Site icon مجلة المنارة

النظام الدولي بين المصالح والمخاوف

  النظام الدولي بين المصالح والمخاوف

Article: The International Order Between Interests and Fears

علي الريسوني RAISSOUNI Ali     دكتور في الحقوق القانون العام، تخصص العلاقات الدولية؛ جامعة عبد المالك السعدي بتطوان كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة Soufiane.rais@gmail.com    نجوى الشاعر           CHAER Najoua دكتور في الحقوق القانون العام، تخصص العلاقات الدولية؛ جامعة عبد المالك السعدي بتطوان      كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة     najoua83@live.fr  

       مقدمة

  إن التفكير في نسق أو نظام علاقات أو في قواعد تحكم المجموعة ومن حولها، وكذلك في المحيط الأوسع الذي توجد فيه، من أجل محاولة تنظيم الأوضاع الاجتماعية – المعيشية، هو أمر موغل في القدم من تاريخ البشرية، والبحث في ذلك جعل العديد من المفكرين يوجهون أفكارهم صوب الوجهة التي تخدم الجماعة البشرية عبر تنظيمها في أطر اجتماعية كانت أم سياسية، وفقا للإيديولوجيا والمعتقدات التي يرتكز إليها كل منهم.

  وبناء عليه فالفكر السياسي في القرون الماضية يظهر الملامح العامة التي نظر إليها بعض المفكرين لرؤيتهم للنظام العالمي الأمثل والسبل الآيلة إلى سعادة البشر ورفاه حياتهم وعلاقاتهم، والذي يجمع بين كل الأفكار المتضاربة؛ هو كونها سعت جاهدة إلى إظهار نفسها البديل الملائم والصحيح للحياة الكريمة والازدهار الذي يحلم به البشر. لذا على امتداد خط التاريخ قامت الحضارات الإنسانية المتعاقبة بتقديم نموذجها الخاص لهذا النظام، كل منها على حدة. كل واحدة من هذه الحضارات كانت ترى في نفسها مركز العالم، وتعتقد أن نموذج النظام الذي تقدّمه هو الأنسب ليُتّخذ منهجا عالميا تشترك فيه دول الأرض كافة. فالصين على سبيل المثال تجد أن التسلسل الهرمي العالمي للثقافات يبدأ من رأس هرم الإمبراطورية الصينية حين كان الإمبراطور في ذروة مجده وسلطته. أما في أوروبا، وفي قلبها البشري روما، فإن الشعوب الأوروبية باشرت بعد سقوط روما تقديم نموذج الدولة المستقلة وذات السيادة، وأرادت تصدير هذا النموذج إلى كل أنحاء العالم. ولم تحِدْ الولايات المتحدة الأميركية عن هذه المعادلة، حسب كيسنجر، فأميركا التي ولدت وتأسست على قناعات ومبادئ الفكر والممارسة الديمقراطية، وأن هذه المبادئ التي تحمل صبغة عالمية تجب ممارستها كمنهج وحيد ناجع في العالم.

   ومما لاشك فيه، فإن النظام العالمي أو “الدولي” الجديد، يعد شكلا من أشكال تنظيم العلاقات الدولية ويقوم على فكرة سيطرة قطب على حلبة السياسة الدولية، وهي فكرة ليست بجديدة في إطار العلاقات الدولية، حيث يمكن إرجاعها إلى عهود قديمة؛ ابتداء بالعهد الروماني ومرورا بالحقب الزمنية، والسلم الوستفالي وحتى نظام الأمن الأوربي بعد عام 1815 ، والأمن الجماعي الذي تمخض عن الحرب العالمية الأولى، وكذلك ما طرحته الأمم المتحدة، فالنظام الدولي مر بعملية تحول من صورة إلى أخرى، أو من شكل إلى آخر تبعا لطبيعة علاقات القوة والنفوذ، إذ يؤكد هينري كيسينجر أن هناك ثلاثة متغيرات أساسية تؤثر في عملية تحول النظام الدولي، يجملها في قوله:

فماذا نقصد بمصطلح النظام العالمي؟ وهل يمكن الحديث عن نظام عالمي جديد؟(المطلب الأول)، وما هي طبيعة النظام العالمي الجديد وخصائصه؟(المطلب الثاني)

المطلب الأول: مفهوم وبوادر تشكل النظام العالمي الجديد

لاشك في أن مفهوم النظام العالمي الجديد، اعتبر من أكثر المفاهيم التي لاقت ذيوعا وانتشارا في الأوساط السياسية والإعلامية والأكاديمية، العربية والأجنبية، أثناء أزمة الخليج الثانية وفي أعقابها، لذلك ارتأينا أن نتعرف على إشكالية مصطلح النظام الدولي العالمي الجديد (الفرع الأول) ثم مقومات هذا النظام ومدى القبول بجديته (الفرع الثاني).

   الفرع الأول: إشكالية مصطلح النظام العالمي الجديد

   إن العديد من الكتابات السابقة والدقيقة ابتداء من عهد أرسطو تظهر نظرتهم الشمولية للعالم على اعتبار أنه كل لا يتجزأ، وإن لم يشيروا إلى النظام كمصطلح، لذلك كانوا يحللون الأمور المركبة تحليلا كليا، وكل تجزيء لها قد يفقدها الكثير من الخصائص التي تتمتع بها.

  إلا أنه في عصر النهضة أسسوا لنظرية معاكسة وخاصة مع غاليليو وظل الأمر على ذلك إلى القرن التاسع عشر؛ غير أن عجز هذه النظرية عن تفسير بعض المسائل التي لا يمكن تجزئتها كالقضايا الحيوية والبيولوجية أسهم في العودة إلى النظرية الشمولية التي أخذت في الانتشار بين مختلف العلوم الطبيعية والإنسانية كعلم الطبيعة وعلم النفس والاجتماع والسياسة وغيرها من العلوم[2].

  وبعد الحرب العالمية الأولى والثانية وخاصة في سنة 1949م توصل عالم الأحياء الألماني بيرتالنفي [3] “BERTALANFFY Ludwing Von ” إلى ما أسماه النظرية العامة للأنساق [4] التي ارتكزت على مجموعة من الفرضيات والقوانين العلمية القابلة للتطبيق على بعض العلوم. كما امتد استعمال النظام كمصطلح إلى الجوانب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، لذا نجد من أشهر من ساهم في مجال العلوم السياسية كل من ديفيد إيستون و كابرييل ألموند(Daivid EASTON و Gabriel ALMOND)كما استخدم مفهوم النسق System والنظام Order في تحليل العلاقات وتوقع ما يمكن أن تكون عليه في المستقبل.

  لذلك يمكن القول إن النسق / النظام هو تصور ذهني يستند إليه الباحث في توجيه بحثه من خلال إطار أو شكل مرجعي يستند إليه الباحث للتدليل على ظاهرة معينة بافتراض أن هناك ثمة تفاعلا بين مجموعة من العناصر، وأن هذا التفاعل بين الأجزاء يشكل كلا يبدو على انتظام معين يصل إلى حد النظام ويستمر لوقت ما بحسب ديمومة انتظام هذه التفاعلات. إلا أن هناك تصورا آخر يؤيده “ديفيد إيستون” حيث يرى أن النسق ليس أكثر من مجرد أداة ذهنية فكرية يستند إليها الباحث للتحليل وله مطلق الحرية باستخدامه بصرف النظر عن وجود أو عدم وجود واقع فعلي له يدلل عليه[5].

   أما فيما يتعلق  بمفهوم النظام  الدولي أو ما يعرف بنمطية [6] النظام الدولي فلتعريف عبارة “النظام الدولي” يقتضي الأمر النظر في البداية في دلالات مفهوم “النظام”[7] بحيث تشير من حيث مدلولها اللغوي العام إلى عدة معان من أهمها ما يلي:

وبعبارة أخرى يمكن القول بأن النظام هو “حالة” أو “وضع” يتسم بالتوافق، أو بالترتيب النظامي، بعامل وجود سلطة مستقرة ، وبعامل الالتزام ومراعاة القانون، ومن ثم تسير الأمور سيرا هادئا غير مضطرب وبصورة متعارف عليها، أو وفقا لإجراءات وأعراف مستقرة، أي وفقا لسلوك نمطي موصوف .[9]

أما فيما يتعلق بالمدلول الاصطلاحي لمفهوم “النظام” في الدراسات الاجتماعية بصفة عامة، وفي الدراسات السياسية بوجه خاص فمفهوم “النظام” يشير إلى المدلولين اللغويين السابقين، حيث تستخدم عبارة (Political Order) للإشارة إلى “حالة” الضبط السياسي، وتعني تحقيق حالة من الهدوء والانضباط داخل المجتمع، أو ما يسمى بالسلام الاجتماعي، وكذا تحقيق أمن المجتمع في مواجهة أية تهديدات قد تأتيه من خارج حدوده.

   ونجد أن هناك عدة تعريفات للنظام الدولي[10] تركز مجموعها على علاقات الدول فيما بينها ومن أهمها ما يلي:”النسق الدولي هو جمع من الدول التي تتفاعل مع بعضها ومع بقية الوحدات أو اللاعبين الفاعلين في النسق” أو “النسق الدولي هو مجموعة من الوحدات السياسية المتدرجة لجهة القوة والمتفاعلة في علاقاتها على نحو يهيئ لاتزان قواها ولانتظام علاقاتها بعيدا عن الفوضى الدولية من جهة وبما يحول دون هيمنة أي من هذه الدول على ما عداها مكونة إمبراطورية عالمية من جهة أخرى”[11].

وللنسق الدولي عناصر يتكون منها تمثل الوحدات السياسية أي الدول التي يجب أن تتوافر على عدة خصائص [12] لكي تكون فاعلة في النسق الدولي.

 إلا أنه هناك مؤيد ومعارض في العلاقات الدولية بين الاقتصار على الدول فقط أو ضم عناصر أخرى[13] في النسق الدولي.

     أما قوة الأعضاء في النظام الدولي فهي تختلف بحسب قوة كل عضو وحجمه وإمكاناته وتأثيره في النسق، بحيث نجد دولا تؤثر في تسيير النسق الدولي كالولايات المتحدة الأمريكية في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين، بينما نجد دولا وإن كانت قوية إلا أنها غير قادرة على ممارسة التأثير في النظام كفرنسا واليابان مثلا، وهناك دولا متذبذبة بين علاقات الأقطاب الأخرى، بينما نجد دولا أخرى ضعيفة في انتظار تقرير مصيرها ووضعها في النظام الدولي وفقا لتوازن القوى بين الأقطاب كالدول العربية.

  ويعتبر التفاعل الخاصية الجوهرية لدراسة الأنظمة والأنساق سواء كانت إقليمية أو دولية ولذلك فالعلاقات بين الدول لا تخضع لأية مبادئ عامة وإنما تشكل من خلال المصالح والقدرات الوطنية لمختلف أعضاء النسق[14] .

كما يمكن أن تطلق صفة الدولي في علم القانون على فرع من فروع علم القانون يحكم العلاقات في المجتمع الدولي، ويستند مصطلح الدولي على فكرتين جوهريتين:

   الأولى: نسبة إلى الدولة وهي الشخص الفاعل الرئيس في العلاقات الدولية.

  الثانية: نسبة إلى طبيعة التنظيم الدولي الذي يستند في أساسه إلى الدولة، فمنظمة الأمم المتحدة وفروعها لا تضم إلا دولا، ومحكمة العدل الدولية لا يمثل فيها إلا قضاة مرشحون عن دول، والمعاهدات والاتفاقيات الدولية في مجالات متعددة مصدر إنشائها وتدويلها هي الدول (حقوق الإنسان، الطيران الدولي، التجارة الدولية..).

  وهناك من يرى أنه من الأجدى لقبول هذا المصطلح إطلاق صفة “العالمي”على هذا النظام ليكون أكثر دلالة على الواقع وأكثر توجها نحو ديمقراطية القواعد والمؤسسات … فهو على الأقل سيكون توجها نحو عالمية صناعة القرار والحدث على مستوى العلاقات الدولية[15].

   ولعل  الهدف من تأكيد صفة الدولي هو إبراز دور “الدولة ” الأكثر قوة وهيمنة في العالم في مواجهة الدول الحليفة والدول الصديقة ومحاولة للحد من تنامي دور الفرد في المجتمع الدولي، وقد يفضي ذلك إلى تأكيد وتكريس قيم قانونية وسياسية تؤدي في النهاية إلى إحداث خلخلة في أنماط التفكير السياسي في علم العلاقات الدولية وبصورة مدارس منهجية تقر بأحادية التفكير، ونظرية المركز والأطراف، وظهور قانون دولي أقل ديمقراطية وأقل إنسانية وأقل عدالة، ويبقى من الأهمية بمكان الإشارة إلى تفسير “الدولي” على أنه تأكيد دور الدولة، ينطوي على مفارقات عدة من بينها مايلي:

    ويرى الدكتور بهجت قرني أن سمة التفاعلات الدولية خلال الأعوام الماضية ابتداء من عام 1965 هي التغير والتحول من نظام دولي (أي تفاعلات بين الدول ومؤسساتها الرسمية والتمثيلية) إلى نظام عالمي “أي كثافة التفاعلات بين الشعوب والأفراد”، بحيث إننا فعلا في طور ظهور مجتمع مدني عالمي.

   الفرع الثاني  :مقومات النظام العالمي ومدى القبول بجديته

  قد لا يوجد اتفاق على تعريف واحد بين جمهور الباحثين لاصطلاح النظام الدولي[17]، فكل واحد ينظر إلى هذا الاصطلاح من منظور مختلف وزاوية خاصة، وفي ضوء ظروف وأوضاع معينة، بل وحتى انطلاقا من اعتبارات وحسابات خاصة، ولذا يفسر تعدد أوصاف هذا النظام، فحين يصفه البعض بأنه نظام محايد، يصفه البعض الآخر بأنه نظام غير محايد ومنحاز إلى طائفة من الدول في المجتمع الدولي على حساب الطوائف الأخرى، كما يصفه آخرون بكونه يقوم أساسا على مبدأ المعيار المزدوج[18].

   كما نجد من الباحثين من سمى تشكيل النظام العالمي بأم المشكلات، باعتبار الحديث عنه ليس وليد الساعة وإنما هو مسألة قديمة متجددة[19]، فقد أثير بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية وفي بداية السبعينيات، وبعد حرب الخليج.. كما يلاحظ تضارب وجهات النظر حول ما يسمى بالنظام العالمي الجديد، بحيث توجد أطروحتين متناقضتين هما أطروحة اللانظام وأطروحة النظام، أنصار الأطروحة الأولى ينكرون[20] وجود نظام عالمي جديد ويذهبون إلى أن ما يشهده العالم من تحولات لا يستحق أن يطلق عليه اسم النظام العالمي الجديد، فالعالم في نظرهم خرج من حالة النظام إلى حالة اللانظام. أما المؤيدون لأطروحة النظام فهم ينقسمون إلى مجموعتين: مجموعة رافضة للنظام العالمي الجديد ومجموعة مؤيدة؛ مجموعة الرافضين[21] يرون في النظام العالمي الجديد مرحلة من الهيمنة الأمريكية والغربية، لأن مصلحتهم كانت في انهيار الكتلة الشرقية داخل إطار “نظام ما” حتى لا يترتب على هذا الانهيار مضاعفات يتحمل الغرب عواقبها، بعبارة أدق أن يجري الإحكام إلى “نظام” يتم بمقتضاه احتواء دول الكتلة الشرقية داخل إطار ” ضوابط تحول دون انتشار عدوى الفوضى المصاحبة لانهيارها إلى الغرب[22].

   وبهذا المعنى فإن النظام العالمي الجديد ليس بنظام ولا هو بمبادئ لها الدوام، وإنما هو شيء عارض، ومرحلي، ويتعلق بموازين قوى دولية معينة وبظروف وملابسات تاريخية معينة، وما هو إلا مبررا لإنجاز مهمة سياسية معينة، في ظرف تاريخي معين، وليس هذا المعنى هو الذي يطلق عادة على كلمة “النظام” المفترض فيه شيء ثابت مستمر، له ضوابطه وأسسه ومؤسساته الراسخة..أما الحديث عن نظام بمعنى أن يكون أداة لاحتواء “انهيار النظام”، فليس هذا قط ب”نظام”، بل نقيض فكرة “النظام” أصلا ويصبح شيئا يمت إلى “التكتيك” بدلا من أن يكون تعبيرا عن بناء له بعد استراتيجي، بهذا المعنى فإن النظام العالمي الجديد، رغم حقيقة أن هناك ضرورة موضوعية لإقامته، إنما أسفر عن مجرد ظاهرة “انتقالية”[23] من عالم كان ثنائي القطبية إلى عالم آخر.. وهذا العالم الآخر يوصف عادة بأنه متعدد الأقطاب. وهذا هو رأي الدول المتمردة أو المتشددة ورأي الحركات الثورية بما فيها الحركات الإسلامية. أما المجموعة المؤيدة للنظام العالمي أو الراضية به فهي أسيرة لما وقع في حرب الخليج الثانية وتزعم بأن العالم الجديد يقوم على حكم القانون الدولي ومبدأ الأمن الجماعي ومبدأ الشرعية الدولية ومكافحة الإرهاب ومعاقبة الخارجين على النظام والقانون…

     وبصرف النظر عن هذا التضارب في وجهات النظر بشأن النظام العالمي الجديد فالذي لاشك فيه أن الفترة التي تلت نهاية الحرب الباردة شهدت بروز ظاهرتين جديدتين: الظاهرة الأولى تتمثل في تبلور بيئة جديدة للقطبية على الصعيد العالمي تختلف بصورة جذرية عن البيئة التي عرفها نظام القطبية الثنائية.

والظاهرة الثانية تتمثل في الأخذ بمفاهيم جديدة تتناسب مع البيئة الدولية الناتجة عن اندثار القطبية الثنائية.

    وبناء عليه يمكن القول بأن اصطلاح النظام الدولي حسب شيوع استخدامه بين الباحثين والمحللين إنما يستخدم بالأساس للإشارة إلى مجموعة التفاعلات أو شبكة علاقات القوى سواء التعاونية منها أو الصراعية، التي تتم فيما بين أعضاء المجتمع الدولي على المستويين العالمي والإقليمي، والتي تجري وفقا لنسق أو منظومة معينة للقيم.

  بناء على ذلك يتضح أن أي نظام دولي إنما تتحدد عناصره المفهومية في مجموعة مقومات رئيسية يمكن إجمالها فيما يلي:

   بداية يلاحظ أن أي نظام دولي لا بد وأن يعرف حالة وجود قوة أو قوى معينة هي التي تمسك بزمام الأمور في نطاقه، وتكون لها الكلمة الفصل في توجيه مسار حركة الأحداث بين أطرافه، ويمكن إرجاع ذلك لكون النظام الدولي كمفهوم مجرد، إنما يقوم أساسا على مبدأ الصراع والمواجهة بين القوى الفاعلة فيه، وذلك على خلاف الحال في التنظيم الدولي الذي يفترض فيه أنه يقوم على مبدأ التعاون والتآزر.

ثانيا: الملاحظ أن أي نظام دولي لا بد أن تسود فيه طريقة أو طرق معينة لإدارة الأزمات أو العلاقات المتبادلة بين أطرافه وبما يحقق أو على الأقل لا يتعارض والمصالح الوطنية لفئة الدول المهيمنة من بين هذه الأطراف.

   ثالثا: أن كل نظام دولي يتسم في العادة بسمات وملامح خاصة تميزه بدرجة ملحوظة عن النظام الدولي السابق عليه[24]. لذلك يمكن القول، أحيانا، بأن كل نظام دولي يكاد يرتبط بواقعة أو وقائع معينة تشكل نقطة أو تاريخا فاصلا بين مرحلتين مختلفتين لتطور العلاقات الدولية. مثلا الواقعة أو الحدث المتمثل في اندلاع الحرب العالمية الأولى قد شكل أحد الخطوط الرئيسية الفاصلة بين النظام الدولي ذي الطابع الأوربي الغالب والذي سيطر على العلاقات الدولية منذ قيام الثورة الصناعية ونشوء الإمبراطوريات في أوربا وامتدادها إلى أقاليم ما وراء البحار، والنظام الدولي الذي ساد خلال فترة مابين الحربين العالميتين. كما أن نشوب الحرب العالمية الثانية قد مثل بدوره تاريخا حاسما يفصل بين فترة ما بين الحربين ومرحلة جديدة سواء في تفاعلاتها السياسية أو في قواعدها الضابطة.

وطبقا للرأي الراجح في أوساط الباحثين والمحللين في العلاقات الدولية، فإن المرحلة الجديدة لتطور النظام الدولي منذ أوائل عقد التسعينيات قد ارتبطت بحدثين كبيرين هما: انهيار الاتحاد السوفيتي، واندلاع حرب الخليج الثانية بعد احتلال العراق لدولة الكويت. ويرى هؤلاء الباحثون أن العديد من الأحداث التي وقعت على امتداد المسرح الدولي منذ أوائل العقد الأخير من القرن العشرين لم تكن لتحدث لو أن الاتحاد السوفيتي ظل قائما [25].

  رابعا: قد تكون قاعدة أنه بالنسبة إلى أي نظام دولي فهو يقوم أو يتشكل من مجموعة من النظم الدولية الفرعية أو التابعة والتي يمكن لكل منها أن يباشر تأثيرا متفاوتا على مجمل التفاعلات الواقعة على مستوى النظام الدولي العالمي أو الكوني، ولا شك أن ذلك يتحقق بصفة خاصة في حالة وجود أكثر من قطب واحد على قمة هذا النظام الدولي كما حدث في الفترة الممتدة من نهاية الحرب العالمية الثانية إلى الانهيار الرسمي للاتحاد السوفيتي في 21 دجنبر 1991م [26].

والسؤال الذي يطرح نفسه في ضوء التحولات الدولية التي أخذت تحدث بعمق منذ بداية عقد التسعينيات هو إلى أي مدى يصح لنا الحديث عن نظام دولي عالمي “جديد”؟.

  إن التحولات العميقة في العلاقات الدولية منذ بداية عقد التسعينيات قد خلقت شعورا عاما قويا لدى الكثير من الباحثين بأن النظام الدولي في مرحلة جديدة تختلف من حيث خصائصها وعلاماتها العامة عن تلك المراحل السابقة التي تطور خلالها هذا النظام طيلة الفترة الممتدة من عام 1945م وحتى منتصف الثمانينيات تقريبا[27]. ولعل هذا الشعور العام هو الذي يمكن أن يفسر لنا شيوع استخدام اصطلاح “النظام الدولي الجديد” أو النظام العالمي الجديد في العقود الأخيرة. وحسب رأي جانب كبير من الباحثين، فإن هذا الاصطلاح قد استخدم أول مرة على لسان الرئيس السوفيتي السابق ميخائيل جورباتشوف[28]، وذلك في إطار الحديث عن سياسته الخاصة بالتقارب مع الغرب ومع الولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص. وقد قصد جورباتشوف من وراء استخدامه لهذا الاصطلاح أنه النظام الذي أعقب الحرب الباردة وانتهاء خطر المواجهة بين الشرق والغرب، والذي يقوم على مبادئ حاكمة جديدة من ضمنها أمور عدة كنزع السلاح، وإحلال مبدأ توازن المصالح بدلا من توازن القوى انطلاقا من التسليم بعدم قدرة أي من المعسكرين الأمريكي والسوفيتي على فرض إرادته على الآخر، ونزع الصفة الإيديولوجية عن العلاقات الدولية ومع الحرص في الوقت ذاته على العمل من أجل تخطي الحواجز والصراعات تحقيقا لمصالح البشرية جميعا.

  وقد اعتمد الرئيس الأمريكي جورج بوش ـ الأب ـ على المصطلح نفسه في بداية أزمة الخليج الثانية في الثاني من غشت 1990م، بهدف حشد التأييد العالمي ضد العراق، واستخدمه فيما بعد مرارا، وخاصة بعد أن بدأ الدور السوفيتي في الضعف ثم الانهيار مع توالي عمليات تفكك الأطر الاتحادية التي كان يجمعها اسم اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية. وكأمثلة على ذلك ما أعلنه الرئيس الأمريكي “بوش” في خطابه أمام الكونجرس الأمريكي في 5 مارس 1991م من :”أن حرب الخليج كانت المحك الأول لنظام عالمي جديد”وبعد نجاح الولايات المتحدة في إدارة أزمة الخليج وتدمير القدرات الحربية العراقية وتحرير الكويت وإعادة حكومتها الشرعية، عاد الرئيس الأمريكي”بوش”ليعلن بوضوح، في خطاب له بالكلية الحربية بقاعدة ماكسويل الجوية: “أن أركان النظام الدولي الجديد هي: تسوية المنازعات بالوسائل السلمية، والتضامن الدولي في مواجهة العدوان، والعمل من أجل تخفيض مخزونات الأسلحة وإخضاعها للسيطرة ومعاملة الشعوب معاملة عادلة…”[29].

   ومع ظهور هذا المصطلح، وتداوله – كواقع سياسي جديد فرضته المتغيرات والظروف الدولية المستجدة – تناثرت هنا وهناك، العديد من الأفكار والنظريات المختلفة، التي حاولت تحديد ماهية الطرق الجديدة التي قصدها بوش  للتعامل مع الأمم الأخرى.

   ففي الدول الغربية بالذات، أعطيت نظرية النظام العالمي الجديد أهمية كبرى،  وترجمات مختلفة:    الترجمة الأولى  كانت مثالية نوعا ما، حيث رأت أن الرئيس الأمريكي ربما قصد بكلامه، عن النظام العالمي الجديد، تكوين نظام حقيقي للأمن الجماعي تحت راية الأمم المتحدة ،[30] أو ربما تكوين نظام عالمي جديد يصبح قوة عظمى مشتركة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي [31]. أما الترجمة الأخرى وهي ترجمة واقعية، فقد اعتبرت أن الرئيس الأمريكي، بكلامه عن النظام العالمي الجديد، إنما يمهد فعليا لمرحلة دولية جديدة، ستكون الولايات المتحدة هي القوة الوحيدة المسيطرة فيها، والتي ستجبر الآخرين على تشكيل الأمن الجماعي، وفقا لمصالحها، أو أطماعها، وبدعم من حلفائها، وبمباركة الأمم المتحدة التي ستستخدمها كأداة طيعة، تضفي الشرعية الدولية على تصرفاتها اللاشرعية في العالم [32].

   وهذا بالفعل ما حدث بعد ذلك، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وانتهاء الحرب الباردة، وسياسة الأحلاف العسكرية، وعجز روسيا عن استعادة المكانة السابقة للاتحاد السوفييتي، حيث تهيأت الظروف تماما للولايات المتحدة كي تمارس سيطرتها وهيمنتها على العالم، باعتبارها، وفي ظل هذا النظام العالمي الجديد، القوة العظمى الوحيدة التي لا منازع لها. لهذه الأسباب وغيرها يرى أغلب الباحثين والمتخصصين أن النظام العالمي الجديد هو نظام أحادي القطبية بسبب تزايد نفوذ الولايات المتحدة وتأثيرها على مجريات الأحداث الدولية، ويتوقعون أنها ـ الولايات المتحدة ـ سوف تنفرد بالزعامة العالمية لسنوات أخرى قادمة[33].

  وبناء عليه، أصبح الحديث عن النظام العالمي “الجديد” يمثل أحد الموضوعات الأساسية في مختلف وسائل الإعلام في دول العالم المختلفة، كما أصبح هذا الموضوع مادة خصبة للبحث والدراسة من جانب المحللين الذين تباينت آراؤهم بشأن شكل هذا النظام وسماته الرئيسية والقوى الفاعلة فيه، وعما إذا كان سيظل نظاما أحادي القطبية، أم أن التطورات الدولية سوف تفرز شكلا معينا من أشكال توازن القوى بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا  واليابان…وبما يعيد إلى الأذهان نظام تعدد الأقطاب الذي كان سائدا خلال الفترة السابقة على الحرب العالمية الثانية[34].

المطلب الثاني: طبيعة النظام العالمي الجديد وخصائصه

النظام العالمي الجديد كمصطلح طرح عقب الحرب العالمية الثانية، ولبس ثوب التنظيم الدولي تحت راية الأمم المتحدة، ثم أخذ هذا المصطلح حظه من الشهرة والسماع مع الرئيس السوفييتي جورباتشوف في سعيه للتقرب من الغرب وإنهاء الحرب الباردة، وظهر أخيرا مع الرئيس الأمريكي بوش – الأب- في حربه على العراق، – كما سبق وأن ذكرنا ذلك – وإنه من الثابت أن المصطلح، رغم قدمه، لم يعد يحمل نفس المعنى، وإن ما يعنينا – كأصحاب مرحلة زمنية معينة – أن نستنكفه ونعرف المضمون الجديد لهذا المصطلح القديم، باعتبار أن المعاني السابقة قد سال فيها الكثير من المداد ونشرت لها العديد من الأبحاث، ويجب أن نعرف المضمون الجديد لهذا المصطلح، بالتناغم مع معطيات عصرنا الحالي، ونحن في  القرن الحادي والعشرين (الفرع الأول). كما أنه من المؤكد أن النظام العالمي الجديد له سمات أو خصائص تميزه عن النظام العالمي الذي كان سائدا في الحقبة الماضية مما جعل التغير يلقي بظلاله على هيكل التنظيم الدولي المعاصر والنظام القانوني السائد فيه، فالسمة الأساسية هي هيمنة hegemony الولايات المتحدة على النظام الدولي، وانفرادها بقيادة العالم والتصرف بصورة فردية بدلاً من القطبية الثنائية السابقة، كما أدت التحولات التي عرفها النظام الدولي إلى بروز قضايا  جديدة على الساحة الدولية كالصراعات الإثنية والإرهاب الدولي والجريمة المنظمة…(الفرع الثاني).

                   الفرع الأول : هو نظام الهيمنة الأمريكية وازدواج المعايير

   ” إن ما روج  له الرئيس الأمريكي الأسبق ” جورج بوش ” عشية الانتصار على الاتحاد السوفييتي من قول بأن العالم مقبل على نظام عالمي جديد مختلف عما كان عليه الوضع إبان الحرب الباردة لا يعدو كلاما أجوفا ظاهره الرحمة وباطنه العذاب، لا يعبر عن أي معنى قانوني دولي جديد”[35].

    ففي الوقت الذي كان فيه الاتحاد السوفييتي يزداد انحسارا وتفككا وانشغالا بهمومه الداخلية، كانت الولايات المتحدة الأمريكية تحقق أكبر قدر من الانتشار العالمي ومن النجاحات والانتصارات السياسية والعسكرية والثقافية، وتستغل التحولات الدولية لتزيد من حضورها وصعودها الدولي كدولة وحيدة تتمتع بكل مواصفات ومقومات الدولة العظمى [36]. هذا التفرد في الهيمنة الأحادية على العالم استمر لقرابة عقدين من الزمن، ويؤكد الكثير من المحللين، مثل بريجنسكي وجوزيف ناي، استمرارية هذه الهيمنة لعقود أخرى في المستقبل،  رغم المنافسة الاقتصادية الشرسة من الأقطاب الأخرى في العالم،  كاليابان والاتحاد الأوروبي .

   ويؤثر هذا الهيكل الأحادي في العالم، خاصة من الناحية العسكرية، حيث إن ميزانية الدفاع والتسليح في الولايات الأمريكية تفوق ميزانيات الدفاع في 14 دولة تليها مباشرة [37]. كما أن الناتج القومي الأمريكي يبلغ أكثر من تسعة أضعاف الناتج القومي في الصين، وعشرين ضعف الناتج في الهند، وثلاثة أضعاف تقريبا الناتج في اليابان، وأكثر من خمسة أضعاف الناتج في ألمانيا، وحوالي ستة أضعاف الناتج في بريطانيا العظمى[38] .

   كما أن مؤشرات الإبداع والاختراع والتنافسية التجارية تعطي المقام الأول للولايات المتحدة بلا منازع، وهي الحالة نفسها بالنسبة إلى غزو الفضاء، ففي العام 2003 مثلا أرسلت الولايات المتحدة الأمريكية 24 مركبة فضائية، بينما لم ترسل الصين غير 6، وفرنسا 4 ، والهند 2 ، وكذلك اليابان [39]، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية تساهم بحوالي ربع ميزانية الأمم المتحدة، وأكثر من خمس ميزانية صندوق النقد الدولي.

   رغم أن الكثير من المحللين يرون أن النظام الدولي الحالي مؤقت وانتقالي، إذ ستتولد داخله قوى توازنية تدفعه إلى التحول نحو بنيان جديد، إلا أنه في هذه المرحلة هو نظام أحادي القطبية، خاصة على الصعيدين السياسي والعسكري. ولقد لخص المحلل دومينيك مواسي ( Dominique Moisi ) هذه الحقيقة بقوله : ” إنه لا يمكن عمل أي شيء في العالم من دون الولايات المتحدة الأمريكية، وإن تكاثر العناصر الفاعلة الجديدة لا يعني أنه ليس هناك شيء تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية أن تحققه وحدها، ولكن الولايات المتحدة الأمريكية تتفهم تكلفة انفرادها بالمركز ” [40]. وتأكيدا لما سبق يقول الدكتور علي الدين هلال [41]: “إن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة الآن القادرة على العمل المنفرد، وهي الدولة الوحيدة التي لديها من القوة ما لا ترغب فيه …قد لا تستطيع الولايات المتحدة أن تنفذ ما تريده، ولكن لا يمكن للأطراف الأخرى أن  تنفذ أشياء لا تريدها الولايات المتحدة “. ويضيف أنه منذ انهيار الاتحاد السوفييتي مرت الولايات المتحدة بمرحلتين :

   المرحلة الأولى هي الزهو والخيلاء، والنصر الكبير فيما فعلته. وقد استمرت هذه المرحلة حتى بداية الغزو الأمريكي للعراق في العام 2003، وهو الغزو الذي عارضته فرنسا. ولقد أدركت أمريكا حدود قدرتها بعد احتلال العراق.

أما المرحلة الثانية، التي بدأت في السنوات الموالية، فقد تميزت برغبة أمريكية أكبر في العمل الجماعي، وفي التزام ألمانيا وفرنسا معها، ورغبة أكبر في العمل من خلال مجلس الأمن، وفي إعطاء ما تفعله شرعية دولية، وأنه قرار المجتمع الدولي.

  لقد تحولت الولايات المتحدة، بعد أحداث الحادي عشر من شتنبر 2001 ، التي تمثل فاصلا تاريخيا بين ما قبل وما بعد، كما يعبر عن ذلك كل من صموئيل هانتنغتون [42]، والدكتور محمد حسنين هيكل: إلى القوة الأوحد أو “القوة الانفرادية ” (The Lonely Super Power ) في القرن الحادي والعشرين بدلا من القوة الأكبر، التي استمرت عليها منذ انتهاء الحرب الباردة وطوال العقد الأخير من القرن العشرين.

   وقد انعكس تغير هيكل النظام الدولي لصالح الولايات المتحدة وهيمنتها الانفرادية على العلاقات الدولية من خلال عسكرة أزماتها، فضلا عن تجاهل وتهميش للأمم المتحدة[43].

   ويختلف اتجاه الولايات المتحدة إلى عسكرة العلاقات الدولية عما كان عليه منذ الحرب العالمية الثانية ( الأزمة الكورية 1950، كوبا 1961، التورط الأمريكي في فيتنام، حرب الخليج الثانية، الأزمة البوسنية، أزمة كوسوفو1999…الخ)[44]، سواء من حيث القوة العسكرية المستخدمة، أو من ناحية منظومات التسلح وتقدمها تقنيا. كما يأتي اتجاه عسكرة الأزمات الدولية في إطار جزء من مخطط استراتيجي مقصود من جانب الإدارة الأمريكية للهيمنة.

  أما على صعيد علاقة الولايات المتحدة بالمنظمة الدولية، فقد أدت الهيمنة المنفردة الأمريكية بشؤون العالم إلى تجاهل وتهميش للمنظمة الدولية والدعوة إلى الإصلاح وفقا للرؤية الأمريكية[45].وفي تفسير للامبالاة التي تبديها الولايات المتحدة لمنظمة الأمم المتحدة، يقول، كلايد برستوويتز، رئيس معهد التخطيط الاقتصادي في واشنطن :”.. إن أمريكا تتصرف بطريقة أن العالم يحتاجنا أكثر مما نحتاج نحن إليه.. ولذلك لم تتردد في تكريس “أحاديتها ” و” هيمنتها ” على العالم، من دون أن تكترث بالرأي العام العالمي الذي صدمته مواقفها إزاء قضايا، مثل الاحتباس الحراري أو اتفاقية كيوتو، أو المحكمة الجنائية الدولية”[46]. وفي هذا الصدد يعبر جون بولتون  أحد صقور البيت الأبيض، والممثل السابق للولايات المتحدة الأمريكية في الأمم المتحدة، عن موقف بلاده من المنظمة بقوله : ” لا توجد أمم متحدة ، وإنما يوجد مجتمع دولي تقوده الولايات المتحدة “.

   ولقد جاء قرار واشنطن بغزو العراق، من دون تفويض من مجلس الأمن يضفي الشرعية عليه، متزامنا مع الكثير من الانتقادات والتعليقات التي تستهدف إلغاء أية صلة لمجلس الأمن بهذا الشأن، وذهبت إلى حد تأكيد عدم انطباق أحكام القانون الدولي على الولايات المتحدة، بل إن بعضا من صقور المحافظين الجدد، مثل ريتشارد بيرل، ذهب أبعد من ذلك فرحب ب ” موت الأمم المتحدة “[47]. وفي الإطار ذاته يقول مايكل ليدين، أحد المحافظين الجدد: ” إننا إذا ما أرسلنا الأمم المتحدة إلى العراق … نكون نحن الخاسرين … تذكروا أن هذه حربنا دفعنا ثمنها بمالنا، وحاربنا بأسلحتنا ونشرنا فيها رجالنا بقدر ضئيل من العون من أصدقائنا”[48].

   ولقد شكل جموح الولايات المتحدة ولامبالاتها بالمنظمة الدولية وبحلفائها في هذه المرحلة تحديا حقيقيا لبقية القوى الكبرى، التي بذلت جهودا متواصلة للتقليل من ممارسات القوة العسكرية الأمريكية الأحادية الجانب، خاصة على صعيد مجلس الأمن الذي يواجه تهديدين متضادين: أولهما تهميش دور المجلس على الصعيد الجيو- استراتيجي.

وثانيهما وهو الأسوأ – في رأي البعض – إلحاقه كمؤسسة تابعة للإدارة الأمريكية [49]. وفي هذا الصدد يقول الدكتور هيثم مناع : “منذ أحداث 11 شتتبر، وضعت الإدارة الأمريكية مجلس الأمن أمام أحد خيارين، إما إقرار الخطوط العامة لسياستها، أو تجاوز وجوده. وبذلك نصبت نفسها بكل المعاني فوق هذا المجلس، في هدم منهجي للأسس التي قامت عليها الأمم المتحدة ” [50].

   إذن مما سبق يمكن القول إن البنية الدولية قد تغيرت بعد نهاية الحرب الباردة، وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من شتنبر بشكل صارخ، أقرب ما يكون إلى انقلاب في السياسة الدولية، وهذا أدى بدوره إلى تغير نوعي في السياسة الخارجية الأمريكية، أصبحت بمقتضاه الولايات المتحدة أكثر عداء للأمم المتحدة واستعدادا لاستخدام القوة في سياستها الخارجية، وأشد رغبة في العمل الأحادي الجانب (Unilatérale)، سواء وافقت منظمة الأمم المتحدة أم لم توافق، فمواجهة الأخطار التي تهدد الأمن الأمريكي أهم من موافقة هيئة الأمم المتحدة، أي أن البنية الدولية الحالية قد عززت من استخدام الولايات المتحدة للقوة العسكرية، وقللت إمكانية الاحتكام إلى قواعد وأسس القانون الدولي والشرعية الدولية.

            الفرع الثاني: خصائص النظام العالمي الجديد

بعد العام 1990 تغيرت الأدوار على مستوى الساحة الدولية، فاتفاقية تقسيم النفوذ -يالطا 1945- لم تعد سارية المفعول بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وظهر للعيان أن هناك لاعبا واحدا مؤثرا على صعيد صناعة الحدث على الصعيد الدولي، وهو الولايات المتحدة – والدول الغربية الدائرة في فلكها-.

وإن هذا الواقع ليس تخبطا في السير أو تشويشا في الرؤية، فالمنافس أو الخصم الشيوعي الند قد انسحب وانصرف لمداواة جروحه الداخلية، إذن هناك فوز للغرب الرأسمالي وخسارة للشرق الشيوعي، ما يعني أن الوضع السابق المحكوم بالفيتو سيتغير ويعني أيضا أن الغالب سيفرض شروطه في أي موقف أو حوار أو نزاع، فلا غرو والحالة هذه أن نعود للمبدأ القائل إن القوة تنشئ الحق وتحميه.

وبالإضافة إلى التحول في هيكل النظام الدولي لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، فقد عرف الواقع الدولي لما بعد الحرب الباردة، ظهور فاعلين جدد، كان لهم أثر في مجريات العلاقات الدولية، فقد برزت  أهمية التفاعلات الإقليمية بصورة واضحة، كما ظهرت العديد من التكتلات الاقتصادية الإقليمية في شتى أنحاء العالم والتي تستهدف وضع القواعد المنظمة للتفاعلات الاقتصادية بين مجموعة من الدول في نطاق إقليم معين وفي نطاق تجمع معين، وبعضها البعض، أو بينها وبين الدول الأخرى أو بينها وبين التكتلات الأخرى[51].

وعليه يمكن تبيان خصائص النظام العالمي الجديد على النحو التالي:

أولا: الأمن الجماعي

إن تطور النظام الدولي قد تجاوز من وجوه عدة مفهوم “الأمن الجماعي” كما عبر عنه الميثاق، فالميثاق ركز في الواقع، صراحة أو ضمنا، على مفهوم التهديد العسكري باعتباره مصدر الخطر الرئيسي والدليل أن الرد الذي سمح به ” الميثاق” حين خول مجلس الأمن صلاحيات وسلطات التعامل مع هذا التهديد للسلم، أو الإخلال به، أو وقوع العدوان، هو رد عقابي ومن طبيعة عسكرية في الأساس لأنه يشتمل على إمكانية استخدام القوة العسكرية لقمع العدوان أو ردعه…إن إحدى المفارقات الرئيسية في فلسفة الميثاق الحالي، وفي البنية التنظيمية الحالية للأمم المتحدة، منظورا إليها من وجهة نظر التحولات التي طرأت على النظام الدولي الراهن، تكمن في أن رؤيته الخاصة للسلم والأمن الدوليين قد انتهت إلى خلق سلطة (بوليس دولي) بينما التطورات العالمية الراهنة تدفع في اتجاه إيجاد سلطة لإدارة الموارد الدولية[52].

ثانيا:  فكرة السيادة

إن النظام العالمي الجديد لم يلغ فكرة السيادة التقليدية للدول والتي عرفها الفقه بأنها: السلطة العليا على المواطنين والرعايا، أو كما قيل سابقا بأن “سلطان الأمير لا يقيد بقيد”[53].هذا المفهوم عن السيادة ظل سائدا في البنية الدولية برغم دخول الدول عصر العولمة، حيث لم تستطع هذه الأخيرة أن تلغي دور الدولة أو سيادة الدولة، جل ما في الأمر أن العولمة أحدثت تعاونا ” وثيقا” بين الدول ارتباطا مع سياسة الدولة الأقوى (أمريكا). ولكن ذلك لم يمنع أية دولة من أن تدافع عن نفسها أو أن تنادي بسيادتها على إقليمها وشعبها حتى في ظل هيمنة القطب الواحد؛ وظلت فكرة السيادة متسلطة، ولو باجتزاء إن صح التعبير، فبعد أن كان مفهوم السيادة يعني أن الدولة مطلقة التصرف لا تتقيد بأي شيء إلا بإرادتها تلجأ متى أرادت إلى استخدام القوة لتأكيد سيادتها وإرادتها، أصبحت سيادة الدولة في العصر الحاضر مقيدة بقواعد القانون الدولي العام…[54].

أما داخل الدولة: تعد الدولة هي صاحبة الاختصاص العام وهي بذلك لا تخضع لسلطة أعلى، وفضلا عن ذلك فإن القانون الدولي يستطيع التدخل وفرض سلطته ورقابته على علاقات الدولة برعاياهاـ بقصد ضمان حد أدنى من الحقوق للفرد في مواجهة الدولةـ وهذا ما يؤكد أن الدولة ليست مطلقة التصرف في داخل إقليمها[55].

إذ نجد في مجال العلاقات الدولية، أن الدولة ليست مطلقة التصرف حيث تخضع للقانون الدولي العام، الذي يورد قيودا كثيرة على أعمالها ويحكم علاقاتها مع الدول الأخرى ومع الهيئات الدولية…

وعليه، فإن نظرية السيادة وإن كانت كما قيل لا تتفق مع التطور الحديث للقانون الدولي إلا أنها تمثل مرتكزا أساسيا ـ حتى الآن ـ لتبادل العلاقات في المجتمع الدولي ولو حتى في ظل النظام العالمي الجديد وهي مبنية على مظهرين داخلي (التصرف في شؤون الدولة الداخلية) وخارجي (استقلال الدولة بإدارة علاقاتها الخارجية بدون أن تخضع لأية سلطة عليا)، والأمر في ظل العولمة ما هو إلا مجرد “تعاون” مع الأقوى ـ لضرورات المرحلة ـ لا فقدان لكيان دولة أو سيادتها أو استقلالها.

ثالثا يمكن جمع عدة خصائص أخرى منها، الثورة التكنولوجية وخاصية اللاتجانس وتصاعد التوترات والصراعات، والميل نحو التكتلات الدولية الكبيرة…

خاتمة

   برز على الساحة الدولية مصطلح النظام الدولي الجديد ليعبر عن حقبة جديدة في العلاقات الدولية لها سماتها وخصائصها المميزة والتي بشر بها البعض على أنها نهاية التاريخ بينما يراها الأكثرية مجرد مرحلة من مراحل تطور العلاقات الدولية التي مرت عبر تاريخها بالعديد من الدورات والنظم وستأتي وتنتهي كغيرها ليحل محلها نظام دولي جديد ومرحلة لاحقة من مراحل العلاقات بين الدول. كما أن التحليل على مستوى النظام الدولي يركز على الصورة الكبرى للعلاقات الدولية، ويعتمد في إحدى  أساسياته على أن هيكل النظام يؤدي الدور الأهم في تحديد سلوك الدول تجاه بعضها البعض. وهنا يتم التركيز على الشكل العام للسياسة الخارجية للدول العظمى وليس على دقائق الأمور التي تعتمد دراسة الحالة.
   ختاما ومن خلال استعراض أهم مفاهيم وطبيعة وخصائص النظام الدولي الجديد في مرحلته المعاصرة يتبين أننا نعيش مرحلة جديدة تبدو فيها الولايات المتحدة بيدها خيوط التأثير الدولي إلا أنها في الوقت نفسه تؤمن بضرورة إفساح المجال للقوى الصاعدة إقتصاديا لا لتزاحمها في مجال الصدارة بل لاحتوائها وطيها في ركابها والأيام القادمة ربما تكشف عن ملامح مرحلة جديدة من النظام الدولي تشهد نوع من القطبية المتعددة ولكن من نوع مختلف.

ملخص

    إذا كان تعريف العلاقات الدولية بمجمل العلاقات ما بين الفاعلين الدوليين، فالنظام الدولي هو نمط التفاعل بين الفاعلين الدوليين في كافة المجالات، وتكمن أهمية هذا النظام كونه البيئة التي تتم فيها العلاقات الدولية، باعتبار أن الفاعلين الدوليين هم اصحاب القوة والنفوذ، و مع تغير اصحاب القوة يتغير شكل النظام، ومع انتهاء كل مواجهة بين دول كبرى تظهر تحولات رئيسية في توزيع القوة والقواعد التي تحكم التفاعلات الدولية، ويطيح هذا التوزيع الجديد بمؤسسات النظام الدولي القديم ليحل مكانه مؤسسات جديدة تبلور نظامها. وبناء على ذلك يمكن القول أن السلام العالمي يرتبط بمدى فعالية التنظيم الدولي وتأثيره من خلال مؤسساته المختلفة في مواجهة العدوان، وحل النزاعات بالوسائل والطرق السلمية، فالنظام الدولي سار في مراحل تطوره التاريخي بشكل متدرج من الفوضى إلى التنظيم وذلك من خلال دراسة هذه الظاهرة ووضع أسس جديدة لها، وترسخ ذلك من  الانتقال من الدائرة الضيقة في إطار الدولة إلى الدائرة الواسعة  في إطار المجتمع الدولي والذي بدوره اسهم بظهور النظام الدولي، فالنظام الدولي يقوم على قاعدة تعدد الدول في إطار مجتمع دولي متكون من عناصر مختلفة ومتناقضة، وهو يهدف إلى ترسيخ نوع متميز من العلاقات بين الدول وهذه العلاقات تهدف إلى التخفيف من النزاعات القائمة، وتطويق مظاهر الصراع، والعمل على إيجاد أسس قوية للتعاون الدولي المتبادل، يقوم على قاعدة المصلحة العامة للمجتمع الدولي وليس على أساس المصلحة المنفردة لإحدى مكوناته، ولعل الطريق لتحقيق ذلك يكمن في العمل الجماعي المستند إلى الوعي والإدراك الذي يهدف إلى تنظيم هذه العلاقات من خلال إحداث مؤسسات دولية حكومية أو غير حكومية، لها شخصية مستقلة ومعترف بها من قبل الدول، وتتعهد على نفسها تطبيق الأحكام والالتزامات الواردة في المواثيق التي توقع عليها.

    ومن هنا يمكن ان نعتبر الاتفاق بين الدول مقدمة لظهور النظام الدولي، وقوة هذا النظام تكمن في مدى تعاون الأطراف المشاركة فيه ومدى دعمها لأهداف وإنجازات هذا النظام، فالنظام الدولي هو نقيض لمظاهر الفوضى في المجتمع الدولي، ونقيض لظاهرة ضعف المسؤولية لدى الدول، والنظام الدولي هو ظاهرة راسخة، دائمة منظمة، هدفها تطويق مظاهر الصراع والنزاع وإنهاؤها، وخلق أرضية من التعاون والبناء، وإيجاد الطرق والوسائل التي تستطيع من خلالها أن تتعايش مع الدول ذات الأنظمة المختلفة في جو من العلاقات الجيدة.

   If the definition of international relations is the whole of relations between international actors, then the international system is the pattern of interaction between international actors in all fields, and the importance of this system is that it is the environment in which international relations take place, given that international actors are the holders of power and influence, And with the change of the owners of power, the form of the system changes, and with the end of every confrontation between major countries, major shifts appear in the distribution of power and the rules that govern international interactions. Accordingly, it can be said that world peace is related to the effectiveness of international organization and its influence through its various institutions in confronting aggression, and resolving conflicts by peaceful means and methods. to her, This has been established by moving from the narrow circle within the framework of the state to the broad circle within the international community, which in turn contributed to the emergence of the international system, for the international system is based on the basis of the multiplicity of states within the framework of an international community composed of different and contradictory elements, and it aims to establish a distinct type of relations between States and these relationships aim to mitigate existing conflicts, Enclosing the manifestations of conflict, and working to find strong foundations for mutual international cooperation, based on the general interest of the international community and not on the basis of the individual interest of one of its components, and perhaps the way to achieve this lies in collective action based on awareness and perception that aims to organize these relationships through the creation of institutions International governmental or non-governmental, with an independent personality and recognized by states, and undertakes to implement the provisions and obligations contained in the charters they sign. Hence, we can consider the agreement between states a prelude to the emergence of the international system, and the strength of this system lies in the extent of cooperation of the parties participating in it and the extent of their support for the goals and achievements of this system. A well-established, permanent and organized phenomenon whose goal is to encircle and end the manifestations of conflict and conflict, to create a ground of cooperation and construction, and to find ways and means through which it can coexist with states with different regimes in an atmosphere of good relations.
المراجع باللغة العربية
الكتب
المقالات

الرسائل والأطروحات

§          محمد الهزاط، النظام الدولي المعاصر بين قوة القانون وقانون القوة، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية فاس، شتنبر 1997.
الكتب باللغة الأجنبية
 
 
 
 
 

[1] د. ناظم عبد الواحد جاسور، تأثير الخلافات الأمريكية ـ الأوروبية على قضايا الأمة العربية حقبة ما بعد نهاية الحرب الباردة، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، يناير 2007، ص 196.

[2] Philipe BRAILARD  « Théorie des systèmes et relations internationales »ets Emile Broylant ,Bruxelles 1977.p50-51.

[3] BERTALANFFY Ludwing Von : « An outline of general system theory »British journal for the philosophy of science ;vol 1 ;1950 ;p 134-165.

[4] النسق هو “جمع من العناصر المتفاعلة” أو “عبارة عن كيان عام تترابط عناصره ومكوناته على نحو يجعله يتفاعل ويتبلور في النهاية بشكل متميز عن غيره” حسب إسماعيل صبري مقلد في كتابه “دور تحليلات النظم في التأصيل لنظرية العلاقات الدولية”كما اعتبره آخرون “جمع من العناصر ذات الاعتماد المتبادل فيما بينها بعلاقات معينة بحيث إذا حدث تغير ما في أي من هذه العلاقات، فإن بقية العلاقات تتغير وفقا لذلك، ومن ثم يتخذ الكل شكلا جديدا”كما عرفه محمد طه بدوي في كتابه “المنهج في علم السياسة”(كلية التجارة، جامعة الإسكندرية 1979، ص134)”هو كل بأجزاء متساندة ومتفاعلة فيما بينها على نحو يتحقق به انتظام ذلك الكل”.

[5]غير أن عيوبا تواجه هذا التيار باعتباره غير موضوعي الأمر الذي يحول دون استخدامه بالشكل الصحيح.وبناء عليه يمكن التمييز بين نوعين من الأنظمة:  

1 -الأنساق المحسوسة أو الطبيعية كجسم الإنسان والنظام الشمسي أي التي تشغل حيزا من الوجود المكاني والزماني أي أن لها وجود مستقل عن إرادة الغير.

 2 – الأنساق التجريدية والتي تستند إلى روابط الواقع،أي التي تم التوصل إلى صياغتها من خلال تجريد الواقع الملموس. ولذلك النسق كمفهوم هو تعبير عن نسق تجريدي أو نموذج للنسق. كما يوجد نوعين من الأنساق: مغلق لا يتفاعل مع بيئته، ومفتوح يتفاعل مع محيطه وبيئته.

[6]  اعتبر مفهوما نمطيا صرفا من حيث نشأته ودلالته، أي أنه يعكس “ما يجب أن تكون “عليه علاقات الدول من وجهة نظر واضعي هذا النظام وبالتالي  فهو بعيد عن أن يعتبر مفهوما علميا.

[7]  (order) وإن كان الحديث عنه سيكون عند الحديث عن النسق.

[8] Webster’s Ninth New Collegiate Dictionary(Merriam Webster Inc.Publishers.1990)p.830. « …The state of peace.freedom from confused or unruly behavior.and respect for law or proper authority »

[9] بالتوافق (Harmony)، أو بالترتيب النظامي (Methodical Arrangement)، بعامل وجود سلطة مستقرة (Established Authority)، وبعامل الالتزام ومراعاة القانون (Observance of the law)، ومن ثم تسير الأمور سيرا هادئا غير مضطرب وبصورة متعارف عليها (customary Mode)، أو وفقا لإجراءات وأعراف مستقرة (Established Procedures )، أي وفقا لسلوك نمطي موصوف ( . (Priscribed conduct

[10] هناك من الباحثين من قال بأن النظام الدولي العالمي، يعد الأداة الفعالة لحفظ السلم والأمن الدوليين وسيادة السلام محل الحرب، وهذا يحتاج بدوره إلى تفعيل قواعد القانون الدولي (التي يقصد بها عموما كل ما يشتمل عليه النظام القانوني من قواعد السلوك الاجتماعي الملزم للدول متى كانت هذه القاعدة عامة ومجردة أم خاصة بحالة بعينها دون الأخرى، أي سواء تعلقت بالمصالح العليا للجماعة الدولية التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها، أم أنها قواعد ارتضتها الدول فيما بينها ومن تم يجوز الاتفاق على ما يخالفها. كما عرفه أحمد شرف في كتابه “مسيرة النظام الدولي الجديد قبل وبعد حرب الخليج، طبعة يناير 1992، ص 22-23” بأنه مجموعة الحقائق الاقتصادية- الاجتماعية والجغرافية – السياسية، التي تحكم علاقات المجتمع الدولي بكل أشخاصه ومؤسساته، وبكل الأنساق القيمية والقانونية التي تعبر عن هذه الحقائق والتي تنظم علاقات الدول بعضها ببعض وعلاقات الدول بالمجتمع الدولي ككل، وعلاقة الدول والمجتمع الدولي بالطبيعة، وآليات التنفيذ لهذه العلاقات “كما يقول بأنه: في هذا المجال يتمايز النظام الدولي بمجمله عن أبنيته الفوقية التي تنفذه من قانون دولي وتنظيم دولي، كما أنه يتمايز عن القواعد التي تصوغ هذه الأبنية وهذه الآليات التي تنتج عنها. إن هذه القضية الأخيرة تمثل أكبر مجالات الخلط والتشويش على مفهوم النظام الدولي بحيث يخلط البعض بين النظام الدولي والاستقطاب الدولي، فيقولون هذا نظام دولي متعدد الأقطاب، وذاك نظام دولي ثنائي الأقطاب، وهذا نظام دولي أحادي القطب، ولا شك أن هذه الإشارات تمثل بعض الصور التقليدية التي بنت وخلقت آليات النظام الدولي في مراحله المتقدمة السابقة، ولكن من المؤكد أنها ليست هي النظام الدولي بذاته وليست شرطا حتميا له في المستقبل. ومن المعروف تاريخيا أن فكرة القطبية هي إفراز مرحلة التنافس الإمبراطوري، سواء التنافس الإمبراطوري لمراحل الإنتاج البسيط والتبادل البسيط، أو التنافس الإمبراطوري لمراحل الإنتاج السلعي الكبير والتبادل السلعي الواسع، ذلك أن المفهوم الإمبراطوري هو مفهوم تكريس التمايز بين الدول والأقاليم على أساس حيازة القوة، سواء القوة العسكرية المحضة لإمبراطوريات مراحل الإنتاج البسيط، أو مركب القوة العسكري – الاقتصادي لمراحل الإنتاج السلعي الكبير. إن هذا التمايز هو تعبير مرضي عن نزعة سيادية ويختلف عن التمييز الذي يستند على أساس المساواة، والذي يمتد فقط إلى التباينات العددية أو تباينات المساحة والرقعة…إلى غير ذلك من التباينات التي تعكس اختلافات مشروعة وواقعية تجسدها الظروف الدولية المعاصرة، ولكنها مختلفة من حيث طبيعتها عن هذه التمايزات ذات الطابع المكرس للنزعات السيادية الإمبراطورية ذات الطبيعة العدائية، والتي عرفت ووجدت في ظل ظروف دولية آذنت بالانتهاء والموت.. ) ووضعها موضع التطبيق الفعلي بوصفها القواعد الحاكمة للعلاقات الدولية والتي يستقي منها النظام الدولي العالمي مصادره وأحكامه، إلى جانب ذلك تلعب الظروف والأحداث الدولية دورا لا ينكر في تشكيل ملامح النظام العالمي. (د.محمد سامي عبد الحميد، أصول القانون الدولي العام، الجزء الثاني، القاعدة الدولية، الطبعة السادسة، الدار الجامعية بالإسكندرية، 1996م، الصفحات من 7 إلى 16 ).

[11] محمد طه بدوي،مدخل إلى علم العلاقات الدولية،المكتب المصري الحديث، الإسكندرية 1976،ص 246– 247.

[12] أبرز هذه العناصر هي : – أن تكون لها شخصية معنوية على المستوى الدولي تمكنها من ممارسة حقوقها والتزاماتها الدولية.

[13] قد تكون منظمات إقليمية ودولية، وشركات متعددة الجنسية ومنظمات ومؤسسات غير حكومية وصولا إلى الأفراد.بينما الرأي الثاني الذي يرى باقتصار عناصر النسق الدولي على الدول القومية فقط، يبررون ذلك باعتبارها الوحيدة القادرة في النهاية على اتخاذ القرارات، بينما المنظمات والشركات غير الحكومية هي قاصرة مهما عظم شأنها لعدة اعتبارات أهمها افتقادها للسيادة وعدم تمكنها من اتخاذ القرارات بصورة ذاتية دون الرجوع إلى المنفذين فيها.محمد طه بدوي،مرجع سابق،ص،274-275 .

[14] د.خليل حسين، النظام الدولي، المفاهيم والأسس..الثوابت والمتغيرات، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت لبنان، الطبعة الأولى 2013م، ص36- 37 .

[15] ميلود المهذبي، قراءة مغايرة لمصطلحات معاصرة، النظام العالمي الجديد والشرعية الدولية، المستقبل العربي، العدد 61، بيروت، 1992، ص 30 -31 .

[16] د. ثامر كامل محمد الخزرجي، العلاقات السياسية الدولية واستراتيجية إدارة الأزمات، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2005، ص 189.

[17] د. نايف يوسف حتي، التحولات في النظام العلمي والمناخ الفكري الجديد وانعكاسه على النظام الإقليمي العربي، مجلة المستقبل العربي العدد 165، نونبر 1992، ص 29.

[18] د. علي الدين هلال، النظام الدولي الجديد، مجلة عالم الفكر، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، المجلد 23، 1995، ص 10 ـ 11.

[19] د. بشار الجعفري، منظمة الأمم المتحدة والنظام الدولي الجديد، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، الطبعة الأولى1994، ص 7.

[20] ثمة إجماع غريب بين المثقفين والأكاديميين العرب على إنكار وجود النظام الدولي الجديد، بل إن بعضهم يميز بين ما يسمى بالنظام الدولي الجديد كنظام (System) والوضع الدولي الجديد كوضع متميز(Order)عما سبقه من أوضاع دولية فحسب. ومن هؤلاء الذين ينكرون البتة وجود نظام دولي جديد محمد حسنين هيكل، وعابد الجابري: أما الذين اعترفوا بوجوده فقد أنكروه كتفكير بالتمني وقالوا إنه منحاز ضد العرب والمسلمين ومن هؤلاء فهمي هويدي ونجاح واكيم وحسين فهمي وسعد كامل ومحمد عصفور…أما الأكاديميون، أمثال سعد الدين إبراهيم ووليد قزيحا ومحمد السيد سليم فقد وجدوا في النظام الدولي الجديد سلبيات لا حصر لها ضد المصالح العربية. أما الأكثر تشددا، فقد أعد سيف عبد الفتاح بجامعة القاهرة قائمة مطولة، تتعدى السبعين صفحة من الحجم المتوسط، لتحيزات النظام الدولي الجديد ضد العرب والمسلمين. للمزيد من التفاصيل، يراجع، د. عبد المنعم سعيد، من أجل فهم أفضل للنظام الدولي الجديد”جريدة الحياة” العدد11114 في 19 يوليوز 1993 م.

[21] محمد سيد أحمد، حول إشكالية النظام الدولي الجديد، السياسة الدولية، العدد 104، أبريل 1991م، السنة السابعة والعشرون، ص،25.

[22] محمد سيد أحمد، حول إشكالية النظام الدولي الجديد، السياسة الدولية،نفس المرجع السابق، ص 25.

[23] زين العابدين حمزاوي، أضواء على فكرة النظام العالمي الجديد وواقع العلاقات الدولية في ظله، نوافذ: مجلة ثقافية، السنة الثامنة، العدد الثامن والعشرون، يناير 2006، ص97. يراجع أيضا فاطمة برودي، محمد الداودي، عمليات حفظ السلام الأمم المتحدة وتحديات “النظام العالمي الجديد”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، جامعة الحسن الثاني ـ عين الشق ـ كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، الدار البيضاء، يناير 1997.محمد الهزاط، النظام الدولي المعاصر بين قوة القانون وقانون القوة، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية فاس، شتنبر 1997.

[24] د. عبد العزيز السعيد، د.شارلز ليرتشي الابن، دشالز ليرتشي الثالث، ترجمة نافع أيوب لبس، النظام العالمي الجديد الحاضر والمستقبل عبر مفاهيم السياسة الدولية في المنظور العالمي، منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999، ص437.

[25] مارسيل ميرل، أزمة الخليج والنظام العالمي الجديد، ترجمة حسن نافعة، القاهرة، دار سعاد الصباح، 1992م ،ص 75 وما بعدها.

[26] علي الدين هلال وجميل مطر، النظام الإقليمي العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1988م ص 160.

[27] حسن عنبري، الأمم المتحدة بعد مرور 50 سنة ودورها في إقرار الأمن الدولي، الأمم المتحدة وتكريس مبادئ النظام الدولي الجديد، مجلة القانون والاقتصاد، العدد 14، سنة 1997، ص 10.

[28] محمد سيد أحمد، حول إشكالية النظام الدولي الجديد، السياسة الدولية، العدد 104، أبريل 1991م، ص، 26-27.

[29]  صدام مريم الجميلي، الاتحاد الأوروبي ودوره في النظام العالمي الجديد، دار المنهل اللبناني، الطبعة الأولى2009، ص 155.

[30]  د.رجب عبد المنعم متولي، النظام العالمي الجديد بين الحداثة والتغيير، دراسة نظرية تطبيقية على الأحداث الدولية الجارية، الناشر / دار النهضة العربية، الطبعة الأولى 2003 – 2004 م، ص 181.

[31]  أحمد طه، التحولات السياسية في آسيا والنظام العالمي الجديد، السياسة الدولية، السنة 28، العدد 108 أبريل 1992 م، ص 242 -252.

[32] عبد الوهاب، التحديات الجديدة للأمن الجماعي وإشكالية إصلاح الأمم المتحدة، ورقة مقدمة إلى أعمال الندوة الدولية، كلية الحقوق، جامعة القاضي عياض، مراكش 1995م، منشورات كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية –مراكش، سلسلة الندوات والأيام الدراسية، العدد السابع 1997 م ص 41.

[33]  د .ناصر مسعد علي البسارة، حق الاعتراض ( الفيتو Veto)مطابع دائرة التوجيه المعنوي، الطبعة الأولى، 2011، ص194.

[34]  نازلي معوض أحمد، النظرة السوفيتية الجديدة للصراع والتوازن في العالم المعاصر، مجلة السياسة الدولية، عدد94، أكتوبر 1988م.

[35] د أحمد عبد الله أبو العلا، تطور دور مجلس الأمن، مجلس الأمن في عالم متغير، دار الجامعة الجديدة، 2008 ص 199.

[36]  عبد الله عبد الخالق،  النظام العالمي الجديد : الحقائق والأوهام، السياسة الدولية، السنة 32، عدد 124، أبريل  1996 م، ص 42.

[37]  حوار مع الدكتور عبد الله النفيسي، في برنامج “بلا حدود “، على قناة الجزيرة، بتاريخ 19/9/2002.

[38]  بهجت قرني، من النظام الدولي إلى النظام العالمي، مجلة السياسة الدولية، العدد الواحد والستون بعد المائة، يونيو 2005، ص 40 .

[39] المصدر السابق نفسه، ص 43.

[40] المصدر السابق نفسه.

[41]  د. علي الدين هلال، القوى البازغة، محاضرة ألقيت في المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر، طرابلس الغرب – ليبيا، يوم الثلاثاء، في 18/4/2006.

[42]   حوار مع الدكتور عبد الله النفيسي، في برنامج بلا حدود ، على قناة الجزيرة، بتاريخ 19/9/2002.

[43] العرب وتحديات النظام العالمي، مجموعة من الباحثين، سلسلة كتب المستقبل العربي (12)،مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، أكتوبر 1999، ص 263.

[44] مصطفى علوي، الأزمة العراقية كمنعطف في عسكرة أزمات العلاقات الدولية، في: كتاب، العدوان على العراق : خريطة أزمة …ومستقبل أمة، ص 55-56.

[45] كمال الهلباوي، السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، مركز الإعلام العربي، القاهرة، الطبعة الثانية 1998، ص 187.

[46]  د. سعيد اللاوندي، وفاة الأمم المتحدة، أزمة المنظمات الدولية في زمن الهيمنة الأمريكية، القاهرة، دار نهضة  مصر العربية، سنة 2004، ص 122.

[47] Richard Perle , « Thank God For the Death of the UN, »Guardian , 21/3/2003,  p.9 .                                    

[48]   افتتاحية العدد، “الأمم المتحدة : أم الولايات المتحدة ؟”،  المستقبل العربي، السنة 26، العدد 301، مارس 2004، ص 6.

[49]  ديفيد مالون، الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والعراق: تحديات متعددة للقانون الدولي، أبو ظبي؛ مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، سنة 2005، ص 21.

[50]  د. هيثم مناع ، ديكتاتورية مجلس الأمن ، القدس العربي، 15/8/2006 .                                                                            

[51] د. السيد أبو عطية، سياسات الأمن الدولي  في عالم متغير نحو مجتمع دولي آمن، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية 2013، ص 106.

[52] جميل مطر وعلي الدين هلال، الأمم المتحدة ضرورات الإصلاح بعد نصف قرن، الطبعة الأولى، مركز دراسات الوحدة العربية 1989مرجع سابق، ص 166ـ167.

[53] الفقيه الفرنسي جان بودان في مؤلفه المشهور الكتب الستة للجمهوريات 1976 وراجع أيضا، عصام العطية، القانون الدولي العام، الطبعة السادسة، مكتبة السنهوري، بغداد، ص 39.

[54] د مصطفى سلامة حسين، ازدواجية المعاملة في القانون الدولي العام، دار الجامعة الجديدة 2007، ص 19.

[55] للمزيد حول هذا الموضوع راجع: د.عثمان علي الرواندوزي، السيادة في ضوء القانون الدولي المعاصر، دار الكتب القانونية، مطابع شتات، سنة 2010، ص 231.

Exit mobile version