Site icon مجلة المنارة

الموارد البشرية بالإدارة العمومية المغربية : مظاهر الأزمة وسبل التجاوز

الموارد البشرية بالإدارة العمومية المغربية : مظاهر الأزمة وسبل التجاوز

                                                                     عبد الصمد القرمودي Abdessamaf EL KARMOUDI

                                                                             طالب باحث بمختبر الأبحاث السياسية والقانونية والاقتصادية

                                                                                  الكلية المتعددة التخصصات تازة

azami0603@gmail.com

مقدمة:

تعتبر الإدارة مرفقا عموميا هدفه الأساسي خدمة المواطنين، ويعتبر وجوده ضروريا لاستمرار قيام الدولة المدنية على أساس القانون والمؤسسات، فهو من جهة يضمن حقوق المواطنين والمواطنات، ومن جهة أخرى يكرس سيادة الدولة، إلا أن الذي يعاب على الإدارة المغربية  تردي مستوى خدماتها وتعقيد مساطرها مما أثر على مسار التنمية لعقود من الزمن، وأكدت على ذلك تقارير العديد من المنظمات الدولية، ومن ذلك صندوق النقد الدولي والبنك الدولي سنة 1995 اللذان أكدا على أن  مشكل التنمية بالمغرب هو مشكل إدارة، وهو ما سارت عليه جل الخطب الملكية المتعلقة بتدبير الشأن العام الوطني والمحلي. ومن ذلك خطاب جلالة الملك محمد السادس الذي أكد فيه على أن ”  من بين المشاكل التي تعيق تقدم المغرب، هو ضعف الإدارة العمومية، سواء من حيث الحكامة، أو مستوى النجاعة أو جودة الخدمات، التي تقدمها للمواطنين”[1].

إن أي إدارة في جوهرها هي عملية قيادية بالمقام الأول، وقدرة على التأثير في البشر الآخرين وحفزهم لإنجاز أهداف المؤسسة الإدارية، وأولوياتها والسعي الدائم لتطويرها، فالعمليات الإدارية لا تتطور ولا تتغير لوحدها، وإنما الموظفون هم الذين يعملون ويتعلمون، يغيرون ويتغيرون يطورون ويتطورون، لذا ينبغي التركيز على الإنسان باعتباره هو الأساس والمحرك للنمو والتطور والارتقاء، ومراعاة أن العصر الحالي عصر ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات، يتطلب القيادة الإدارية ضمن  إطار فكري حديث يراعي قدرة وقابلية القيادة للتطوير، وإعادة الصياغة بما ينسجم مع متطلبات العصر ومستجداته وتقنياته، حيث الاستغلال الأمثل للوقت والسرعة في أداء الخدمات، والجودة والفعالية في العمليات الإدارية، وهذا ما لا نجده  داخل الإدارة العمومية المغربية حيث سيادة بعض مظاهر الأزمة التي تعاني منها الموارد البشرية (المبحث الأول ) ونرى أنه للخروج من هذه الأزمة لابد من تفعيل العديد من المبادئ والاليات الكفيلة بتحسين أداء هاته الأخيرة (المبحث الثاني).

المبحث الأول : بعض مظاهر أزمة الموارد البشرية بالإدارة العمومية  

 إن العملية الإدارية لم تصبح اليوم مجرد تسيير للأعمال أو ممارسة للرئاسة، بل هي عملية قيادة بالدرجة الأولى، فالسلطة الإدارية قد ترغم العاملين في المؤسسة على الطاعة، ولكنها لا تلهمهم ولا تحفزهم  ولا تبعث فيهم الحماس والانتماء والإبداع والتفاني، ومن ثم فإن أي ضعف أو خلل من جانب العنصر البشري  سيؤدي لا محالة إلى تعميق الهوة بين المواطن والإدارة، كما أن تشخيص مواطن الخلل والإعاقة على مستوى الموارد البشرية هو في منطقه ومنتهاه تشخيص لكل اختلالات وظواهر تدني خدمات الإدارة[2]،  ومن الملاحظ أن هناك العديد من العوامل التي تحد من قدرة الموظف الإداري على استثمار وقته وتحول دون الاستفادة منه في جميع الإدارات، فالتردي غير المسبوق لمستوى الأعوان في الوظيفة العمومية هو مصدر الوضعية الحرجة التي تعرفها الإدارة اليوم بالإضافة إلى غياب إرادة سياسية حازمة وصارمة . ومن هنا تطفو إلى السطح إشكالية ضعف الكفاءات داخل الإدارات العمومية مما ينم عن غياب سياسة ناجعة للتوظيف(المطلب الأول ) و كذا ضعف التكوين الإداري (المطلب الثاني). 

المطلب الأول : أسلوب التوظيف

إن اسلوب التوظيف السائد بالمغرب ليس وليد اليوم، بل يجد جذوره في الواقع الذي كان سائدا في المغرب قبل وإبان عهد الحماية، والذي خلف أثرا عميقا على العلاقة بين الإدارة العمومية والمواطنين بعد الاستقلال وحتى الآن،  كما أن الاستعمار لم يمر دون أن يترك بصماته واضحة ليس فقط على مستوى تنظيم وكيفية سير عمل المؤسسات الإدارية، بل وأيضا على مستوى الروابط التي تجمعها بمحيطها الاجتماعي[3].                      

وما يؤكد ذلك أن السياسة الحكومية في ميدان التوظيف، كانت حاضرة في أجندة الحكومات الأولى بعد الاستقلال، وقبل ذلك في تصورات الملك، وخطبه الموجهة إلى الحكومة، حيث أكد على ضرورة الاهتمام بقطاع الوظيفة العمومية، ومحاولة إعادة النظر في تركيبة البنيات التنظيمية، والأجهزة الإدارية ومغربتها. وعليه، تمكنت الإدارة من استيعاب أكبر عدد ممكن من الطاقات البشرية، وبالتالي سد الفراغ الناتج عن مغادرة الموظفين الأجانب للإدارة من جهة، ومن جهة ثانية، يرجع ذلك  إلى تزايد وتنامي أعداد السكان التي فرضت على الدولة ضرورة التدخل في شتى الميادين لتلبية حاجياتهم[4].

إن إحداث البنيات الإدارية المغربية في بداية عهدها لم تحكمها شروط عقلانية وتدبيرية، بل كان الغرض منها هو نقل نموذج إداري من دولة ما، دون الأخذ بعين الاعتبار ضرورة ملاءمتها مع شروط وحاجيات المجتمع. وفي غالب الأحيان فإن الشخص الذي خلقت من أجله هذه  البنية الإدارية لا تنسجم مع القاعدة الأساسية: “الرجل المناسب في المكان المناسب”[5] .

وهذا ما يفسر تطور عمليات الانتقاء والتعيين في الوظيفة العمومية على مر العصور، هاته الأخيرة التي تعتبر العمود الفقري في سياسة إدارة شؤون الموظفين وهي من أهم العمليات الإدارية، لأن نجاح الإدارة في تنفيذ السياسة المرسومة لها، يتوقف إلى حد كبير على مدى حسن اختيارها للموظف الكفء، وتعيينه في الوظيفة التي تتلاءم ومؤهلاته وقدراته واستعداداته بحيث “يفكر كل عقل في ميدانه الطبيعي، وتعمل كل يد في حقلها المختص”[6]، وبالتالي يوضع الموظف المناسب في المكان المناسب، والتاريخ خير شاهد على أن سوء اختيار الموظفين أدى حتما إلى إفساد الإدارة.

فلقد كانت المناصب في الماضي ينظر إليها كأنها غنيمة أو سلعة يمكن أن تورث أو أن تشترى، وفي فترة لاحقة اصبحت الوظائف حكرا على فئات وطبقات معينة من المجتمع، ثم عرفت عمليات الانتقاء تطورا ملحوظا حيث أن الفئات الأكثر حضوة في المجتمع لانتماءاتها الأسرية والسياسية هي التي تتسلق السلم الوظيفي بسرعة هائلة بغض النظر عن مؤهلاتها وكفاءتها.[7].

وما يؤسف له أن هذه الطرق لا زالت  معروفة في وقتنا الحاضر في التعيين بجميع الوظائف داخل الدولة المغربية، في حين أن الغاية من عملية الاختيار هو التأكد من أهمية الشخص الذي سيختار لوظيفة معينة تم انتقاؤه على أسس موضوعية وهي توافر المؤهلات المطلوبة فيمن يشغل الوظيفة في ذلك الشخص.

وهكذا تبدو ضرورة إبعاد النفوذ السياسي والتدخلات والمحسوبية عن عملية اختيار الموظفين، واعتماد مبادئ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص أمام جميع المرشحين باعتبارها الأساس السليم الذي تقوم عليه الإدارة الناجحة واختيار الموظفين على أساس الجدارة والاستحقاق « Merit System » هو النظام المعمول به حاليا في الدول المتقدمة، ويعتمد هذا النظام أساسا لاختيار أكثر الموظفين قدرة وكفاءة، وقد أخذت الولايات المتحدة الأمريكية بهذا النظام منذ عام 1882 بعد أن مرت في حقبة زمنية طويلة ساد فيها نظام ” الغنائم للمنتصر” [8]« system de dépouilles/spoils system »  حيث كانت العوامل السياسية والعائلية والشخصية تلعب دورا هاما في اختيار الموظفين، وكانت الوظائف العامة في أغلب الأحيان تسند إلى الأفراد المنتمين إلى الحزب الحاكم أو إلى الأنصار أو الأصدقاء بحيث يستمر هؤلاء في وظائفهم طالما استمر ولاؤهم أو بقيت صداقتهم أو ارتباطهم به، أو إذا انهزم الحزب الحاكم في الانتخابات ، وتسلم حزب آخر مقاليد الحكم في الدولة ، فسرعان ما يصرف هؤلاء الموظفون، ويحل محلهم من ينتمي إلى الحزب الجديد، ذلك أن الغنائم تعود للمنتصر ، كما أسلفنا.

وقد أدى نظام الغنائم للمنتصر[9] إلى انتشار الفوضى في صفوف الموظفين، وإلى استشراء الرشوة والفساد في الإدارة الأمريكية، مما دفع رجالات الفكر ودعاة الإصلاح إلى المناداة بفصل السياسة عن الإدارة، فكان إنشاء مجلس الخدمة المدنية عام 1882، الذي اعتمد الاختبارات والكفاءات اساسا لاختيار الموظفين في الإدارة العامة الأمريكية[10].

أما الصين فقد سبقت غيرها من الدول في هذا المضمار، وطبقت مبدأ الامتحان في اختيار عمال الدولة منذ مئات السنين ، وأخذت به ألمانيا منذ أوائل القرن السابع عشر ، أما فرنسا فقد طبقت الامتحان في اختيار موظفيها في منتصف القرن التاسع عشر واعتمدت المباراة في التوظيف منذ إعلانها  ” وثيقة حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي” التي نصت على ما يلي: ” والقانون هو التعبير عن الإرادة العامة ، ولأن المواطنين متساوون في نظر القانون فهم سواسية في الوصول إلى المراكز والوظائف العامة، تبعا لإمكاناتهم ومن غير أي تفريق إلا فيما يميزهم من فضائل ومواهب”[11]

وفي المغرب فقد أصدر الراحل الحسن الثاني مجموعة من التوجيهات يوم 20 أبريل 1965 حول مختلف القطاعات ، وخص الإدارة بتوجيهات مباشرة قائلا :” كثر القيل والقال حول جهازنا الإداري الذي لصقت به اتهامات مسيئة إلى سمعته، وبالتالي إلى سمعة البلاد.

وإذا كان الواجب يفرض علينا أن نعترف بأن لهذه الاتهامات نصيبا من الصحة، فإن الإنصاف يفرض علينا من جهة أخرى أن لا نصم جهازنا الإداري كله بالضعف، وننسب إليه كل ما يتحدث به الناس من فساد. ونحن مصممون العزم على تتبع الداء واستئصال الفساد، وقد أحدثنا لهذا الغرض محكمة خاصة للعدل، للضرب على أيدي من تسول له نفسه التلاعب بأموال الدولة، وتعاطي الرشوة واستغلال النفوذ….

وبالإضافة إلى ما هو منصوص عليه في قانون الوظيفة العمومية من حقوق الموظف وواجباته، فقد وطدنا العزم على أن يسير جهازنا الإداري وفق المبادئ الآتية، ونتخذ التدابير المعروضة فيما يلي:

بعد ذلك مباشرة تم إصدار مرسوم متعلق بسن نظام عام للمباريات والامتحانات الخاصة بولوج أسلاك و درجات و مناصب الإدارات العمومية [13] الذي أكد على أن آلية المباراة هي السبيل الوحيد لولوج الوظيفة العمومية، على أن تكون مفتوحة لجميع المرشحين بدون استثناء.

كما تم إصدار مرسوم آخر سنة 2011 الذي حدد القواعد المشتركة التي تطبق على مباريات التوظيف في المناصب العمومية المنظمة من طرف الإدارات العمومية والجماعات الترابية ، بما يضمن الاستحقاق وتكافؤ الفرص بين جميع المترشحين لولوج نفس المنصب[14].

رغم كل هذا وإلى عهد قريب كانت ومازالت عملية الانتقاء تعاني من مشاكل عدة، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى انتهاج الدولة المغربية لسياسة التوظيف المباشر تضمن لمواطنيها خاصة من حملة الشهادات الجامعية التوظيف في الجهاز الإداري، وذلك كنوع من أنواع توزيع العائد من ريع الثروة الوطنية.

هذا الإجراء لاقى استحسانا من قبل المستفيدين وذويهم، إلا أنه على مستوى الواقع طرحت هذه المسألة مشاكل حقيقية أثرت بشكل ملموس على الجودة والكفاءة في العملية الإدارية، فكيف يعقل أن يعين خريج ماستر في الدراسات العربية بوزارة الاقتصاد والمالية، وما هذا إلا مثال على هاته التعيينات، فكم سيقضي هذا الموظف حتى يمتلك آليات الاشتغال بهاته الوزارة وهو ليس له لا في الرياضيات ولا في العلوم الإقتصادية، إنها بالفعل مضيعة للوقت وفي نفس الآن لمصالح المواطنين وإساءة لسمعة الإدارة.

إن أسلوب التوظيف ذو اهمية بالغة لارتباطه المباشر بالمورد البشري هذا الأخير إن لم تراعى فيه الكفاءة والمسؤولية، فإنه لاريب سيؤثر على الزمن الإداري  الذي يمثل ثروة ثمينة يجب استغلالها والاستثمار فيها، فتحقيق الإدارة لأهدافها المسطرة يتوقف على مدى نجاحها في انتقاء الكفاءات من الموارد البشرية المؤهلة والمشبعة بروح المسؤولية والشعور بالواجب الذي يحتم عليها استغلال الوقت أحسن استغلال وعدم تبذيره فيما لا يفيد، فلا يمكن للإدارة أن تؤدي مهامها بالشكل المطلوب إذا عجزت عن توفير الموارد البشرية المؤهلة لذلك، وهذا ما يجعلها ملزمة بتبني سياسة توظيف رشيدة قائمة على مبدأ الجدارة والاستحقاق في شغل المناصب الشاغرة ، لا  سيما إذا تعلق الأمر بالإدارات العمومية، التي تحمل على عاتقها مسؤولية تلبية حاجيات ورغبات المواطنين من جهة، ومسؤولية تحقيق أهداف الدولة وسياساتها التنموية من جهة أخرى، لذلك فإن النقص النوعي في الموارد البشرية اللازمة لأداء الإدارة لمهامها سيؤدي إلى تدني مستوى أدائها بسبب إسناد الوظائف إلى غير المتخصصين أو غير الأكفاء، وهذا ما نلمسه في الأجهزة الإدارية العمومية في الدول النامية بصفة عامة، والمغرب بصفة خاصة ، وذلك رغم الموارد المالية الكبيرة التي يتم إنفاقها على عمليتي الإستقطاب والاختيار، ويرجع ذلك إلى نقص وعي القائمين بهذه العملية بأهميتها وخطورتها خاصة بالنسبة للقطاع العمومي كونه يشغل النسبة الأعلى من الموارد البشرية المتوفرة في المجتمع.

المطلب الثاني  : ضعف التكوين الإداري

للتكوين دور فعال ضمن سياسات تدبير الموارد البشرية، ويعتبر أداة من أدوات التطوير الإداري اللازم لقيام الإدارة بأداء رسالتها المتمثلة في النهوض بمختلف مجالات التنمية، كما يعتبر من العوامل المؤثرة في حسن استثمار الزمن الإداري وبالتالي جودة التخطيط للموار البشرية، وتبرز الحاجة إلى التكوين في الدول النامية بشكل خاص بسبب انتشار الأمية وعدم تعميم التعليم مما يجعل الحاجة ماسة إلى اللجوء للتكوين بهدف تأهيل الموارد البشرية وجعلها قادرة على القيام بمهامها بفعالية [15]. وذلك لارتباط التكوين بمستوى الخدمة التي تقدمها الإدارة العمومية للمواطنين، لذا يضل التكوين من أكبر المشكلات التي تواجهها الإدارة العمومية، وفي هذا السياق قال الراحل الحسن الثاني : ” إن من أكبر المعضلات في الدول المتخلفة مشكل تكوين الأطر”[16].

إن ضعف التكوين الإداري في الإدارة العمومية المغربية، يتجلى في غياب المرجعية التاريخية، وروح الانعزالية التي اتسم بها الجهاز الإداري، حيث أن عملية التكوين كانت تتم بالابتعاد عن ما يشكل اهتمامها الرئيس أي وظائف الجهاز الإداري وعلاقته بالمجتمع الذي يعمل في إطاره، إن غياب الرابط النظري بين عملية التكوين الإداري، والتطور الذي عرفته الدولة المغربية قد أخضع هذا التكوين الإداري لفراغ ابستمولوجي تاريخي ونظري[17].

هذا ناهيك عن النقص في عدد المكونيين والخبراء المختصين في تأطير برامج التكوين وواقع الضعف في التأطير داخل الإدارة حيث تغيب استراتيجية واضحة لتكوين الرأسمال البشري الذي يبقى في منأى عن كل ما جد في عالم المعرفة، وبالتالي يبقى العنصر البشري غير قادر على التكيف مع المتغيرات التي تشهدها الإدارة الحديثة، فيفتقد بالتالي للقدرات والمهارات الثقافية والفنية التي تمكنه من المشاركة في وضع تصورات وحلول لمشاكل الإدارة للتلائم مع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، سواء الوطنية منها أو الجهوية أو المحلية.

كل هذه العراقيل تؤدي بلا شك إلى تعثر السير الإداري لمصالح المرتفقين ويمس حقوقهم المكتسبة والتطبيق الحسن للقانون[18].

لقد شهد العالم على مدى العقديين الماضيين حراكا كبيرا نحو التوجه إلى التفكير في ظاهرة الاستثمار المعرفي و تنمية الموارد البشرية عالية التأهيل قصد امتلاك رأس مال فكري، هذا لا يكون الا بالتكوين حيث يمكن الإدارة  من مواجهة التحديات كما يعد أحد أهم العمليات الجزئية لتنمية الموارد البشرية داخلها فقد أصبح هذا الأخير يعتبر موضوعا أساسيا من موضوعات الإدارة نظرا لما له من ارتباط مباشر بأهم العمليات الإدارية، وفي حال العكس أي انعدام التكوين أو محدوديته فإنها تؤثر على نجاعة الفعل الإداري المغربي وخصوصا في إطار علاقة هذا الأخير بالمرتفق، إذ غالبا ما يجد هذا الأخير نفسه أمام موظفين متحجرين اهم تمثل خاص للإدارة ولمفهوم المرفق العمومين تمثل لايمت بصلة لطبيعة الفعل الإداري ووظائفه الحيوية، ومن ثم وجب إعادة النظر في تمثل مفهوم “الشيء العام”، عبر تطعيم برامج التكوين بمجموعة من العلوم الاجتماعية والجغرافية والتاريخية حتى يمكن التنظيم الإداري من تحقيق عملية التواصل ، والابتعاد عن منطق القطيعة المطبوع بالتناقض الواضح بين السلوك الإداري من جهة، ومتطلبات المحيط الخارجي من جهة ثانية، منطق يغلب ردود الفعل السلطوية على حساب منطق الحوار والتشاور وحسن الاستقبال[19].

المبحث الثاني: تفعيل مبادئ حسن تدبير الموارد البشرية

إذا سلمنا بأن الموارد البشرية بالإدارة العمومية المغربية لا زالت تعاني من مشاكل جمة كما سلف الذكر، فإن إصلاح هاته الأخيرة يتطلب اتخاذ عدة الإجراءات والتي اقتصرنا على البعص منها والمتعلقة أساسا بدعم وتشجيع برامج التكوين (المطلب الأول) إضافة إلى إعادة النظر في أسلوب تقييم أداء الموظف (المطلب الثاني) ناهيك عن إرساء نظام فعال للتحفيز الإداري (المطلب الثالث).

المطلب الأول : ملحاحية مطلب التكوين

يزداد مطلب التكوين إلحاحية في الوقت الحالي نظرا للتطور التكنولوجي الهائل على جميع المستويات، مما يستلزم توفر الإدارة على موظفين ذوو قدرات ومؤهلات كبيرة لتدبير الوقت والزمن الإداري لمواكبة عصر المعلوميات والتقنيات الرقمية. فالموظف يعتبر أداة للقوة العامة ، مكلف بتسيير المرافق العمومية، فهو عون في خدمة المصلحة العامة والمواطنين، وحتى يستوعب هذا الدور عليه أن يكون مكونا وعلى إلمام بالنصوص وتطبيقاتها للتمكن من القيام بمهامه بفعالية، فكلما زاد تدخل الدولة دعت الضرورة للتكوين المتكامل للموظف[20].

      كما  يؤثر التكوين على كل مكونات أداء العامل من قدرة ودافعية وإدراك، فتؤثر

على قدرة الفرد على العمل لأنها تمكنه من[21]:

ونظرا لهذه الأوجه المتعددة لأهمية التكوين، فإنه لم يعد مجرد شأن وطني، بل إن منظمة الأمم المتحدة اعتبرته من أهم انشغالاتها نظرا لارتباطه بالتنمية ومساهمته في تحقيقها، وفي هذا المجال فقد قامت هذه الهيئة بالعديد من الدراسات وعقدت الكثير من المؤتمرات والندوات حول التكوين وسبل الاستفادة منه لتحقيق التنمية

وبالنسبة للإدارة العمومية شأنها في ذلك شأن باقي المنظمات الأخرى التي تتولى إنتاج السلع أو تقديم خدمات، يعتمد تحسين كفاءة الأداء على المقدرة المهنية والوظيفية لموظفيها وعلى مستوى تكوينهم وعلى قدرتهم على التأقلم مع ما تشهده وظائفهم من تطورات يفرضها عليها محيطها، ولاقتحام مجالات جديدة فإنه عليهم أن يكتسبوا مهارات أرقى وأفضل ، وعلى الإدارة وجوبا أيضا وأكثر مما هو الشأن بالنسبة لباقي المنظمات ان تمحور جهودها حول التكوين الأساسي لما يكتسيه من صبغة خاصة بالنسبة للمرفق العام المبني على مبدأ الإستمرارية في تقديم الخدمات للجمهور[22].

لقد أصبح التكوين في الإدارة العمومية المعاصرة، وسيلة ممتازة تهدف إلى عصرنة تسيير وتثمين الموارد البشرية ، وممرا من أجل تكييف المؤهلات مع التطورات والمهام والتحديات التي تواجه الوظيفة العمومية، وأصبح التكوين عاملا استراتيجيا يهدف إلى تجديد الوظيفة العمومية، وإلى تثمين كفاءة الموظفين والرفع من إنتاجيتهم والتغيير من سلوكهم وأدائهم.

فالغاية الأساسية للتدريب هي تشكيل و إعادة تشكيل طريقة الأداء لدى الموظفين والأعوان لسد الثغرة بين الأداء الفعلي و مستوى الأداء المرجو تحقيقه، و ذلك من خلال عملية تكوين يمر بها الموظف أو العون في مواقع التدريب. و يهدف التدريب الإداري إلى تزويد المتدربين بالمعلومات و المهارات والأساليب المختلفة المتجددة عن طبيعة أعمالهم الموكولة لهم وتحسين و تطوير قدراتهم و مهاراتهم و محاولة تغيير سلوكهم و اتجاهاتهم بشكل إيجابي، و بالتالي رفع مستوى الأداء و الكفاءة و المردودية لما يعود بالنفع على الإدارة وموظفيها.[23]

ومن هذا المنطلق، فإنه بات لزاما على الإدارة العمومية المغربية، أن تكتسب مصداقيتها وتبرز فعاليتها في مدى نجاعتها المتعلقة بتكوين الموظف تكوينا رصينا، يتماشى مع مهام الإدارة المتجددة والدائمة التعقد في آن واحد. إضافة إلى ذلك فإن الموظف العمومي الحديث، ليس ذلك الذي تنحصر مهامه في التصرف ” الجامد” للأموال والوسائل العمومية، بل ذلك الذي يستغل كل جزء بسيط من وقته، فليس للفراغ في حسابه نصيب، فيقوم بكل المهام بما فيها الرقابة في التسيير، والتسويق للنشاط العمومي وللسياسات العمومية، ناهيك عن دوره في القيادة والتنشيط والاتصال.

لذا فسياسة التكوين الإداري ، تقتضي التعاون الفعلي والوثيق بين الإدارات ومؤسسات التكوين من اجل توظيفها للمهارات والمعارف المكتسبة من طرف الموظف على المستوى الإداري العملي، ونذكر على سبيل المثال في هذا السياق غياب التنسيق بين البرامج الدراسية على مستوى الجامعات والمعاهد وبين الحاجيات الحقيقية للمنظمات التجارية المركزية أو المحلية، مما ينجم عنه عدم استفادة هذه المنظمات من المنتوج الجامعي ، واضطرارها إلى إعادة استكمال تكوين الطاقات المتخرجة من هذه المعاهد والجامعات وهو ما شكل مضيعة للوقت والمال.

إن الموظفين الذين يتلقون التكوين خلال مسيرتهم الإدارية، غالبا ما يقومون بذلك ، إما طمعا في تسوية وضعيتهم الإدارية، أو هربا من المسؤولية اليومية ، أو جزاء من المسؤول لخدماتهم، وتقربهم منه، وليس كمكمل أو كسبيل لتحسين نسق العمل والتنظيم بالإدارات[24] بهدف إحداث تغيير فكري وسلوكي لدى الموظف العمومي ، وجعله أكثر وعيا بأهمية الزمن الإداري قصد أداء مهامه بصفة دائمة، وبجودة عالية. 

المطلب الثاني : إعادة النظر في أسلوب تقييم أداء الموظف

إذا كانت فعالية المؤسسة مرتبطة أساسا بفعالية عمالها فهي ملزمة إذن بالاهتمام بالبعد البشري في تسييرها من خلال العمل على تحفيز هؤلاء العمال، ضمان الترقية المستمرة لكفاءاتهم، تنمية قدراتهم وبالتالي تثمين الموارد البشرية، وللوصول إلى تحسين فعالية العمال تستعين الإدارة بأدوات وتقنيات تسيير تُمَكِّنُها من تحقيق هذا الهدف، ولعل من هذه الأدوات أداة “التقييم” خاصة لما لها من علاقة وثيقة بتحديد إستراتيجية الموارد البشرية.

ويعرف تقييم الأداء على أنه: “عملية إدارية دورية هدفها قياس نقاط القوة والضعف في الجهود التي يبذلها الفرد والسلوكيات التي يمارسها في موقف معين و لتحقيق هدف محدد خططت له المؤسسة مسبقا “[25].

كما يعتبر تقييم الأداء عملية قاعدية أساسية في تسيير الموارد البشرية، فهو من جهة يسمح للإدارة بالتحكم في نفقات تسيير هذا المورد من خلال تحديد احتياجات العمال، مقابلة النتائج المحققة مع الأهداف المسطرة، تحديد الفارق بين الكفاءات الحالية والكفاءات المرغوبة، ومن جهة أخرى يتيح للعامل معرفة ما ينتظر منه مسؤوله السُّلَمي والإدارة بصفة عامة، وبالتالي تحديد هويته المهنية في المؤسسة ومن ثمة وضعه في المكان المناسب.

و يقصد بالأداء ” ذلك المستوى الذي يحققه الفرد عند قيامه بعمل ما، فهو يرتبط بتحقيق مستويات مختلفة للمهام المطلوب إنجازها، وعلى كل فإن الأداء يكون نتيجة امتزاج عدة عوامل كالجهد المبذول وإدراك الدور ومستوى القدرات التي يتمتع بها الفرد، كما أنه أي نشاط يؤدي إلى نتيجة وخاصة السلوك الذي يغير المحيط بأي شكل من الأشكال “[26] .

تلعب وظيفة تقييم أداء العمال دورا مهما في الرفع من درجة دافعية العمال للعمل، إذ أن نتائج التقييم موجهة أساسا لإحلال العدالة والمساواة بين العمال من حيث الأجور والمكافآت والترقية والمزايا المختلفة التي توفرها المؤسسة، فإحساس العامل بوجود وظيفة لتقييم الأداء تكشف الفروقات بين العمال وتنعكس نتائجها في الأجور وسبل الترقية التي توفرها المؤسسة من شأنه أن يحفز العامل ويبعث فيه الحماس للعمل، وفي هذا الإطار قال: TANY BLEIR » رئيس الوزراء البريطاني في خطابه سنة 1999  ليس في صالح أحد أن يتساوى أجر من يتفاوت أداؤه مع غيره، لأننا إذا فعلنا هذا فإننا نقتل النجاح ونغلق الباب أمام التطوير والتنمية “[27].

كما تؤثر وظيفة التقييم على الإدراك بحيث أنها تساهم في رفع درجة استيعاب العامل لدوره الوظيفي ومتطلبات منصبه، لأنها أداة للتقييم وفي نفس الوقت وسيلة للحوار والاتصال بين الرئيس ومرؤوسيه، فأغلب طرق التقييم تستند على المقابلة بين العامل والقائم بالتقييم، ما يفتح المجال أمام العامل للاستفادة من خبرات رئيسه وتعلم طرق وتقنيات عمل جديدة.

من جهة أخرى، قد تعتبر نتائج التقييم غير المرضية بالنسبة للعامل سببا في بذله لمجهودات إضافية تمكنه من إدراك كامل الجوانب المحيطة بمنصبه والبحث عن تعلم أساليب عمل جديدة تكون أكثر فاعلية وأقل مجهودا وضياعا للوقت.

ورغم الأهمية التي يكتسيها نظام التقييم ، فإن الإدارة المغربية عانت من غياب نظام لتقييم مواردها البشرية، الأمر الذي انعكس سلبا على طريقة ونمط تدبير هذه الموارد نتيجة لعدم توفق الإدارة في وضع مقاييس موضوعية وشفافة تمكن من الحكم على أداء الموظفين للمهام والمسؤوليات الملقاة على عاتقهم.

من المؤكد أن نظام التنقيط المعمول به إلى حدود سنة 2005 بالنظر للتطور الذي عرفته الإدارة، بات متجاوزا وقاصرا ، شكلا ومضمونا لاعتماده على عناصر ذاتية وغامضة لا تسمح بتقييم موضوعي لأداء الموظفين، مما حتم الإسراع بوضع نظام جديد للتنقيط والتقييم يمكن من تقدير النشاط المهني للموظفين لانطلاقا من النتائج المحصل عليها بالمقارنة مع الأهداف المسطرة مسبقا[28].

من هنا أصبح من الضروري وضع نظام خاص لتقييم أداء الموظفين وهذا ما استهدفه المرسوم المتعلق بتحديد مسطرة تنقيط وتقييم موظفي الإدارات العمومية[29].

لقد استهدف هذا المرسوم الصادر تطبيقا للفصلين 28 و34 من النظام الأساسي للوظيفة العمومية ، إعادة النظر في منظومة التنقيط الجاري بها العمل من خلال توسيع سلم التنقيط وعناصره، قصد السماح بالحكم على المؤهلات المهنية للموظفين ولأعمال المنجزة من طرفهم وأداءهم ، وذلك انطلاقا من معايير واضحة وموحدة، وبالتالي إضفاء أكبر قدر من الموضوعية والشفافية والمصداقية على عمليات تقدير الموظفين وتقييمهم.

كما توخى المرسوم إرساء نظام للتقييم يرتكز على آلية المقابلة كوسيلة محورية لتقدير أداء الموظفين تنبني على مبدأ تحقيق النتائج والتشاور والتواصل.

وهنا يثور إشكال يتعلق بمن سيقوم بهذا الإجراء ، فحسب الدليل أن من يقوم بهذا الإجراء هو الرئيس التسلسلي المباشر، مما يعني غياب الموضوعية أحيانا حيث لا يخفى واقع المحسوبية والرشوة والعلاقات التي تئن تحت وطئتها الإدارة المغربية، وهنا يمكن أن نجد موظفا يعمل بتفان وقدرة وكفاءة لا يجازى عما يقوم به، لمجرد أنه لا يروق المدير مثلا، ونجد في الجهة الأخرى العكس، وهذا يعوق بطبيعة الحال تطوير ورقي وازدهار المؤسسة الإدارية المعنية. لذا فمن الأولى تعيين لجنة من خارج الإدارة المعنية – مسلحة بأحدث النظريات في مجال الإدارة ولها من الخبرة ما يمكنها من تقدير مجهودات الموظفين وإبداعاتهم في العمل-   للقيام بعملية التقييم. أنذاك يمكن أن نضمن شيئا من الموضوعية في التقارير المقدمة ، وكذا النهوض بالمرفق المعني.

المطلب الثالث: إرساء نظام فعال للتحفيز الإداري

تستعمل الإدارة الحديثة العديد من الأساليب للدفع بالقوى البشرية إلى بذل المزيد من الجهد والعطاء، وهذه الأساليب تحتل مكانا بارزا وتلقى اهتماما بالغا لدى غالبية منظمات الأعمال، وإن امتلاك أي منظمة قاعدة من القوى البشرية المحفزة التي تعمل بكفاءة وفاعلية تنافسية، يساعدها في تحقيق أهدافها.

      فالتحفيز إذن هو عملية متعددة ومتنوعة العناصر تقوم بها الإدارة لإثارة رغبة الموظف في مضاعفة جهوده، وبذل طاقاته لأداء عمله في أقصى ما يمكنه من مستويات المردودية والإنتاجية [30].

والموظف العمومي المغربي الذي كان دائما يتصف بسمعة عدم الكفاءة والرغبة بالعمل، ويعكس انطباع سلبي لعامة الجمهور بأن الوظيفة العمومية هي موضع للراحة أو الروتين المتكرر، وعدم تقديم الأفضل في أدائه، ولكن حقيقة الأمر أن هناك من يعمل ويعطي أفضل ما لديه للإدارة التابع لها، حتى ولو لم يحصل على حوافز أو ترقيات. فما بالك بهذا الموظف الكفء لو حصل على تحفيزات، فلا محالة أنه سيؤدي خدمة أحسن جودة وأكثر فعالية. 

إلا أن الإشكال يكمن في غياب هذه الآلية داخل الإدارة المغربية  والذي  يؤثر سلبا على  العمل الإداري، فتشجيع الموظف وحفزه على الإنتاج يجب أن يحضى بالأولوية  بإعطاء السلوك الإنساني الاهتمام الكامل وإخضاعه للدراسة، وفق أسلوب علمي سليم،  يهدف التنبؤ بإفرازاته وردود فعله، واتخاذ على ضوء ذلك الإجراءات الكفيلة بجعله سلوكا إيجابيا، يتفق مع أهداف التنظيم البيروقراطي، حيث يجب توفير كل الشروط التي تمنح الموظف الاستقرار الوظيفي والاطمئنان على مستقبله المهني، وتضمن له الظروف المادية والمعنوية الملائمة ليحيى عيشة كريمة وشريفة تخلق لديه الارتياح والرضا والرغبة في العمل اكثر، وتفتح أمامه أبواب الخلق والابتكار[31].   

في المقابل في حالة غياب هذه الإجراءات والتحفيزات فإن ذلك يؤثر سلبا على الموظف العام في تأديته لوظيفته، وتحد من أداءه الوظيفي في الكثير من الدوائر الحكومية، تجد أن هناك ميوعة في الخدمة، أو عدم جاهزية لتقديم الأفضل بالوقت والكيفية التي تناسب المواطن، ولو نظرت إلى الكادر الوظيفي الحكومي ترى أن معظم الموظفين العموميين يسعدون دائما للترقيات، بل يكون همهم الشاغل كيف يحصل على الترقية مثل فلان أو كيف ينتقل إلى درجة وظيفية عليا دون الاهتمام بوظيفته التي يشغلها وتتطلب منه الوقت والجهد، بل يوجه جهوده وتفكيره بأمور تتعلق بالمنافسة على الترقيات دون اجتياز المعايير الموضوعية للترقية[32]

هذا فيما يتعلق بالموظف ذاته، أما فيما يتعلق بالإدارة المشغلة، أو الوزارة الوصية، فنجد أن هناك غياب تام للحوافز، هاته الحوافز تتعلق أساسا بنظام الأجور والمكافآت، ذلك ان الأجر أو المكافأة لكي يكون دافعا للتحفيز يجب أن تتوفر فيه مجموعة من الخصائص الضرورية أهمها الكفاية والعدالة[33].  فالأجر يعتبر حافزا فريدا لأنه قادر على إشباع كل من الحاجات الدنيا الفيسيولوجية، والحاجة إلى الأمن ، كما أنه يشبع أيضا الحاجات العليا مثل تحقيق الذات والاعتراف بالجهود المميزة والاحترام[34].

وإذا كان الأجر كذلك، فإن المكافأة لا تقل أهمية عنه فهي حافز مهم لكثير من المؤسسات وخاصة لكبار المتخصصين أو الفئات الإدارية فيها، وذلك بناء على الأداء العام للمؤسسة، ويقاس هذا الأداء بالأرباح عادة، أو بكميات الإنتاج والمبيعات، ويتدخل المستوى الإداري لتحديد نسبة المكافأة[35].

وفي هذا السياق يعاني موظفو الإدارات العمومية وخاصة الفئات المتوسطة من هزالة الأجور التي لم تعد تلبي حاجياتهم المعيشية ، الأمر الذي يعوق تطوير الموارد البشرية[36].  لأن لكل فرد عامل في أي إدارة حاجات متنوعة، وبأي قدر يمكن إشباعها، وحتى يتم تحفيز العاملين وتحسين دافعيتهم ينبغي تحليل هذه الحاجات وتحديد ما هي الحاجات الأهم بالنسبة للأفراد، ومن ثم العمل على إعداد وتصميم وتطوير نظام العوائد والمكافآت والزيادة في الأجور  بما يتوافق معها، لأنه كلما تحقق الإشباع إلا زاد الرضا المهني وتقوت أواصر الارتباط بين الموظف والإدارة التي تشغله، وكلما قل الإشباع إلا وفقدت الأجور أهميتها وفكر الموظف في الموارد الأخرى التي يمكن الحصول عليها ولو عن طريق الاقتراض[37].

إلا أنه رغم اعتباره أحد الحوافز المادية، فإنه نظرا لكونه مطبوعا بالنمطية وابتعاده إلى حد ما عن طبيعته التحفيزية، قد أصبح يثير مشاكل، تنعكس سلبا على سير الوظائف ، وأيضا بما يشمله من تباين صارخ من حيث المستحقات الشهرية، فالهوة الكبيرة بين الرواتب الممنوحة لوظائف المسؤولية ، نجدها تثير مشاكل حول المفهوم الحقيقي لمبدأ التسلسل داخل الإدارة بسبب عدم تقييم بعض مناصب المسؤولية[38].  وبسبب الفوارق المهولة في توزيعها بين الأطر العليا والأطر الدنيا، ففي المغرب يبلغ أعلى راتب 30 مرة أدنى راتب، بينما يبلغ في البلدان ذات الاقتصاد المشابه 13 مرة[39].

وتحتاج كل إدارة- قصد جعل الموظفين ينجذبون إلى المؤسسة ويتصرفون وفق مصالحها ويعون أهمية الزمن الإداري-  أن تراعي كل ما يتعلق بمنظومة الأجور سواء من حيث العدالة أو الكفاية، حيث يعتبر ذلك محركا أساسيا لأداء الفرد، ومؤثرا في سلوكهم، فإذا نجحت الإدارة في ذلك، تكون قد نجحت بدرجة كبيرة في تحقيق أهدافها بدرجة عالية من الكفاءة.

المراجع:

*- الكتب:

*- الأطروحات والرسائل

– الأطروحات :

– الرسائل :

*- القوانين   

– مرسوم ملكي رقم 67-401 بتاريخ 13 ربيع الأول 1387 (22 يونيه 1967) بسن نظام عام للمباريات والامتحانات الخاصة بولوج أسلاك و درجات و مناصب الإدارات العمومية (ج. ر. عدد 2852 بتاريخ 19 ربيع الأول 1387 – 28 يونيه 1967).

– مرسوم رقم 621-11-2 صادر في 28 من ذي الحجة 1432 (25 نوفمبر 2011) بتحديد شروط وكيفيات تنظيم مباريات التوظيف في المناصب العمومية. 

– مرسوم رقم  2.05.1367 بتاريخ 29 شوال 1426 (2 دجنبر2005) المتعلق بتحديد مسطرة تنقيط وتقييم موظفي الإدارات العمومية.

*- الخطب الملكية

– نص الخطاب السامي الذي وجهه جلالة الملك بمناسبة حلول الذكرى 18 لتربع جلالته على عرش أسلافه المنعمين بتاريخ 29 يوليوز 2017.

– خطاب الملك الحسن الثاني بتاريخ 20 أبريل 1965 موافق 17 ذي الحجة  1384.بمناسبة الحديثعن مشكلات التخلف والنمو التي تعرفها البلاد.

– خطاب الملك الراحل الحسن الثاني بمناسبة افتتاح المجلس الأعلى للإنعاش الوطني والتخطيط بتاريخ 17 يونيو 1975.

*- المقالات

– حميد قهوي : ” تدبير وتأهيل الموارد البشرية الإدارية : من الرغبة إلى القدرة”، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عد مزدوج 48-49 ، يناير – أبريل 2003.

– خالد الغازي : ” الفعل الإداري المغربي بين التدبير الضبطي ومتطلبات التنمية”، مجلة طنجيس للقانون والاقتصاد، العدد 4، 2004.

– المملكة المغربية، وزارة تحديث القطاعات العامة، دليل تقييم وتنقيط موظفي الإدارات العامة، شتنبر 2006.

*- المواقع الإلكترونية

– محمد بوكطب ، سياسة التوظيف بعد الاستقلال بالمغرب، مقال منشور على الموقع الإلكتروني  https://www.sabahachark.com/ تمت زيارة الموقع بتاريخ 25 غشت 2019.


[1] – نص الخطاب السامي الذي وجهه جلالة الملك بمناسبة حلول الذكرى 18 لتربع جلالته على عرش أسلافه المنعمين بتاريخ 29 يوليوز 2017.

[2]– حميد قهوي : ” تدبير وتأهيل الموارد البشرية الإدارية : من الرغبة إلى القدرة”، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عد مزدوج 48-49 ، يناير – أبريل 2003، ص 11.

[3] – عزيز ادريس : ” إشكالية الشفافية داخل الإدارة العمومية المغربية” ، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية الرباط، السنة الجامعية 1996-197م، ص 28.

[4] – محمد بوكطب ، سياسة التوظيف بعد الاستقلال بالمغرب، مقال منشور على الموقع الإلكتروني  https://www.sabahachark.com/ تمت زيارة الموقع بتاريخ 25 غشت 2019.

[5] – بناصر حميدوش ، الإصلاح الإداري في الخطب والرسائل الملكية ، يوليوز 1999 – دجنبر 2006 ، مقاربة تحليلية، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة، أكدال الرباط، السنة الجامعية 2006-2007، ص88.

[6] – فوزي حبيش، الوظيفة العامة وإدارة شؤون الموظفين، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، بيروت لبنان 1991، ص 93.

[7] – محمد حسن محمد النعيمي، السلوك البشري ودوره في الإصلاح الإداري، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، الرباط ، 2001.ص 365.

[8] – فوزي حبيش، الوظيفة العامة وإدارة شؤون الموظفين، مرجع سابق، ص 94

[9] – نظام الغنائم (المعروف أيضًا باسم نظام المحسوبية ) هو ممارسة يمنح فيها أي حزب سياسي ، بعد فوزه في الانتخابات ، وظائف الخدمة المدنية الحكومية لمؤيديه وأصدقائه وأقاربه كمكافأة للعمل على تحقيق النصر وكحافز لمواصلة العمل للحزب – على عكس نظام الجدارة ، حيث يتم منح المكاتب على أساس قدر من الجدارة ، بغض النظر عن النشاط السياسي.

[10] – فوزي حبيش، الوظيفة العامة وإدارة شؤون الموظفين، مرجع سابق ، ص94.

[11] – المادة السادسة من  ” وثيقة حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي”  الصادرة سنة 1789.

[12] – خطاب الملك الحسن الثاني بتاريخ 20 أبريل 1965 موافق 17 ذي الحجة  1384.بمناسبة الحديثعن مشكلات التخلف والنمو التي تعرفها البلاد.

[13] – مرسوم ملكي رقم 67-401 بتاريخ 13 ربيع الأول 1387 (22 يونيه 1967) بسن نظام عام للمباريات والامتحانات الخاصة بولوج أسلاك و درجات و مناصب الإدارات العمومية (ج. ر. عدد 2852 بتاريخ 19 ربيع الأول 1387 – 28 يونيه 1967).

[14] – مرسوم رقم 621-11-2 صادر في 28 من ذي الحجة 1432 (25 نوفمبر 2011) بتحديد شروط وكيفيات تنظيم مباريات التوظيف في المناصب العمومية. 

[15] – محمد بن التهامي : الوظيفة العمومية المغربية بين وحدة الدور والهدف وتعدد الأنظمة، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه ، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ، أكدال، سنة 2000، ص 7.

[16] – خطاب الملك الراحل الحسن الثاني بمناسبة افتتاح المجلس الأعلى للإنعاش الوطني والتخطيط بتاريخ 17 يونيو 1975.

[17] – خالد الغازي : ” الفعل الإداري المغربي بين التدبير الضبطي ومتطلبات التنمية”، مجلة طنجيس للقانون والاقتصاد، العدد 4، 2004، ص 112.

[18] – خالد الغازي : ” الفكر الإداري الحسني “، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، أكدال ، الرباط، السنة الجامعية ، 1997-1998، ص 37.

[19] – خالد الغازي : ” الفعل الإداري المغربي بين التدبير الضبطي ومتطلبات التنمية”، مرجع سابق، ص 112.

[20] – عبد الحكيم البوشعيبي، مكانة الإدارة في النظام السياسي المغربي ، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون العام، ، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ، طنجة، 2015-2016، ص 232.

[21] – صلاح الدين عبد الباقي، الاتجاهات الحديثة في إدارة الموارد البشرية، دار الجامعة ، مصر، 2002، ص 208.

[22] – –       عبد القادر البوفي : ” تكنولوجيا المعلوميات وتأثيرها على العنصر البشري، الإدارة العمومية المغربية نموذجا “، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام ، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ، أكدال ، الرباط 2002-2003. ص 219.

[23] محمد باهي: تدبير الموارد البشرية بالإدارات العمومية، الطبعة الأولى 2002، بدون مطبعة، ص: 117.

[24] – حميد أبولاس: ” تدبير الموارد البشرية، نموذج الإدارة الجماعية”، مطبعة دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، ، 2011، ص 232.

[25] – أرثيل بيل: إدارة الأفراد، ترجمة: خالد العامري وآخرون، دار الفاروق، القاهرة، مصر،الطبعة الأولى، 2001 ، ص 177

[26] – مصطفى عشوي، أسس علم النفس الصناعي التنظيمي، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1982 ، ص 244.

[27] – بوب هافارد، كيف تقيم أداء موظفيك؟، دار الفاروق، مصر، 2001 ، ص 51

[28] – المملكة المغربية، وزارة تحديث القطاعات العامة، دليل تقييم وتنقيط موظفي الإدارات العامة، شتنبر 2006، ص 3.

[29] – مرسوم رقم  2.05.1367 بتاريخ 29 شوال 1426 (2 دجنبر2005) المتعلق بتحديد مسطرة تنقيط وتقييم موظفي الإدارات العمومية.

[30] – عبد الحق عقلة، ” مدخل لدراسة القانون الإداري وعلم الإدارة”، الجزء الأول، القانون الإداري ، 1998، ص 78.

[31] – نفس المرجع ، ص 74.

[32] – علاء محمد أحمد الغماري، عملية التحفيز وعلاقتها بالعدالة التنظيمية والالتزام التنظيمي ، دراسة مقارنة، المدرسة العليا للتجارة، قسم إدارة الأعمال، جامعة منوبة ، تونس، ص 79.

[33] – الضاوية نعيمي: التحفيز في الوظيفة العمومية المغربية، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا، جامعة محمد الأول، كلية العلو القانونية والاقتصادية والاجتماعية ،وجدة ، السنة الجامعية 2008-2009 ، ص 127.

[34] – ياسر أحمد عربيات، المفاهيم الإدارية الحديثة، دار يافا العلمية للنشر والتوزيع، ط1، عمان، 2008، ص 316.

[35] – أحمد ماهر، إدارة الموارد البشرية، الدار الجامعية للطبع والنشر والتوزيع، بدون طبعة، مصر ، 2004، ص 251.

[36] – عبد الحكيم البوشعيبي، مرجع سابق ، ص 240.

[37] – حسين العمراني، إدارة التعليم العالي والبحث العلمي بالمغرب، ضرورة تقوية القدرات التنظيمية، 1996-1997، ، ص 138.

[38] – محمد حركات، التدبير الإستراتيجي والمنافسة، مطبعة فضالة، المحمدية ، طبعة 197، ص 51.

[39] – بوشعيب الإدريسي، عبد العزيز خليفة، التحفيز الوظيفي في الإدارة العمومية المغربية، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ، أكدال ، السنة الجامعية 1997-1998  ص 56.

Exit mobile version