لبعض أصناف الموظفين والمنتخبين المحليين والوطنيين لأعضاء البرلمان، لضمان حماية المال العام من أيدي المتلاعبين به مع ما يقترن بذلك من عقاب وجزاء.

المطلب الثاني: المحاكم المالية بالمغرب دورها وموقعها ضمن المنظومة العالمية لمحاربة الفساد المالي

تعد الإرادة السياسة الدعامة الأساسية لتفعيل الرقابة على المال العام، وفي هذا السياق يمكن أن نسوق عدة مؤشرات تدل على توفر بلادنا هنا والآن على إرادة سياسية كبرى للنهوض بقطاع الرقابة المالية، هناك من جهة حرص جلالة المغفور له الحسن الثاني بالإرتقاء بالمجلس الأعلى للحسابات إلى هيئات دستورية ثم من جهة ثانية، يمكن ذكر الكلمة التوجيهية التي ألقاها حينئذ صاحب السمو الملكي الأمير سيدي محمد التي قدمها في افتتاح أشغال الندوة الدولية التي نظمها المجلس الأعلى للحسابات بتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يومي 14 و15 شتنبر 1998 بالرباط حول موضوع “دور الأجهزة العليا لرقابة على الأموال العمومية في مسلسل تدبير الشأن العام” حيث أوضح سموه: “أن اهتمام المسؤولين المغاربة يجب أن ينصب على البحث في الوسائل التي تمكن المجلس الأعلى للحسابات من القيام بمهامه، ليكون في مستوى تطلعات السلطات العمومية والرأي العام، ويرقى بذلك إلى مستوى ما تؤمله الإرادة الملكية السامية” فالمجلس الأعلى للحسابات مدعو إلى تغييرات عميقة سواء بالنسبة لإعادة هيكلته، أو بالنسبة لجهوية الرقابة العليا أو بالنسبة لاختصاصه الجديد، المتمثل في بذل المساعدة للبرلمان والحكومة، كما أنه مدعو أيضا إلى إعادة صياغة نصوص وتجديد مساطره”([14]).

أما المؤشر الثالث فيكمن في الدعوة التي وجهها الوزير الأول السابق عبد الرحمن اليوسفي في الجلسة الختامية للمناظرة الدولية حول المجلس الأعلى للحسابات إلى كل الفعاليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية من أجل مساعدة هذا المجلس في القيام بالمهام المنوطة به ويقوم بدوره الفعال في مجال تحديث الإدارة وترشيد النفقات كما هو الشأن بالنسبة للأجهزة العليا للرقابة في الدول المتقدمة”([15]).

وكان تزامن انعقاد هذه المناظرة مع فتح عدة أوراش تنموية، لاسيما وأن التصريح الحكومي الذي قدمه الوزير الأول يوم 17 أبريل 1998 يرتكز على ميثاق حسن التدبير والتزام كل أعضاء الحكومة بتجسيد إرادة التغيير في كل مكونات المجتمع المغربي مع تحديد المسؤوليات، حيث يدعو هذا الميثاق إلى محاربة كل أشكال الانحراف واستغلال النفوذ والتسيب وإلى تدبير الأموال العامة وفق مبادئ الدقة والشفافية والتواصل القائم على الإنصات للمواطن وترشيد المقاولة والعمل على تقديم أفضل الخدمات المطلوبة.

وقد كان لانخراط المحاكم المالية بالمغرب في الإنضواء تحت لواء الأجهزة الدولية للرقابة على المال العام ،دور أساسي للشبع بقيم ومفاهيم هذه الأجهزة الرقابية العالمية وتطبيق مبادئها على أرض الواقع لما لذلك من انعكاسات جيدة للرقابة على المال العام وحمايته لتجسيد ما أصبح يعرف بالتدبير العمومي الحديث. وهذا ما كرس للمحاكم المالية موقعها ضمن منظومة الرقابة العليا العالمية على المال العام، وذلك من خلال نهجها لإستراتيجية هامة لتكريس الشفافية ومحاربة الفساد تتجلى أساسا في محاربة ظاهرة الفساد المالي في عمقها وفي كافة جوانبها سواء الإدارية أو المالية؛ حيث اقتضى ذلك إستراتيجية تقوم على الشمولية والتكامل لمكافحة هذه الظاهرة، وذلك على اعتبار أن محاربتها تتطلب استخدام منهجية شاملة ومتواصلة ومتنوعة؛ سياسة وقانونية ومدنية؛ ولقد نص الدستور الجديد لسنة 2011 في الباب الثاني عشر المتعلق بالحكامة الجيدة على أن المرافق العمومية تخضع لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية([16]).

الفرع الأول: للعناصر الأساسية للمحاكم المالية لحل معضلة الفساد

الفقرة الأولى: المحاسبة

تعد المحاسبة عملا يأتي بعد المراقبة ومكملة لها، إنها عبارة عن “…مسلسل لوضع الإنجازات رهن إشارة من يملكون القدرة على تقويمها والحكم على مدى صحتها ودقتها”([17]). أو بتعبير أدق هي خضوع المسؤولين أو الموظفين الذين يتولون مناصب عامة داخل الدولة للمحاسبة القانونية والإدارية والأخلاقية عن نتائج أعمالهم، أي يكون الموظفين تحت رقابة من يملكون القدرة على تقويم إنجازاتهم.

وبالتالي إذا كانت المحاسبة مستمرة وتتم وفق إجراءات قانونية وقواعد الاستقلالية فإن ذلك سيحد من ظاهرة الفساد لأن غياب المحاسبة يؤدي إلى الفساد، وقد صدق المثال الشعبي: “المال السايب يعلم السرقة”.

الفقرة الثانية: المساءلة

وهي واجب المسؤولين عن الوظائف الخاضعين رقابة المحاكم المالية عن وضع نجاحهم في تنفيذها، وحق الرأي العام في الحصول على المعلومات اللازمة عن أعمال الإدارات حتى يتم التأكد من أن عمل هؤلاء يتفق مع القيم الديمقراطية والقواعد القانونية ونلمس ذلك خاصة في التقارير السنوية للمجلس.

وتتأسس المساءلة بصفة عامة على ثلاثة أركان أساسية ([18]).

1-المساءلة السياسية: ضمان آليات المشاركة والمراقبة والمعاقبة الشعبية بواسطة الانتخابات وحرية التعبير والاحتجاج؛

2-المساءلة المالية: وتعني واجب تقديم الحساب عن الاستعمال الحالي والمتوقع للموارد المالية، وتحمل المسؤولية عن الفشل الأخطاء؛

3-المساءلة الإدارية: ضمان آليات الرقابة الداخلية من أجل تأمين حسن استعمال الموارد وسلامة تطبيق الإجراءات وتقديم أفضل خدمات للمواطنين ووضع نظام فعال للثواب والعقاب ملائمة.

إن خلق ثقافة رقابية لا يتحقق دون نشر وعي ثقافي يحترم مبدأ المساءلة وقد كتب نورمانتون “لا يمكن أن تكون هناك مساءلة في غياب الرقابة المالية، كما لا يمكن تحقيق الرقابة في غياب المساءلة، وإذا لم تكن هناك رقابة، فأين سوف يكون موضع السلطة”([19]).

الفقرة الثالثة: الشفافية

تعد الشفافية المسألة المحورية التي تعتمد المحاكم المالية على التأكد من وجودها أثناء عملية مراقبة الأجهزة الخاضعة لرقابتها وذلك نظرا لكون في غيابها يتعذر على الحكومة والدولة تحقيق أي تقدم([20]).

وسوف لن نطيل في دور المحاكم المالية في تعزيز الشفافية بالنظر لتحليل وتفعيل ذلك فيما سبق لتجنب الإطلال والإطناب والتكرار.

الفقرة الرابعة: النزاهة

ويدخل هذا المفهوم ضمن منظومة القيم المتعلقة بالصدق والأمانة والإخلاص والمهنية في العمل ومن ثم فهو يتصل بقيم أخلاقية التي تعمل المحاكم المالية على التأكد من ودودها أثناء عملياتها الرقابية وذلك على اعتبار أن وجود الوازع الأخلاقي يعتبر محدد أساسي في حماية المال العام وذلك بوجود ضمير يرفض التلاعب بالمال العام، هذا إلى جانب الكفاءة والإجراءات العملية.

 

الفرع الثاني : موقع المحاكم المالية ضمن المنظومة العالمية للشفافية ومكافحة الفساد

لقد اتضح جليا أن المحاكم المالية أصبحت وبموجب الاختصاصات الممنوحة لها بموجب القانون رقم 99.62 المنظم لها تلعب دور أساسيا ومحوريا في عملية حماية المال العام وتحصينه وقد عززت ذلك من خلال بناء علاقة مؤسساتية وأخرى غيره مؤسساتية مع مجموعة من الأجهزة المتدخلة في حماية المال العام؛ لتحقيق أهداف الرقابة المالية الحديثة المندمجة التي تقوم على التآزر والتكامل بين مختلف الفاعلين المعنيين بعملية الرقابة على المال العام.

كل ذلك بهدف ضبط النشاط المالي الوطني والمدلي عبر التحقق من عملية الرقابة على المال العام قد تمت في إطار احترام الشرعية (بالنسبة للمحاسبين العموميين) أو التأكد من أن النتائج التي تمت صياغتها أثناء برمجة وإعداد المشاريع التنموية وهو ما ينعت برقابة الفعالية بالنسبة للآمرين بالصرف، كما تسعى هذه الرقابة إلى تحقيق الشفافية في صرف المال العام ومحاربة الفساد المالي بهدف تحقيق أفضل النتائج في إطار ما يسمى برقابة الكفاءة التي تقوم أساس على إنجاز المشاريع التنموية بموارد مالية كافية ومهمة دون الإسراف والتقتير في هذه الموارد التي تعتبر الركيزة الأولى للنهوض بالتنمية في شقيها الوطني. لقد نهجت المحاكم المالية بالمغرب أسلوب الاعتماد على مناهج تدبيرية حديثة في إطار رقابتها على المال العام مما كان له انعكاسات جد هامة على الرقابة المالية برمتها وذلك بهدف الوصول إلى أهداف التدبير العمومي الحديث، وقد كان لانفتاح المحاكم المالية على الأجهزة الدولية للرقابة المالية والمحاسبة دور هام في تطوير أدائها قصد القيام بالمهام الإستراتيجية المنوطة بها لمساعدة الأجهزة الخاضعة لرقابتها على تحقيق التنمية الشاملة؛ إذ أن تحديث العمل الرقابي للمحاكم المالية وفق متطلبات الرقابة القضائية الحديثة التي تعتبر إحدى مكونات التدبير العمومي الحديث، ساهم ولاشك في إرساء قواعد هذا المبدأ ونشر ثقافته وتقريب المفاهيم وتوحيد المعايير والمؤشرات والمناهج وإشاعة قواعد الشفافية والمساءلة ونقل المناهج الحديثة في الرقابة لإرساء قواعد رقابة مالية متطورة بما يكفل رقابة جديدة تنجز بطريقة اقتصادية تعتمد على تقويم منطقي للأجهزة الخاضعة لرقابتها وفق رؤية واضحة للأولويات تضمن جودة عملية المراجعة بما يتفق ومعايير الرقابة العالمية.

كما أن للعلاقات المؤسساتية والغير المؤسساتية للمحاكم المالية بباقي المتدخلين في عملية الرقابة على المال العام دور أساسي ومحوري في محاربة الفساد المالي وتحقيق الشفافية في العمليات المالية للخاضعين لرقابتها من خلال مساعدتهم ليس فقط من خلال عملية الرقابة القضائية الصرفة بل أيضا من خلال الاقتراحات والتوصيات الموجهة للأجهزة المعنية على الأساليب الواجب اتباعها لتحقيق التنمية القائمة على الاستخدام الأمثل للموارد المالية المتاحة ضمن تخطيط سليم من ناحية؛ ومن حسن استخدام الموارد المالية المتاحة وتطوير السياسات المالية وفعاليتها الموارد من جهة أخرى وهي أهداف تسعى المحاكم المالية لتحقيقها بهدف تطوير الرقابة المالية عنها من جزاء وعقاب عند المخالفة إلى رقابة حديثة تستلهم قيم التدبير العمومي القائمة على المصاحبة والتقويم والمواكبة وهي أهم أهداف الرقابة القضائية الحديثة لمكافحة الفساد وتحقيق الإصلاح الإداري والمالي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

([1])-هشام الحسكة، المجالس الجهوية للحسابات وإشكالية إرساء شفافية تدبير الأموال العمومية المحلية، دراسة نظرية تطبيقية مقارنة، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون العام المعمق، كلية الحقوق طنجة، السنة الجامعية 200-2008، ص40

([2])-فضلا عن بعض الإضافات، اعتمدنا في إعداد الإطار القانوني والمؤسساتي على مقتطفات من الدراسة القيمة للأستاذ عبد اللطيف النكادي بنية مقاومة الفساد في المغرب، منشورات جمعية الشفافية المغربية 2007، وعلى جانب من البحث الجماعي القيم الذي أشرف عليه الأستاذ محمد مالكي لفائدة المنظمة العربية لمكافحة الفساد، تحت عنوان، تحسن أداء أجهزة الرقابة، حالة المغرب، وقد شارك كاتب هذه السطور في ورشة مناقشتها والمصادقة عليا، مراكش، مارس/آذار 2009.

([3])-عبد اللطيف النكادي، البني القانونية والمؤسسات لمكافحة الفساد بالمغرب، منشورات جمعية الشفافية المغربية، 2007؟، ص4

([4])-مرسوم رقم 100.94.2 الصادر في 16 يونيو 1994 في شأن التنظيم الأساسي الخاص بالمفتشين العامين للإدارة الترابية.

([5])– حركات محمد، كيف تستطيع الحكامة المالية إبطال مفعول الفساد، المجلة المغربية للتدقيق والتنمية، عدد 6، 2005، ص19.

([6])– حركات محمد، مظاهر الفساد وتداعياته، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 11 يونيو 2000، ص14.

([7])– محمد رشيد مصدق، تفعيل ميثاق حسن التدبير، مجلة طنجيس للقانون والاقتصاد، عدد 1، 2001، ص203.

([8])-بلقاضي ميلود، تخليق الحياة العامة بين المرجعية القانوني والإدارة السياسية، جريدة الأحداث المغربية عدد 6978، بتاريخ 20 فبراير 2007.

([9])– الزويدة نبيل، إصلاح الميزانية ورهان تحديث التدبير العمومي، رسالة لنيل الماستر في القانون العام، كلية الحقوق أكدال الرباط، 2009/2010، ص206.

([10])– إدريس ولد القابلة، الفساد والشفافية، مجلة الحوار المتمدن الإلكتروني، عدد 570 بتاريخ 21/08/2003.

([11])-يوسف أخراز، دور المحاكم المالية في تأصيل الشفافية، رسالة لنيل الماستر في القانون العام، جامعة محمد الخامس، كلية الحقوق-السويسي، الرباط، 2008-2009، ص110.

([12])-عبد السلام أبو درار، محاضرة حول الهيئة المركزية للوقاية من الرشوة ومكافحة الفساد، المنعقدة بالخزانة العلمية صبيحة الأربعاء 22 دجنبر 2010، ص4.

([13])-سعيد يوسف كلاب، فيصل عبد العزيز عثمان، سامر محمود أبو قراع، دور التقنيات الحديثة في مجال الكشف عن الغش والفساد، ورقة بدئية مقدمة للقاء العالمي التي تنظمه ارابوساي في مقر الجهاز المركزي للمحسابات بمصر في الفترة الممتدة من 7 إلى 10 ماي 2006، ص6.

([14])– محمد حركات، تأملات حول إعادة هيكلة المجلس الأعلى للحسابات منشورات المجلة المغربية للتدقيق، سلسلة التدبير الاستراتيجي، عدد 1-1999، ص10.

([15])-عبد الرحمن اليوسفي في الجلسة الختامية لأشغال المناظرة الدولية حول المجلس الأعلى للحسابات، 1998.

([16])– الفصل 154 من الظهير الشريف رقم 1.11.82 بمثابة دستور للملكة المغربية؛ الجريدة الرسمية، عدد 5952.

)[17] – (Mourice Mc tigue, accountability in resulte oriented word, congrés 2003 de la société eandienne d’évaluation, in SCE site web,

نقلا عن محمد براو، الشفافية والمساءلة والرقابة العليا على المال العام في سياق الحكامة الرشيدة المقومات-الفاعلون-التفاعلات، دراسة مقارنة مركزة، مطبعة دار القلم، طبعة أولى، ص20.

 

([18])-محمد براو، الشفافية والمساءلة والرقابة العليا على المال العام في السياق الحكامة الرشيدة-المقومات، الفاعلون-التفاعلات-دراسة مقارنة، مطبعة دار القلم، طبعة أولى، ص20.

([19])– محمد حركات، التدبير الاستراتيجي والمنافسة ورهانات الجودة الكلية بالمقاولات المغربية، مطبعة فضالة، المحمدية، سنة 1997، ص98.

([20])-إدريس ولد القابلة مقال الفساد والشفافية الحوار المتمدن العدد 570 بالموقع الالكتروني، http/www.ahewar.org

Exit mobile version